Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 5
رغم الصدمة والهَول، ردَّ آل بحركةٍ لا إراديّة طرفَ رداء ساحره إلى الخلف، وكان الصولجان جاهزاً في يده قبل أن يفرغ وعيه من التفكير فيما ينبغي فعله. قد تكون حيّةً بعد، فكّر، لكنّها قد لا تبقى كذلك إن ازداد العنف حدّةً.
«دَعْها...! إن كنتَ...!» صاح آل بكلماتٍ متلعثمة.
ارتجف جسد ويكووكِت، وأفلتَ من شفتيها صوتٌ صغيرٌ مخنوق.
لعلّها ما تزال قابلةً للإنقاذ!
ألقى آل نظرةً سريعةً على البقيّة في الغرفة. كانت مالاغريل قد أخفت وجهها بين يديها. أمّا بوب فظلَّ محدِّقاً ويدُه مطبقةٌ على فمه. وكان بوته قد تقدّم خطوةً ومال إلى الأمام يرقب المخلوق عن كثب. ووقف غراكثور منتصباً كأنّه في وضع الاستعداد، وإن خُيّل إلى آل أنّه رأى عينَي غراكثور تتّجهان نحوه. وأخيراً، إذ خاطر بنظرةٍ خاطفةٍ خلفه، تبيّن له أنّ على وجه ميليسا أدقَّ تعبيرٍ بدا، على نحوٍ غريب، دهشةً سارّة. ثمّ عاد انتباه آل إلى المخلوق ومَن يمسك به.
«مُرْه أن يُنزلها!» طالبَ آل، «أُقسم لئن كنتم قد آذيتموها لأجعلنّكم تدفعون الثمن!»
لم يكن متأكّداً كيف سيجعلهم يدفعون الثمن إن رفضوا، لكن لم يكن ثمّة وقتٌ للتفكير في ذلك.
استدار رأس المخلوق على الفور، والتقت عيناه بنظرة آل مباشرةً، بوعيٍ يفوق ما ينبغي لأيّ وحشٍ أبكم. خفَض رأسه قليلاً ووضع جسد ويكووكِت المُرتخي على الأرض، دون أن يقطع التواصل البصريّ، بل كاشراً عن أنيابه في تحدٍّ. ثمّ انفرج فكّاه.
ثمّ تكلّم.
«يا... عزيزي... الرفيق...» بهذا بدأ الصوتُ العميقُ المشوبُ بزمجرةٍ خفيفة، ينطق ببطءٍ حتى بدا كلُّ مقطعٍ وكأنّه يزحف صاعداً من أعماق حَلق المخلوق. تقطّب جبينُه وكأنّ اختيار الكلمات التي يتلوها كلّفه جهدَ تركيزٍ كبيراً. «لا حاجة... إلى هذه... العدائيّة. فما نحن... إلّا... نؤدّي عرضاً... بغرض... التسلية»، ثمّ أنهى كلامه.
عاد الصوت المخنوق يصدر عن ويكووكِت، ثمّ انفجر أخيراً إذ تشنّج جسدها... ضاحكةً. نهض قاتلها المزعوم على قائمتيه الخلفيّتين بنُباحٍ حيوانيٍّ ربّما كان هو الآخر ضحكاً. تدحرجت ويكووكِت برشاقةٍ لتقف على قدميها، لا تزال تضحك، ورفعت قبضةً مطبقةً نحو الوَحش، فحدّق فيها ثوانيَ عدّة. خفَت نُباحُه تدريجاً. ثمّ، إذ أدرك ما هو منتظَرٌ منه، مدّ قبضته الكبيرة متردّداً ولكزَ قبضتها.
لم يتغيّر تعبيرُ وجه بوب قِيدَ أنملة، وظلّت يدُه مطبقةً على فمه، لكنّ نَخرةَ تسلٍّ أفلتت من أنفه.
«غرَنتِل»، جاء صوتُ مالاغريل المكتومُ المتبرّم من خلف يديها حيث اختفى وجهها، «إنّك تُحرجنا. وفوق ذلك، لو أنّ هذا الرفيق أمطر عليك عقاباً سحريّاً لكنتَ تستحقّه.»
«آسف يا بابا»، أجاب الوَحش بخشونةٍ لكن دون ندمٍ ظاهر. جذب الحبل من تحت طوقه وأعاد طرفه إلى غراكثور، الذي تناوله ولفّه دون أن ينظر. ثمّ وجّه انتباهه إلى آل، الذي كان لا يزال واقفاً وصولجانه مرفوعٌ استعداداً رغم تنامي حَيرته. قيّمه غراكثور لحظةً ثمّ ابتسم ابتسامةً خفيفة، وأومأ إيماءةً صغيرةً استحساناً. قطّب آل حاجبيه في حَيرةٍ لكنّه استرخى ببطء.
«هذا أسوأ من تلك المرّة التي وصلنا فيها إلى الحانة تماماً حين شرعت في ذلك العرض المرتجَل لمشهد الموت من تلميذ السَّمّام أمام سائر الزبائن»، لاحظ بوته.
«بل تقصد أفضل»، ردّت ويكووكِت. «عليك أن تعترف أنّ ذلك كان مقنعاً، أليس كذلك؟ هذه المرّة كان لديّ وحشٌ حقيقيٌّ حيٌّ نَهِمٌ ذبح بوحشيّةٍ عذراءَ غنوميّةً عاجزة!» وبينما تنطق آخر هذا الكلام، ضغطت إحدى يديها على قلبها، وظهرَ الأخرى على جبينها، ثمّ بمبالغةٍ سخيفةٍ «أُغميَ» عليها على كرسيٍّ قريب.
نخر آل انزعاجاً. «...«عذراء عاجزة»...»، تمتم. ثمّ علّق الصولجان تحت ردائه من جديد، وقد شعر بأنّه أُسيء إليه بعض الشيء.
«إك-إك-إك-إك-إك!» تدخّل كودِكس العَقْعَق من فوق قبّعة ميليسا.
«نعم، كنتُ قد خمّنتُ ذلك»، أجابت ميليسا.
رفعت مالاغريل وجهها عن يديها، وأخذت نفساً عميقاً، وحاولت أن تستعيد زمام الموقف.
«يتحوّل هذا إلى تعارفٍ أقلّ رسميّةً بكثيرٍ ممّا قصدت»، قالت. «كما كنتُ أقول، هذا غراكثور، محاربنا. وأمّا قاتل العذراء الغنوميّة غير التائب هذا فقد كان، حتى وقتٍ قريب، تميمة رفقتنا. وقد سمّيناه غرَنتِل.»
الآن وقد انتهى العرض الميلودراميّ، أمكن آل أن يقضي لحظاتٍ يتفحّص فيها ذلك الشيء الوحشيّ اللاإنسانيّ. كان... كان هو... يجثم في قرفصاءٍ مسترخية تشبه هيئة رجلٍ يحاول أن يجلس كالكلب. وحتى في تلك الهيئة، بلغ طوله طول غراكثور تقريباً، وغراكثور نفسه أطول من أيّ أحدٍ آخر في الغرفة. كان معظم جسده مكسوّاً بشعرٍ أو فَروٍ قصيرٍ جداً مُبقّع، لونه لون الرمل بنُقطٍ بُنّيّة كلون التراب. وانتصبت شريطةٌ من فروٍ أكثف من أعلى رأسه وتضاءلت هابطةً في وسط ظهره. أمّا الفرو الرقيق حول خطمه الطويل الغليظ وحول عينيه فكان مُسوَدّاً، ممّا يوحي بأنّ أحدهم رمى السُّخام في وجهه. كانت ساقا غرَنتِل وذيله القصير تشبه شيئاً كلبيّاً. وكانت ذراعاه أشبه بذراعَي إنسانٍ تقريباً، وإن بدتا مختلّتَي التناسب. بدتا أطول ممّا ينبغي وتنتهيان بيدين غليظتين، كلُّ إصبعٍ متوّجٌ بمخلبٍ خشنٍ قصير. وتدلّت الذراعان من كتفين أقرب إلى الآدميّة منها إلى الحيوانيّة، على نقيض رأسه الكلبيّ وكفَله. وعلى الرأس أذنان عريضتان منتصبتان على شكل ورقة الشجر، ترتجفان وتدوران لالتقاط الصوت، وفكّان مفتولا العضلات بصفٍّ من الأسنان العريضة الحادّة المُسنَّنة. لم تبدُ حادّةً تماماً كأسنان قِطٍّ مثلاً، ولا كانت أنيابه بارزةً إلى ذلك الحدّ، لكن بدا أنّها تنزع اللحم عن العظم بيُسرٍ، ثمّ تسحق العظم. وراقبت عينان كهرمانيّتان متقاربتان العالمَ من فوق خطمه.
لم يرتدِ سوى حزامٍ بطيّةٍ من جلدٍ خشنٍ تقوم مقام «مئزرٍ للعورة»، مُلطّخةٍ لكن غير مُوسَّخة فيما يبدو، لحُسن الحظّ، وطوقٍ جلديٍّ بسيطٍ بإبزيمٍ حول عنقه. وإذا جُمِع ذلك كلّه، أعطى انطباع حيوانٍ مفترسٍ أو نبّاشٍ للجِيَف شوّهته قوىً شيطانيّةٌ فظيعةٌ وضخّمته والتوت به إلى صورةٍ ساخرةٍ من الهيئة الآدميّة. ذكّر ذلك آل بشيءٍ قرأ عنه مرّةً.
«ربّما لستَ على معرفةٍ بجنسه»، قالت ميليسا من خلف آل، «إذ لا يتعاملون عادةً تعاملاً غير عنيفٍ مع غير أبناء جنسهم، ولا يمكثون عادةً في مكانٍ واحدٍ طويلاً. إنّ جنسه يُسمّى...»
«هذا غُنول!» هتف آل، إذ تذكّر أخيراً مجموعة اللفائف المصوّرة التي وجدها في مكتبة والديه، والتي تضمّنت شيئاً من وصفها. «غُنولٌ حقيقيٌّ شيطانيٌّ شرسٌ سفّاكٌ آكلٌ للبشر! من تلك التي لا تكفّ عن العَيث في الشرق! وقد جعلتم ذلك تميمةَ رفقتكم؟»
«هذا صحيح»، أجابت ميليسا، ثمّ أضافت بنبرة ظفَرٍ: «وبنجاح! إنّه رائعٌ حقّاً في الواقع، وقد كانت هذه تجربةً مثمرةً جداً أتشوّق إلى نشر نتائجها.»
نظر آل، مفغور الفم، من ميليسا إلى غرَنتِل، الذي بدا أنّه دخل في مباراة تحديقٍ مع بوته، ثمّ عاد بنظره إلى ميليسا من جديد.
«لا ينبغي أن يكون ترويض غُنولٍ ممكناً أصلاً... أليس كذلك؟» سأل.
«حسناً، كلمة «ترويض» ليست دقيقةً تماماً»، بدأت ميليسا، لكن قاطعها صوتٌ إيقاعيٌّ بعيدٌ لطَرْقِ معدنٍ على معدن.
«أخيراً»، تمتمت مالاغريل. «العشاء جاهز، فلمَ لا ننقل هذا النقاش إلى غرفة الطعام.»
خسر غرَنتِل مباراة التحديق على الفور، فنهض إلى كامل طوله وهرول بشغفٍ إلى الباب الأخير، ففتحه واندفع عبره. ضحك غراكثور ضحكةً خافتة، وأشار للضيوف أن يتبعوا.
ربَت على كتف آل بُرهةً وهو يمرّ بجانبه.
«ردودُ أفعالٍ أفضل من أغلب السحرة»، أومأ. ثمّ تبع آل بينما عبر الجميع الباب إلى غرفة الطعام.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion