Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 1
رِفقةُ مغامرةٍ ناجحةٌ تعتزل.
محاربٌ مبتدئٌ في صفوفها
يحتاج إلى رِفقةِ مغامرةٍ جديدةٍ منفتحةِ الذهن ينضمّ إليها.
للاستفسار في قصر نوتاميمِك،
قرية غوتمِنستر
ممنوعٌ القَتَلةُ المتشرِّدون
... هكذا كُتِب على اللافتة الكبيرة المُثبَّتة هناك بين سائر الطلبات على اللوحة في مؤخّرة حانة الخنزير المُخلَّل. كان الخطّ البديع المنمَّق على تلك الرقعة من الرَّقّ، الناصعةِ البياضِ المشذَّبةِ الحوافّ، يبرز وسط ما تناثر حولها من قصاصاتٍ ورقيّةٍ باليةٍ. بدت كلُّها تحمل مناشداتٍ للعون في أمورٍ من قبيل جرذانٍ ضخمةٍ على غير المعتاد، وخِرافٍ ضالّةٍ، ومصائبَ عاديّةٍ يُلقى بتبعتها على قوًى شرّيرةٍ لا وجود لها على الأرجح.
وقف بوته فيسِنغرابر، القزميُّ المُتعبِّد لإنديسينا، إلهِ الحبكات والمؤامرات ورسولِ سائر الآلهة، أمامها مأخوذاً. تقدّم رفاقُه في المغامرة المُنهَكون خلفه، يتساءلون عمّا صرفه عن الحاجة الملحّة إلى الطعام والراحة.
تمتم بوته لنفسه: «إنها إشارة.»
قالت ويكووكِت د. فليبندورفر الغنوميّة بنبرةٍ رتيبةٍ لا تليق بالغنوم، وكأنها خاضت هذا الحوار من قبل، وقد خاضته فعلاً: «أنت تظنّ أنّ كلَّ شيءٍ إشارة.» أزاحت شعرها البنيّ الطويل إلى الوراء ورفعت بصرها إلى بوته، تتحدّاه أن يُنكِر.
أنكر بوته: «ليس كلَّ شيءٍ، بل معظمَ الأشياء. انظري، هذا الرَّقُّ أبيضُ كالثلج. وقد أثلجت السماءُ في أحلامي البارحة. باغتَتنا أشباحٌ غامضةٌ، ثمّ أقبل انهيارٌ ثلجيٌّ يُقهقِه ويُزمجِر فجرف مهاجمينا بعيداً.»
قال آل، البشريُّ في الجماعة: «‹يُقهقِه›؟ حسناً، هذه غريبةٌ حتى بمقاييسك أنت.» كان يرتدي رداءَ ساحرٍ ممزّقاً بالأحمر والأسود، مُسدَلاً على نحوٍ غيرِ متناسقٍ فوق ما بدا أنه دِرعٌ زَرَديّة. انحنى إلى الأمام ليقرأ اللافتة.
«ماذا تقول؟ آهٍ، شخصٌ يبحث عن الانضمام إلى جماعة مغامرةٍ؟ حسناً، لدينا محاربٌ بالفعل، لذا...»
انتزع بوته نظره عن الرسالة والتفت إلى آل: «مع أنّي أقاتل أحياناً حين تستدعيني الخُطَطُ التي لا تُوصَف إلى ذلك، وأحمي جسدي الفانيَ بالدِّرع، فإنّي لا أصف نفسي بـ‹المحارب› على وجه الدقّة.»
ردّ آل: «ماذا؟ أليس هناك ‹المحارب بوته› إلى جانب ‹العرّاف الغامض بوته›؟ على أيّ حالٍ، كنتُ أعني نفسي، وأنت تعلم ذلك! لم أُمضِ ذلك الوقت في الجيش عبثاً»، وربّت على النتوء الطويل في ذلك الجزء من الرداء فوق وِركه وفخذه الأيسرين، حيث تتدلّى هِراوته.
أجاب بابتسامةٍ مطمئنّةٍ: «مع أنّ لي أوجهاً كثيرةً، فليس ثمّة على الدوام سوى بوته الذي تُحدِّثه.»
أعلنت ويكووكِت بفخرٍ: «حسناً يا آل، ما دمتَ ترفض أن تكون ساحرَ الرِّفقة فحسب، فهذا يعني أنّ عليّ أنا أن أفعلها!» ووثبت لتُخرِج، فيما بدا، قطعةً نحاسيّةً من خلف أذن آل. أدارتها بين أصابع يدٍ ثمّ الأخرى إدارةً مُنوِّمةً، ثمّ اختفت بلوحةٍ مبالَغٍ فيها على نحوٍ هزليٍّ.
حدّق آل غيرَ مكترثٍ: «تلك كانت واحدةً من قطعي، أليس كذلك.»
«عليك حقّاً أن تراقب كيسَ نقودك بعنايةٍ أكبر. إنه مُعلَّقٌ هناك تماماً على مستوى العين حيث أطاوله بسهولةٍ.»
كان بوته قد عاد إلى التحديق في الرسالة: «من الجليّ أنّنا قُصِدنا برؤية هذا.»
«هذا ما وُضِعت لأجله لوحاتُ الرسائل هذه، أجل. يُفترض أن يراه الجميع. آخّ...»
كان آل قد رفع يده ليفرك جبهته فلمس دون قصدٍ الجُرحَ الممتدَّ فوق حاجبه.
أصرّ بوته: «لا شأن للآخرين. لقد سِيقَ بنا إلى هنا. هذا من أجلنا نحن.»
قاطعت ويكووكِت آل قبل أن يتمكّن من إخراج اعتراضه.
قالت: «أتعلم، يقولون إنّ من أفضل السُّبُل لصقل مهارات المرء أن يُعلّم غيره. أراهن أنه سيعود عليك بخيرٍ أن تُرِيَ محارباً مبتدئاً كيف تُنجَز الأمور.»
حدّق فيها آل بغضبٍ: «أعرف ما تفعلينه. تحاولين خداعي كي أوافق على هذا مستعملةً المنطق.»
«بالطبع! هل أنا مخطئة؟»
حدّق آل لحظةً أطول، ثمّ تنهّد مهزوماً.
«لا. حسناً، بوسعنا الذهاب لنرى أيَّ نوعٍ من المقاتلين لديهم، ولنرى إن كانوا مناسبين لرِفقتنا المتوازنة المكتملة أصلاً، ولنقرّر إن كانوا يستحقّون الكنز الذي سيتعيّن علينا اقتسامه معهم. لكن ليس اليوم، اتّفقنا؟ أريد بعض الطعام والاسترخاء ونومَ ليلةٍ هانئةٍ أوّلاً. ويلزمني أيضاً أن أُصلِح هذا الشيء الأحمق»، قال مشيراً إلى ردائه الممزّق.
التفت بوته عن لوحة اللافتات بابتسامةٍ صغيرةٍ راضيةٍ: «جيّد، كلُّ شيءٍ على ما ينبغي أن يكون الآن»، قال بثقةٍ، ولم يَعُد انتباهه، فيما يبدو، منصبّاً على الأفكار الغريبة في رأسه. حكّ لحيته المشذَّبة بعنايةٍ متأمّلاً ورفع بصره إلى آل: «ينبغي أن نفعل شيئاً بشأن ذلك الجُرح فوق عينك.»
قال آل متبرّماً، مقاوماً الرغبة في أن يرفع يده ويفركه من جديدٍ: «أجل، أعرف. حصلنا على بضع قطعٍ من أولئك الغوبلن، وهي كفيلةٌ بأن تُوفّر لنا فُرُشاً مريحةً وطعاماً لائقاً هذه الليلة. سلِّماني حصّتكما من النفقات وسأذهب لأكلّم صاحب الحانة في الأمر.»
قالت ويكووكِت مشيرةً إلى حيث يتدلّى كيسُ نقوده مخبّأً تحت ردائه: «لكنّك تملك كلَّ مالنا أصلاً!» وبالفعل، الآن وقد لُفِت انتباهه إليه، أحسّه أثقل.
«حسناً، لكن... كيف؟»
لوّحت يدا ويكووكِت من جديدٍ في ما كان بوضوحٍ محاكاةً ساخرةً للإيماءات السحريّة الحقيقيّة، وأجابت: «تمكُّني من الأسرار السحريّة المهيبة!»
«ثمّ لماذا صرتُ فجأةً أمينَ خزانة الرِّفقة أصلاً؟»
«لأنّ كلَينا لسنا سوى خادمٍ متواضعٍ، أو خُدّامٍ، للآلهة، ومُسلِّيةٍ، أمّا محاربنا الصوفيُّ فلا يجرؤ أحدٌ على السرقة منه.»
أطلق بوته نخرةً مرحةً، ثمّ استدار مسرعاً لينظر إلى الخارج عبر نافذة الحانة، متظاهراً بأنه لم يسمع.
استسلم آل بتنهيدةٍ مسرحيّةٍ، رافعاً يديه وعينيه مستجدياً الرحمة من السماوات، أو ربّما من أيّة آلهةٍ صغيرةٍ قد تتجلّى في السقف. ثمّ خطا عائداً إلى المِشرَب.
كان الرجل خلف المِشرَب أصلعَ بديناً في منتصف العمر، يرتدي مئزراً جلديّاً فوق ثيابٍ عاديّةٍ وكرشِ جِعةٍ. ابتسم لآل ابتسامةً مهنيّةً وهو يقترب.
«ماذا يمكنني أن أفعل لك؟ هل تهتمّ بلوحة المهامّ؟ تكدّست الطلبات مع توجُّه كلِّ أولئك المغامرين شرقاً للتعامل مع تلك القُطعان من الوحوش الشيطانيّة التي لا تنفكّ تظهر لتُغِير على القرى هناك. العجوز سميثرين تودّ حقّاً بعض العون في أمر تلك الجرذان.»
«حسناً، بادئ ذي بدءٍ، أودّ أنا ورفاقي بعض الطعام والراحة.»
جال صاحبُ الحانة بنظره في أرجائها. على إحدى الطاولات كان ثلاثةٌ من الزبائن السكارى إلى حدٍّ ما يلعبون الورق. وفي الزاوية الأشدِّ عتمةً، كان ثمّة ذلك الشخص المتجهّم الذي يتعذّر تبيُّن وجهه داخل قَلَنسوة عباءته، ذلك النوعُ الذي كثيراً ما يبدو مُتلصِّصاً في أمثال هذه الأماكن. وكان هناك بوته وويكووكِت، يتصفّحان على مهلٍ سائرَ اللافتات على اللوحة. وما عدا ذلك، لم تكن إلا طاولاتٍ خاليةً.
«حسناً، أنت محظوظ. سعرُ غرفةٍ لطيفةٍ مع ما تُطيق أكلَه من العصيدة وما تُطيق شربَه من الجِعة الخفيفة قطعةٌ ذهبيّةٌ واحدةٌ للفرد. وبما أنّنا يبدو أنّنا شبه خالين اليوم، يمكنكم حتى أن تحظوا بغرفةٍ لكلٍّ منكم. المشروبات الحقيقيّة بمقابلٍ إضافيٍّ. قُل لي، ينبغي أن تفعل شيئاً بشأن ذلك الجُرح فوق عينك.»
قال آل بنبرةٍ رتيبةٍ: «أجل، شكراً لك، سأفعل»، وهو يعدّ ثلاثاً من القطع الذهبيّة التي نهبوها... بل، صادروها... من الغوبلن الطائشَين اللذين هاجماهم في طريقهم إلى البلدة. رفع صاحبُ الحانة كلَّ قطعةٍ في راحته ليقدّر وزنها، ثمّ تفحّص العلامات المطبوعة عليها.
«لم يسبق لي أن رأيت علامة السَّكّ هذه من قبل. أهذه كتابة؟» سأل وهو يضع إحداها بين أسنانه ليختبر مدى انثنائها.
«لا أدري»، قال آل، الذي لم يكن يكترث أيضاً في تلك اللحظة. «ربّما هكذا تبدو كتابةُ الغوبلن.»
«الغوبلن يسكّون عملاتِهم الخاصّة الآن؟»
هزّ آل كتفيه: «لم أفكّر في الأمر حقّاً من قبل، لكن لا أرى مانعاً. إن كان لديك ذهبٌ وتريد أن تُتاجِر بأيّ شكلٍ، فامتلاكُ دار سَكٍّ أمرٌ منطقيٌّ على ما أظنّ.»
«أتدري، على مرّ السنين رأيت عملاتٍ تَرِد من كلّ حَدَبٍ وصَوب. أما تساءلت يوماً لماذا، مهما بعُد مصدر العملات، تزن كلُّها الوزنَ نفسه؟»
«ليس فعلاً. بصراحةٍ، الآن كلُّ ما أريده بعض الطعام والراحة. كان يوماً مُنهِكاً، وأشعر أنّ الغد سيكون مثله.»
هزّ صاحبُ الحانة كتفيه ومدّ يده لِيُسقِط القطع في الشقّ الموجود في صندوق النقود المُقفَل خلف المِنضدة. ثمّ عاد فرفع كومةً من ثلاثة أوعيةٍ خشبيّةٍ رخيصةِ الصُّنع وبعضَ الملاعق القصديريّة الأنيقة نسبيّاً، وقد سُطِّحت أطرافُ مقابضها بخَتمٍ يصوّر خنزيراً مقلوباً رأساً على عقب.
«احرصوا على تركها هنا حين تفرغون. إنها تدوم أطولَ بكثيرٍ من الخشبيّة، ولديّ حِرفيٌّ محلّيٌّ يمنحني سعراً جيّداً فيها، لكنّها أغلى من أن أهبها. العصيدة في القِدر فوق النار، والجِعة الخفيفة في البرميل المجاور له.»
وكان هذا الأخير برميلاً تتدلّى منه عدّةُ أقداحٍ خشبيّةٍ رخيصةِ الصُّنع مُقيَّدةٍ بسلاسل.
«سنعيدها. شكراً.»
أومأ آل إيماءةً أخيرةً متعبةً امتناناً مهذّباً وتوجّه إلى قِدر العصيدة. كانت مِغرَفةٌ تتدلّى من جانبها، فاستعملها آل ليملأ الوعاء الأعلى بذلك الوَحل البُنّيّ المائل إلى الرماديّ من القِدر. لاحظ أنّه، على الأقلّ، بدا أنّ فيه بضعَ قطعٍ من لحمٍ حقيقيٍّ من نوعٍ ما. ثمّ توجّه إلى حيث جلس بوته وويكووكِت الآن، على طاولةٍ غير بعيدةٍ عن لاعبي الورق. ناول كلَّ واحدٍ منهما وعاءً فارغاً وملعقةً.
«الطعام المزعوم هناك، والشراب المزعوم هناك. لا حدَّ سوى قدرِ ما تُطيقان احتماله.» رفع ملعقةً من العصيدة إلى فمه. «الطعام ليس بالسوء الذي يبدو عليه، فاشكرا القوى الإلهيّة التي لا تُوصَف على هذا القدر على الأقلّ. آخّ»، أعلن.
كان الهُتاف الأخير قد أثاره وضعُ بوته قطعةَ قماشٍ مبلّلةً على جبهة آل. كتم آل رغبةً في الشكوى بينما نظّف بوته الجُرحَ السطحيَّ، ثمّ ضغط عليه بقطعة قماشٍ جافّةٍ. «شكراً، أيّها المُعالِج بوته.»
قال بوته: «الآن لا تتحرّك بينما أُمسك هذا هنا لحظاتٍ، وستكون بخير.» وأومأ إلى ويكووكِت: «دورُكِ الآن، ما دمنا قد أجلسناه ساكناً.»
«إذاً، كنّا ننظر في لوحة اللافتات، ويبدو أنّ هناك واحدةً أو اثنتين قد تناسباننا. ثمّة نوعٌ من الوحوش يُرهِب قرية مأوى الدجاج على مسيرة يومٍ تقريباً من هنا، وقرية بذرة اللفت تطلب من يذهب ليضع بعض الزهور على قبر أحدهم نيابةً عنهم، وثمّة واحدةٌ تشكو قُطّاعَ طُرُقٍ يسلبون الناس على الطريق، وهناك عددٌ من الشكاوى المبهمة عن الغوبلن مؤخّراً...»
اعترض آل: «أجل، أظنّ أنّ علينا أن نتجنّب الغوبلن الآن. هذا الكمُّ من الشكاوى يوحي بأنّ حولنا منهم أكثرَ بكثيرٍ من الأحمقين المجنونين اللذين هاجمانا، وأكثرَ بالتأكيد ممّا نحن مستعدّون للتعامل معه بأنفسنا.»
«بالضبط! ثمّ إن كنّا سنترحّل من قريةٍ إلى قريةٍ فقد نصادف المزيد منهم، أو أولئك القُطّاع. كنتُ أنا وبوته نفكّر أنّه ينبغي لنا حقّاً إمّا أن نضمّ بعض العَضَلات المتفرّغة، أو أن نجد غريباً آخرَ ساحراً مقاتلاً مثلك ليأخذ عنك بعض العمل. أليس كذلك؟ أو، أظنّ أنّ بوسعنا أن نبدأ من هنا أوّلاً، فثمّة من تشكو جرذاناً كبيرةً في قبوها.»
قال آل، مضطرّاً من جديدٍ إلى مقاومة الرغبة المعتادة في فرك جبهته: «انظري، قلتُ بالفعل إنّ بوسعنا أن نستطلع أمر ذلك ‹المحارب المبتدئ›، وبحسب طبيعته نقرّر ما نفعل حينها. لكن بعد أن ننال قسطاً من الراحة والطعام، أنتِ لا...»
قاطعته صيحةٌ ثَمِلةٌ من الطاولة المجاورة: «أنتم تغشّون! أعرف أنّكم تغشّون! أعيدوا إليّ مالي أيّها الغشّاشون!» وثب قرويٌّ طويلٌ نحيلٌ من مقعده وسحب سكّيناً من حزامه سحباً أخرقَ. مال رفيقاه بعيداً، يجرّان مكاسبهما نحوهما.
صاح الثَّمِل العنيف: «أعطوني!»
عبَر الانزعاجُ وجهَ ويكووكِت من ذلك الصياح، فانسلَّت سريعاً من مقعدها.
صاح الثَّمِل ملوّحاً بسكّينه على نحوٍ متخبّطٍ: «سأشقّكما كلَيكما!» ثمّ تخبّط فجأةً في حركةٍ خرقاءَ إذ وثب شخصٌ صغيرٌ على ظهره. تجمّد حين تسرّب عبر ثَمَله إدراكُ حدٍّ معدنيٍّ باردٍ يضغط على حَلقه.
قالت ويكووكِت بقدرٍ صادمٍ من التهديد: «أتدري كم مضى منذ أن سنحت لي فرصةُ قتلِ رجلٍ؟ تُريد أن تُسقِط تلك السكّين، قبل أن ترتعش يدي؟»
تذبذبت اليد الممسكة بالسكّين، وقد استنزف الشرابُ حزمها. ثمّ ارتخت الأصابع فسقطت السكّين على الأرض بجَلَبةٍ. وقف الرجل ساكناً، والخوف ممتزجاً بالحيرة يتراكضان على وجهه.
زمجرت ويكووكِت: «أنا جائعةٌ وقد قطعتَ عليّ عشائي. لحُسن حظّك، أُفضّل الأكل على القتل في هذه اللحظة. سأقول لك ما بوسعنا فعله. بوسعنا أن نمشي إلى الباب، وربّما أدعك ترحل وتكفّ عن إزعاجي. إلا إن كنتَ لا تريد ذلك؟»
«لا... لا...»
أحسّ الرجل الحدَّ المعدنيَّ البارد يضغط أقوى قليلاً.
«أعني... نعم؟ أعني، أريد أن أذهب إلى البيت...»
«إذاً ابدأ بالمشي.»
محاوِلاً جاهداً ألّا يحرّك رأسه، شقّ طريقه بحذرٍ عبر الحانة إلى المدخل.
أمرت ويكووكِت: «افتحه.» أطاع الرجل. وثبت ويكووكِت مبتعدةً عنه، راكلةً ظهره ودافعةً إيّاه خارج الباب. هبطت رشيقةً على قدميها وأغلقت الباب في حركةٍ واحدةٍ سلسةٍ، ثمّ استدارت وانحنت لمن تبقّى من روّاد الحانة. وبين أصابعها، أدارت بمهارةٍ ما كانت قد ضغطته على عنق الرجل.
«يا صاحب الحانة، هل لي بملعقةٍ أخرى؟ هذه عليها عَرَقُ عنقٍ دِهنيّ.»
هزّ آل رأسه ورفع بصره من جديدٍ إلى السقف.
«الغد لن يكون هكذا أيضاً، أليس كذلك؟» سأل آل سؤالاً بلاغيّاً كلَّ من قد يكون هناك في الأعلى مُصغياً.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion