Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 7
كان آل يعلم أنّ ويكووكِت لا يفعل سوى التمثيل، لكنّه مع ذلك لم يستطع أن يحمل نفسه على مجادلة ذلك الوجه المتوسِّل. فالتفت بدلاً من ذلك إلى بوته في يأس.
«بوته، أرجوك، ساندني في هذا. لا يمكننا أن...» وأشار مستفهماً نحو غرَنتِل. «...أليس كذلك؟»
جاء جواب بوته مصحوباً بتلك النظرة الثاقبة التي تعلوه حين يشعر أنّه يُعلن حكمةً موحًى بها من السماء.
«لا أظنّ أنّ المسألة مسألة مقدرة، بل مسألة وجوبٍ، بل لعلّها مسألة حَتْم. أشعر أنّ هذا هو سببُ إرشادِنا إلى هنا.» صمت لحظةً، يتأمّل في صمت، أو لعلّه يُصغي إلى أصواتٍ خارقةٍ حقيقيةٍ أو متوهَّمةٍ في عقله. «لا أستطيع أن أجزم إن كان سيرحل معنا، لكنّي على يقينٍ أنّ علينا على الأقلّ أن نسمع قصّته وأن نُقيّم قرارنا على بيّنةٍ تامّة.»
«تبدو أشدَّ تردّداً من رفاقك.» قالت مالاغريل، وهي لا تزال تحجب زاوية بصرها بيدٍ واحدة كي تستمرّ في ألّا ترى الطعام يُقذَف. وتعمّدت ألّا ترى حين قذف ويكووكِت فجأةً قطعةً صغيرة من لحم العَنز نحو رأس غرَنتِل. وإذ شغلَه النقاشُ الدائر، لم ينتبه في الوقت المناسب. فاستقرّت القطعة لحظةً في أذن غرَنتِل اليمنى، ثمّ انزلقت وسقطت إلى الأرض. تيبّس آل متوقّعاً انفجاراً من العنف، لكنّ شيئاً من ذلك لم يحدث. بل انحنى غرَنتِل ليلتقطها، وأكلها.
«أوّلاً،» قال آل، وهو ينتزع بصره عن المشهد الغريب الآسِر: الغُنول يبتلع اللحم الذي التقطه من الأرض بينما يفكّر متأمّلاً في أيّ قطعةٍ من الطعام سيردّها، «لا أحد منّا يملك حقّاً المعرفة أو المهارة لصيانة أيًّا كانت تعويذة الفتنة التي ألقيتِها عليه.»
«أوه، ليست هذه تعويذةً البتّة.» قالت ميليسا وهي ترشف من نبيذها. «ما ترونه هنا ثمرةُ تنشئةٍ موجَّهةٍ بعناية. أتودّون أن تسمعوا حكايتها؟»
ثلاثُ عائلاتٍ كاملةٍ من المستوطنين المعزولين في التخوم قُتِلت بلا رحمةٍ واحدةً تلو الأخرى، قبل أن تتمكّن ناجيةٌ من الفرار من قريةٍ مهاجَمةٍ لتحمل النبأ إلى الآخرين. ترنّحت داخلةً إلى البلدة، منهكةً من إجهاد نفسها سيراً على الأقدام طَوال الليل في رعب. وقبل أن تنهار فاقدةً وعيها، وصفت جُموعاً مغيرةً من شياطينَ ضاريةٍ اندفعت من الغابة القريبة دون إنذار. طعنوا القرويّين غير المستعدّين من حولهم، وقطّعوهم، وهشّموهم، أو عضّوهم فحسب، وشرعوا يحطّمون الأبواب ليصلوا إلى القاطنين داخل بيوت القرية الصغيرة. وكانت الناجية قد خرجت لتوّها من الطرف الآخر للقرية لتجمع الحطب مساءَ بدء الأمر، فانطلقت راكضةً لحظة رأت ما يجري.
كانت أقربُ ميليشيا كازوسيّةٍ أبعدَ من أن يُبلَغها في الوقت المناسب لتُجدي نفعاً. لكن، من قبيل المصادفة، كانت جماعةٌ من المغامرين متوسّطي الخبرة تقضي بعض الوقت في الاستجمام هناك ريثما تقرّر وِجهتها التالية. ولم يستطع أفرادها أن يتجاهلوا بضميرٍ سليمٍ توسّلات أهل البلدة طلباً للعون. فارتدوا عُدّة المغامرة على عجلٍ، وقبِلوا إعارتهم بعض الخيول. وكانوا في طريقهم خارجَ البلدة يخبّون في غضون ساعةٍ من ورود النبأ.
«أتعلمون،» قالت ميليسا وهم يمتطون الخيل، «إن كانوا شياطينَ حقيقيّين فالأرجح أنّنا نُقحم أنفسنا فيما يفوق طاقتنا.»
«أعلم، لكن لا بدّ من فعل شيءٍ ما. نحن أفضلُ فرصةٍ لإنقاذ من قد يكون بقي، ولمنع مزيدٍ من المذابح،» قال بوب.
«موافِقة،» قالت مالاغريل بقناعةٍ. «ونحن كذلك الأرجحُ نجاةً إن تحرّينا الأمر، حتى لو اضطُررنا في النهاية إلى الانسحاب. فسنتمكّن على الأقلّ من حمل روايةٍ أدقَّ عن الخطر، ومن المساعدة في حشد ما قد يلزم من قوًى لمواجهة هذا التهديد.»
«الخبر السارّ،» قالت ميليسا، «هو أنّ الوصف العامّ الذي استطاعت تلك المرأة المسكينة أن تُدلي به قد ينطبق على أشياء عدّةٍ سوى الشياطين الحقيقيّين. فقد نواجه أيّ شيءٍ، من الجِنّ الخبيث، إلى وحوشٍ مسعورةٍ أو مسحورة، إلى بشرٍ عاديّين تلبّستهم الأرواح، أو ما بين ذلك. لكن إن كان وصفها دقيقاً بما يكفي، فأظنّنا قد نكون في مواجهة عشيرةٍ من الغُنول.»
«لا أعرف عن الغُنول كثيراً،» قال غراكثور، «يقتلوننا؟»
«قد يفعلون، وسيحاولون قطعاً إن كانوا كذلك حقّاً. لكن، تبعاً لعددهم الفعليّ، فإنّ جماعةً بقدراتنا لها فرصةٌ معقولةٌ في النجاة من مواجهةٍ كهذه، ما دمنا لا نتصرّف بحماقة.»
«ولا أنا أعرف عنهم كثيراً،» قال بوب، «وإن كنتُ سمعت بهم. إنّهم نوعٌ من نَسل الشياطين، أليس كذلك؟»
«ليست المؤلَّفات واضحةً تماماً في هذا الشأن، لكن المتّفق عليه عموماً أنّ أسلافهم كانوا وحوشاً عاديّة. كانت من صيّادي القُطعان وآكلات الجِيَف الساكنة في السهول العُشبيّة، تُدعى «الضِّباع». ولستُ متيقّنةً من أين جاء ذلك الاسم. وعلى أيّ حالٍ، تقول بعض الروايات إنّ الغُنول خُلِقوا عمداً من تلك الوحوش على يد سيّدِ شياطينَ ما وجد سبيله إلى عالمنا، وتذهب أخرى إلى أنّ التحوّل كان عَرَضيّاً، إذ تبِعت قُطعانُ الضِّباع سيّدَ الشياطين المزعوم هذا، تقتات من كلّ من ومِمّا ذبَح، فشوّهها ذلك التعرّض. وثمّة روايةٌ أو اثنتان تُلقيان باللائمة على سَحرةٍ طائشين أو خيميائيّين مجانين، لكنّهما بعيدتان كلّ البعد عن الإجماع. وفي أيٍّ من هذه الأحوال، فإنّ ما سنواجهه مع الغُنول سيكون أشبهَ بعصابةٍ من قُطّاع الطرق الضِّخام الأقوياء، ذوي طبائعَ عنيفةٍ متهوّرة. أمّا الآن، إن كنّا نتعامل مع الجِنّ من جهةٍ أخرى...»
أمضت ميليسا شطراً كبيراً من بقيّة الرحلة تُلقي محاضرةً مرتجَلةً عن كلّ ما استطاعت تذكّره ممّا قد ينطبق منطقيّاً على الوصف المبهم الذي تلقّوه. ولم يكن في شيءٍ منه ما يبعث كثيراً على الطمأنينة.
وكانت قد أوشكت على ختم حديثها عمّا تذكّرته بشأن التلبّس الروحيّ الذي يصيب وُحوش التحوّل، حين رصد غراكثور الدخان فوق التلال المحيطة بالقرية. فاختاروا أيكةً صغيرة من الأشجار ليربطوا الخيل فيها، وشقّوا طريقهم بحذرٍ سيراً على الأقدام إلى قمّة تلٍّ عند طرف القرية.
لم يكن المشهد مروِّعاً بقدر ما خشُوا، لكن لأنّ الفصل الأكثر بشاعةً كان قد انتهى منذ ساعاتٍ طويلةٍ بجلاء. كانت معظم مباني القرية لا تزال قائمة، غير أنّها جميعاً بدت وقد نالها الضرر: فكلّ بابٍ قد حُطِّم أو اقتُلِع، وصارت النوافذ ثقوباً مكسورةً في الجدران تتدلّى منها بقايا ستائرَ ممزّقة. وإلى جانب البئر في وسط القرية كانت نارٌ عظيمةٌ تستعر، يُذكيها خشبٌ من أبنية القرية مختلطاً بجثث الضحايا.
كان المهاجمون متحلّقين حولها. وحوشٌ ضخمةٌ مُشوّهةٌ إلى هيئةٍ تُحاكي شكل البشر محاكاةً ساخرة، يرتدي معظمها قطعاً متفرّقةً من دروعٍ بيّنٌ أنّها مسلوبة، ويحمل رماحاً وسيوفاً وفؤوساً أو هراواتٍ فظّةً سيّئة الصيانة. كان عددها ما بين 20 و30، متفاوتةَ الأحجام، من «رجلٍ صغير» إلى «أكبرَ من الرجل بكثير». وكانت إمّا مستلقيةً على الأرض في رضًا، أو يقتتل بعضها مع بعضٍ على ما قد يبقى من عظامٍ لم تُنهَش أو فُتاتِ لحمٍ لا يزال مبعثراً على الأرض.
«هذه أوّل مرّةٍ أرى فيها الغُنول رأيَ العين،» تمتمت ميليسا، «لكنّها تطابق الأوصاف والرسوم التي أعرفها مطابقةً جيّدة.»
«لا انضباط لديها،» لاحظ غراكثور بهدوءٍ. «لكنّها ضخمةٌ وكثيرة. تكفي لتنقضّ علينا جماعةً.»
«لا يهمّ. لا بدّ من إيقافها وإبادتها قبل أن ترتكب مزيداً من الفظائع،» أصرّت مالاغريل. وكانت قد شرعت في استلال سيفها، ووجهُها الوديع في العادة قد صار قناعاً من الغضب والاشمئزاز.
وضع بوب يده برفقٍ على كتفها.
«الخُطّة أوّلاً، ثمّ العقاب الإلهيّ. أرجوكِ؟»
«تعلمون كم أكره أن أكون في المقدّمة،» تأمّلت ميليسا، «لكنّي أظنّني سأضطرّ إلى ذلك.»
أغمضت مالاغريل عينيها عابسةً. «كوستوديلا، احفظي صبري،» غمغمت. «ما خطّتك؟»
«أترون تلك الحظيرة هناك أمامنا مباشرةً إلى اليمين؟» أشارت ميليسا وهي تشرح، «إن استطعت الدخول إليها والصعود إلى العِلّيّة دون أن يراني أحد...»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion