Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 6
كانت غرفة الطعام أصغر وأكثر حميميّةً من غرفة الجلوس، لكنّها ظلّت واسعةً بما يكفي ليجتمعوا جميعاً حول المائدة الطويلة الجديرة بالولائم في وسطها. وفوقها تدلّت ثُريّا بلّوريّة، ومعها ثلاثٌ أُخرى من تلك الشموع المُحاطة باللهب السحريّ تبثّ ضوءاً يتلألأ على الجُدران. اصطُفّت مقاعد فرديّة على هيئة مصاطب على جانبَي المائدة، غير أنّ غرَنتِل أزاح واحداً منها ليجثم مباشرةً على الأرض عند الرُّكن الأقرب، وهو ما أبقاه مع ذلك متربّعاً بعض الشيء فوق الأطباق التي وُضعت أمامه ليستعملها.
امتدّ صفٌّ من الصِّحاف يحمل أجباناً وقِطَع لحمٍ ورغيفَ خبزٍ وإناءً لصلصةٍ ما على طول وسط المائدة، وعند الطرف البعيد أحاطت مجموعةٌ من الأقداح ببرميلٍ من النبيذ. جلس بوب ومالاغريل وغراكثور وميليسا في جهة غرَنتِل من المائدة، مقابل آل وبوته وويكووكِت. وقد اختار آل موضعه قُبالة ميليسا كي يواصل حديثه معها على نحوٍ أفضل، لا ليكون، بالتأكيد، أبعد ما يمكن عن الغُنول.
«... ومع شبح الموت المُكشِّر عن أنيابه يحدّق في وجهي، بدا القيام بأيّ حركةٍ مفاجئةٍ فكرةً سيّئة،» كانت ويكووكِت تشرح بمرحٍ، بإيماءاتٍ دراميّةٍ مناسبة، «فلم يبقَ إلّا أن أحاول التواصل، لكنّي في تلك اللحظة لم أدرِ ماذا أقول، فانفلتت منّي فجأةً: هل لديكم ما يُؤكَل هنا؟»
ارتفعت ضحكاتٌ مهذّبةٌ رداً على ذلك من جميع الحاضرين، إلّا بوب الذي ضحك بحماسٍ أكبر، وآل الذي اكتفى بابتسامةٍ ساخرةٍ متألّمة. حتى غرَنتِل قهقه، إن صحّ أن نُسمّي تلك السلسلة من أصوات الغَمغمة والزفير قهقهةً.
«من بين كلّ الردود التي كان يمكن أن أتوقّعها، لم تكن الجبن واحدةً منها. ليس غرَنتِل أفصحَ الرِّجال، لكنّنا تجاذبنا حديثاً لطيفاً، وقال إنّه بحاجةٍ إلى أن يأخذني لأرى ‹الرفقة›، فخطر لي أن يكون من الممتع أن أدخل دخولاً درامياً. وكانت فكرته هو أن يحملني كأنّي شيءٌ اصطاده. آه يا آل، أيمكنك أن تُصلح لي مؤخّرة ياقتي لاحقاً؟ صار فيها بعض الثقوب الآن.» أنهت ويكووكِت كلامها.
«أهو حقاً ابتكر ذلك بنفسه؟» تدخّلت ميليسا مبتسمةً ابتسامةً خفيفةً وعيناها متّسعتان دهشةً. «سيتعيّن عليّ إذن أن أضيف بضع ملاحظاتٍ أخرى إلى رسالتي.»
«فتانا يكبر.» أضاف غراكثور، ربّما بشيءٍ من الحنين.
«حسناً، إمّا أنّك ذكيٌّ جداً، أو أنّ لديك حَدْساً جيداً، أو أنّك محظوظٌ فحسب. غرَنتِل مُتحضّرٌ إلى حدٍّ مذهلٍ قياساً بالغُنول المعتاد، لكنّه عنيفٌ جداً إن استُفِزّ.» قالت مالاغريل.
«يعجبني وقعُ ‹ذكيٌّ جداً›، فلنفترض ذلك!» ردّت ويكووكِت.
«كما تشائين. غير أنّ طعامنا المشترك سيبرد إن لم نبدأ قريباً. بوب، أتودّ أن تتلوَ دعاءً على الطعام؟»
«فكرةٌ رائعة!» وافق بوب. «فلنرَ إن كانت الألوهيّة ستبتسم لهذا اللقاء، أليس كذلك؟»
راقب بوته باهتمامٍ بينما وضع بوب يده اليمنى على عصا الراعي التي أسندها إلى المائدة قرب مقعده، ووضع يده الأخرى على قلبه. أغمض عينيه وتمتم بدعاءٍ طويلٍ في هدوء، يسأل إله القُطعان والأسراب إن كان سينظر بعين الرِّضا إلى هذا اللقاء. انتهى الدعاء فجأةً بلحظة صمت، ثم انفتحت عينا بوب وامتدّت يده بغتةً ليقبض حفنةً من مُكعّبات الجبن من إحدى الصِّحاف، ودحرجها على طبقه أمامه كمُقامرٍ يرمي النَّرد. حدّق فيها ثوانيَ عدّةً، ثم اتّسعت ابتسامته.
«لقاؤنا مبارَك، الألوهيّة تُوافق! فلنأكل!»
لانت ملامح مالاغريل المهذّبة الصارمة، وابتسمت. لاحظ آل أنّها بدت وكأنّها استرخت. أكانت قلقةً من أن تستنكر الآلهة أكلهم للطعام؟
لم تكن ويكووكِت تحمل مثل هذه الهموم، فقد كانت تُكوّم قطع الجبن على طبقها بالفعل.
مال بوته إلى الأمام لينتزع قطعة خبزٍ من رغيفٍ قريب. «تسأل الآلهة موافقتها بدل أن تدعوَ بالبركة ببساطة؟» سأل بوبَ.
«قد لا يكون هذا مألوفاً بين مَن دُعينا إلى خدمة الإله مباشرةً مثلي، ممّن مُنِحوا سلطاناً إلهياً ليأمروا بأمورٍ بعينها، لكنّي أظنّ أنّ الآلهة تحبّ أن نأخذ رأيها في الحسبان قبل أن نُقدِم على الفعل.»
«أنت رجلٌ حكيم. ثمّة أسرارٌ كثيرةٌ قد يكشفها الإلهيّ لمن كانوا مستعدّين لتلقّيها،» خلص بوته.
«ويكووكِت،» بدأت مالاغريل تسأل، «هل لكِ أن...»
«يا غرَنتِل، أمسِك!» نادت ويكووكِت رامِيةً قطعةَ جبنٍ نحو وجه غرَنتِل، مُهدِّدةً آل بأزمةٍ قلبيّة. التقطها غرَنتِل بنقرةٍ من رأسه وطقطقةٍ من فكّيه.
«شُكراً يا ويكووكِت.» ردّدها ببطء.
«نعم، حسناً، لا عليك.» قالت مالاغريل، «بوته، أتُمانع في تمرير بعض الخبز إلى غرَنتِل؟»
«بكلّ تأكيد.»
«ليس ضرورياً أن ترميه،» أضافت مُسرِعةً، فيما امتدّت يد بوته لتمزّق قطعةً كبيرةً أخرى من الرغيف. مال إلى الأمام مادّاً إيّاها، فامتدّت ذراع غرَنتِل الطويلة عبر المائدة لتأخذها. حُشِرت القطعة كلّها في فم غرَنتِل وابتُلعت دون مضغٍ يُذكَر.
«شُكراً يا بوته.» ردّدها مرةً أخرى. بدت لآل شبه طقسيّة. أدرك النمط بينما تحوّلت كلّ الأنظار نحوه. راقب الغُنول في توتّر.
«يا آل،» سألت مالاغريل، «كلّ النبيذ عند طرفك من المائدة. هلّا سكبتَ كأساً لغرَنتِل من فضلك؟»
«نعم. نعم، بالطبع.» قال آل. اختار أكبر الأقداح وسكب النبيذ من البرميل فيه. مدّ القدح نحو يساره باتجاه بوته. «بوته، هلّا مرّرتَ هذا إلى...»
تنحنحت مالاغريل بصوتٍ عالٍ.
«يا آل،» قالت ناظرةً في عينيه. «هلّا ناولتَ أنتَ ذلك لغرَنتِل، من فضلك؟»
آه، فكّر آل. إنّه اختبار. يريدون التأكّد من أنّنا مغامرون شُجعانٌ بما يكفي لينضمّ محاربهم إلينا. فكّر في أن يتظاهر بالذُّعر أملاً في أن يُقصيَ رفقتهم من التأهّل ويُنهيَ هذا اللقاء المُحرِج برمّته، لكنّ بوته وويكووكِت كانا يراقبانه. عرف أنّهما يعوّلان عليه ألّا يُسيء إلى سُمعتهما. كما أنّ فضولَ آل قد استُثير حيال أمورٍ عدّة، ورغب رغماً عنه في أن يعرف المزيد.
«آه، نعم، فهمت،» قال. نهض من مقعده، ومركّزاً على الحفاظ على نَفَسٍ متّزنٍ وتعبيرٍ ينمّ عن مللٍ مهذّب، سار عن قصدٍ حول طرف المائدة حتى وقف إلى جانب غرَنتِل تماماً. من تلك المسافة القريبة، استطاع حتى أن يشمّ رائحة الغُنول الغريبة، كعُشبٍ مُسمَّدٍ ممزوجٍ بلمحاتٍ من ‹كلبٍ مبلَّل› وكبريت، لكنّها خفيفةٌ بما يكفي لألّا تكون كريهةً إلى حدٍّ فظيع. مدّ القدح وأجبر نفسه على ابتسامة.
«في صحّتك يا غرَنتِل.» قال آل.
قبِل غرَنتِل القدح، وفي تلك اللحظة شعر آل بأنّ توتّراً في الهواء لم يكن قد لاحظه من قبل قد أخذ يتلاشى. حاول أن يُخفي عدم تصديقه وهو يراقب غرَنتِل يُدوّر النبيذ في القدح بخَرقٍ، ثم يغرز خطمه فيه ليشمّه. وأخيراً، لعق لسان غرَنتِل النبيذ لعقةً واحدةً فقط. لحس خطمه مراتٍ عدّةً كأنّه يتفحّص النكهة بعناية.
«يعجبني النوع الأحمر،» قال أخيراً. ثم ردّد مرةً أخرى: «شُكراً يا آل.»
«على... الرَّحب والسَّعة يا غرَنتِل،» ردّ آل حائراً. وقف لحظةً أخرى، ثم شقّ طريقه عائداً إلى مقعده.
«حسناً، بذلك يكون الجزء الطقسيّ من الوجبة قد اكتمل.» أعلنت مالاغريل. «تفضّلوا، كُلوا.»
«إذن، أهذا يعني أنّنا نجحنا؟» سأل آل.
ضحك بوب. «ما كنّا لنطلب منك أن تُشارك غرَنتِل الطعام لو لم تنجح،» قهقه.
«نِلنا موافقتكم قبل ذلك؟ فما كان كلّ أمر تمرير الطعام إذن؟»
«ذلك،» شرحت ميليسا، «يجعلكم أعضاءً فخريّين في عشيرة غرَنتِل.»
«أهذا كلّ ما يتطلّبه الأمر؟» سأل آل.
«نوعٌ من الحيلة.» أجاب غرَنتِل. «إن تشاركتَ الطعام، تشعر أنّك من العشيرة. الغرباء والعشيرة لا يتشاركان الطعام.»
«مهلاً... أنت تعلم أنّها حيلةٌ نفسيّة؟»
أطلق الغُنول غَمغمةً قصيرةً تأكيداً.
«ومع ذلك لا تزال تنجح؟»
غَمغمة.
«أيُزعجك ذلك ولو قليلاً؟»
«لا. الطعام جيّد. والعشيرة الأكبر عشيرةٌ أقوى.» أدار غرَنتِل رأسه فجأةً ليلتقط قطعة لحمٍ طائرةً رمتها ويكووكِت. حدجها بعينين ضيّقتين وهو يمضغ، ثم التقط قطعة جبنٍ ورماها نحو وجهها.
رفعت مالاغريل يدها لتحجب عينيها عن مشهد عبثهما، وأطلقت تنهيدةً طويلةً تنمّ عن صبرٍ مُثقَل. «ما داما لن يُلطّخا بها الجُدران والأرض كلّها...» تمتمت.
هزّ آل رأسه. «قبل اليوم، كنت على يقينٍ من أنّ كلّ الغُنول، بلا استثناء، مخلوقاتٌ عنفها شيطانيٌّ بالفطرة.» قال لميليسا.
«أوه، هم كذلك. حتى غرَنتِل.» ردّت.
«لكنّه لا بأس به.» أضاف غراكثور. «علّمته كيف يُصوّب عنفه في محلّه.»
«يبدو أنّك مولعٌ به كثيراً.» قال آل لغراكثور. «هل ستكون على ما يرام إن تركته خلفك عندما تنضمّ إلينا؟»
أمال غراكثور رأسه إلى الجانب مستغرباً. «لستُ منضمّاً إليكم.»
«لكن... نجحنا في اختباراتكم، صحيح؟ وأنت بحاجةٍ إلى الانضمام إلى رفقة؟»
«يا للهول.» قهقهت ميليسا. «يبدو أنّ ثمّة سوء فهم. غراكثور محاربنا المُخضرم.»
«أنا متقاعد.» أضاف غراكثور.
«فمن إذن...»
ثم بزغ الإدراك. نظر آل بفزعٍ نحو الغُنول الذي كان يتبادل قذائف الطعام مع ويكووكِت.
«مُستحيلٌ إطلا...» قال، فقُطِع كلامه بقطعةٍ من الجبن اصطدمت بجانب رأسه. التفت فرأى ويكووكِت تُلقي عليه أشرس وأصرم نظرةٍ رآها على وجهها قط. وبينما كان يراقب، تحوّل وجهها ببراعةٍ إلى تعبيرٍ رقيقٍ متوسّل. حتى إنّ شفتها السفلى ارتجفت قليلاً.
«تبِعنا إلى البيت. أفلا يمكننا أن نحتفظ به؟» قالت.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion