Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 4
أدخلَت مالاغريل آل وبوته، ثمّ دفعت الباب الأماميّ ليُغلَق من جديد.
تبيّن أنّ الرَّدهة غرفةٌ مربّعةٌ متوسّطة الاتّساع، خاليةٌ من الزينة إلّا من ثُريّا شمعدانٍ ضخمةٍ رباعيّةِ الأذرُع في وسطها، تلتفّ حول كلّ شمعةٍ منها لهبةٌ كبيرةٌ تكفي أن تصدر عن مشعلٍ كامل، ومع ذلك ظلّت فتائلها غير محترقة. لم يتصاعد منها دخان، ولم يذُب شمعها، غير أنّها أنارت الغرفة خير إنارة. وكان ثمّة أيضاً مجموعةٌ من الكراسي والأرائك الوثيرة الوِسادة مبعثرةً في أرجاء الغرفة بلا نظام. وفي كلّ جدارٍ بابٌ واحد، بما في ذلك الباب الذي دخلوا منه.
قالت مالاغريل ملوّحةً نحو صفّ الأثاث: «تفضّلا بالراحة، فالآخرون سيرغبون في لقائكما أيضاً.» اختار بوته كرسيّاً ذا ذراعين قرب اللهب، وراح يحدّق فيه. أمّا آل فاستقرّ على أريكةٍ تبدو مريحة.
أومأت لهما مالاغريل برأسها وقالت: «سأعود بعد قليل.» ثمّ خرجت من الباب المقابل، وأغلقته خلفها بهدوء.
ما إن أُغلق الباب حتّى وثب آل واقفاً على قدميه. وبينما بدت عليه مسحةُ حرج، رسم بأصابعه رموزاً غامضةً في الهواء وهو يتمتم بتعويذةٍ قصيرة. ثمّ طاف بالغرفة سريعاً، يُمعن النظر في كلّ تفصيلٍ فيها.
قال: «أنا مندهشٌ بعض الشيء؛ لا يبدو أنّ على الأبواب أيّ رُقى حماية، ولا أثرَ لتأثيراتٍ سحريّةٍ خامدةٍ أو فاعلة. لا شيء البتّة سوى إضاءتهم الفاخرة.» ونظر ثانيةً إلى الشموع الملفوفة بلهبها غير الطبيعيّ. «أظنّني قرأتُ عن هذا. لا يزال أعلى قليلاً من مستوى فهمي، لكنّه تعويذةٌ موثّقةٌ جيّداً. غير أنّه مُكلفٌ بعض الشيء؛ فثمّة تأثيرٌ خيميائيٌّ داخلٌ فيه، وثمن مكوّنات هذه الأربع مجتمعةً كفيلٌ على الأرجح بأن يُطعم أحدهم ويقيه العَراء عاماً كاملاً.»
فأجاب بوته، وهو لا يزال يحدّق في اللهب المُترجرِج متأمّلاً: «هذا جيّد؛ فإن لم تكن ثمّة تأثيراتٌ خارقةٌ تراقبنا، فهذا يعني أنّهم لا يشاهدونك أيضاً وأنت تتلصّص في رَدهتهم. حسناً، ليس سحريّاً على الأقلّ.»
«آه. نعم. حسناً، لا أظنّهم سيستاؤون إن أُعجب ضيوفهم بالغرفة التي دُعوا إليها، أليس كذلك؟» عاد آل مسرعاً إلى أريكته وجلس من جديد، وأخذ يتلوّى في مكانه.
وأخيراً سأل: «إذن... أيّ نوعٍ من الناس تظنّ هذا ‹المحارب المبتدئ› قد يكون؟»
أجاب بوته، وهو يُشيح عن اللهب ليواجه آل: «لا يزال للمستقبل أسراره. أظنّ أنّ بوسعنا أن نفترض أنّ بالادين لكوستوديلا لن يُخالط جشِعاً أو قاسياً.»
«فلِمَ إذن يحتاجون منّا أن نكون ‹منفتحي الذهن›؟»
«رُبّما لهم أصلٌ تعيسٌ من نوعٍ ما. كان الجدّ أوركاً، أو حتّى شيطانيّاً، من هذا القبيل؟»
«لا أدري، هذا أشيعُ بكثيرٍ ممّا تظنّ. حاربتُ إلى جانب الرقيب برودنس في الجيش... حسناً، في الواقع كنتُ أشحذ السيوف لها. لكنّها كانت من ذلك الصنف، إذ كان لها القرنان والذَّيل وكلّ ذلك، إلّا أنّها لم تكن سوى جنديّةٍ كسائر الجنود، عدا أنّها كانت تنتهي دائماً إلى نوبة الحراسة الليليّة بسبب قوّة بصرها.» حكّ آل ذقنه مفكّراً. «هممم، ألا يمكن أن يكونوا نوعاً ما من الموتى الأحياء؟ لا أعرف طريقةً يستطيع بها أيُّ شخصٍ محترمٍ أن يجرّ أرواح الموتى قسراً لتمشي في عالم الأحياء، لكنّ الرُّوح التعيسة التي تقع ضحيّةً لذلك لا يلزم أن تكون هي نفسها خبيثةً، على حدّ ما قرأت.»
«تعدّ كوستوديلا وأتباعها الموتى الأحياء ضحايا لِعنةٍ أو داءٍ من نوعٍ ما ينبغي شفاؤه. لا أظنّهم يخوضون المغامرات برفقة الموتى الأحياء، ولا شكّ أنّهم لن يرسلوهم إلى العالم وحدهم.»
ظلّا يتكهّنان حيناً، لكنّهما اضطُرّا في النهاية إلى الإقرار بأنّه لا سبيل لهما إلى التخمين.
تأمّل آل قائلاً: «رُبّما هم قِباحُ الوجوه فحسب.»
قطع حديثَهما دَويٌّ عالٍ مُفزِعٌ واحد، كأنّه صادرٌ عن كبش هدم، من الباب الذي دخلا منه. ارتفع مِزلاجه من تلقاء نفسه، ودُفع الباب لينفتح. ومن الفتحة تسلّلت بصعوبةٍ امرأةٌ نحيلةٌ واهنةُ المظهر في منتصف العمر، بشريّةٌ في كلّ ما يبدو منها. كان لها شعرٌ أشقرُ طويلٌ يخالطه الشيب وعينان زرقاوان، وارتدت عباءةَ ساحرٍ ذهبيّة اللون تبدو باهظة الثمن، مُطرّزةَ الأطراف بالأزرق. وعلى رأسها قبّعةٌ تقليديّةٌ مدبّبةٌ عريضة الحافّة تُطابقها. وفوق القبّعة، وقف عقعقٌ جاثماً. وبجهدٍ ظاهر، دفعت الباب ليُغلَق من جديد.
قالت: «أخبرني كودِكس أنّ لدينا ضيفاً.» كان صوتها خفيضاً رقيقاً، لكنّه واثق. تفحّصت آل وبوته، ثمّ نزعت قبّعتها. أمسكتها أمامها حتّى صارت عيناها بمحاذاة العقعق الجاثم فوقها، وسألته: «ضيفٌ واحد؟» فزقزق لها وغرّد ردّاً.
قالت: «فهمتُ.» وأعادت القبّعة إلى رأسها، وهي تُلقي على آل وبوته نظرةً مُرتابة. نطّ الطائر نطّةً خفيفةً ليظلّ مواجهاً للأمام. «أنا ميليسا. وأنتما؟...»
نهض آل وانحنى انحناءةً صغيرةً مؤدّبة. «أنا آل، وهذا بوته. جئنا لنسأل عن إعلانكم في الخنزير المُخلَّل. قُل لي، أكان ذلك وَهمَك السحريّ عند البوّابة؟»
أشرق وجه ميليسا. «نعم، هو كذلك. أأعجبك؟»
أجاب آل باستحسان: «كان مرعباً.» ثمّ أضاف: «أهو شخصٌ تعرفينه؟»
«رفيقٌ لساحرٍ عجوزٍ صغيرٍ فُضوليٍّ أعرفه. لا أدري طبيعة اتّفاقه مع الشيطان على وجه الدقّة، لكنّي أتوقّع أنّه أمرٌ خطير. تعرف كم يبلغ قوم الغنوم من التهوّر.»
«آه... هه هه... أجل.» ضحك آل ضحكةً عصبيّة.
أنقذه عندئذٍ انفتاحُ الباب الذي كانت مالاغريل قد خرجت منه. بدا الرجل الذي دخل منه أشبه بمزارعٍ منه بمغامر. قد يُوصف بلُطفٍ بأنّه ‹مُمتلئ›، أو بلا لُطفٍ بأنّه ‹مُكتنِز›. كان قصيراً بمقاييس البشر، يرتدي ثوباً من قطعةٍ واحدةٍ من قماشٍ سميكٍ بسيطٍ يغطّي ساقيه وجسده، مُدعَّماً عند الرُّكبتين برُقعٍ جلديّةٍ مخيطة. ولبس ذلك فوق قميصٍ بسيطٍ مُرقَّعٍ عند المرفقين كذلك. كانت يده اليمنى الخَشِنة تُمسك بعصا راعٍ بسيطة. أمّا ابتسامته اللطيفة وعيناه البنّيّتان الوديعتان فكانتا تُوحيان برجلٍ يحيا حياةً راضية. نزع قبّعة القشّ التي كان يعتمرها، فكشف عن شعرٍ بنّيٍّ تتوسّطه بُقعةُ صَلَع. ودخلت مالاغريل خلفه وقدّمته.
قالت: «هذا بوب، الخادم المُخلص لبيكوس.» وكان إله القطعان والأغنام محبوباً بين أهل الريف لأسبابٍ بيّنة. «آه، ميليسا، أرى أنّكِ هنا بالفعل. لقد أخبرتُ غراكثور، فلا بدّ أنّه سيلحق بنا عمّا قريب. ألم تصل رفيقتكم بعد؟»
أجاب آل كاظماً توتّره: «آه، لا، لا، ليس بعد، لكنّها لن تكون بعيدةً خلفنا.»
وافقت ميليسا: «واثقةٌ أنّنا سنلقاها بعد قليل.» وبدأ آل يتصبّب عرقاً قليلاً.
ردّت مالاغريل: «أرجو ذلك. لقد طلبتُ من الطاهي أن يُعِدّ عشاءً مبكّراً. حريٌّ بعضونا المبتدئ أن يلتقي رفقته الجديدة المُرتقَبة، وأن نبحث الأمور على مائدة الطعام.»
تدخّل بوب قائلاً: «أرجو أن تحبّوا الجبن، فنحن نحصل على الكثير منه من ماعزنا وأغنامنا.»
ثمّ انفتح أحد الأبواب الجانبيّة، ودلف رجلٌ ضخمٌ يخطو في وقارٍ إلى الداخل. للحظةٍ واحدةٍ فقط، شعر آل بالأمل والغيرة معاً، فقد كان للقادم الجديد مظهر المحارب الفطريّ. كان مفتول العضلات، ذا بشرةٍ ضاربةٍ إلى الرُّمادة وأنيابٍ باديةٍ تدلّ على أصلٍ أوركيّ. وأدرك آل سبب دعوة الإعلان إلى الانفتاح الذهنيّ، فثقافة الأورك وقومهم لم يكونوا محلّ تقديرٍ عموماً. بدا هذا القادم الجديد كمن يكون بالغ القدرة في القتال، ومن ثمّ كمن يُرجَّح أن يطغى على آل في ذلك المضمار. كان يرتدي جزمةً جلديّةً خشنةً وسروالاً فضفاضاً رماديّاً داكناً وقميصاً من قماشٍ خشنٍ يبدو متيناً. وكان يمسك بطرف حبلٍ في يده اليمنى وهو يمضي إلى داخل الغرفة.
بدأت مالاغريل: «آه، غراكثور، هذان...» لكنّها توقّفت فجأةً، وهي تنظر إلى ما كان خلف الباب. تجهّم وجهها، وسمعها آل تقول بصوتٍ خفيض: «يا للهول.» وكان بوب ينظر أيضاً بعينين متّسعتين، وقد أطبق يده بإحكامٍ على فمه. أمّا غراكثور فمضى إلى داخل الغرفة محدّقاً أمامه مباشرةً، وتجمّد آل حين رأى ما كان في الطرف الآخر من الحبل.
كان شيئاً ضخماً وحشيّاً من نوعٍ ما يمشي على أربع. أمّا الطرف الآخر من الحبل فكان مثبّتاً في طوقه. أثار مظهره في ذهن آل ذكرى شيءٍ قرأ عنه ذات مرّة، لكنّه عجز عن التفكير أو التمعّن أبعد من ذلك، إذ كان انتباهه مشدوداً كلّه إلى فَكَّي ذلك الشيء.
الفكّان اللذان يحملان جسد ويكووكِت المُترهّل من مؤخّرة عنقها.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion