Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 1
١. وداعًا يا صديقي، وداعًا
«لو أنّك تُفكّر قبل أن تتصرّف، يا مور إلدال.»
رفعتُ نظري بضيق. كنتُ قد تسلّقتُ شجرةً لأرى عن قربٍ طائرًا جميلًا زاهيَ الألوان، وإذ حسبتُ نفسي متسلّقًا بارعًا، اندفعتُ مسرعًا أكثر من اللازم، فزلَّت قدمي وسقطتُ. ولخيبتي الكبيرة، طار الطائر الكبير في تلك اللحظة بالذات، فاهتزّ الغصن، وانهمر على رأسي وابلٌ من الثلج.
أطلق معلّمي ضحكةً جافّة.
«عجيبٌ أمرُك، كم يمكنك أن تكون عنيدًا يا فتى. الطيور كالسناجب: يمكنك أن تنظر إليها، لكن من بعيد. هيّا، انهض وعُد إلى البيت. ستتجمّد هنا في النهاية.»
لكن ليس هو، فكّرتُ. كان معلّمي ناكروس، ساحرًا من الموتى الأحياء. لم يكن يشعر بالبرد أبدًا.
نهضتُ، وبيده العظمية عبث بشعري المبلَّل بالثلج. قال بنبرةٍ خفيفة:
«أتدري يا مور إلدال؟ أحيانًا أتساءل بحقّ الجحيم ماذا تفعل هنا، مع هذا الهيكل العظميّ العجوز النكِد، بدلًا من أن تمضي لتجد بني جنسك. هل سبق أن قلتُ لك هذا؟»
قلّبتُ عينيّ.
«حسنًا، لا أدري… نحو ألف مرّة، إلَسّار*؟»
«آه! كلّ هذا العدد، إذن؟ وبمَ تُجيب؟»
«بأنّني لا أريد أن أذهب،» أجبتُ كأنّها لازمةٌ أُردّدها.
«أجل. وماذا لو أرغمتُك؟»
كانت عيناه الخضراوان السحريّتان شديدتَي الوهج حتى بدتا كنجمتين. أمَلتُ رأسي في حَيرة. عادةً، حين يسألني هذا السؤال، لم يكن يُلحّ عليه قطّ. لكنّه أمضى الآن معظم الشتاء يتحدّث عن الهياكل العظمية النكِدة، وقد بدأ هذا يُتعبني.
فاكتفيتُ بالنظر إليه بعناد، وأخذنا نصعد المنحدر المكسوّ بالثلج نحو كهفنا.
بصراحة، تساءلتُ إن كان معلّمي سيقدر يومًا على أن يقول لي: امضِ في طريقك يا مور إلدال. في داخلي، كنتُ أحيانًا أرجو ألّا يفعل، وأحيانًا أرجو أن يفعل، لكن عليّ أن أعترف بأنّه لم تكن لديّ أيّ نيّةٍ في تركه. فهو من عثر عليّ تائهًا في الجبال حين كنتُ في السادسة تقريبًا، وهو من أنقذني من البرد ومن موتٍ محقّق، وهو من علّمني كلّ ما أعرف. أحببتُه كأبٍ لي. ومن ثمّ، منطقيًّا، لم أكن سأتركه في وقتٍ قريب. ربّما ذات يوم، فكّرتُ، ربّما حين أكبر، لأرى شيئًا من العالم. لكن بصدق، كنتُ راضيًا تمامًا عن معلّمي. بحقّ الجحيم، كنتُ سعيدًا.
«آه، اللعنة،» قلتُ كاسرًا الصمت. «نسيتُ أن آخذ الأرنب. وقع واحدٌ في الفخّ. رأيتُه، ثمّ رأيتُ السناجب فذهبتُ لأُحيّيها، ثمّ جاء الطائر، و… حسنًا، نسيتُ. أينبغي أن أذهب لأُحضره؟»
«اذهب،» تنهّد معلّمي.
هرولتُ نازلًا التلّة. كنّا في أعالي الجبال، ومع أنّ الربيع كان قد حلّ في الوادي في الأسفل، فقد بقي الثلج حيث نعيش، ولم تكن الأشجار قد استيقظت بعد. بلغتُ الفخّ، والتقطتُ الأرنب، وسمعتُ طائرًا يُغرّد.
«آه، لا،» تمتمتُ. «أنت مجدّدًا؟»
كان جاثمًا على غصنٍ أدنى، على الشجرة نفسها التي من قبل. اقتربتُ ورحتُ أرقبه مفتونًا. ما أجمله! كان له ريشٌ أصفر وأزرق وأخضر وأحمر. كان ياراك.
صفّرتُ مقلّدًا تغريده، وخُيّل إليّ أنّني رأيته ينظر إليّ من عَلٍ في دهشة. ضحكتُ وأشرتُ إلى الطائر.
«ظننتَ أنّك تُغنّي أفضل منّي يا ياراك؟ أيّها الطائر المغرور الكبير!»
أطلق صيحةً حادّة، فتنهّدتُ.
«وسريع الغضب أيضًا! إيه، لا داعي للغضب يا صديقي. إليك، إن أعطيتني ريشة، سامحتُك. اتّفقنا؟»
طار مبتعدًا، فزمجرتُ.
«وجبانٌ أيضًا!»
ثمّ رأيتُ ريشةً صفراء تتساقط، فاتّسعت عيناي.
«لا أكاد أُصدّق!» هتفتُ.
التقطتُ الريشة، ولويتُها بين أصابعي، ثمّ فجأةً أطلقتُ لساقيّ العنان، وصعدتُ التلّة، واقتحمتُ الكهف صائحًا:
«تركَ لي ريشة! انظر يا معلّم! طلبتُ منه ريشة، فتركَ لي الياراك واحدة! أتُصدّقني؟»
«أُصدّق ما تراه عينايَ،» أجاب معلّمي مستمتعًا. كان جالسًا على صندوقه الكبير وفي يده كتابٌ ضخم. كان لدينا ثلاثة كتبٍ لا غير: كتابُ حكاياتٍ صغيرٌ مصوَّر، وقاموس، ومجلّدٌ قديمٌ ضخمٌ سمينٌ يتحدّث عن استحضار الموتى. أجل، كنّا مستحضِري الموتى. حسنًا، معلّمي بخاصّة.
تركتُ الأرنب على الأرض، وخلعتُ ثيابي المبلّلة، وحين التحفتُ بطّانيتي، التقطتُ ريشتي الصفراء بابتسامة.
«كان كريمًا، في النهاية. وأنا الذي نعتُّه بالمغرور وسريع الغضب والجبان!»
«كلّ هذا، ها؟ حسنًا، لقد قلتَ له الكثير في وقتٍ قصير،» نخر معلّمي ساخرًا دون أن يرفع نظره حتى.
«مهلًا، أعرف، لقد تسرّعتُ في الكلام.»
«ماذا قلتُ لك من قبل؟ عليك أن تُفكّر قبل أن تتصرّف. إن لم تُفكّر، فعلتَ حماقة.»
«أجل… حسنًا.» تركتُ ريشتي الجديدة في صُرّتي مع أغراضي. «سأُجهّز الأرنب. أتريد العظام الآن أم أدّخرها لك؟»
كان معلّمي يحتاج إليها ليُجدّد المورجاس في عظامه ويُبقي نفسه حيًّا. تمامًا كما كنتُ أحتاج أنا إلى أكل اللحم.
«ادّخرها لوقتٍ لاحق،» أجاب معلّمي شارد الذهن. «ولا تُغنِّ، أرجوك. إنّي أقرأ.»
نفختُ بضجر.
«أجل، بالتأكيد، أنت تقرأ. لكنّك تحفظ كتابك عن ظهر قلب!»
وشرعتُ أُغنّي: لاريلان، لاريلون، يا، أيّها الربيعُ، اخرُج الآن، بومبومبيم، ما أحلاه، إنّه الربيع… ثمّ رأيتُ عينَي معلّمي تتّسعان. فتنهّدتُ.
«حسنًا، حسنًا. سأصمت.»
فعملتُ، وفي المساء كنتُ قد ملأتُ معدتي، ونظّفتُ العظام، واستلقيتُ على مقعدي أتأمّل ريشتي مُطرِقًا. كان ضوء الفانوس يتلألأ في الكهف. ومعلّمي هو من كان يُصلحه كلّما تعطّل. وإلى يساري كانت مرآة. كان عمرها قرونًا، بل ألفيّاتٍ، من يدري. لكنّها كانت تعمل، فنظرتُ إلى نفسي لحظةً، ممسكًا الريشة بيدي اليمنى، الشيء الوحيد فيّ الذي يُشبه معلّمي: فقد كانت من عظم. كان معلّمي قد أنقذني حين كنتُ على وشك التجمّد حتى الموت، في تلك الليلة الشتوية المشهورة… منذ كم سنةٍ الآن؟ منذ خمسة شتاءات. علّمني أن أُنشّط يدي بالطاقة المَوْتية وأن أشعر بها. لوّحتُ بالريشة الصفراء، و… تدلّى فكّي دهشةً.
«يا معلّم!»
«مم؟»
رفعتُ نظري إليه. لم يُغيّر وضعيّته منذ ساعات. لم يكن يعاني من تنميلٍ ولا من عضلاتٍ متيبّسة. لم يكن يتألّم في أيّ موضع، ومع ذلك عرفتُ أنّه كان يشعر بالأشياء، تمامًا كما كنتُ أنا بيدي اليمنى.
«المرآة!» هتفتُ. نهضتُ. لوّحتُ بريشتي. وقلتُ: «لم تُخبرني قطّ أنّ المرآة تكذب!»
«ماذا تقول؟»
«المرآة تكذب! أنا متأكّد. انظر إليها. الريشة هنا، في يدي اليمنى. وحين تمرّ في المرآة، هوب، تصير في اليد الأخرى. و، هوب، تصير في اليد الأخرى،» قلتُ مبدّلًا الريشة عدّة مرّات. ثمّ تلعثمتُ: «لكن هذه ليست يدي اليمنى!»
كانت يد مور إلدال العظمية في المرآة هي اليسرى.
انفجر معلّمي ضاحكًا. في المرآة، رأيتُ فكّه السفليّ ينفصل مُقعقِعًا جيئةً وذهابًا.
«قلتُ شيئًا أحمق،» خلُصتُ متسائلًا.
«لا، لا يا بنيّ، أنت محقٌّ تمامًا!» طمأنني معلّمي. «ما يُضحكني أنّك لا تكتشف ذلك إلّا الآن. المرايا لا تعكس الحقيقة. إنّها أشدّ جمودًا من أن تفعل ذلك.»
«أشدّ جمودًا؟» كرّرتُ وأنا أستقرّ عند قدم الصندوق. «ماذا تعني؟»
«أعني أنّها كسولة: تأخذ اللون الذي أمامها مباشرةً وتردّه في خطٍّ مستقيم.»
تأمّلتُ ما قال. حسنًا، لا بأس. إن وضعتَ الأمر هكذا، بدا منطقيًّا.
«وكنتَ تعرف ذلك ولم تُخبرني قطّ؟»
«ما زال أمامك الكثير لتتعلّمه يا فتاي!» أدار رأسه نحوي. «لو كنتَ أكثر فضولًا قليلًا، وتركتني قليلًا، لخرجتَ ورأيتَ عالم بني جنسك، ولتعلّمتَ أسرع بكثير، أسرع بكثير من بقائك هنا على هذا الجبل، تلعب مع السناجب وتُصغي إلى عجوزٍ أحمق مثلي يتحدّث عن عصورٍ ميتة. كنتَ ستتعلّم، والأهمّ من ذلك، كنتَ ستعيش يا بنيّ، كنتَ ستلتقي أصدقاءَ حقيقيّين، أصدقاءَ مثلك، بساقين ويدين. لكنّ ذلك لا يعنيك، أليس كذلك؟ أنت عنيدٌ كالبغل، ولهذا لن ترى بغلًا قطّ، وستبقى هنا تعدّ النجوم وتتكاسل، وستنتهي مثلي!»
وما العيب في ذلك؟ أردتُ أن أُجيب. لكنّ كلماته أخرستني. لم تكن المرّة الأولى التي يُلقي عليّ فيها خُطبًا كهذه. غير أنّ سماعها بهذا التكرار كان يستفزّ أعصابي ويُقلقني.
عضضتُ شفتي.
«لكن يا إلَسّار،» سألتُ، «أنت لا تعني ذلك، أليس كذلك؟»
«بلى يا فتاي، أعني ذلك،» أكّد معلّمي وهو يُقلّب صفحةً من الكتاب بإصبعه العظميّ.
نظرتُ إليه، ونظرتُ إلينا في المرآة، وقلتُ:
«حسنًا، أتدري، إن سألتني، لَما مانعتُ أن أكون مثلك. حسنٌ، أنت أقلّ رشاقة، لكنّك لا تشعر بالبرد. وهذا الشتاء، تجمّدتُ من البرد بحقّ الجحيم، أقول لك!»
«دعني وشأني،» زمجر معلّمي.
تنهّدتُ وذهبتُ لأستلقي ثانيةً على مقعدي بريشتي. بعد لحظة، تمتمتُ:
«تصبح على خير، يا إلَسّار.»
«تصبح على خير، يا مور إلدال.»
وضعتُ الريشة، وأغمضتُ عينيّ، وهززتُ رأسي حين فتحتُهما ثانيةً، وقد جدَّ عليّ فجأةً وقارٌ شديد.
«اسمع يا إلَسّار. لا أريد أن أرحل. فإن قلتَ لي مرّةً أخرى أن أرحل، فقُلها بوضوح، وسأرحل إلى الأبد، وإن كنتُ لا أريد، وإلّا فدعني وشأني أنا أيضًا. ها قد قلتُها. أُحبّك يا معلّم.»
لم يُجبني. وكدتُ أغفو حين سمعتُه يهمس:
«وأنا أُحبّك أيضًا، يا صغيري. وأنا أُحبّك أيضًا.»
في اليوم التالي حين استيقظتُ، وجدتُه جالسًا كعادته عند مدخل الكهف. تمطّيتُ، ولبستُ ثيابي، وقلتُ متثائبًا:
«صباح الخير يا إلَسّار!»
أجابني بمرح:
«صباحٌ عظيمٌ حقًّا! اليوم هو أفضل يومٍ على الإطلاق!»
حككتُ رأسي بفضول.
«أوه، حقًّا؟»
«أجل. ستُغادر وتذهب لترى العالم! ها! أليس ذلك رائعًا؟»
اصفرّ وجهي كالميّت، وأدركتُ أنّني قلتُ أكثر ممّا ينبغي في اليوم السابق.
«أنا… لا أفهم،» قلتُ.
«بل تفهم! تفهم تمامًا! وعدتَني بأنّك سترحل إن طلبتُ منك أن ترحل. وها قد حان اليوم العظيم! أنت راحل!»
قالها بنبرةٍ مرِحةٍ إلى هذا الحدّ!
«لكنّك بالأمس قلتَ إنّك تُحبّني!» احتججتُ.
«وما دخل ذلك بالأمر؟» ابتسمت عيناه فرحًا. «ستُكوّن معارف، وستتعلّم أشياءَ مذهلة، وسترى صور كتاب الحكايات لكن في الواقع! لا تقل لي إنّك لا تريد الذهاب؟»
«لكن إلى أين أذهب؟» هتفتُ مضطربًا.
«وما أدراني! هناك، صوب الشروق، حيث تولد الشمس كلّ يوم. ستجد ساجِتًا في الطريق. امشِ وسترى. انظر، لقد حزمتُ لك الحقيبة، بما تبقّى لدينا من مؤن. وهذه يا بنيّ يدك الجديدة. ظللتُ أُعدّها طوال الشتاء. إنّها مفاجأة. أتُعجبك؟ ضعها. ثمّ سأُثبّتها. والبطّانية، ناولنيها، سأُحسّن التعويذة كي لا تشعر بالبرد. هيّا، تحرّك يا كسول!»
تحرّكتُ. بضع بوصاتٍ لا غير. وقع بصري، حائرًا، على شيءٍ كان في الحقيقة يُشبه يدي اليسرى تمامًا، إلّا أنّ هذه اليد الجديدة لم تكن حقيقية، كانت ماغارا. وإذ أدركتُ بوضوحٍ أكبر أنّ الأمر جادّ، أفسحت حَيرتي المجال شيئًا فشيئًا للرعب، ثمّ لشعورٍ بالهجران، وأخيرًا، انفجرتُ باكيًا.
«إلَسّاااااار! هذا قاسٍ أكثر من اللازم!»
«يا فتاي! ما كلّ هذا البكاء؟ لقد كبرتَ الآن، تجاوزتَ سنّ البكاء. اهدأ.»
نظرتُ إليه بأسًى وهو يأخذ بطّانيتي ويُركّز. سالت دموعي بغزارة. انتظرتُه أن يُنهي تعويذته دون أن أُصدر صوتًا تقريبًا، لكن حين فرغ، أجهشتُ:
«أرجوك يا معلّم. اطردني إن شئت، لكن تعالَ معي إذن.»
«أجل، بالتأكيد، ليحرقوني على عمود الحرق؟ لا يا فتاي، لقد تجاوزتُ سنّ خوض المغامرات. عظامي عجوز، عمري ألف عام، ولم أعد أقدر على الركض صعودًا وهبوطًا في التلال والوديان…»
«هذا ليس صحيحًا، هذا قاسٍ أكثر من اللازم،» كرّرتُ.
«قل لي يا مور إلدال. أتكفّ عن الهذَيان وتُفكّر لحظة؟ خذ بطّانيتك. ويدك. ضعها. هيّا، هيّا. لنرَ كيف تُناسبك.»
ركّبها لي، ولم أُقاوم. كنتُ أشدّ حزنًا من أن أفعل. وشرع يُثبّت يدي إلى العظام وإلى معصمي وهو يقول:
«علّمتُك أن تعتني بنفسك وأن ترى الواقع كما هو. فواجهه، وابتلع دموعك، وأصغِ إليّ. أينما ذهبتَ، لا تذكر استحضار الموتى ولا يدك أبدًا. أبدًا، أتسمعني؟ تعلم أنّ ذلك ليس صوابًا. تجنّب الحديث عنّي لأيّ أحد، لكن إن انفلت منك الأمر، فقُل إنّني ميّت، لستُ أمزح، ولا تقل أبدًا إنّني ناكروس. لا أريد أن ينتهي بي المطاف مع مغامرين فضوليّين يبحثون عن ساحرٍ ناسك: أمقت الزوّار. وأمرٌ أخير،» أضاف. «لا تنسَ كلّ ما علّمتُك إيّاه، والأهمّ من ذلك يا مور إلدال، الأهمّ من كلّ شيء، لا تكفّ أبدًا عن أن تكون نفسك.»
نظرتُ إليه، وفمي فاغرٌ، والبطّانية تحت إبطي، ويدي قد ثُبّتت الآن تثبيتًا شبه كامل.
«إذن… الأمر جادّ،» تمتمتُ.
نفخ معلّمي بضجر.
«بالطبع جادّ! أتشكّ في ذلك؟ الآن اثبت، لا تتحرّك.»
لم أتحرّك، لكنّ دموعي ظلّت تسيل، لا تتوقّف. حين فرغ من عمله، دندن معلّمي مسرورًا.
«حرّكها، انظر إن كانت تعمل.»
حرّكتُها، ولوهلةٍ، كدتُ أنسى حزني وابتسمتُ منبهرًا.
«إنّها تكاد تُشبه الأخرى!»
«وهذا هو المُراد. لكن، انظر عن كثب، الإبهام في الجهة الأخرى.»
بالطبع، فكّرتُ. بالطبع كذلك. كانت كالمرآة.
«اعتنِ بها، ها؟ إنّها متينة، لكن لا تضعها في فرن. لا أظنّها ستحترق؛ فهي كما أقول متينة، لكن ذلك بالذات ما قد يلفت الأنظار. احذر أن تثقبها. فالساجِتيّون يتوقّعون أن يروها تنزف. و… تذكّر، إن أصابها عطبٌ، فبإمكانك أن تُجدّدها، وبإمكانك أيضًا أن تجعلها تنمو حتى تُماثل الأخرى حجمًا. الأمر أشبه بإيقاظ مورجاس العظام، إلّا أنّ عليك أن تُوقظ مورجاس الجلد. علّمتُك كيف تفعل ذلك، أتذكر؟ حسنًا، سأُريك مجدّدًا، تحسّبًا لأنّك نسيت.»
أراني، وبينما كنتُ أطوي يدي وأبسطها، سألتُ بفضول:
«كيف صنعتَها؟»
«بالصبر، والفنّ، وجلد قندس،» قال معلّمي مبتسمًا. «والآن يا فتى، انهض وامضِ. قل، أما تريد أن تأخذ معك قاموس الدريونسانية؟ لكنّني أهذي، فيمَ ستحتاجه؟ لا شكّ أنّ كلمات هذا العصر قد تغيّرت. لن تجني سوى المتاعب إن ضُبطتَ بقاموسٍ عتيقٍ كهذا. كن ذكيًّا يا صغير، تحدّث بالدريونسانية لا بالكايلدرِك، أو المورِلية كما يسمّونها… كن ودودًا، وحاول ألّا تفتح فمك كثيرًا في البداية، ها؟ هكذا تتجنّب المتاعب.»
عند المدخل، ناولني الحقيبة. كان النهار مشرقًا، وإن كان باردًا بعض الشيء، وآذت الريح الباردة عينيّ. ربّت معلّمي على كتفي، وقد بدا متأثّرًا بوضوح.
«آه يا فتى. لا تعرف كم حلمتُ بهذا اليوم. ليس أنّني أريد أن أراك ترحل، بل أريد أن أراك تكتشف أشياءَ جديدة. وستفعل! ويلٌ لك إن مُتَّ في الطريق قبل أن تجد ساجِتًا، ها؟ وإلّا نتفتُ أذنيك. هيّا، لا تبكِ. عانقني. هكذا.»
عانقتُه برفق، وخدّاي مبلَّلان.
«أتريدني حقًّا أن أذهب؟»
«نعم.»
«لكن يمكنني أن أعود، صحيح؟»
«لا تُفكّر في ذلك حتى. ليس قبل أن تجد عظم فيريلومبارد. فهي الأفضل. حين تحصل عليه، يمكنك أن تعود. ليس قبل ذلك. هيّا، اذهب، اتبع شمس الفجر.»
التفتُّ نحو الشرق فلم أرَ سوى جبالٍ وغابات. ثمّ خطوتُ خارج الكهف… واستدرتُ.
«مهلًا، نسيتُ ريشتي الصفراء.»
ذهبتُ لآخذها، ووضعتُها في حقيبتي، وحين عدتُ إلى الخارج، توقّفتُ وقلتُ:
«تبًّا. عصاي.»
أطلق معلّمي زفرةً صبورة. ذهبتُ لأُحضر عصاي، ومرّةً أخرى في الخارج، تنفّستُ، وتذكّرتُ الدرس الذي لقّنني إيّاه معلّمي ذات مرّةٍ عن الشجاعة، وتنهّدتُ.
«حسنًا، أنا ذاهب. لكن فقط لأنّك تطردني. أتدري؟ ثمّة شيءٌ لم أُخبرك به قطّ. الأعند هنا هو أنت، لا أنا.»
«ها! هذا الشبل من ذاك الأسد، كما يقولون!» ضحك معلّمي، وأومأ إشارةً ليُشجّعني. «والآن اذهب!»
مضيتُ مبتعدًا، ألتفتُ عند كلّ خطوةٍ تقريبًا، ثمّ عند كلّ خامس خطوة، ثمّ عند كلّ عشرين خطوة، ثمّ غاب عن ناظري الشخص الوحيد الذي أذكر أنّني عرفتُه. ها قد رحلتُ. وكنتُ قد بدأتُ للتوّ أُدرك ما يعنيه ذلك. كنتُ وحيدًا تمامًا، لا أعرف إلى أين أمضي، ولا أحد لديّ لأُحدّثه… كان الأمر مخيفًا. لم يكن لي إلّا أن أرجو أن يكون معلّمي محقًّا، وأن يكون هناك بشرٌ وإلفٌ وقيتيان بالفعل، فيما وراء الغابات. ورجوتُ أيضًا ألّا يكون العثور على الفيريلومبارد عسيرًا أكثر من اللازم.
رأيتُ سنجابًا أسود على غصنٍ، فرفعتُ يدي الجديدة لأودّعه.
«حظًّا سعيدًا يا صديقي! إلَسّار يريدني أن أرحل، وأنا راحل. لكن حين أحصل على عظم الفيريلومبارد سأعود، أعدك!»
ظهر سنجابٌ آخر على الجذع نفسه، فغاص قلبي من جديد. كم كانت السناجب أصدقائي منذ زمنٍ طويل! لن أنساها أبدًا، ولا ألعابها، ولا كلّ ما علّمتني إيّاه عن البلّوط والأشجار وأشياءَ أخرى كثيرة! أخذتُ نفَسًا عميقًا وغنّيتُ:
سناجِبُ، سناجِبُ،
جبالٌ وشمسٌ وآسٌ!
تتفتّح الأزهارُ، وينمو النرجسُ،
ويطلع الحبُّ من الثلجِ!
سناجِبُ، سناجِبُ،
آهِ كم أحبّكم جميعًا!
وداعًا يا أصدقائي، وداعًا.
لا تنسَوني، أرجوكم، ولا أُغنيتي.
بعد وقتٍ طويلٍ من فقداني سناجبي عن ناظري، سمعتُ صرخةً في السماء، فغرزتُ عصاي في الثلج، ورفعتُ نظري. كان الياراك! كان يمضي أسرع منّي بكثير.
«لو أنّني أستطيع الطيران مثلك أيّها الطائر!» هتفتُ.
رأيتُه يختفي خلف الأشجار، فزمجرتُ:
«مم، أجل. جبانٌ ربّما لا، لكن لا يمكنك أن تُنكر أنّك مغرور.»
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المعلّم أو الأستاذ، بمعنى «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion