Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 2
انطلق الثلاثةُ في سيرهم على الطريق المؤدّي إلى قرية غوتمِنستر وقد نالوا قسطاً من الراحة واستعادوا نشاطهم. كان صباحاً صافياً مشمساً. يتلوّى الدربُ الترابيّ المُخدَّد على حافة غابة البلّوط التي منحت بلدةَ البلّوط الفضّي نصفَ اسمها، عابراً منظراً طبيعياً وادعاً من المراعي وقطع المزارع. كان تغريدُ الطيور يرنّ مرحاً في الهواء، وتحمل النسائمُ اللطيفة إلى مناخرهم عبيرَ غابةٍ ربيعيّةٍ مبكّرةٍ آخذةٍ في الاستيقاظ. كانت ويكووكِت تبتسم وتصفر أحياناً بسعادةٍ محاكيةً الطيور، وتضحك كلّما بدا أنّها تُجيبها. وكان بوته يُصغي إليها أيضاً، مُركِّزاً، كأنّما يتوقّع أن يفكّ شيفرةَ معنىً خفيٍّ في الزقزقة والتغريد.
حتى آل، الذي ظلّ ساخطاً بعضَ الشيء لذَهابهم في ما رآه إلهاءً لا لزوم له وأغلبِ الظنّ عبثاً ضائعاً، بدأ يسترخي ويستمتع بالأجواء. وبعد ساعتين من التمشّي، بدأوا يرون بيوت المزارع على جانب الطريق.
«كيف نعرف أيُّها الذي نبحث عنه؟» سألت ويكووكِت.
«قال صاحبُ النُّزُل ما علينا إلّا أن نلزم الطريقَ الرئيسَ، وسيمضي بنا حتى البوّابة مباشرةً. إنّهم جماعةٌ من المغامرين الناجحين جداً على ما يبدو، استقرّوا بين مزارعين عاديّين، وأتوقّع أنّ الملكيّة ستكون بارزةً للعيان.»
وصحَّ ذلك. فبعد دقائق قليلة بلغوا سياجاً من قضبان الحديد المطروق، تعترضه بوّابةٌ حديديّةٌ كبيرةٌ ذاتُ مِصراعين تمتدّ عبر الطريق كلّه فتسدّ المدخل. وعلى مبعدةٍ خلفها، لاحت لهم دارةٌ ريفيّةٌ أنيقةٌ تليق بنبيلٍ صغيرٍ على الأقلّ، تحتشد حولها عدّةُ مبانٍ أصغر وبرجٌ حجريّ. وبدا أنّ ثمّة بيتَ عرباتٍ صغيراً وإسطبلات، ومعبداً متواضعاً من نوعٍ ما، وجزءاً من حقلٍ تناثرت فيه محاكياتٌ فجّةٌ من الخشب والقشّ لمخلوقاتٍ شتّى.
عند رؤيتها البوّابةَ، ركضت ويكووكِت أمام الآخرين لتُلقي عليها نظرةً أقربَ قبل أن يحاول أحدٌ فتحها. «آه! دعوني ألقي نظرة! يتعلّم المرءُ بضعةَ أمورٍ حين يقضي صباه متسلّلاً إلى أماكن لا يُفترَض به دخولها!»
«يبدو أنّها مقفلة،» قالت بعد فحصٍ قصير، حريصةً على إبعاد أصابعها. أخرجت من كمّها أدواتٍ معدنيّةً رفيعةً وراحت تنكُش القُفلَ بها. «أتظنّون أنّهم نصبوا فِخاخاً خبيثة؟»
«لا.» أجاب بوته. فالتفت آل وويكووكِت لينظرا إليه.
«كيف تعرف أنتَ ذلك؟ هل معنا اليوم بوته خبير الفِخاخ؟» سأل آل.
«حقاً ينبغي لك أن تدرس الفلسفة دراسةً أفضلَ يوماً ما. كما قلتُ من قبل، لا يوجد أبداً سوى بوته الذي تخاطبه أنت. أمّا جواباً عن سؤالك، فأنا لا أعرف يقيناً في الحقيقة،» أجاب بوته مستمتعاً بالمُداعبة، «لكنّ الإعلان دعانا صراحةً. قد يرغب المُلّاك في ثَني المتطفّلين عن العبور، لكن لا معنى لأن يحاولوا إيذاءنا لأنّنا لبّينا دعوتهم.»
«إنّه محقٌّ، مع ذلك،» أضافت ويكووكِت، «على الأقلّ، لا أرى أثراً لأيّ فِخاخ.»
تقدّم آل نحو البوّابة ودفعها مختبِراً إيّاها. لم تتحرّك، لكنّ شيئاً خلفها مباشرةً تحرّك.
كان ثمّة وميضٌ من ضوءٍ قرمزيٍّ ساطعٍ ودَندنةٌ عميقةٌ تهزّ العظام صدرت عمّا بدا أنّه دائرةٌ سحريّةٌ كانت مخفيّةً من قبل، واسعةٌ بما يكفي لتغطية عرض الطريق كلّه خلف البوّابة. وبصوتٍ مروّعٍ كأنّ الأرض نفسها تتقيّأ شيئاً، دُفعت إلى السطح كتلةٌ هائلةٌ من المَجَسّات المتلوّية. بدا أنّ نصفها تقريباً مُتوَّجٌ إمّا بعينٍ أو بفم، كلٌّ منها مختلفٌ عن الآخر. كانت المَجَسّات تتلوّى بعضُها حول بعضٍ حتى استحال تبيُّنُ ما إذا كان ثمّة جسدٌ تتّصل به. ورافق الحركةَ الدائبةَ لكتلة المَجَسّات صوتٌ كمن يعجن حوضاً عملاقاً من الأحشاء. والتوى أغلبُ المَجَسّات المُتوَّجة بالعيون لينظر إلى آل.
قفز المغامرون الثلاثة جميعاً مبتعدين عن البوّابة، وأزاح آل الجانبَ الأيسرَ من رِدائه ليمسك بصولجانه، مهما تكن جدواه إن هوجِموا.
انفتحت الأفواه، وتكلّمت أصواتٌ.
«لَيسَ هَذا مَكاناً لِلطَّمَعِ أوِ الحِقْد. لِمَ أتَيتُم إلى قَصرِ نوتاميمِك؟» قالت الأصوات في تناغمٍ في أغلبها. وكان آل على يقينٍ من أنّه سمع أحدَها يهمس بشيءٍ عن التهام أرواحهم عوضاً عن ذلك.
«آه، رأينا إعلاناً في الخنزير المُخلَّل وقد جئنا...،» بدأ آل، لكنّ البوّابة أصدرت صوتَ طَقٍّ وانفتحت قليلاً حين نطق «الخنزير المُخلَّل». ولم يبدُ أنّ المِسخَ على الجانب الآخر من البوّابة قد لاحظ ذلك.
«هَذا إنذارُكُمُ الوَحيد. إنْ جِئتُم بِنِيَّةِ العُنفِ أوِ السَّرِقَةِ فارْحَلوا! وإلّا كانَ مَصيرُكُم مَحتوماً بَغيضاً لا رَجعةَ فيه!» قال أغلبُ الأصوات، ما عدا صوتاً واحداً خفيضاً بدا يهمس بلهفةٍ عن تمزيقِ اللحم وشيءٍ ما يودّ فعله بمُقَل العيون.
ولدهشة ويكووكِت وبوته، كان آل قد شرع بالفعل في فتح البوّابة ماشياً نحو الشيء، بينما ومضت الدائرةُ السحريّة من جديد وانسحبت الكتلةُ المتلوّية إلى باطن الأرض. وحين بلغ آلُ الموضعَ الذي كانت فيه، لم يبقَ شيءٌ مرئيٌّ سوى الطريق نفسه.
«أغلقوا البوّابة خلفكم،» قال آل للآخرين وهم يقتربون بحذرٍ أكبر. ففعل بوته.
«هل جُننتَ؟» سألت ويكووكِت محدّقةً في وجه آل بقلق. «أنا باحثةُ الإثارة المحترفة هنا، وحتى أنا لم أشأِ الاقترابَ من ذلك الشيء! لو لم يُرَدَّ من حيث أتى قبل أن تبلغه، فمن يدري أيَّ أمرٍ فظيعٍ كان سيفعله بك حين تقترب!»
«لا شيء،» قال آل بشيءٍ من الزهو. «مجرّد وهم. ألم تلاحظي أنّه ظلّ يحدّق في البوّابة حتى بعد أن قفزنا مبتعدين عنه؟ ومع ذلك، فمن صاغ ذلك العرضَ الصغير لا بدّ أنّه رأى أموراً مرعبةً حقاً حتى استحضر صورةً كهذه. هيّا، لنُنهِ هذا الأمر. ما زلتُ أقول إنّه مضيعةٌ للوقت، لكن عليّ أن أعترف بأنّني فضوليٌّ بعضَ الشيء لألقى من صنع تلك التحيّة.»
«كلامُ ساحرٍ حقيقيّ! يبدو أنّني بلا عملٍ الآن!» مازحت ويكووكِت.
«كوني أُلمّ بشيءٍ من السِّحر لا يعني أنّني لستُ مقاتلاً،» تذمّر آل فيما شقّوا طريقهم صعوداً نحو الباب الأماميّ للقصر. كان باباً بلّوطيّاً أنيقاً كبيراً، مُحكماً بالحديد. كان من الطول بحيث يتّسع لإنسانٍ بالغٍ راكبٍ على كتفَي إنسانٍ بالغٍ آخر، ومن العرض بحيث يمرّ ثلاثةٌ منهم جنباً إلى جنب. وكانت تعريشاتٌ تتسلّق الجدارين على جانبَي الباب تكسوها كرومُ زينةٍ يانعة.
سلّت ويكووكِت سيفها الرفيع، وطعنت الباب طعنةً خفيفة، ثم قفزت إلى الخلف.
«ماذا تفعلين؟»
«أختبر فحسب. أعني، ‹نوتاميمِك›؟ ماذا لو كان فعلاً مُحاكياً عملاقاً، ربما يستدرجون المسافرين إلى هنا ليُطعموه إيّاهم.» أجابت مراقبةً الباب لتتأكّد من أنّه لا يختلج. ثم انتقلت جانباً لتكرّر العمليّة مع الكروم.
«لا أظنّ أنّ المُحاكيات الحقيقيّة تبلغ هذا الحجم فعلاً،» قال آل. «رغم أنّ الناس يبدون مولعين بالحديث عنها، فهي ليست شائعةً إلى هذا الحدّ. أظنّنا كنّا سنسمع حكاياتٍ عنها لو عثر أحدٌ يوماً على واحدةٍ بحجم بيت.»
«أو ربّما تلك التي تبلغ ذلك الحجم تلتهم كلَّ من يكتشف أمرها.» أعادت سيفها الرفيع إلى غِمده وراحت تمدّ يدها ببطءٍ نحو الكروم. ولمّا لم تتفاعل، قطفت بسرعةٍ ورقةً وسحبت يدها إلى الوراء.
الكرومُ لم تنقضّ عليها ولم تلتهمها، فاسترخت وفحصت الورقة، تلويها وتشدّها. ثم بابتسامةٍ ماكرةٍ آخذةٍ في الاتّساع، رمقت التعريشةَ التي تنمو عليها الكروم.
«أظنّني ينبغي أن أتفقّد المكان. تعرفون، لأرى أيّ أسرارٍ مظلمةٍ قد يُخفونها عنّا.» قالت وهي تشدّ التعريشةَ لتختبر مدى قوّتها.
«قطعاً لا،» قال آل، «هؤلاء يبدون أناساً بالغي الخبرة والقوّة، وأظنّهم قد ... يستاؤون ... إن اكتشفوا في بيتهم من قد يكون لصّاً أو قاتلاً مأجوراً.»
«هيّا، سأكون بخير، تعرفون أنّني أستطيع التسلّل حين أشاء. ثمّ إنّني جئتُ في هذه الرحلة طلباً لبعض المغامرة، ولا أظنّ أنّ مجرّد الطَّرْق على الباب الأماميّ والدخول بدعوةٍ أمرٌ مغامرٌ إلى هذا الحدّ. لن آخذ شيئاً ولن أوذي أحداً، سألقي نظرةً حولي فحسب ثم أعود. اطرقوا أنتم الباب، وحين يأتون للقائكم سأجد سبيلاً للدخول بينما انتباههم منصبٌّ عليكم. أخبروهم أنّه كان عليّ قضاء أمرٍ ما وأنّني سألحق بكم لاحقاً. وبعد أن ألقي نظرةً حولي سأعود وأطرق الباب الأماميّ.»
«ويكووكِت، لا، بجدّية، هذا خطيرٌ جداً. ساعدني هنا يا بوته، أخبرها كم هذا خطير.»
نظر بوته باتّجاه ويكووكِت، وعيناه شاردتان وهو يحاول أن يرى بعضَ علامةٍ لما هو آتٍ. ثم تنهّد، والتفت ليركّز على آل. «الإشارات غامضةٌ عليّ. قد يكون خيراً، وقد يكون شرّاً. أمّا عقلانياً، فأظنّك محقّاً، لكنّني أظنّ أنّنا كلينا نعلم أنّنا لا نستطيع حقاً إيقافها إن عقدت العزم.»
«شكراً على المساعدة.» قال آل بسخريةٍ واضحة.
«بدا أنّ صاحب النُّزُل يظنّ أهلَ هذا المكان أناساً عادلين شرفاء. أظنّ أنّها ما دامت لا تسرق ولا تُتلف شيئاً ولا تهدّد أحداً، فإنّ أسوأ ما قد يحدث إن ضُبطت هو أن نُطرَد دون أن نلتقي مقاتلَهم الفتيّ هذا. أظنّ ذلك سيكون مؤسفاً، لكنّني لا أظنّهم سيُلحقون بنا أذى.»
«آه، أجل، هذه وجهةُ نظرٍ سديدة. سيكون من المؤسف حقاً لو حدث ذلك.» تأمّل آل ساخراً. «حسناً، تقدّمي إذاً. لكن، حقاً، كوني حذرة، ولا تفعلي أيّ شيءٍ آخر قد يستفزّ أهل المكان.»
كانت ويكووكِت قد بلغت بالفعل منتصفَ التعريشة، تصعد برشاقة. لوّحت إلى الأسفل بمرح، وأكملت الصعود حتى السطح، دون أن ينتبه إليها أحدٌ على ما يبدو سوى رفيقَيها في المغامرة وعقعقٍ وحيدٍ يتمدّد في الشمس أعلى التعريشة. ومغتاظاً، قفز مبتعداً عنها صاعداً في السقف مُصدِراً أصواتَ عقعقٍ غاضبة. أعطت ويكووكِت آل وبوته تلويحةً أخيرةً قبل أن تبتعد عن حافة السقف، ونظرت حولها لترى ما لديها لتعمل به. فبخلاف العقعق، الذي صار يراقبها الآن باهتمامٍ فضوليّ، ونفسِها، لم يكن على السطح سوى المداخن. في أحد طرفَي المبنى، انبعث الدخان من إحداها، وأوحت رائحةُ لحمٍ طاهٍ خفيفةٌ بأنّه آتٍ من المطبخ. وفي الطرف الآخر، مدخنةٌ صغيرةٌ خامدة، لعلّها متّصلةٌ بموقدٍ يُستعمل للتدفئة الإضافيّة لأيّ غرفٍ في ذلك الطرف. كانت أصغر من أن يُنزَل عبرها. وفي الوسط، مثاليّةٌ تماماً: مدخنةٌ كبيرة، لعلّها للنار المركزيّة التي تدفّئ المبنى. لم يكن دخانٌ يتصاعد منها، فقد كان اليوم من الجمال بحيث لم يحتاجوا على الأرجح إلى نارٍ ذلك الصباح.
زحفت بهدوءٍ عبر السطح لتنكمش بجانب المدخنة، فأفزعت حركتُها العقعقَ من جديد.
«إك-إك-إك-إك-إك!» نعق مُتّهِماً إيّاها.
«إك-إك-إك-إك-إك أنت الآخر!» ردّت ويكووكِت مُقلّدةً نداءَ الطائر تقليداً لا بأس به. «سألقي نظرةً حولي فحسب، اهدأ!» أضافت بصوتٍ أخفض.
«إك-إك-إك-إك-إك!» كرّر العقعق. ثم وثب في الهواء ورفرف مبتعداً.
مدّت ويكووكِت يدها إلى داخل كمّها الأيسر لتُخرج الخُطّاف والحبلَ الخفيفَ الباهظَ الثمن المربوطَ به، وانتظرت.
* «نوتاميمِك» (Notamimic): يتضمّن الاسمُ في أصله الإنجليزيّ توريةً معناها «ليس مُحاكياً» (not-a-mimic)، والمُحاكي مِسخٌ يتنكّر في هيئة الأشياء ليفترس من يقترب منه؛ ومن هنا مزحةُ ويكووكِت. تعذّر نقلُ التورية في الاسم المُعرَّب.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion