Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 9
ظهر غُنولٌ أخيرٌ وحيد من خلف بيتٍ متهدّم. كان هذا الغُنول صغير الحجم نوعًا ما، لا يكاد يبلغ طول شابٍّ يافع. لم يكن يرتدي شيئًا ولا يحمل شيئًا، سوى أيّلٍ ميّت. لفّ الغُنول ذراعيه حول عنق الأيّل، وما زال فكّاه مُطبَقين على مؤخّرة رأسه، وهو يجرّ جثّة الأيّل الكبيرة إلى الوراء. وحين مرّ بزاوية البيت التفت، فرآهم. أسقط الأيّل واستدار ليواجههم، جاثمًا يزمجر. نظر إلى أفراد عشيرته الموتى حول نار المحرقة، ثمّ عاد ببصره إلى الرِّفاق الأربعة. زمجر.
كان النقاش الذي دار بينهم قد أذهب حماستها للمذبحة، غير أنّ مالاغريل نهضت مُتعبةً لتُجهز على هذا الأخير، حين سمعت بوب يتمتم: «مسكين.»
استدارت ببطء ورمقت بوب بنظرةٍ جاحظة.
أفصح بوب: «أفهم لماذا لا نستطيع أن نتركه وشأنه، لكنّه فقط... حسنًا، كلّ من كان يعرفه قد مات الآن، وقد بات وحيدًا تمامًا.»
أطلقت مالاغريل تنهيدةً متبرّمة: «إن كان ثمّة ما يُسمّى فرطَ الرحمة، فأنت مصابٌ به.» وأنزلت سيفها.
قال غراكثور وهو ينهض: «سأفعلها أنا. إنّه صغير، لن يكون الأمر عسيرًا.»
قاطعت ميليسا وهي ترقب الغُنول: «لا، انتظر. أريد أن أرى ماذا سيفعل.»
التفت الجميع لينظروا إليها.
أبدى غراكثور رأيه: «ما سيفعله هو أن يفرّ أو يهاجمنا.»
«وعندها أحصل على جوابي، ولك أن تقتله. لكن دعني أرى ما يفعله أوّلًا، فالأرجح أنّ هذه ملاحظةٌ لم تُتَح لأحدٍ فرصةُ تسجيلها من قبل.»
تمتمت مالاغريل: «الأكاديميّون...»
قال غراكثور: «حسنًا.»
واصل الغُنول زمجرته، لكنّه لم يهجم ولم يفرّ. وقف ينظر ويُصغي. سكنت زمجرته، ثمّ أطلق نداءً، صوتًا خفيضًا كعواء ذئبٍ، يعقبه نُباحٌ حادٌّ عالٍ سريع في آخره، موجَّهًا إلى الأسفل كأنّه يصيح في الأرض. أصغى لحظةً، ثمّ نادى ثانيةً. ثمّ ثالثةً.
علّق بوب: «بات يبدو الآن أشدّ حزنًا.»
قالت مالاغريل: «هلّا كففتَ عن ذلك؟»
كانت ميليسا تبتسم، وعيناها متّسعتان ببهجةٍ علميّة: «رائع! إذن هكذا يبدو صوته! تصف المؤلَّفات هذا الصوت، ويُعتقَد أنّه نداء الهُويّة. إنّه، حسنًا، أشبه باسمه. الأرجح أنّ هذا النداء يعني شيئًا مثل هذا أنا، هل من أحدٍ آخر هناك؟ فإن سمعنا أيّ ردّ، عرفنا أنّنا أغفلنا واحدًا.»
«أهذا حقًّا وقتُ محاضرةٍ علميّة؟»
سألت ميليسا: «ولمَ لا؟»
تأمّل بوب: «لا يبدو أنّه يمنحنا ذريعةً لقتله الآن، أليس كذلك؟»
بدأت مالاغريل: «بوب...» ثمّ استسلمت واكتفت بإغماد سيفها.
كان الغُنول قد كفّ عن ندائه وأخذ يرقبهم، لا يزال جاثمًا مستعدًّا للحركة، لكنّ جبينه تقطّب في حَيرة.
لاحظت ميليسا: «يبدو هذا أذكى من أفراد عشيرته السابقين. أعتقد حقًّا أنّه يفكّر فعلًا في ما سيفعل.»
أمال رأسه، يسمع لكنّه لا يفهم على ما يبدو. أشاح ببصره، وحاول أن ينادي مرّةً أخرى.
نادت ميليسا ردًّا: «ميليسا!» فحدّق فيها الجميع، حتّى الغُنول.
نادى الغُنول من جديد.
«ميليسا!»
«بوب!»
صفعت مالاغريل ذراع بوب: «حسنًا، هذا كلّه مسلٍّ جدًّا، لكن ما زال علينا أن نتدبّر هذا الأمر.»
قالت ميليسا فيما بدأ غراكثور يخطو خطوةً إلى الأمام: «نعم، أظنّ أنّ الوقت قد حان لذلك. لا يا غراكثور، أرجوك انتظر لحظة.»
جثم الغُنول أكثر، لا يزال متردّدًا.
سأل غراكثور بنفاد صبر: «ماذا؟»
«أنا واثقةٌ أنّ لدينا حبالًا وفيرة. أريد أن أرى إن كان بوسعنا أن نتعلّم منه شيئًا.»
«آه. استجواب.» فتح غراكثور حقيبته وشرع يُخرج بعض الحبال.
تراجع الغُنول خطوةً ببطء.
قالت مالاغريل: «لن تفعل.» وهي تنقر نظّارتها بسرعة، وترسم رُقومًا سحريّة في الهواء، وتنطق بكلمات القدرة.
نهض الغُنول ليركض، لكنّه ارتخى في الحال وسقط رخوًا إلى الأرض. أخذ يشخر قليلًا فيما هرع غراكثور ليوثقه.
«أعِد الأيّل أيضًا، فأنا أحبّ لحم الأيّل.»
استفاق الغُنول مستلقيًا على ظهره ليرى أضخم أفراد قوم الفريسة الذين وجدهم عند جثث ما كان عشيرته. كان جاثيًا عند قدميه يوثقهما بالحبل. حاول الغُنول أن يهاجم، فاكتشف أنّ ذراعيه هما أيضًا متقاطعتان موثَّقتان خلفه. واصل تلبّطه فيما أنهى آسِرُه عمله، ثمّ كفّ عن التلبّط حين أصابت ركلةٌ موجعة أضلاعه. لم تكن هجومًا في الحقيقة، بل كانت جليًّا مجرّد تأديب، تمامًا كما كان أفراد عشيرته يفعلون بعضهم ببعض في نزاعاتهم الصغيرة المتواترة على الهيمنة. أمسك آسِرُه بالحبل الذي يوثق ساقَي الغُنول، وشرع يجرّه نحو حيث كانت جثث أفراد عشيرته السابقين تتصاعد منها الأدخنة قرب نار المحرقة.
كان يعلم أنّه سيُعذَّب للتسلية ثمّ يُقتَل. ولم يكن في هذا الإدراك أيّ ضغينة، فتلك ببساطة طبيعة سير الأمور. غير أنّه لاحظ أنّ رأسه ما زال حرًّا. وسيبذل قصارى جهده لينتزع قطعةً أو قطعتين من لحم مُعذِّبيه قبل أن يموت. سيكون ذلك آخر تعبيرٍ مجيدٍ عن العنف الذي صار كلَّ ما تبقّى من غايته، بعد أن غدا بلا عشيرة.
أخذ آسِرُه وسائر قوم الفريسة يثرثرون فيما بينهم بتلك الأصوات الغريبة التي يبدو أنّها تقوم عندهم مقام الكلام. رأى الغُنول آسِرَه يعود ليطالب بالأيّل الذي اصطاده الغُنول، كأنّما ذلك حقّه. شعر الغُنول بوخزةٍ من الجوع والأسف لأنّه لن يقدر على أن يتقاسم الأيّل مع عشيرته كما كان قد عزم.
أخرج أحد أفراد قوم الفريسة الأصغر حجمًا سكّينًا طويلًا من حقيبة.
ابتسم الغُنول ابتسامةً عريضة متحمّسًا، وانتظر أن يبدأ العنف.
قالت مالاغريل وهي ترقب الغُنول الموثَّق بريبة: «لا يعجبني كيف ما فتئ ينظر إليكِ منذ أخرجتِ ذلك السكّين.» كان مستلقيًا على ظهره يرقب ميليسا بابتسامةٍ مجنونة.
تأمّل بوب: «ربّما يظنّ أنّها ستطلق سراحه وتتحدّاه إلى مبارزة.»
قالت ميليسا: «لا أظنّ أنّ ثقافتهم، على ما هي عليه، تميل إلى مثل هذا. أرجّح أنّه يتوقّع أن يُستخدَم السكّين سلاحًا أو أداةَ تعذيبٍ ضدّه. فبنو جنسه لا يُعرَفون باستعمال أدوات الطبخ.»
عاد غراكثور والأيّل على كتفه، ثمّ وضعه على الأرض. جثت ميليسا وشرعت تقطع أجزاءً من اللحم من فخذيه.
قال بوب: «كلّ هذه السنين ولم أدرك قطّ أنّكِ تُحسنين الطبخ.»
أجابت ميليسا: «لستُ طاهيةً في الحقيقة، لكنّي أجريتُ تشريحاتٍ كثيرة في أبحاثي على مرّ السنين. والفرق بين التشريح والجزارة مسألةُ دقّةٍ لا غير، أليس كذلك؟»
التقطوا بعض رماح الغُنول القتلى ليتّخذوها أسياخًا مؤقّتة، وتلا بوب عليها دعاءً وجيزًا ليطرد أيّ فسادٍ قد ينتقل إلى اللحم. أوقدوا نار مخيّمٍ، إذ لم يريدوا الطبخ فوق الجثث المشتعلة، وشرعوا يشوون لحم الأيّل.
صدرت زمجرةٌ من الغُنول الأسير. لكنّها لم تكن من حلقه، بل من معدته.
لاحظ غراكثور: «يبدو أنّ الأسير جائع.»
سألت مالاغريل: «الأرجح أنّه لم يسبق له قطّ أن شمّ طعامًا مطبوخًا كما ينبغي. إنّهم يأكلون كلّ شيءٍ نيّئًا، أليس كذلك؟»
في الواقع، كان هذا الغُنول يحبّ الطعام المطبوخ حبًّا جمًّا. فقد ألِف الفكرة بعد أن عثر على طعامٍ يطبخه القرويّون الذين ظلّت عشيرته تذبحهم طوال الأشهر الماضية. ووجد أنّه مهما كان اللحم النيّئ الطازج رائعًا، فإنّ اللحم المطبوخ أفضل منه. لم يفهم قطّ كيف يعمل طقس النار السحريّ الذي يصنع الطعام المطبوخ، ففي المرّات التي جرّب فيها بنفسه كان اللحم يستحيل فحمًا أسود لا يُؤكَل. وها هم قوم الفريسة يؤدّون الطقس أمامه تمامًا.
بدأت ميليسا وهي تنهض: «ينبغي أن نُطعمه. أودّ أن أرى كيف يتفاعل. ناولني واحدًا من تلك...»
قالت مالاغريل بحزم: «لا.» فاحتجّت ميليسا قبل أن تتمكّن مالاغريل من قول المزيد.
«أتقفين في طريق الاكتشاف نفسه يا سيّدتي؟»
«لا. غير أنّكِ لن تقتربي من ذلك المخلوق. لستِ بالضبط خبيرةً في القتال القريب، ومع أنّي أثق بمهارة غراكثور في الحبل، فلو تمكّن ذلك المخلوق من الوصول إليكِ بطريقةٍ ما لمزّقكِ إربًا. غير أنّ تجويع الأسير أمرٌ لا أخلاقيّ، لذا أنا سأتولّى الأمر.»
هدّأ هذا ميليسا: «آه، جيّد. سأتمكّن إذن من المراقبة بينما تفعلين.»
أخذت مالاغريل قطعة لحمٍ من سيخٍ بيدها، واقتربت من الغُنول، الذي جلس منتصبًا قدر استطاعته ليرقبها بحذر. كانت عيناه ترتدّان مرارًا إلى السيف الذي لا يزال مغمودًا على خصرها.
قالت، وإن لم تحسب أنّه يفهم ما تقول، آملةً أن تصل نبرة صوتها على الأقلّ: «لا، لن أقتلك الآن. جلبتُ لك بعض الطعام.»
مدّت قطعة لحم الأيّل. سالت جداول اللعاب من فم الغُنول.
«هذا مقزّز. خذ.» رمت اللحم على الأرض بجانب الغُنول، فاندفع في الحال إلى جانبه والتوى ليتمكّن من بلوغه بفمه. ثمّ عاد فجلس منتصبًا يمضغ بأصوات نخيرٍ مبتهجة.
حدّق في مالاغريل وهي تستدير وتمضي بعيدًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion