Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 3
لم يكن على الباب مِطرقة، فطرَقه آل بمَفاصل أصابعه طَرقاً حازماً. أحدثت صوتاً ضئيلاً جدّاً في مواجهة ذلك الباب الضخم جدّاً. عبَس آل وحاول مرّةً أخرى بقوّةٍ أكبر، فأصدر صوتاً أقلَّ ضآلةً بقليل. وبينما كان آل يتساءل إن كان عليه أن يستعين بصولجانه في الطَّرق، سُمِع صوتُ مِزلاجٍ يُرفَع من الجهة الأخرى للباب، فانفتح ببطء. كانت المرأة التي فتحته طويلةً بالنسبة إلى إلفٍ، ذات شَعرٍ كتّانيٍّ طويلٍ يميل قليلاً إلى الخُضرة، وعينين بلون الزُّمرُّد. ارتدت جَزمتين جِلديّتين عاليتين وسروالاً، وسُترةً بيضاء بسيطةً طُرِّز عليها رمزُ كوستوديلا، إلهةِ الرحمة والمدافعةِ عن المظلومين، بخيطٍ أسود. وكان سيفٌ طويلٌ مغموداً معلّقاً في حِزامها.
تفحّصت الزائرَين على بابها، ثم أرسلت بصرها إلى ما وراءهما.
«لا أرى عربةً مُحمّلةً بالمؤن،» قالت، «فأحسبُ أنّكما لستما هنا لأجل التوصيلة الأسبوعيّة.»
«آه، لا. أنا آل، وهذا بوته، رأينا الإعلان على اللوحة في الخنزير المُخلَّل، وأصرّ رفاقي على أنّنا قد نستفيد من وجود مقاتلٍ إضافيّ معنا في أسفارنا المقبلة، وها نحن أولاء.»
«رفاق؟» نظرت إلى بوته. «كم عددُكم خلف تلك اللحية؟» سألت وفي نبرتها مسحةٌ من تسلية.
«قد أكون كثيرين، لكنّني في الوقت نفسه، كما لا أنفكُّ أحاول أن أشرح لآل هنا، لستُ إلّا بوته الذي تكلّمينه لا غير،» أجاب بوته، مشيراً إلى عينه، فأنفه، فأُذنه، ثم فمه على العادة المألوفة لدى مُتعبِّدي إنديسينا. «غير أنّ لجماعتنا عضواً ثالثاً. كان عليها أن تُنجز أمراً ما، لكنّها ستلحق بنا لاحقاً. قالت إنّها ستطرق الباب حين تصل.»
«فهمتُ.»
انحنت المرأةُ الإلفيّة انحناءةً خفيفة، وقد ضمّت يديها أمامها على طريقة جماعتها. «أنا مالاغريل، بالادين كوستوديلا. إذن، أنت يا بوته ممثّلُ الإلهيّ، وأنت،» التفتت إلى آل، «الساحر. وأحسبُ أنّنا ننتظر مقاتلكم الحاليّ؟» ضيّقت عينيها قليلاً وهي تقول ذلك، ولم يكن آل متيقّناً إن كانت تُمازحه عن قصدٍ أم لا.
«أنا مقاتلُنا الحاليّ. كنتُ في الجيش، أتعلمين. أعني، نعم، أعرف شيئاً من السِّحر، وقد كان نافعاً في شتّى المهامّ العسكريّة. عندي درعٌ وكلُّ شيء، لكنّي أرتدي الأثواب لأنّ...» كفَّ عن الاسترسال أكثر. فـأمّي هي من أجبرتني على ارتدائها لم يكن أمراً يودُّ قوله بصوتٍ مسموع. «حسناً، هذا أمرٌ متوقَّعٌ نوعاً ما، على ما أظنّ. على أيّ حال، ويكووكِت خبيرتُنا في الأداء والدهاء والتكتُّم.»
«آه، لصّتُكم.»
«أرى ذلك مُجحفاً، لا أظنّها سرقت يوماً شيئاً من صاحبه الشرعيّ حقّاً.»
«‹محتالة›، إذن. لقد استغنينا في مساعينا عن شخصٍ متفرّغٍ لهذا الدور، لكنّني لا بدّ أن أعترف بأنّنا ندِمنا على ذلك أحياناً. حسناً، تفضّلا بالدخول، يمكننا أن نتحدّث في الرَّدهة ريثما ننتظر وصول رفيقتكما.»
من مَجثمها في ظِلّ المدخنة، لم تستطع ويكووكِت أن تسمع ما قيل بوضوح، لكنّها أدركت متى انتقل الحديث إلى الداخل، وسمعت الباب يُوصَد بجَلَبة. ابتسمت ابتسامةً عريضة، ثم صعدت فوق المدخنة وأثبتت الخُطّاف في طرف حبلها على حافّتها. شدّته بضع مرّاتٍ لتتأكّد من ثباته، ثم شرعت تُدلّي نفسها على مَهلٍ منحدرةً على طوله. فوجدت نفسها معلّقةً فوق مِدفأةٍ كبيرة. تدلّت مقلوبةً رأساً على عقِب لتُطلّ على الغرفة الملحقة بها. لم يكن أيٌّ من الشموع مُضاءً، غير أنّ النوافذ المستورة بالستائر كانت تُدخِل من ضوء الشمس ما يكفي لتبيُّن أنّها غرفةٌ واسعة، تبدو مخصّصةً لعرض ما جمعه صاحباها من تذكارات المغامرات.
بدا أحد الجُدران مكسوّاً بتشكيلةٍ واسعة من الأسلحة، تتخلّلها قِطعٌ من الدروع منصوبة. وتناثرت هنا وهناك مَنسوجاتٌ ولوحاتٌ ومنحوتاتٌ صغيرة من أصولٍ شديدة التباين. واحتلّ رفٌّ كبيرٌ للكتب جانباً كبيراً من أحد الجُدران، وعليه مُجلَّداتٌ ولفائفُ وأكوامٌ قليلة من الوثائق المتناثرة، إلى جانب بضعة ألواحٍ من الحجر أو الطين المنقوش. بل كان ثمّة رُكنٌ تسكنه الجلود والفِراء والإهاب، وهياكلُ عظميّة أُعيد تركيبها، وأجسادٌ كاملة مُحنَّطة لمخلوقاتٍ غريبةٍ تبدو خَطِرة.
أنزلت ويكووكِت نفسها أكثر، ثم تأرجحت حتى تمكّنت من الوثوب إلى حافّة المَوقِد، مُتفاديةً الرماد في المِدفأة. هبطت في صمتٍ يكاد يكون تامّاً، وتجمّدت، مُصغِيةً بانتباهٍ لأيّ ردّ فعل. ولمّا لم تسمع شيئاً، استرخت، وأخذت تجول في أرجاء الغرفة بهدوءٍ تتفحّص محتوياتها. كان بجانب كثيرٍ من الأشياء مُربّعاتٌ صغيرة من الرَّقّ، بعضها يُبيّن بوضوحٍ مصدرها أحياناً، وبعضها يحمل تعليقاتٍ غامضة تُشير فيما يبدو إلى نُكتةٍ خاصّة يتقاسمها صاحباها.
ولسوء حظّ ويكووكِت، كانت مستغرقةً في تأمُّل معروضٍ من الحُليّ الغريبة المتلألئة، أكثر من أن تنتبه إلى ضوء النهار الخافت من النوافذ وهو ينعكس كهرماناً عن عينين محدِّقتين، تخُصّان ما ظنّته عيّنةً محنّطةً كبيرةً جرباء. نهض المخلوق ببطء، ثم تسلّل إلى الأمام بخفّةٍ صامتة تنمُّ عن مفترسٍ محنَّك. لم يُنبّهها اضطرابُ الهواء الطفيف إلّا بعد فوات الأوان.
وبينما التفتت لمواجهة الخطر المفاجئ، اندفع أحد أطرافه فأمسك برأسها، وغرزت مخالبُه القصيرة في الجلد حول فروة رأسها. جذبها المخلوق إليه، ولم يقوَ جسدُها الغنوميُّ الصغير على إبداء أيّ مقاومةٍ لقوّته.
بذلك الوضوح المُنغِّص الذي يعتري من يواجه موتاً وشيكاً، راحت تُقلِّب خياراتها: أتمدُّ يدها إلى سيفها الرفيع، آمِلةً أن تُسدِّد طعنةً أو طعنتين قبل أن يُمزّقها الشيءُ إرباً؟ أم تتظاهر بالموت، آمِلةً أن يُفلتها مدّةً تكفي للفِرار قبل أن يلتهمها؟ أم تصرخ مستغيثةً، آمِلةً أن تصل النجدة في الوقت المناسب؟
امتدّ خَطمُ المخلوق في ابتسامةٍ وحشيّة، كاشفاً عن صفوفٍ من الأسنان المُسنَّنة القادرة على سحق العظام وتمزيق اللحم، على بُعد بوصاتٍ قليلة من وجهها.
ارتفعت يدُ المخلوق الأخرى المعقودة، رافعةً إصبعاً واحداً ذا مِخلبٍ قصير بينها وبين فكّيه.
«صّهْهْهْهْهْهْ.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion