Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 19
«لستَ حقًّا عازماً على إشعال النار في نفسك، أليس كذلك؟» سألت ويكووكِت وهم يغادرون، رافعةً بصرها إلى آل بريبةً، وحقيبتُه قد صارت تُصلصِل الآن صليلاً خفيفاً.
«لا، لا، لا أظنّ ذلك سيكون تكتيكاً مفيداً حقاً، لكنّ النار الخيميائية ستنفع لا محالة في موضعٍ ما. ولا يسعني إلا أن أظنّ أن زيت الوقاية من الحريق سيكون مفيداً هو الآخر في مرحلةٍ ما. ثمّة صِيَغٌ كثيرةٌ لصنع النار الخيميائية، لكنّي لم أسمع قطُّ بزيت الوقاية من الحريق من قبل.»
«أرجو أن يكون مفيداً، لقد فاجأني شراؤك هذا القدرَ الكبير منه. وبالمناسبة، لن أشرب جُرعة السُّمّية وأُقدّم نفسي طعاماً للوحش، أنا الأخرى.»
«لم أكن لأطلب ذلك من أحد! نحن فقط لا ندري متى سنمرّ من هنا ثانيةً أو متى سنعثر على خيميائيٍّ بارعٍ آخر. فالأفضل أن نتزوّد بكلّ ما قد ينفع ما دمنا قادرين.»
«أظنّ السبب أن غيرهارت تملّقك.»
«إنما كان يُقدّر طبيعتي العمليّة!»
«هذا صحيح،» وافق بوته، «ثقافتنا لا تنغمس في التملّق.»
«حسناً، أظنّ الأمر سيكون مُسلّياً على أيّ حال،» أقرّت ويكووكِت. فقد أُعطِيت كيساً من خرزات الشمع «التوضيحيّة» وقارورةً صغيرةً من زيت منزوع الفلوجستون لتُسلّي بها نفسها.
رفع آل بصره إلى السماء المُعتِمة. وفي مكانٍ ما خلف الغيوم المتجمّعة والنسائم الباردة، كانت الشمس تنحدر نحو الأفق. تنهّد.
«حسناً، أظنّ هذا كلَّ ما سننجزه من استعداداتٍ هنا قبل أن يلزمنا الرحيل غداً، ما لم يكن أحدٌ بحاجةٍ إلى شيءٍ آخر. بوته، أثمّة ما أردتَ أن تسعى إلى إنجازه؟»
«الراحة. كلُّ شيءٍ على ما يُرام. أعتقد أننا سنودّ أن نكون وافري الراحة قبل المِحَن التي تنتظرنا غداً.»
وليست هذه أوّل مرّةٍ منذ أن بدؤوا السفر معاً يتساءل فيها آل: أيشير بوته إلى نذيرٍ لم يُفصِح عنه، أم إلى مجرّد فطنةٍ عاديّة؟ وأيّاً كان الأمر، فقد كانت نصيحةً سديدة.
«بالتأكيد. وأنت يا غرَنتِل؟»
«طعام. أُحبّ الطعام.»
«يبدو إذن أننا انتهينا لهذا اليوم. لنعُد إلى النُّزُل.»
كانت المصابيح خارج باب الخنزير المُخلَّل مُضاءة، وأوحت الجَلَبة المنبعثة من الداخل بأن المكان قد ازدحم كثيراً منذ زيارة الرفقة له في وقتٍ سابقٍ من النهار. دفع آل الباب فرأى الناس متحلّقين حول كلّ طاولة ومحتشدين عند المِشرَب، أكثرُهم في أحاديثَ حيويّة. حتى الطاولة في الرُّكن المُظلم كان حولها نفرٌ يثرثرون، على مضضٍ ظاهرٍ من الشخص المُقنَّع الجالس هناك هذه الليلة، الذي كان يبتغي بجلاءٍ أن يجترّ همومه في هدوء، دون إزعاجٍ ووحيداً.
تجمّد آل حين خبت الأحاديث كلُّها وأدار كلُّ من في الغرفة تقريباً وجهه لينظر إليه. لم يدُم ذلك إلا لحظة. وإذ لم يروا فيما يبدو ما كانوا ينتظرونه، عاد الزبائن جميعاً يستأنفون أحاديثهم بينما دخل بوته وويكووكِت خلفه.
ثم ماتت الأحاديث كلُّها من جديد والتفت الجميع يُحدّقون حين دخل غرَنتِل في إثرهم، مُطأطئاً رأسه قليلاً لئلّا يصطدم به وهو يعبر الباب. وبينما ظلّوا يُحدّقون، استطاع آل أن يلتقط شذراتٍ من الأحاديث المتحمّسة الخافتة التي عادت تنبعث.
«...قلتُ لك إنه كان هنا اليوم!...»
«...الأسنان! ما كنتُ لأودّ أن أُضطرّ إلى قتال واحدٍ منها...»
«...كبيرٌ إلى حدٍّ ما لكنّي ظننتُه سيكون أكبر...»
«...كان عمّي في الحرس الأهليّ، قاتل بعضاً منها في...»
«...لا يمكن أن يكون واحداً فحسب، لا يوجد أبداً غُنولٌ واحد فقط...»
«...ظننتُك تُخادع أيها النذل! حسناً، تربح هذا الرهان لكن...»
كان من المستحيل تتبّع أيّ حديثٍ بمفرده، لكنها مجتمعةً بدت في معظمها فضولاً وحذراً.
نظر آل نحو المِشرَب المزدحم. رآه صاحبُ الحانة يُحدّق، ويداه ملأى بأقداح الجِعة، فأمال رأسه إشارةً إلى أن على آل أن يقترب. وإذ دنا من المِشرَب، تبعته بقيّة الرفقة. تنحّى معظمُ من عند المِشرَب جانباً قليلاً، يرقبون غرَنتِل بحذر. ووبّخ الآخرين رجلٌ ضخمٌ أمامه عدّةُ أقداحٍ فارغة.
«ما أنتم إلا حفنةُ أطفال. لا يبدو بذلك الحجم.» التفت نحو غرَنتِل، مُستنداً إلى المِشرَب ليحفظ توازنه. «أراهن أن بوسعي أن أطرحه أرضاً في... أطرحه...»
استغرق الأمرُ محاولتين أو ثلاثاً، لكنه تمكّن أخيراً من تصويب قبضته بدقّةٍ نحو يده الأخرى ليُبيّن قصده. فنال على الفور كاملَ انتباه غرَنتِل، الذي انحدر سريعاً إلى وضعِ قُرفصاءٍ، رافعاً قبضتيه. تسمّرت عينا الرجل على الابتسامة المجنونة المليئة بالأسنان المُسنّنة. «أنا... آه...»
«اضربني!» زمجر غرَنتِل بلهفة. سمع آل صيحةً منزعجةً من منتصف الحانة. ألقى نظرةً خاطفةً في ذلك الاتجاه فرأى أحدهم يُناول قطعةَ نقدٍ إلى زميلٍ آخرَ يبتسم شامتاً عند الطاولة ذاتها.
«...قلتَ لي إنهم لا يستطيعون الكلام!...» بدا خاسرُ الرهان يتذمّر. وفي مكانٍ آخر، نشأ جدالٌ هادئٌ حول ما إذا كان هذا سينتهي بالقبضات أم بالأنياب والمخالب.
تراجع الرجلُ عند المِشرَب مُتعثّراً. «أجل، لكن... الظلامُ يُقبِل... عليّ أن أغسل الدجاج...» استدار وترنّح مسرعاً بعيداً وخرج من الباب.
تصاعد من حَلْق غرَنتِل صوتٌ محبَطٌ، هجينٌ بين الأنين والزمجرة. راح يقبض قبضتيه ويبسطهما مراراً.
«مهلاً، أنت بارعٌ في هذا، لقد فُزتَ سلفاً!» حاول آل أن يطمئنه.
«لا بدّ من شراء المشروبات،» تذمّر غرَنتِل، باسطاً قبضتيه للمرّة الأخيرة وناهضاً ببطءٍ من جديد.
«حسناً، آه، بما أنّي... أنا من يُدير المال، آه، فقد أعطاني المكسبَ لأدفع ثمن الشراب. لقد أخذ نصيبه سلفاً، و، كما تعلم، كان عليه أن يذهب لِـ... غسلِ... دجاجه.»
أطلق غرَنتِل زفرةً منزعجةً ردّاً، لكنه بدا أن قَبِل بذلك.
«سأتولّى الأمر،» قال صاحبُ الحانة، مُوزّعاً ما تبقّى من الجِعة في يده. ثم أخرج قدحاً فارغاً وملأه إلى نصفه بنبيذٍ أرجوانيٍّ داكنٍ من صُنبورٍ في ثاني أكبر برميلٍ خلف المِشرَب. ناوله للغُنول، الذي غمغم بما هو امتنانٌ على الأرجح وهو يتناوله.
«كم...؟» بدأ آل يسأل، لكنّ صاحبَ الحانة اكتفى بهزّ رأسه نافياً.
«مدفوعٌ ثمنُه،» قال، مُشيراً بإبهامه نحو موضع الرجل الضخم المهجور الآن عند المِشرَب، وغامزاً. «إنه بصراحةٍ ليس بتلك الجودة، لكنه رخيص. وبطبيعة الحال، أتوقّع أنكم ستريدون شراء طعامٍ وشرابٍ لأنفسكم. وأتخيّل أنكم تأملون كذلك أن يبقى ثمّة غرفةٌ للنوم هنا، رغم الزحام.»
لعن آل نفسه في صمتٍ لأنه لم يتذكّر أن يُرتّب ذلك حين كانوا هناك في وقتٍ سابق. «نعم، آه... هل ثمّة غرفة؟»
«العصيدة والجِعة الخفيفة وغرفةٌ للنوم ستكلّف كلاًّ منكم مثلما كلّفت قبل يومين، لكنّكم هذه المرّة ستُضطرّون إلى تقاسُم الغرفة الأخيرة، التي لم تتوفّر إلا لأنّي كنتُ أحتفظ بها لكم.»
«أوه، شكراً لك، هذا كرمٌ بالغ،» قال آل، لكنّ صاحبَ الحانة قهقه.
«لا تُبالغ في الامتنان، فالأمرُ مسألةُ جشعٍ في الحقيقة. كما قلتُ من قبل، كان أهلُ القصر يصطحبونه في الزيارة بين الحين والآخر، فسمع بغرَنتِل كلُّ من في البلدة تقريباً. غير أنهم لم يمكثوا طويلاً قطُّ، فلم يره إلا بعضُ أهل البلدة، ولم يره من قربٍ إلا قِلّةٌ قليلة. وحين شاع أنه قد يُقيم هنا، بدأ كثيرٌ من الفضوليّين يتوافدون ويشترون كثيراً من المشروبات وهم ينتظرون. وإن بِتُّم الليلةَ جميعاً، فمن المُرجّح أن تعود جماعةٌ في الصباح لتُلقي نظرةً أخرى، أو تحسم بعض الرهانات.»
«أوه. حسناً، على أيّ حال، شكراً.»
«أتعلم، إن كنتَ رجلاً مُقامراً فقد تستطيع أن تُشارك فيها. ثمّة من يجمع الرهانات على ما إذا كان غرَنتِل سيرتدّ إلى طبيعته الوحشيّة في الليل، فيحاول أن يقتلكم جميعاً ويلتهم جثثكم. وسيسرّك أن تعلم أن احتمالات وقوع ذلك قد هبطت إلى نحو خمسةٍ إلى واحدٍ ضدّه، حسب آخر ما سمعت.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion