Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 15
بدأ الطقس يزداد برودةً وتلبُّدًا بالغيوم عند الظهيرة وهم يشرعون في العودة إلى البلّوط الفضّي رفقةَ عضو رفقتهم الجديد. كانت ويكووكِت مفعمةً بالحماسة إلى أقصاها.
«...ويمكننا أن نجعلهم يفعلون ذلك الأمر حيث يضعون الفضّة على سيفي! لا فكرة لديّ إن كان ذلك ينفع حقًّا، لكنّ رنّته رائعة! آه، والأشياء السحرية! أريد أن أكون قادرةً على طعن الأشرار بالسحر! ربّما نحصل على بعض تلك الخواتم السحرية التي تمنحك قوًى سحرية خاصّة! آه، وينبغي أن نصنع بعض الحُلل الأنيقة من القماش المنسوج بالذهب تحسُّبًا لأن يُدعى إلينا إلى مأدبة عشاءٍ عند أحد النبلاء! هذا أمرٌ يحدث للمغامرين، أليس كذلك؟ وأمهارٌ صغيرة، كي لا نضطرّ إلى المشي في كلّ مكان!...»
كان واضحًا أنّ ويكووكِت لا تملك تصوّرًا جيّدًا عن قيمة خمسمئة قطعة ذهبية، إلّا أنّها «أكثر بكثيرٍ ممّا امتلكت دفعةً واحدة في حياتها»، لكنّ آل لم يجد في نفسه رغبةً في إخماد حماستها. كان بوته صامتًا كعادته، غير أنّ ابتسامةً راضية ارتسمت على وجهه الملتحي.
كان غرَنتِل يسير أمامهم قليلًا وإلى يمين آل، حيث يمكن مراقبته. وكما وُعِدوا، كان غرَنتِل يحمل قدرًا من عتاد الجميع ليخفّف عنهم الحِمل. كان في حقيبته متّسعٌ وفير، إذ بدا أنّه لا يحمل إلّا الحدّ الأدنى. كانت ثمّة بطّانيةٌ كبيرة متينة تصلح فراشًا، وقصعةٌ وملعقةٌ وسكّينٌ للطعام، ولَفّةُ الحبل التقليدية، وقِربةُ ماءٍ، وعُدّةٌ لإشعال النار، وكِيسُ نقودٍ صغير، وكيسٌ قماشيّ مملوءٌ بكُراتٍ من لحم الضأن الدسم المجفّف ممزوجةٍ بالتوت والجبن الصُّلب، زادًا للسفر. أمّا الشيء الغريب الوحيد الذي أُضيف فكان قطعةً من قماشٍ فاخرٍ أسودَ وفضّيّ، مطويّةً بعناية في مربّعٍ سميك. راقبوا المغامرين المتقاعدين وهم يحزمون له مؤونة سفره، يُسدون إليه في أثناء ذلك نُتَفًا من النصائح عن كيفية التصرّف كمغامرٍ لائق، وكأنّ غرَنتِل طفلٌ «يخرج ليسعى وراء ثروته» لا كائنًا شيطانيًّا وحشيًّا. كان الأمر أشبه بحُلمٍ غريب.
كان قلق آل يتزايد وهم يمشون. فقد كانوا يعتزمون التسكّع مباشرةً وسط جمعٍ متحضّرٍ من الناس، صُحبةَ كائنٍ ضخمٍ جدًّا، مسلّح، شبه عارٍ، وحشيّ المظهر بلا لبس. كيف سيتصرّف أهل البلدة حيال هذا؟ لم يبدُ أنّ المغامرين المتقاعدين الذين ودّعوه يظنّون أنّ ثمّة أيّ مشكلة، لكنّ آل لم يكن بتلك الثقة. أمّا فكرته في إيجاد عباءةٍ كبيرة جدًّا ذاتِ قَلَنسوةٍ يُلقيها على غرَنتِل فقد تبيّن أنّها غير عمليّة. كان غرَنتِل مستعدًّا لأن يحمل الكثير، لكن كان لديه هاجسٌ غير عقلانيّ إزاء ارتداء أيّ نوعٍ من الثياب أو الدروع. «يعترض طريقي»، هكذا تذمّر. وكانت ميليسا قد حذّرت آل من إجباره على الأمر.
«يمكنك أن تطلب منه فعل ما تشاء. ففي نظر غرَنتِل، أنت وبوته كلاكما نوعٌ من شامان* العشيرة، ولديه نفورٌ غريزيّ من تحدّيك. وإن جئتَ بتبريرٍ ذكيّ فقد تجعله يحتمل الأمر مدّةً قصيرة. أمّا إن حاولتَ إجباره فقد ينتهي الأمر إلى مشكلة هيمنة. عليك أن تتجنّب ذلك»، قالت.
على الأقلّ كان محطّهم الأوّل عند مدخل البلدة تمامًا. فقد كان الخنزير المُخلَّل موضوعًا بحيث يلتقط المسافرين القادمين إلى البلدة من الطريق الشماليّ أو الشرقيّ فور وصولهم. وإن تصرّف أهل البلدة بالسوء الذي يخشاه آل، فسيكون بمقدورهم على الأقلّ المغادرة سريعًا والتواري في مكانٍ بعيدٍ عن حدود البلدة، وإرسالُ أحد أفراد الرفقة الأقرب إلى الهيئة البشرية ليحاول التزوّد بما كانوا يبحثون عنه من مؤن.
تمكّن آل من صرف ذهنه عن أفكاره برهةً بمراقبة غرَنتِل وهو يمشي، متسائلًا كيف يحفظ توازنه. كانت قدماه أشبه بمخالب كلبٍ عملاق، وإن كانتا أعرضَ تناسبًا ممّا قد تكون عليه مخالبُ كلبٍ في حجم غرَنتِل. ومن حيث التركيب، كان الأمر شبيهًا بشخصٍ بشريّ الهيئة يمشي على مقدّمات قدميه. اختلس آل نظرةً ليطمئنّ أنّ أحدًا لا يراقب عن كثب، ثمّ جرّب الأمر بنفسه. فُوجِئ بأنّه أكثر راحةً ممّا توقّع. فقد كانت الخطوات تُلقي على ركبتيه إجهادًا أقلّ بهذه الطريقة، ووجد أنّ المشي بهدوءٍ صار أيسر. غير أنّ حفظ التوازن كان أصعب، وأدرك أنّه لو تمادى في ذلك أكثر من دقائق معدودة فإنّ سمانتَيه ستُصبحان ساخطتين جدًّا.
«ويمكننا أن نجلب لك حذاءً جديدًا يا آل! حذاءً سحريًّا!»
عاد آل إلى المشي على نحوٍ طبيعيّ.
كان بقيّةُ الطريق إلى البلدة هادئًا، وكان وصولهم أقلَّ إثارةً ممّا خشيه آل. بدا أنّ معظم الناس لازموا بيوتهم اتّقاءً للبرد غير المألوف في هذا الفصل. صحيحٌ أنّه لمح طفلةً صغيرة تشير نحوهم بينما كانت أمّها تسير بها في الطريق، لكنّ الأمّ أنزلت ذراعها وأسرعت بها إلى زُقاقٍ جانبيّ. على الأقلّ لم يكن ثمّة صُراخ.
أعلنت اللافتةُ التي تصوّر برميلَ خمرٍ مفتوحًا يطلّ من أعلاه رأسُ خنزيرٍ أنّهم قد بلغوا الخنزير المُخلَّل من جديد. أسرع آل خُطاه ليسبق البقيّة. ثمّ استدار ليمشي إلى الوراء وهو يشير إلى الآخرين بأن يتمهّلوا.
«دعوني أدخل قبلكم لأنبّههم قبل أن تدخلوا، لا نريد أن يُصاب أحدٌ بالذعر حين... تعرفون.» قال آل وهو يومئ برأسه نحو غرَنتِل. ثمّ استدار وانطلق راكضًا نحو الباب.
«آه، لقد عدتم»، قال صاحب الحانة وهو يرفع بصره عن عمله الذي لا يكاد ينتهي في تلميع الأقداح. «كيف سارت الأمور إذن، هل لديكم محاربٌ آخر الآن؟»
«شكرًا»، قال آل مقدّرًا كلمةَ «آخر»، «لكن، اسمع، نحن على وشك أن نُدخله إلى هنا، وهو نوعًا ما... مُخيف.» ورفع صوته قليلًا كي يسمعه سائرُ الروّاد. «لا تفزعوا، لن يؤذي أحدًا! على الأرجح...»
«اهدأ الآن، لا تقلق، قد لا نكون من حانات المغامرين في المدن الكبرى ولا ما شابه، لكن يأتينا هنا كثيرٌ من أصناف الناس المختلفة. واثقٌ أنّنا سنكون على ما يُرام.»
«لا، أنت لا تفهم، إنّه ليس شخصًا عاديًّا، إنّه نوعًا ما... وحشيّ! فقط لا...» بدأ آل بإلحاح، عالمًا أنّ الآخرين سيلحقون به ويدخلون في أيّة لحظة.
قاطعه صاحبُ الحانة بتلويحةٍ مرحةٍ لا تكترث.
«لا، حقًّا، لا بأس.» ثمّ رفع بصره عند صوت الباب وهو يُفتح. «آه، مرحبًا يا غرَنتِل. كيف حال الرفقة الجديدة؟» سأل بمرح.
هَمهَم غرَنتِل ردًّا وهو يخطو إلى الداخل. حدّق آل في صاحب الحانة مصدومًا، ثمّ متّهِمًا.
«أنت... أنت تعرف غرَنتِل؟»
«آه، أجل، هو ورفقةُ المغامرين التي كان يجول معها يأتون إلى البلدة بين الحين والآخر.»
«هل كنتَ تعلم أنّه «المحارب المبتدئ» المذكور في الإعلان المنشور على اللوحة؟»
«حسنًا، بالطبع، من غيره يكون؟ فالبقيّة متقاعدون.»
«لماذا لم تقل شيئًا؟!» كاد آل أن يصيح.
«طلبوا منّي ألّا أفعل.»
وردًّا على تحديقة آل الغاضبة، أفاض في الشرح. «للغُنول سُمعةٌ مستحقّة في هذه الأنحاء، فقد كانت لنا معهم مشكلاتٌ حقيقية قبل بضع سنوات. وما زالت، هناك في الشمال الشرقيّ. لقد مات كثيرٌ من الناس. وقد نُبِّهتُ إلى أنّ صنف الناس الذين قد يرغبون في وجود شيءٍ كهذا في جماعتهم ليسوا الصنف الذي يرضَون أن يرافقهم غرَنتِل. وأظنّ أنّ العكس صحيحٌ أيضًا. ولو أخبرتُك أنّه أحد الوحوش التي كانت تشقّ طريقها بالقتل عَبر المملكة، أكنتَ ستذهب رغم ذلك لتُلبّي الإعلان؟»
«قطعًا لا! حسنًا، هذه وجهةُ نظرٍ وجيهة.»
بدا أنّه لن تكون هناك أيّةُ مشكلة في نهاية المطاف. لا ذعرَ، ولا صيحاتٍ تنادي «اقتلوا الوَحش!»، ولا حَرَسَ مدينةٍ يتّهم آل بالاتّجار في الكائنات الشيطانية. بدأ آل يسترخي...
...إلى أن استدار ليرى رجلًا يوجّه لكمةً إلى غرَنتِل.
* شامان: لقبٌ يطلقه غرنتل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion