Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 8
نوقشت الخُطّة وأُقِرّت دون اعتراض. تسلّل الأربعةُ إلى خلف الحظيرة.
عدّلت ميليسا نظّارتها، وأمضت ثوانيَ قليلةً ترسم بأصابعها رموزاً غامضةً في الهواء وتُتَمتِم بتعويذةٍ وجيزة. ثم لمست جبينها فاختفت عن الأنظار.
تلاشى وقعُ خطواتٍ هادئةٍ ببطءٍ عند المُنعطف، متّجهاً نحو مقدّمة الحظيرة. أما البقيةُ فاتّخذوا مواقعهم بحذرٍ ينتظرون إشارة.
خفيّةً، لا تشعرُ بها الغوغاءُ الوحشيّةُ المُتْخَمةُ، شقّت ميليسا طريقها إلى مقدّمة الحظيرة. كانت الأبوابُ قد قُلِعت من مفصّلاتها وأُسقِطت أرضاً. وقد تشرّب التِّبنُ المفروش على الأرض دماءَ الحيوانات التي ذُبِحت في الداخل ذبحاً وحشيّاً. توقّفت عند السُّلَّم المؤدّي إلى العِلّية لتُصغيَ لحظةً، ثم صعدت ببطء. زحفت إلى باب مخزن التِّبن المفتوح وأطلّت على الغُنول المُتجمهرين، وقد تمدّدوا حول ساحة البلدة ينامون تُخَمةً أو يتقاتلون فيما بينهم بلا اكتراث.
انحنت ميليسا مُنكفئةً وتراجعت جانباً آملةً أن تظلّ بعيدةً عن الأنظار، ثم عادت إلى الظهور. مُختلِسةً النظرَ بحذرٍ من وراء الزاوية، عدّلت نظّارتها من جديد، وشرعت في سلسلةٍ جديدةٍ من الإيماءات والتمتمات، بأخفضِ ما استطاعت من صوتٍ، وانتظرت ما يصلح أن يكون إلهاءً.
ولحُسن الحظّ، ظهر الإلهاءُ في اللحظة التي كفّ فيها غُنولٌ قَلِقٌ عن حكِّ نفسه وبدأ يستديرُ نحوها، ولعلّ أُذنيه التقطتا أثراً خافتاً من صوتها. انبعثت صرخةٌ طفوليّةٌ حادّةٌ وأصواتُ شخيرٍ صغيرةٌ من أنقاض بيتٍ صغيرٍ قريب. فالتفتت كلُّ رأسٍ غُنوليّةٍ يقظةٍ لتنظر، إذ زحف رضيعٌ، أفلت بطريقةٍ ما من بين الرُّكام، إلى مَرأى العين عند الباب. نهض الغُنول المُتسيّلة لعابُها على أقدامهم بينما تعثّر الرضيعُ وهو يحاول الزحفَ إلى الأرض في الخارج. ارتطم رأسُه بالعتبة وتدحرج على ظهره، يُحرّك ذراعيه وساقيه الصغيرتين في تخبّطٍ ويعوي بصوتٍ عالٍ. انتفض الغُنول الذين ما زالوا نائمين مستيقظين عند سماع الصوت، فاندفعت الكتلةُ الوحشيّةُ بأسرها إلى الأمام، يتقاتلون طوال الطريق على مَن يظفرُ باللُّقمة الباكية.
لم يُمنَح الرضيعُ المحكومُ عليه إلا ثوانيَ قليلةً إضافيّةً من العمر، إذ ازداد الاقتتالُ الداخليّ ضراوةً كلّما اقترب الغُنول. انهمرت من الحشد زمجراتُ غضبٍ وصرخاتُ ألمٍ، وهم يُنشِبون مخالبهم وأنيابهم بعضهم في بعضٍ ويجرّون بعضهم إلى الوراء. ولمّا صار الأقربون على مَرمى ذراعٍ من الرضيع تضاعف القتالُ على الغنيمة، حتى انطلق أخيراً غُنولٌ نِصفُ مسحوقٍ يقبض على رُمحٍ راكضاً فوق ظهور أفراد عشيرته المتشاجرين، واندفع فطعن الرضيعَ في صدره مباشرةً، مُدّعياً مِلكيّتَه له.
سرت موجةُ حَيرةٍ في الأقربين الذين رأوا ما حدث، حين ظلّ الرضيعُ يبكي كأنّه لم يُلاحِظ الرُّمحَ البتّة... ثم تلألأ واختفى.
لم يجد غُنولٌ أصغرُ حجماً، في مؤخّرة الجماعة يقبض على عينٍ مُتلفةٍ تنزف، إلا الوقتَ الكافيَ ليُشيرَ ويصرخ، إذ طارت شرارةٌ من مخزن تِبن الحظيرة وأصابت الأرضَ حيث كان الرضيعُ الوهميّ. فابتلع الجماعةَ بأكملها انفجارٌ من النار، واندفعت من بين المباني نحوهم وقعُ أقدامٍ ثقيلةٍ وصيحاتُ حربٍ لسائر المغامرين.
انتهى الانفجارُ في لحظة، كاشفاً عن نحو نصفهم مُلقًى مُتفحّماً بلا حَراكٍ حول مقدّمة البيت المُدمَّر، بينما ظلّت ألسنةُ لهبٍ أصغرُ متشبّثةً بمواضعَ من هيكله الخشبيّ. أما النصفُ الآخرُ فقد أصابته حروقٌ بالغةٌ، لكنّه رأى أنّه ما زال يفوق عدداً المخلوقاتِ الأصغرَ التي تهاجمه، أربعةً إلى واحدٍ على الأقلّ. وزمجرةً وعُواءً، رفع الناجون ما بأيديهم من سلاحٍ واندفعوا للقائهم لينتقموا في سَورةِ غضبٍ عنيفة.
لو كانوا مخلوقاتٍ أذكى، لربّما فرّ بعضُهم ونجا بحياته.
لكنْ، وعلى نحوٍ صادمٍ لهم، سقط الغُنول واحداً تلو الآخر بالسيف والفأس، وسهامِ لهبٍ مُستحضَرةٍ من مخزن التِّبن، ودَفَقاتِ نورٍ مقدّسٍ تنغرس هابطةً من السماء، وكذلك، على نحوٍ غير متناسبٍ، نطحاتِ العَنز الشبحيّة القويّة. قاتل الغُنول قتالاً وحشيّاً لكنّهم غُلِبوا تخطيطاً وقوّةً في النهاية. حاول آخرُ الناجين الفرارَ في آخر المطاف، لكنّ ثلاثَ شظايا من نورٍ انطلقت من مخزن التِّبن فأصابت مؤخّرةَ رأسه إصابةً لا تُخطئ.
انتظرت الرفقةُ، مستعدّةً لأيّ هجومٍ في اللحظة الأخيرة، لكنْ لم يأتِ شيء. نزلت ميليسا عن السُّلَّم وخرجت من الحظيرة، بينما أخرج غراكثور بعضَ الضمّادات من حقيبته وضغط بها على الجُرح النازف الممتدّ على كتفه الأيسر حيث تمكّن رُمحٌ من تجاوز تُرسه. أما مالاغريل فقد فكّت، وهي تتلوّى ألماً، واقيَ الساعد ونزعته، وقد انطبق مؤلماً حول ذراع سيفها حيث أطبقت عليه فَكّا غُنولٍ لبرهةٍ أثناء القتال. تنهّد بوب وشرع في واجبه المهيب، يمشي بين أعدائهم الصرعى باحثاً عن أيّ أثرٍ باقٍ للحياة، ومُنزِلاً، بدعاءٍ وجيزٍ، مِطرقةً كبيرةً على رؤوس مَن يجدهم منهم.
«إنّي أفهمُ حقّاً، وبصدقٍ، أنّ هذا ضروريٌّ لحماية الناس والقطعان، لكنْ لا يسعني القولُ إنّي أحبُّ هذا الجزءَ فعلاً»، تحسّر.
استغرقت المهمّةُ الأخيرة الكريهة، وهي تفتيشُ الصرعى بحثاً عن نفائسَ وأدلّةٍ، بعضَ الوقت، لكنْ في النهاية كُوِّمت جميعُ المخلوقات الميّتة حول النار المُوقَدة التي ما زالت تشتعل. لم يكن لديها ما يُذكَر من قيمةٍ حقيقيّةٍ، عدا الخُردةِ المُلتَقَطةِ التي قد يتسنّى، رُبّما، لحدّادٍ أو مُصلِح أوانٍ أن يصهرها أو يطرقها إلى أشكالٍ نافعة. بدت المخلوقاتُ أكثرَ اهتماماً بالتخريب والهياج منها بالنهب.
«لا أفهمُ لماذا يفعلون ذلك»، تساءل بوب بينما جلست الرفقةُ لترتاح قبل العودة إلى البلدة. «إنّهم لا يأخذون شيئاً ذا قيمةٍ سوى الأرواح، وهذا لا يفيدهم في شيءٍ حقّاً. بل إنّ الأمرَ ليس حتى سلوكاً مُفترِساً عاديّاً، وإلا لكان أيسرَ عليهم أن يُغيروا على المواشي أو حيوانات الغابة... أليس كذلك؟»
هزّ غراكثور كتفيه. «حين تكون ضخماً وقويّاً وبارعاً في قتل الأشياء، يكون تكسيرُ الأشياء وقتلُها مُمتعاً نوعاً ما».
«إنّهم أشرارٌ فحسب. لا أكثر. لحمٌ تسكنه الشياطينُ تُرِك في عالمنا ليُسبّب العذابَ والبؤس. هذا كلُّ ما هم عليه»، قالت مالاغريل بحِدّتها المعتادة كلّما تحدّثت عن الشرّ.
تنهّد بوب. «هذا مُحزِن. حتى القراصنةُ والطُّغاةُ الغُزاةُ لديهم عادةً شَظِيّةٌ ضالّةٌ من نيّةٍ حسنةٍ تُحرّك أفعالهم. أما فكرةُ ألا تكون لهم أيُّ غايةٍ هاديةٍ إيجابيّةٍ على الإطلاق... حسناً، إنّها تجعلني أشعرُ بالأسى نحوهم فحسب».
«لستُ متأكّدةً أنّ ذلك صحيحٌ تماماً»، فكّرت ميليسا بصوتٍ مسموع، «أعتقد أنّ لديهم قدراً معيّناً من الوَلاء الغريزيّ على الأقلّ».
«وَلاء؟» ردّت مالاغريل مُستنكِرةً. «وَلاءٌ لمن؟»
«لرفقتهم على ما أظنّ»، أجاب غراكثور. «بدا أنّهم كانوا يحاولون المساعدةَ في تهيئة ثَغَراتٍ لأفراد رفقتهم الآخرين كي يهاجموا».
دلكت مالاغريل ذراعَ سيفها المُكدَّمة، مُتذكّرةً الطعنةَ الخرقاءَ التي سدّدها إليها أحدُهم بسيفٍ صَدِئٍ، تاركاً نفسه مكشوفاً تماماً لتضربه، حين اندفع آخرُ وعضّ ساعدها. ولولا واقي الساعد المعدنيّ الذي حماها لتُرِكت بعظامٍ مسحوقةٍ وفي خطرٍ أعظمَ بكثير.
«تميل الأدبيّاتُ إلى تفضيل تسميتهم ‹عشيرةً› أو ‹غوغاءً› بدلاً من ‹رفقةٍ›، لكنْ نعم»، قالت ميليسا وهي تعبث بنظّارتها كما تفعل غالباً حين تفكّر. «هل لاحظتم أنّهم، مع سمعتهم بالجُبن، لم يحاول أحدٌ منهم الفرارَ حتى آخرِ واحدٍ منهم؟ أتساءل إن كانوا ربّما شعروا بدافعٍ فطريٍّ للدفاع عن بعضهم، أو على الأقلّ لمحاولة كبحنا حتى يُتيحوا الفرصةَ لهروب المزيد منهم».
تنهّدت مالاغريل. «ليتكِ لا تجعلين المسائلَ الأخلاقيّةَ بهذا التعقيد».
قطع نقاشَهم أصواتُ حركة. فمن جانب القرية الأقرب إلى الغابة سمعوا صوتَ جَرٍّ متقطّعاً، تتخلّله نخراتٌ. تناول غراكثور ومالاغريل سلاحيهما لملاقاة ما هو قادمٌ أيّاً كان.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion