Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 16
كان الرجل ضخماً يبدو مصنوعاً من العضلات والغضاريف. حُلِق رأسه كلّه حتى استوى ملساً، وارتسمت على ذراعيه بضع ندوب. وقد لطّخ السَّناجُ جسده وثيابه الخشنة. كان طويلاً أيضاً، بلغ وجهُه أعلى صدر غرَنتِل. هوَت قبضته اللحيمة هناك بصوتٍ كمطرقةٍ ثقيلة تصدم بقرة، حتى دفعت الغُنول الأضخم نصف خطوة إلى الوراء.
ثبّت غرَنتِل نفسه وكشّر عن أنيابه. وانفرجت فكّاه قليلاً ليُطلق صوتاً نابحاً كضحكةٍ ساخرة، مركّزاً نظره على مهاجمه.
كان آل قد بدأ يتقدّم عازماً على تهدئة الموقف بطريقةٍ ما قبل أن تُراق الدماء، لكن أوقفته يدٌ لطيفة على كتفه.
«الأفضل أن تدعهما يُنهيان الأمر. يفعلان هذا كلّما التقيا. الخاسر يدفع ثمن الشراب.» قال له صاحب الحانة.
فتح آل فمه ليقول شيئاً، لكن لم تُسعفه الكلمات. راقب غرَنتِل وهو يضع حقيبته أرضاً، ثم يتحوّل بخُرْقٍ إلى محاكاةٍ سخيفة لوقفةٍ يُدرَّب عليها مُلاكمٌ بشريُّ الهيئة. جاءت لكمته المرتدّة غير متقنة لكنها سريعة، يدفعها بمعظم ثقله وهو يهوي بها نحو صدر الرجل الأقصر. زفر الرجل بحدّة حين أصابته اللكمة وترنّح إلى الوراء، لكنه صمد في مكانه. وردّ على ابتسامة غرَنتِل الوحشيّة بأخرى مثلها، وتهيّأ لدوره في اللكم.
انهار آل على مقعد الحانة العالي، وغرز أصابع يديه وإبهاميهما في جبهته كأنه يحاول أن يعصر كلّ ما في جمجمته من ضِيقٍ عصراً.
«في الآونة الأخيرة، أشعر أنّ أموراً كثيرة تجري ولم يكلّف أحدٌ نفسه عناء إخباري بها،» تمتم.
دام النِّزال ما يكفي ليبدأ في إثارة الملل، وإن ظلّت ويكووكِت تُطلق صيحات التشجيع طوال الوقت. بعد كلّ لكمةٍ تُعطى وتُتلقّى، كان المتبارِيان يعيدان اصطفافهما ويستأنفان. وانتهى الأمر أخيراً حين اقترب غرَنتِل أكثر من اللازم من إحدى الطاولات. تلقّى لكمة الرجل بسهولةٍ كافية، لكنّ خطوته الصغيرة إلى الوراء تعثّرت بساق كرسيّ. كان سقوطه إلى الخلف يكاد يكون رشيقاً، ثم انقلب على نحوٍ ما إلى شقلبةٍ مفاجئة إلى الأمام، واندفاعةٍ زائرة برأسه أوّلاً على طول الأرض نحو ساق الكرسيّ المُذنِبة. فغرزت أسنانه المُسنّنة في الخشب بفرقعةٍ عالية.
«مهلاً، ممنوعٌ تكسير الأثاث!» زجره صاحب الحانة. فكان جواب غرَنتِل زمجرةً خفيضة مُنذِرة. وصمتت الحانة لحظة. ثم نخر غرَنتِل نخرةً واحدة، وفكّ فكّيه عن الكرسيّ على مضض، ونهض واقفاً.
«حسناً، الكرسيّ هو من جلب ذلك على نفسه.» علّق آل مازحاً، ثم تساءل على الفور لماذا وجد الأمر مُضحكاً.
رمق غرَنتِل خصمه المنتصر. ثم مدّ نحوه قبضته متردّداً. فضحك الرجل مندهشاً وهو ينقر قبضته بقبضته.
«صرتَ متحضّراً تماماً الآن، أليس كذلك؟» قال وهو لا يزال يضحك.
«أنا من علّمه ذلك!» أعلنت ويكووكِت بفخر.
التفت الرجل لينظر إليها من علٍ، ثم ابتسم ومدّ قبضته إليها هي أيضاً.
«حقاً؟ أنا رودريك، أفضل حدّادٍ في هذه الأنحاء كلّها. وأنتِ؟...»
مدّت ويكووكِت يدها لتنقر قبضته. «ويكووكِت د. فليبندورفر، مغامرة، ومسلِّية، وباحثةٌ عن الإثارة.» وأشارت إلى بوته قرب لوحة المهامّ، وإلى آل الجالس عند الحانة. «ذاك بوته وذاك آل. نحن غُنولٌ أيضاً!» ختمت بابتسامةٍ ماكرة.
«فهمتُ...»
«إنّها صفةٌ فخريّة.» أوضح بوته.
«آه، إذن أنتم الثلاثة في رِفقةٍ واحدة مع ذلك الوحش الشرس هناك؟» سأل رودريك مشيراً بإبهامه نحو الغُنول الذي كان ينبش في حقيبته بحثاً عن نقودٍ من غير شراسةٍ تُذكَر.
«نحن كذلك. أظنّه سيغدو مقاتلاً هائلاً.» قال آل. لم يكن هو نفسه واثقاً من ذلك بعد، لكنه لم يستَسِغْ أن يوجّه غيرُه السخرية إلى رفقته. ولا حتى إن كانت سخريةً ودّية.
«آه، لا شكّ لديّ في ذلك.» وافق رودريك مُتجهّماً من الألم وهو يدلّك صدره. «كان إخضاعه باللكم أسهل بكثير حين كان أصغر حجماً. صرتُ أفوز أقلّ هذه الأيام. أحسب أنه بحلول مثل هذا الوقت من العام المقبل قد يجدر بي أن أسلّم ثمن الشراب من البداية مباشرة.» ثم تهلّل وجهه. «وبمناسبة الحديث، أنا واثقٌ أنكم أيها الشجعان ستحتاجون بعض العتاد لمشروعكم. وقد صادف أنّ لديّ تشكيلةً من الأدوات والعتاد صنعها أمهرُ صنّاع المعادن في البلدة. وهم أنا وصِبيتي، بالمناسبة.» ختم بنظرةٍ مفعمة بالأمل.
تدخّلت ويكووكِت قبل أن يتمكّن آل من الردّ.
«أريد سكاكين فضّية سحرية! آه، وربما القوس النشّاب السحري، أعرف كيف أستخدم القوس النشّاب! آه، هل لديك شيءٌ من ذلك الدرع الخاصّ الذي يصنعه الإلف؟ أيمكنك أن تجعل سيفي سحرياً؟ وربما...»
لم تتزعزع ابتسامة رودريك الودود وهو يرفع يديه كأنه يدفع عن نفسه طلباتها.
«مهلاً مهلاً، تمهّلي! أرى أنكِ مغامرةٌ شجاعة ومتفانية جداً إن كان بمقدورك تحمّل نفقات مثل تلك الأشياء ولم تعتزلي بعدُ إلى حياة الترف! لكنّي، للأسف، لستُ مُعزِّماً، بل حدّادٌ بارعٌ ليس إلا. سأقول لكِ شيئاً: حدّادتي على هذا الطريق الرئيس مباشرة، بجوار السوق تماماً. مُرّي بها لاحقاً، وأنا واثقٌ أننا سنجد لكِ بعض السلع النافعة.»
تجهّمت ويكووكِت. «لا سحر؟ أيمكنك على الأقلّ أن تصنع شيء الفضّة ذاك؟» توسّلت.
«ذاك أستطيعه فعلاً، أنا وأحد صِبيتي. إنه عملٌ دقيقٌ مُرهِق، لكن يمكننا إنجازه في غضون بضعة...»
عند هذه النقطة فاجأه قدَحٌ وُضِع أمام وجهه فجأةً من فوق كتفه.
«يا آلهة!» نظر خلفه إلى غرَنتِل بذهولٍ وهو يأخذ القدَح. «من غير الطبيعيّ أن يتحرّك أحدٌ بضخامتك بمثل هذا الهدوء.»
هزّ غرَنتِل كتفيه ولعِق ما أعطاه إياه صاحب الحانة من نبيذٍ رخيص.
انضمّ رودريك إلى الرفقة عند طاولةٍ خالية، فتجاذبوا الحديث برهةً قصيرة. أوضح أنّ ورشته تصنع الفؤوس للحطّابين، ومعدّات التعدين لمنجم الرصاص القريب، والأدوات الزراعية، والمسامير، والسلاسل، وسائرَ أنواع السلع النافعة. وبدا أنّ لهم تجارةً رائجةً مستقرّة. وأثنى على صِبيته كذلك. وبعد أن أفرغ قدَحه وانتزع وعداً بأن تزور الرفقةُ متجره، انصرف عائداً إلى عمله.
ثم اجتمعت الرفقة عند لوحة المهامّ. نزع آل الرسالةَ التي لُبّي طلبها الآن من قصر نوتاميمِك، فيما تأمّلوا سائرها. كانت هناك بضعة طلباتٍ مفتوحة تلتمس من يحرس المسافرين من قُطّاع الطرق و/أو الغوبلن. وكان نداء الاستغاثة من مأوى الدجاج الذي استرعى انتباههم في زيارتهم السابقة لا يزال موجوداً أيضاً.
قرية مأوى الدجاج تستجدي العون!
اصطادوا الوحش الذي يصطادنا!
يأتي في وضح النهار ليقتلنا!
لسنا أثرياء لكننا سنبذل ما نقدر عليه مكافأةً!
أسرِعوا أرجوكم، ما دام بعضُنا باقياً على قيد الحياة!
«أظنّ هذا خيارنا الأفضل للبداية،» قال آل، «فهو على بُعد مسيرة يومٍ واحدٍ جنوباً من هنا. ربما لا يوجد فيه مالٌ كثير، لكن، على أيّ حال، ربما لا يوجد مالٌ كثير في معظم هذه الطلبات. تبدو هذه مهامَّ صغيرةً جداً، عدا طلبات حراسة القوافل وهذا الطلب في بذرة اللفت.»
طلبٌ بسيط!
قرية بذرة اللفت
تُوضَع الزهور على قبر حارسٍ قديم
تقليدٌ سنويٌّ أُهمِل، فها نحن نُعاقَب الآن.
قد يكون الضريح خطيراً بعض الشيء
مكافأة!
«وهذا ليس بعيداً عن مأوى الدجاج في الاتّجاه نفسه. ومرّةً أخرى، ربما لا مال كثير فيه، لكنّ كليهما من المهامّ التي تصنع اسماً للمغامرين المستقلّين. لا يبدو أنّ هذا الجزء من المملكة يشهد تنافساً كبيراً بين رفقات المغامرة، إذ يتوجّه معظمها شمالاً شرقاً حيث تجري أشدّ الأحداث الآن، لذا كنت أفكّر أننا إن أسرعنا فقد يسهل علينا أن نُثبّت أقدامنا قبل أن يظهر غيرنا لمثل هذه المهامّ في هذه الأنحاء.»
«هناك واحدةٌ هنا في البلّوط الفضّي إن كنت على عجل.» اقترحت ويكووكِت مشيرةً بإصبعها. كان على اللوحة مربّعان صغيران من ورقٍ مقصوصٍ باستهتار. قالت العليا منهما:
هناك جُرذانٌ في قبوي
أنا أطعن في السنّ وأوهنُ من أن أقتلها بنفسي
ألا يساعدني أحد؟
قطعةٌ نحاسية واحدة عن كلّ ذَنَب!
بريسيلا سميثرين
رقم ٢، زُقاق بائع الجبن
وتحت هذه، أُضيفت ورقةٌ ثانية أحدثُ منذ آخر مرّةٍ رأوها فيها. قالت:
بعضها كبيرٌ جداً!
أرجوك ساعدني!
قطعتان نحاسيتان عن كلّ ذَنَب!
هزّ آل رأسه. «أظنّ أنّ بمقدورنا أن نترك مهامّ مكافحة الهوامّ للعامّة. لو قبِلنا مهمّةً كهذه لخشيتُ أن نُصبح إلى الأبد ‹رفقةَ مكافحة الهوامّ›. عدا ذلك، سنكون قد خسِرنا يومين قبل أن نتمكّن من الرحيل صباح الغد. يبدو أنّ الأمر في مأوى الدجاج أكثر إلحاحاً.»
مدّ بوته يده ليلمس الرسالة من مأوى الدجاج. «أتّفق مع آل. أعتقد أنّ قدَرنا أن نذهب إلى مأوى الدجاج.» قال بعد تأمّلٍ دام ثوانيَ عدّة.
بدت ويكووكِت مرتاحة. «أظنّك محقّاً، فحكايةٌ عن قضائي يوماً في قتل الجُرذان لا تبدو مثيرةً جداً. وأنت يا غرَنتِل؟»
«طعمها لا بأس به وتُفرقِع تحت الأسنان فرقعةً لطيفة. لكن اصطيادها مُمِلّ.»
«حسناً، إذن القرار بالإجماع.» أعلن آل، «النهار يوشك أن ينفد، فهيّا نرى أيَّ لوازمَ لصيد الوحوش يمكننا أن نجد.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion