Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 14
تمّ الاتفاقُ على العقد دون مزيدٍ من الجَلَبة، فمجرّدُ حصولهم على أيّ استثمارٍ على الإطلاق كان نتيجةً أفضلَ بكثيرٍ مما توقّعوا، وذلك رغم انزعاج آل المستمرّ من طبيعة مجنَّدهم الجديد.
ودعت ميليسا الجميعَ إلى برجها ليراقبوا وهي تُجمّع النسخةَ الموعودة من مسوَّدتها الحاليّة لأطروحتها عن الغُنول. وبطبيعة الحال، أُنجز ذلك بسحرٍ مبهرج. راقبت الرفقةُ، آل باهتمامٍ عِلميّ، وويكووكِت بذهولٍ وشيءٍ من الحسد، وبوته بـ... حسناً، لم يكن أحدٌ ليجزم قطُّ بما يدور في خَلَد بوته، لكنه راقب باهتمامٍ على أيّ حال. جمعت ميليسا كومةً من صفائح الرَّقّ الفارغة البسيطة، ولفافةً صغيرةً من جلدٍ داكن الدِّباغة، وقارورةَ حبرٍ كبيرةً نوعاً ما، ورقاقةَ ذهب، ووعاءً صغيراً من الغِراء، وشريطَ قماش، ومُجلَّداً مُغلَّفاً بجلدٍ أسودَ بسيطٍ، كُتب عليه:
في الغُنول
أصولها،
وطِباعها،
وإمكان تدجينها.
(مسوَّدة)
بقلم ميليسا براون
أشارت طالبةً الصمت، وشرعت في العمل. بدأت يدُها اليمنى سلسلةً طويلةً متّصلةً من الحركات المعقّدة المتعدّدة الأصابع، بينما راحت يسراها تُحرّك نظّارتها من حينٍ إلى حينٍ لتضبط البؤرة. وحفّزَ إنشادٌ مُغمغَم، موقّعٌ لكنه لا يكاد يتكرّر، السحرَ على المُضيّ في مهمّته.
تقافزت صفائحُ الرَّقّ في الهواء، تتمدّد وتنكمش حتى غدت كلٌّ منها بالشكل المستطيل المثاليّ نفسِه والحجم نفسِه، ثم رصّت نفسها معاً في كومةٍ مرتّبة. وانفتح المُجلَّد من تلقاء نفسه على صفحته الأولى، فأرغمت نقرةٌ من أصابع ميليسا خيطاً من الحبر أن ينبثق من قارورته إلى الصفيحة العليا من الرَّقّ الفارغ، ليكتب الكلماتِ والرسمَ ذاتَها الموجودةَ في الصفحة الأولى من المُجلَّد. ثم انقلبت الصفحةُ الأولى من المُجلَّد والصفيحةُ المكتوبةُ حديثاً كلتاهما، فنُسخت الصفحةُ الثانية. وهكذا مضى الأمرُ دقائقَ عديدة، والصفحاتُ المتشكّلةُ حديثاً تبدو مختلفةً اختلافاً طفيفاً، لكنها منسوخةٌ عن الأصل بلا شكّ. وأخيراً، ألصق شريطُ القماش نفسَه بحافّة كومة الرَّقّ، وتشكّل الجلدُ حول الخارج. واكتمل السِّحرُ إذ اقتلعت رقاقةُ الذهب نفسَها من ظهرها الورقيّ وضغطت نفسها على غلاف المُجلَّد الجديد، مُتهجّيةً ببساطة:
في الغُنول
(نسخة المسوَّدة)
بقلم ميليسا براون
انتهى الإنشادُ، وأنزلت ميليسا يديها. التقطت المُجلَّدَ المُنشأ حديثاً وقلّبت صفحاته بسرعةٍ متفحّصةً. أومأت موافِقةً وناولته آل.
«ذاك هو السِّحرُ الحقّ!» هتفت ويكووكِت منبهرة.
«لقد رأيتِني أعمل السِّحرَ من قبل،» تذمّر آل، مندهشاً إذ شعر بغَضاضةٍ يسيرةٍ من هذه المقارنة.
«أجل، لكنك لا تصنع إلا سِحراً مُمِلّاً، ليس كـهذا!»
نظر آل إلى السقف بضِيقٍ لحظةً، مُتوسّلاً مرةً أخرى إلى أيّ آلهةٍ قد تكون في الأعالي، وهو يُشير نحو ويكووكِت إشارةً مسرحيّةً مبالَغاً فيها تقول: أرأيتم ما عليّ أن أحتمله؟ ثم فرك جبينه.
«لا، ليس أنتِ أيضاً، يكفيني ما ألقاه من ذلك من أمّي،» قال.
«أظنّ أن الوقتَ قد حان لنبدأ بفعل شيءٍ حيال ذلك،» قالت ميليسا، مادّةً يدها لتسحب كتاباً بالياً من رفٍّ قريب. «لنرَ ما عساي أن أُعلّمك.»
اقتُنِع آل في النهاية بأن يتعلّم تعويذةً بسيطةً لسِحر القتال، وبإلحاحٍ من ويكووكِت، تعويذةً مبهرِجةً حرفياً تصلح لإعماء الأعداء وتشتيتهم. وبينما كان آل يُطوّع السِّحرَ لحاجاته الخاصّة في التذكّر كي يقدر على أدائه، شجّعته ميليسا على أن يُدرِج بعض الحركات التي تُشبه ما كان يستعمله في تشغيل القوس النّشّاب. وحين فرغوا كان الوقتُ قد تأخّر كثيراً، فأمضى المغامرون الليلةَ في بعض غرف الضيوف المريحة في قصر نوتاميمِك.
في صباح اليوم التالي، وبعد فطورٍ بسيطٍ من الأجبان والخبز واللحوم المُدخَّنة، انتقلوا جميعاً إلى ساحة التدريب خلف القصر. وصل غرَنتِل حاملاً تُرساً خشبياً مستديراً بسيطاً، ومِخبَطاً. تذكّر آل أن كثيراً من الرسوم في الكتاب الذي وجده في مكتبة منزله قد صوّرت الغُنولَ تُشهِر مخابطَ بشعةَ المنظر ذاتَ كُراتٍ مسنّنةٍ على سلاسل، لكن ما حمله غرَنتِل كان أشبه بأداة درسِ الحبوب عند الفلّاح، هراوةً كبيرةً بسيطةً قُطِعت نصفين، وطرفُها الثقيل مُثبَّتٌ إلى المقبض بقطعةٍ قصيرةٍ جداً من السلسلة.
كان أكبرَ بكثيرٍ من صولجان آل. وبدأ آل يعيد التفكير في هذا الأمر.
«أنت من أراد أن يراه يقاتل،» ذكّره غراكثور، مُشيراً إليه أن يتقدّم. «مجرّد مباراةٍ تدريبيّةٍ خفيفة.»
«أجل، أرِه كيف يُقاتَل!» صاحت ويكووكِت مُشجِّعةً من خلفه. فالتفت آل لينظر إليها.
«أيَّنا تُخاطبين؟»
هزّت ويكووكِت كتفيها. «وهل يهمّ ذلك؟ سيكون المشهدُ ممتعاً في الحالتين!»
«شكراً جزيلاً،» قال آل ساخراً، وهو يستدير من جديد.
مدّ غراكثور يده ليربت على كتف غرَنتِل. «تمرّنْ فحسب. أرِهم فحسب أنك تعرف كيف تستعمل هذين.»
أطلق غرَنتِل غمغمةَ موافقةٍ واحدة، ورفع سلاحه وتُرسه إلى وضعيّة «الاستعداد». بدت الوضعيّةُ في غير محلّها تماماً على نحوٍ ما، كتلةٌ من العنف الوحشيّ حُوِّلت إلى صورةٍ كاريكاتوريّةٍ لتلميذٍ يتلقّى درساً من مُدرّب أسلحة.
أخرج آل صولجانه. ووقف هو وغرَنتِل وجهاً لوجهٍ بلا حَراك. وإذ لم يدرِ ما يفعل، سدّد آل ضربةً خفيفةً من أعلى نحو تَرقُوة غرَنتِل. حرّك غرَنتِل تُرسه ليعترضها. كانت الحركةُ... صحيحةً من الناحية التقنيّة وأوقفت الضربةَ بدقّة، لكنها كانت آليّةً متعمّدة. التوى غرَنتِل عند وِركه فيما ارتدّ الصولجانُ عن حافّة تُرسه، ليُلوّح بمِخبَطه جانبياً نحو رأس آل... مرةً أخرى، مُصوَّبٌ بدقّةٍ، لكن ببطءٍ ودون قوّةٍ تُذكَر. انحنى آل حين مرّ فوق رأسه، ثم انتصب من جديدٍ ليُسدّد ضربةً مستقيمةً إلى أعلى نحو عظم قَصّ غرَنتِل.
وهكذا مضى الأمرُ عبر عدّة تبادلات. شعر آل كأنه عاد إلى معسكر الجيش، يخوض التمارين التي كانوا يُكرّرونها على كلّ المجنَّدين الجدد. وكاد يتوقّع أن يبدأ غرَنتِل بصياح تلك الهُتافات الصغيرة التي كان المدرّبون يُلزمونهم بها لضبط الإيقاع. «هَا! هُو! هاي! يَا!»
تقطّب جبينُ آل وهما يواصلان. لم يكن هذا ما توقّعه البتّة، فهذا المخلوقُ العنيفُ المُتبَجَّحُ به قد تدرّب بجلاءٍ على كيفيّة حمل أدواته القتاليّة على الوجه الصحيح، لكن لم يكن ثمّة أدنى إشارةٍ إلى أنه خاض يوماً قتالاً حقيقياً. التفت آل لينظر إلى غراكثور بارتياب.
«أواثقٌ أنت...؟»
طرأ تغيّرٌ مفاجئٌ في الإيقاع. قطع سؤالَ آل صوتُ طَقّ! عالٍ، وخدِرت يدُه إذ أُطيح بصولجانه فطار عبر الساحة. والفُوَّهةُ المتلهّفةُ ذاتُ الأنياب المُشرشَرة التي انبثقت نحوه على غير توقّعٍ جعلته يترنّح إلى الوراء بموجةٍ من الخوف المُنعكِس.
حدّقت عينان كهرمانيّتان صغيرتان لامعتان في عينَي آل.
«عِنديعصا،» قال غرَنتِل. ثم أنزل مِخبَطه وتُرسه، مسترخياً في تراخٍ كان كفيلاً بأن يُصرَخ في وجه مجنَّدٍ في الجيش بتهمة الكسل حتى بعد أمر «استرح». حاول آل أن يبدوَ صارماً مُستنكِراً وهو ينتظر أن يكفّ قلبُه عن الخفقان. وتجاهل تصفيقَ ويكووكِت الحماسيَّ وهُتافها بقدر ما استطاع.
«تتحرّك كمن له من الخبرة ما يكفي ليعرف ألّا يصرف بصره عن خصومه،» قال غراكثور لآل. ثم أشار عبر الساحة. «هيا، لنذهب لنُحضِر سلاحك.»
سارا بضع خطواتٍ في صمت، ثم عاد غراكثور يتكلّم.
«أنتما لا تحاولان قتلَ أحدكما الآخر.»
«أعلم، لم أكن...،» بدأ آل يُجيب.
«أعني، كنتَ تتساءل لماذا لم يبدُ وكأنه يُقاتل حقاً.»
«آه. صحيح. إذن، أواثقٌ أنت أنه سيُبلي حسناً في قتالٍ حقيقيّ؟»
«رأيتُه يفعلها. سيكون بخير. والآن عرفتَ أنه قادرٌ على القتال كأيّ شخصٍ عاديّ، وأنه ليس مجرّد وحشٍ متوحّش.»
«أجل، وبمناسبة الحديث عن ذلك،» ردّ آل. «في النهاية هناك، ظننتُ للحظةٍ أنه قد يحاول التهامَ وجهي.»
«لا، على الأرجح لن يفعل.»
«...‹على الأرجح›؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion