Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 10
لا تُقاسِمُ الطعامَ الضحايا. إنما تُقاسِمُ الطعامَ رفاقَ العشيرة.
لم يخطر بباله قطُّ، من قبلُ، مفهومُ أن يكون غُنولاً بلا عشيرة. كانت الفكرةُ سخيفةً، وكان الواقعُ حين حدث فعلاً مروِّعاً، أشبهَ بأن تستيقظ فتكتشف أن رأسك مفقود، ثم تظلَّ موجوداً على نحوٍ ما بينما جزءٌ جوهريٌّ أساسيٌّ منك قد زال إلى الأبد.
والآن راح قومُ الفريسة يوبّخونه ويُطعمونه كأنه فردٌ من عشيرتهم.
«أوه! أنا التالي! أريد أن أعطيه مكافأةً أنا أيضاً!» قال بوب متحمّساً.
«بوب، إنه ليس جِرواً،» قالت له مالاغريل.
«لكنه ظريفٌ نوعاً ما، أليس كذلك؟»
«لا.»
«بحقّك، إنه كالبُلدُغ، قبيحٌ لكن بطريقةٍ ظريفة.»
«لا،» كرّرت مالاغريل.
«لا،» وافق غراكثور.
«...ربما،» أضافت ميليسا أخيراً بارتياب. «ينبغي لنا على الأرجح أن نُعطي موضوعَ تجرِبتنا أيضاً...»
«أسيرنا،» صحّحت مالاغريل.
«...بعضَ الماء كذلك يا بوب،» أكملت ميليسا متجاهلةً ذلك. «قد تحتاج أن تضعه في وعاء.»
سارع بوب فأخرج مطرةَ ماءٍ ووعاءً خشبياً من حقيبته. حمل وعاءَ الماء أمامه واقترب مرحاً.
«من ذا الكائنُ الوحشيُّ الظريف؟» غنّج. «من الغُنولُ المطيع؟»
«بوب، أعلم أنك تفعل ذلك عمداً،» نادت مالاغريل.
ضحك بوب. «إنها الطرافة. عليكِ أن تعترفي أن هذه تجرِبةٌ لم يخُضها أحدٌ سواي على الأرجح، صحيح؟ لا بدّ للمرء أن يستمتع بها.»
ابتسم للغُنول ابتسامةً عريضة ومدّ الوعاء. «أحضرتُ لك بعض الماء. آه... هاك، دعني أسكب لك قليلاً.» أمال الوعاء فرشّ الماء على أنف الغُنول. نظر إليه الغُنولُ نظرةً بلهاء، يلعق الماء المتقاطر عن خطمه.
ضحك بوب. «حسناً، هذا لا ينفع، ربما إن فعلتُها هكذا...» جثا على ركبتيه وقدّم الوعاء عند مستوى فم الغُنول. مال الغُنولُ إلى الأمام متردّداً، ولعِق الماء برهةً.
حين توقّف، وضع بوب الوعاء على الأرض. «إن أردتَ المزيد، فما عليك إلا أن تطلب،» قال للغُنول.
لم يتحقّق العنفُ الذي كان يتوقّعه قطُّ، بل حلّ محلَّه موقفٌ اجتماعيٌّ غريبٌ يبعث على الضيق. حاول الغُنولُ أن يفهم ما يجري.
من الواضح أن الكبيرةَ التي قيّدته هي زعيمةُ هذه العشيرة، لأن الأكبرَ حجماً كان دائماً الأنثى المهيمِنة.
أما صاحبُ الدرع الجيّد والسيف الذي أطعمه فقد يكون أنثى أدنى هيمنةً أو ذكراً مهيمِناً. كان لذاك هالةٌ من الثقة، ولم تُبدِ الزعيمةُ أيَّ ميلٍ إلى إعادة تأكيد الهيمنة تجاهه، فهو على الأرجح الذكرُ المهيمِنُ في المجموعة، هكذا قرّر.
أما الذي سقاه الماء لتوّه فكان لُغزاً. كان قد كشّر عن أنيابه تحدّياً ثم سكب الماء على وجهه استهزاءً وهيمنةً، لكنه ركع بعد ذلك مباشرةً في خضوعٍ وقدّم الماء، دون أن تتزعزع ثقتُه في أيّ لحظة. بدا مُتخَماً بالطعام، فلا بدّ أنه مهيمِنٌ إلى حدٍّ معقول، إلا أنه لم يقُم ظاهرياً بأيٍّ من الأمور الصغيرة التي يحفظ بها المرءُ هيمنته على الآخرين. وها هو الآن يجلس أمام الغُنول تماماً، مسترخياً بلا خوف. كانت حَيرةُ ما يجري تُشعِر الغُنولَ بالضيق.
ثم كان هناك الصغيرُ الضعيفُ المظهر. صاحبُ غطاءِ الجسدِ الذي لم تمسَّه يدُ التلف، والغنيمةِ الوجهيّةِ المتباهية التي لا يقدر فردٌ ضعيفٌ من العشيرة أن يحتفظ بها دون سائرهم. هذا أرعبَ الغُنول، فقد كان بلا شكٍّ شامانَ* هذه العشيرة. والعشيرةُ التي لها شامانٌ تُخشى وتُحترم. فسيطرةُ الشامان على قوى خارقةٍ لا تُفهم تعني أنه قادرٌ على أمورٍ فظيعةٍ لا تخطر على بال. تذكّر الغُنولُ كيف سُلِبَ كلَّ حيويةٍ ووعيٍ بإشارةٍ عابرةٍ من يد الشامان. ومنذ أن استفاق، على غير توقّع، كان بوسعهم أن يقتلوني ويأكلوني حينها بسهولة!، ظلّ الشامانُ يراقب...
ارتجف الغُنولُ حين أشار إليه الشامانُ وتكلّم.
«نعم، نعم، رائع! أظنني رأيتُ ما يكفي، لا يا غراكثور، لستُ أقترح أن نقتله بعد.» أشارت نحو الغُنول المقيَّد. «بوب، أظنك تستطيع أن تفكّ يديه الآن.»
«لا تفعل!» صاحت مالاغريل وهي تخبط الأرض بقدميها غاضبةً نحو ميليسا، «لقد تمادى الأمرُ بما فيه الكفاية. هل أنتِ ممسوسة؟ هل تُدركين ما هذا الشيء؟!»
وقفت ميليسا ونظرت في تحدٍّ إلى المرأة الأطول قامةً. «لا، ليس تماماً! لكنكِ أنتِ الأخرى لا تُدركين، بجلاء! ألم تنتبهي إلى ما يحدث هنا؟ ألا تُدركين ما الذي اكتشفناه؟»
«أنتِ من قلتِ ذلك بنفسك! ‹مخلوقٌ ذو عنفٍ شيطانيٍّ متأصّل›!»
«هذا ما تقوله الأدبيّات، لكن الأدبيّات ناقصةٌ بجلاء!»
«هذا المخلوقُ قاتل!»
«هذا المخلوقُ لم يهدّدنا ولو مرّةً منذ أن استفاق! قبل لحظةٍ كانت لديه فرصةٌ مثاليّةٌ ليقضم يد بوب!»
«ذلك لأنه يعلم أن بوسعنا قتله في أيّ...»
«كفى، أنتما تُرعبانه!»
قطع صياحُ بوب جدالَهما الصاخب، فالتفتا ليريا الغُنولَ يرقبهما في رعبٍ محدّقِ العينين. ارتمى إلى الوراء بقدر ما استطاع ليبتعد عنهما، ويداه ورجلاه مقيَّدة. أطلق أنيناً حادّاً يائساً.
تقدّم غراكثور خلفه، فتوقّف تراجعُه الأخرق حين اصطدم بساقَي غراكثور. رفع بصره وأطلق نباحاً حادّاً.
ذُهلت مالاغريل إذ شعرت بوخزةِ شفقةٍ على... المسكين.
«اصمت.» قال غراكثور للغُنول الأنّان وهو ينحني ليلكمه في رأسه بلا اكتراث.
أطلق غمغمةً واحدة. ثم، لدهشة الجميع، بدا أنه استرخى. جلس معتدلاً، ولم يعُد يقاوم، وإن ظلّ يرقب ميليسا ومالاغريل بحذر.
عبس غراكثور ونظر إلى قبضته. «لا أفهم. لم ألكمه بتلك القوّة.»
«لم نكن حتى نصرخ في وجهه. لا أفهم. ما الذي يدور في ذهن ذلك الشيء؟» تساءلت مالاغريل بصوتٍ مسموع.
«أرأيتِ؟ ها أنتِ تتساءلين الآن أيضاً!» أجابت ميليسا منتصرةً.
يا للهول يا للهول لا لا لا صاحبُ الدرع يبدأ نزاعَ هيمنةٍ مع الشامان لا يُقحِم المرءُ أبداً الشامانَ في نزاع هيمنة أمورٌ سيّئةٌ سيّئة تقع إن أُقحِم الشامانُ في نزاع هيمنة ولا تقع على المتنازعَين وحدهما يجب الفرار يجب الفرار...
أوقف شيءٌ ما تراجعَ الغُنول. رفع بصره فرأى أنه صار الآن محطَّ اهتمام زعيمةِ هذه العشيرة كاملاً. أيمكن للأمور حقاً أن تسوء أكثر من ذلك؟
أطلق نباحَ اعتذارٍ عجولٍ للزعيمة، فزمجرت في وجهه ووبّخته.
أخيراً، صار يحدث تفاعلٌ طبيعيٌّ مفهوم. كان ذلك مطمئناً بعض الشيء. لم يفهم الكلام، لكن رسالةَ «اثبُت مكانك» وصلت بوضوح. أطلق الغُنولُ غمغمةَ قبولٍ وجلس معتدلاً. تُرِك نزاعُ الهيمنة فجأةً، وهو أمرٌ بالغُ الغرابة لكنه محمود. لا بدّ أن صاحبَ الدرع واثقٌ جداً من... مكانته؟... أو أنه مجنون، أو كلاهما. قد يُستأنف النزاع، لكن يبدو أن الزعيمة تُمسِك بزمام الأمور في الوقت الحاضر.
وقفوا جميعاً حول الغُنول.
أخذت مالاغريل نفَساً عميقاً، حبسته لحظةً، ثم أطلقته في تنهيدةٍ طويلةٍ بطيئةٍ من الاستسلام. رمقت بوب بنظرةٍ فاترة. «هذا خطؤك أنت، لتعلم.» ثم عادت تنظر إلى الغُنول. «لا أستطيع قتله الآن.»
«أنا أستطيع،» قال غراكثور.
«لكن لا ينبغي لك،» قالت مالاغريل بحزم. التفتت إلى ميليسا. «حسناً، ماذا أردتِنا أن نفعل به بالضبط.»
تفحّصت ميليسا الغُنول. «أريد أن أعرف منه أكبر قدرٍ ممكن عن بني جنسه. أولاً، إنه...» توقّفت ونظرت إلى الأسفل، تُعدّل نظّارتها لفحصٍ بصريٍّ سريعٍ إكلينيكيّ. «...هو سيحتاج إلى نوعٍ من الكساء. رأيتُ بعض رفاق عشيرته السابقين يرتدون نُتفاً من الأشياء، وأظننا نستطيع على الأقل أن نُلفّق نوعاً من المئزر.»
«لماذا؟» سأل غراكثور.
«لأننا لا نستطيع أن ندعه يتبختر عارياً أمام الناس، كن عاقلاً.» أجابت ميليسا.
ابتسم بوب بعرض. «أتفكّرين فيما أظنّكِ تفكّرين فيه؟»
«ربما. فليس أمراً نادراً في نهاية المطاف أن تصادق جماعةٌ ناجحةٌ من المغامرين مخلوقاً غريباً أو تروّضه وتُبقيه معها كنوعٍ من الحيوان الأليف أو التميمة.»
«لا،» قال غراكثور.
«أوَ يكون ذلك ممكناً أصلاً مع هذا... هذا...،» بدأت مالاغريل. لم تعُد لفظتا شيء أو مخلوق تبدوان مناسبتين.
«لا،» كرّر غراكثور.
«آه! سنحتاج أن نُطلق... عليه اسماً!» قال بوب متحمّساً.
«لا!»
«لا مفرّ من ذلك يا غراكثور، مستحيلٌ أن أتجوّل مناديّاً إياه أُوووووووهْهْهْهْوِيييي!» قال بوب، في تقليدٍ سيّئٍ جداً لنداء هُويّة الغُنول السابق. رمق الغُنولُ بوب بنظرةٍ مستغرِبة، ورأسُه مائلٌ إلى جنبٍ كأنه كلبٌ حائر، ثم أطلق غمغمةً واحدة.
«غرَنتِل!» قرّر بوب.
«ميليسا، أُحمّلكِ أنتِ مسؤوليّةَ منعِ... هو...،» قلبت مالاغريل عينيها تجاه بوب، «غرَنتِل من إلحاق الأذى بنا أو بأيّ أبرياء أو بممتلكاتهم. أواثقةٌ أنكِ تقدرين على تدبّر هذا؟»
«لا،» أجاب غراكثور.
«بلى،» صحّحت ميليسا، «أظنّ ذلك. رأيتم جميعاً كيف يتصرّف. لقد صار يتفاعل معنا على مستوىً اجتماعيّ عند هذه المرحلة. أراهن بسمعتي العلميّة أنه يقبل بمكانتنا المهيمِنة في الوقت الراهن. انظروا إليه، إنه يطلب عمليّاً أن يكون تميمتنا!»
«لا تميمة!» صاح غراكثور متراجعاً.
«أشعر بتردّدك يا غراكثور، لكن الأصواتَ ضدّك. لا يزال بوسعك قتله إن حاول إيذاء أحد،» ردّت عليه مالاغريل بتعاطف.
«بوب، فُكّ يديه وانظر ماذا يفعل،» قالت ميليسا.
«لا! أُريدُ! ذلك!» صاح غراكثور...
...بعد ثلاثة أشهر...
«أمسِك العصا! أمسِك العصا!»
رفع غراكثور غصنَ شجرةٍ طويلاً فوق رأس غرَنتِل، ببعض الجهد. كان غرَنتِل قد نما بسرعة وصار الآن بطول غراكثور، وسيفوقه طولاً قريباً على الأرجح. نقر غراكثور الغصنَ إلى اليسار.
«هيا، أمسِك العصا!» حرّك الغصنَ مداعباً، ثم لوّح به هابطاً إلى جانب غرَنتِل.
«أمسِك العصا!»
وبينما حاول تحريكه مرةً أخرى، اندفع غرَنتِل إلى الأمام وأطبق فكّيه عليه.
«عِنديعصا،» زمجر ومِلءُ فمه خشب.
ضحك غراكثور. «قد تكون حركةً جيّدةً في قتالٍ حقيقيّ، لكن يُفترض بنا أن نتمرّن بتلك.» أشار إلى الهراوة الفظّة التي يمسكها غرَنتِل بيده اليمنى.
«عِنديعصا،» كرّر غرَنتِل. تقلّصت عضلاتُ فكّه فتشظّى الغصنُ وانكسر على جانبي فمه. بصق ما تبقّى.
هزّ غراكثور رأسه مستمتعاً. «حسناً، سنتبارز فحسب. التقط تُرسك...»
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرنتل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion