Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 21
كان القلقُ من قدرته على النوم آخرَ ما دار في خَلَد آل قبل أن يوقظه انفجارٌ مفاجئ من الضوء. انتفض جالساً وأخذ ينظر حوله. كان النهار قد طلع. فقد ارتفعت الشمس حتى صارت تسطع عبر النافذة في وجه آل.
كانت ويكووكِت مُنبطحةً بلا رشاقة على سريرها الصغير، تشخر خفيفاً وقد تشابكت في البطّانية الرقيقة كأنّها في معركةٍ معها. وأكّد تنفُّسٌ هادئ من تحت سرير آل أنّ غرَنتِل ما زال هناك. أمّا حقيبة بوته فكانت بجوار سريرهم، لكنّ بوته نفسه قد اختفى.
وانحلّ ذلك اللغز بعد لحظات حين وصلت خطواتٌ حذرة إلى خارج باب غرفتهم، ثم سُمِع ركلٌ خفيفٌ عليه.
«إن تكرّمتم بفتح الباب، فلديّ طعامٌ لنا»، جاء صوت بوته.
اهتزّ سرير آل حين أطلّ غرَنتِل برأسه من تحته. وفي الوقت ذاته انتقلت ويكووكِت من شخيرٍ لطيف إلى الجلوس والمصارعة لتُحرّر نفسها من الأغطية.
«طعام؟؟» قالا معاً.
نظرت ويكووكِت إلى غرَنتِل وضحكت، وهي لا تزال تفكّ نفسها. أمّا غرَنتِل فاكتفى بمراقبة الباب.
«إن ظلّ الباب مغلقاً، فلن يبقى لنا طعامٌ عمّا قريب، إلّا إن شئتم أن تأكلوه عن الأرض»، ألحّ بوته.
نهض آل وفتح الباب. وقف بوته في الخارج يوازن برباطة جأشٍ ثلاثة أوعية ودلواً بين ذراعيه. كانت الأوعية والدلو قد مُلئت من قِدر العصيدة هذا الصباح. أخذ آل بحذرٍ وعاءً والدلوَ من بوته.
«تكرّم هنري بإعارتنا الدلو. بل غسله أوّلاً. وعلينا بالطبع أن نعيده قبل أن نرحل.»
«مَن هنري؟» سأل آل.
«إنّه صاحب الحانة. أما كنت تعرف اسمه؟»
«لم يَرِد ذكره في الحديث قطّ. فكيف عرفتَه أنت؟»
«إلى المعرفة سُبُلٌ كثيرة»، أجاب بوته.
«...حسناً. فأيُّ سبيلٍ منها أفضى إلى اسم صاحب الحانة؟»
«ذاك الذي يبدأ بالسؤال. فليس كلّ السُّبُل ينبغي أن تكون غامضة.»
هزّ آل رأسه واستدار عائداً إلى الغرفة، حيث استقبلته نظراتُ الترقّب من الغُنول والغنوم.
«أرى أنّ بعضنا مُعرَّضٌ لخطر الهلاك جوعاً»، مازح آل.
«أنا! أنا كذلك!» صاحت ويكووكِت، «فقد مرّت أيّامٌ عِدّة منذ أن ذُقتُ أيَّ طعام!»
«لقد أكلتِ طعاماً وفيراً مساء أمسِ فحسب.»
«الواحدُ عددٌ!»
عاد آل إلى الغرفة وناول ويكووكِت الوعاء، بينما انزلق غرَنتِل من تحت السرير وتمطّى تمطّياً مسرحيّاً. ناوله آل دلو العصيدة. وبعد نخرةٍ واحدة ظنّها آل امتناناً، غرز غرَنتِل خطمه في الدلو وراح يأكل بصخب. ووزّع بوته الملاعق على البقيّة.
«كُلوا جيّداً»، نصح بمرح، «فالحشد في الأسفل متلهّفٌ لرؤيتنا.»
لم يكن آل يأبه حقّاً بما يريده جمهورهم غير المتوقَّع، لكنّه أضاف تشجيعه الخاصّ ليأكل الجميع بسرعة لأسبابٍ أخرى. فقد كانوا ينطلقون في وقتٍ أكثر تأخّراً ممّا توقّع. كان قد ظنّ أنّه سيقضي ليلةً من نومٍ متقطّعٍ قلق، وينهض عند الفجر بقسطٍ من الراحة يكفي بالكاد لئلّا يختلّ أداؤه. أمّا في الظروف الراهنة، فما كان ليصدّق قطّ أنّه سيشعر بما يكفي من الطمأنينة ليغطّ في نومٍ عميقٍ طوال الليل ويستيقظ متأخّراً هكذا. لعلّ معرفته بأنّ أيَّ خطرٍ يطلّ في الغرفة سيُلاقى بمِلءِ وجهٍ من الغُنول كانت مطمئنةً على نحوٍ ما، هكذا افترض آل.
ومع ما في الأمر من غموض، لم يكن يشكو. فقد شعر بالانتعاش والحيويّة. جرف محتوى وعائه من الطعام اللزج المُغذّي إلى بطنه، وشرع في حزم أمتعته لمسير النهار. وحين فرغ الآخرون من فعل الشيء ذاته، انطلقوا.
لدى نزولهم الدَّرَج، استُقبلوا بالهتاف وبعض التصفيق المتفرّق، ممزوجاً بأنّاتِ خيبةٍ من قلّةٍ كانوا قد راهنوا على وقوع إصاباتٍ بيّنة أو وفياتٍ خلال الليل. أعاد آل وبوته الأوعية والملاعق والدلو إلى هنري. ووعدت ويكووكِت روّاد الحانة المجتمعين بأن يكون لديها حكاياتٌ أكثر إثارةً في المرّة القادمة التي يمرّون فيها بالمنطقة، فنالت مزيداً من التصفيق. ثم خرجوا من الباب في طريقهم إلى الحدّادة لأخذ مؤن ويكووكِت.
كان الوقت لا يزال مبكّراً جدّاً في فصل الربيع، فلم يكن العثورُ على الأرض وقد غطّتها بضع بوصاتٍ من الثلج المبتلّ صباحاً أمراً مُفاجئاً كثيراً. فالعاصفة الباردة التي هبّت طوال الليل قد حلّت محلّها سماءٌ صافية ورياحٌ هادئة. تركوا مجموعتهم الغريبة من آثار الأقدام الموحلة عبر البلدة وهم يزورون حدّادة رودريك ويأخذون ما دفعوا ثمنه من هيلدا المُتعَبة، ثم شقّوا طريقهم خارج البلدة على امتداد الطريق الجنوبيّ.
كان الهواء على امتداد طريق الغابة بارداً، لكنّ كُتلاً من الثلج الثقيل المبتلّ كانت تذوب في ضوء الشمس وتتساقط بين الحين والآخر عن أشجار الغابة حديثة التبرعم.
ترك آل غرَنتِل يتصدّر الطريق. كان ذلك مسألةً استراتيجيّةً بحتة، إذ إنّ طوله وغرائزه الوحشيّة تجعلانه أقدر على رصد أيّ أخطارٍ قد تكون أمام الرفقة. ولم يكن ذلك بالتأكيد لأنّ آل ما زال لا يرتاح إلى وجود وحشٍ شيطانيٍّ ضخم يتربّص خلفه.
كان غرَنتِل لا يزال يحمل أكثر من نصيبه العادل من مؤن الرفقة وعتادها. خاض في الثلج الكثيف لا يرتدي شيئاً سوى «مِئزَره» الجلديّ والطوق الجلديّ البسيط حول عنقه. ومع كلّ ذلك لم يُبدِ شكوى. بل لم يعترض حتى حين تسلّقت ويكووكِت وجلست فوق الحقيبة التي يحملها. تركت قدما غرَنتِل العاريتان آثاراً كبيرةً في الثلج، تُشبه آثار ذئبٍ عملاق أو ربّما دبّ.
وفيما عدا الجهد الإضافيّ للخوض أحياناً في كُثبان ثلجٍ رطبة، كانت ساعاتٍ لطيفةً بما يكفي من المسير جنوباً على طريق الغابة خارج البلّوط الفضّي، حين ارتعشت أُذنا غرَنتِل وتكلّم فجأة.
«أحدٌ في الأمام.»
حدّق آل مُغمِضاً عينيه في وهج ضوء الشمس المنعكس عن الثلج. أمامهم مباشرةً، كان الطريق ينعطف بحدّةٍ نحو اليمين ليتفادى نُتوءاً صخريّاً. «مَن هو؟»
«لا أدري. حافّة الطريق عند المنعطف. كان يسترق النظر حول الزاوية ثم فرّ.»
دارت أُذنا غرَنتِل. «أظنّني أسمع كلاماً لكن لا أميّز ما يقولون.»
أنزل تُرسه من موضع استراحته إلى يده دون أن يقطع خطوه.
«أظنّني أسمع قوساً نشّاباً يُشَدّ.»
قفزت ويكووكِت من مجثمها فوق حقيبة غرَنتِل واندفعت إلى الأوراق الكثيفة بجانب الطريق. ظنّ آل أنّه لمحها تُهرول أمامهم للحظةٍ واحدة قبل أن يغيب عنها بصره. التفت إلى بوته، الذي كان يحكّ لحيته ويبدو مُتفكّراً وهو يخوض في طريقه. فرأى بوته آل ينظر إليه.
«يبدو لي هذا مألوفاً، لسببٍ ما»، قال.
«ربّما ينبغي أن نتوقّف، إن كان هذا كميناً نوشك أن نسير إليه مباشرةً...»
مع صوت ثَقٍّ مكتوم، ظهرت نُشّابةُ قوسٍ في الطريق أمام قدمَي غرَنتِل. فتوقّف. ومن أعلى شجرةٍ إلى يمينهم، سُمع صوت قوسٍ نشّابٍ يُعاد شدّه. وإلى يسارهم، خرج رجلٌ يحمل قوساً نشّاباً محشوّاً من خلف بلّوطةٍ عريضة، يُنقّل تصويبه جيئةً وذهاباً بين آل وبوته. وأمامهم مباشرةً، انبثق أربعةٌ آخرون من الأدغال. صوّب ثلاثةٌ منهم أقواسهم النشّابة بحذرٍ نحو غرَنتِل، لكونه أضخم المسافرين وأكثرهم مظهراً مخيفاً. أمّا قاطع الطريق الرابع فتقدّم وصوّب سيفاً مُقوّساً بالياً لكنّه حادّ نحو غرَنتِل بينما نظر إلى آل. ولاحظ آل أنّه، رغم تبجّحه، قد توقّف على مسافةٍ بعيدةٍ عن متناول غرَنتِل.
«ما هذا الشيء، حيوانك الأليف؟» سأل آل، وسط قهقهةٍ مكتومة من رفاقه.
«لا»، أجاب غرَنتِل، لدهشة السائل.
«يا للعجب، إنّه يتكلّم! حسناً إذن، أيّاً كنتَ، فلعلّك أنت ومالِكَيك على قدرٍ من الذكاء يكفي لتُدركوا ما يجري هنا. وأنا واثقٌ أنّه سيكون مصدر راحةٍ لكم ألّا تُضطرّوا إلى حمل هذا القدر الكبير. ويصادف أنّنا مستعدّون بلُطفٍ لتحمّل عبء أيّ نفائسَ ثقيلةٍ قد تحملونها.»
«لا»، كرّر غرَنتِل. ارتفعت يده اليمنى ببطءٍ وفركت الطوق حول عنقه دون وعي. «ليست بهذا الثِّقَل.»
«هل أنت غبيّ؟» سأل زعيم قُطّاع الطرق، فنال جولةً أخرى من القهقهات من عصابته.
«نوعاً ما. وأنت؟»
قهقه أحد قُطّاع الطرق بسخرية.
«حسناً أيّها المتذاكي، سأُبسّط الأمر لك...»، بدأ زعيمهم بغضب.
«مهلاً الآن، ما كنتُ لأستفزّ...»، شرع آل يقول.
«لم أكن أكلّمك أنت!» صرخ قاطع الطريق دون أن يرفع عينيه عن غرَنتِل. نظر إلى يد غرَنتِل اليمنى، التي ما زالت تفرك الطوق. «لنبدأ بذلك الطوق. أيعجبك ذلك الطوق؟»
«نعم»، أجاب غرَنتِل.
«حسناً، يا للأسف. صار مِلكي الآن. أعطِنيه.»
«لماذا؟»
«لأنّك إن لم تفعل فسنقتلكم جميعاً ونأخذه على أيّة حال!»
بدا نُباح غرَنتِل القصير المتقطّع لزعيم قُطّاع الطرق أشبه بضحكٍ عصبيّ. ولاحظ آل أنّه لا بدّ قد بدا شيئاً آخر لبوته، إذ اتّسعت عيناه وعلت ابتسامته.
تجعّد جبين غرَنتِل بعمقٍ من شدّة الجهد الذهنيّ. «نعم... يا سيّدي...»، قال غرَنتِل، ممّا أربك آل كثيراً. استدار ببطءٍ نحو آل وبوته وهو يعبث بإبزيم الطوق.
«يا... زملائي... الأعزّاء...»، قال، وكلُّ كلمةٍ منتقاةٌ بتؤدةٍ متأنّية، «...هؤلاء... الأوغاد... يفوقوننا عدداً. علينا... أن نعطيهم إيّاه.» رفع يده اليسرى، التي ما زالت تمسك التُّرس، بما يكفي ليشير إلى خاصرة آل. «لا... تسعَ إلى إخفاء... ما خبّأتَه... هناك... عنهم. أعطِهم إيّاه.»
نظر آل في عينَي غرَنتِل، فشعر بدَفقةٍ من الأدرينالين. اتّسع بؤبؤا غرَنتِل حتى بدت عيناه سوداوين بالكامل عند انفكاك إبزيم الطوق، وشرع يستدير ببطءٍ عائداً نحو اللصوص.
«نعم. أظنّ عليّ إذن أن أعطيه إيّاك؟» قال آل، مشيراً إلى الذي يصوّب القوس النشّاب نحوه. كانت حيلةً سحريّةً دقيقة، كثيراً ما ذمّها السَّحَرة، لكنّها مثاليّةٌ تماماً لهذا الموقف في رأي آل. وبهَديٍ من بصيرةٍ خارقة، كان قد قرّر سلفاً كيف يوجّه الضربة الأولى، بينما مدّ يده ببطءٍ تحت ردائه بأسلوبٍ رجا أن يُرى مُصالِحاً، لا يأتي بأيّ حركةٍ مفاجئة.
«أيّها... الرجلُ... اللطيف...»، قال غرَنتِل بتركيزٍ عميق لزعيم قُطّاع الطرق، الذي ما زال يمسك السيف المُقوّس مهدِّداً بيده اليمنى بينما تُشير يسراه إشاراتِ ناوِلْني إيّاه. «بناءً... على... أمرك... أعطيك... هذا.»
برميةٍ لطيفةٍ من أسفل، قذف الطوق نحو زعيم قُطّاع الطرق على مستوى العينين. وبابتسامةٍ ماكرة، مدّ قاطع الطريق يده ليخطفه من الهواء.
في اللحظة التي انصبّ فيها انتباهه على أصابعه وهي تُطبِق على الطوق الطائر، بدأ انفجار الحركة. سمع الزمجرة المفاجئة ولمح ومضة الحركة إذ وثب نحوه ذلك المخلوق الذي بدا خاضعاً وسلّمه طوقه للتوّ، وكُتَل الثلج المبتلّ تتطاير صُعُداً عن قدميه. أخذت يده اليمنى المِخبَط من حزامه بسلاسةٍ وهو يقترب. وأطاح تُرسُه بمهارةٍ محاولته اليائسة في الطعن. سمع أقواس رفاقه النشّابة تُطلَق، ورأى إحدى النُّشّابات تُصيب المخلوق أسفل الكتف بينما هوى المِخبَط. أحسّ بالطقطقة المدوّية في رأسه أكثر ممّا سمعها. ثم لا شيء بعد ذلك.
حمله اندفاع غرَنتِل المفاجئ متجاوزاً زعيم قُطّاع الطرق المنهار، ليرتطم برأسه بأحد الثلاثة الذين كانوا خلفه. غرزت أسنان غرَنتِل في كتف اللصّ المذعور الواسع العينين بينما حاول أن يُسقط القوس النشّاب.
صاح آل بتعويذةٍ سريعة وأشار بيده اليسرى بينما سحبت يمناه الصولجان من تحت ردائه. أطلق خصمه القوس النشّاب نحوه، لكنّ رُقية الحماية السحريّة التي استحضرها آل مسرعاً لتوقفها حرفت النُّشّابة بعيداً. سمع آل بوته يستنزل عناية الآلهة الطيّبة بينما جرى آل إلى الأمام ليضرب الرجل الذي حاول لتوّه أن يرميه. ارتطم صولجانه ارتطاماً مُرضياً بأضلاع قاطع الطريق المكشوفة أسفل مكان رفعه ذراعيه ليمسك القوس النشّاب.
في أعلى الشجرة حيث سمعوا القوس النشّاب يُشَدّ، انطلقت صرخة ألمٍ مفاجئة، وطارت نُشّابةٌ بلا هدفٍ إلى الغابة. أعقب ذلك صياحٌ آخر إذ سقط رجلٌ من بين الأغصان وارتطم بالأرض ارتطاماً مدوّياً. قفزت ويكووكِت خلفه بأناقةٍ أكبر بكثير، ثم اختفت من جديدٍ في الأدغال.
كان قُطّاع الطرق الباقون يُدركون أنّ مزاياهم قد تبخّرت فجأة، فألقوا أقواسهم النشّابة، وسحبوا مجموعةً من النِّصال القصيرة وهم يحاولون التراجع عن غرَنتِل. لوّح خصم آل وطعن بجنونٍ، مُتقلّصاً من الألم في أضلاعه. ونجح في تجاوز دفاع آل ليُنزل طعناتٍ سطحيّةً في ساق آل وذراعه.
استنزل بوته عقاباً إلهيّاً على مُهاجِم آل، الذي صرخ إذ احترق لحمه في النور الذي انقضّ من السماء. حاول قاطع الطريق المتفحّم قليلاً أن يصدّ آل بخرَقٍ بينما استمرّ تبادل الضربات بينهما. كان قاطع الطريق ماكراً وخفيف الحركة، لكنّ آل في اللحظة الأخيرة أحسّ بدفعةٍ روحيّةٍ خفيّة تُغيّر زاوية ضربةٍ أخيرة بالقدر الكافي، فأصاب صولجانه قاطع الطريق على صُدغه، فأرداه.
الآن أمكن لآل أخيراً أن ينتبه إلى ما يجري في أصخب أجزاء المعركة، حيث كان قُطّاع الطرق الثلاثة الأخيرون يرمون بأنفسهم على غرَنتِل. كان القاطع الذي فُقدت قطعةٌ من لحم كتفه يُسحَق أرضاً بمِخبَط غرَنتِل. وعند سقوط ذلك القاطع، اندفع غرَنتِل نحو ثانٍ رفع ذراعه دفاعاً، ثم صرخ إذ أطبقت الفكوك عليها فهشّمتها. وتمكّن القاطع الأخير من إحداث جُرحٍ عبر بطن غرَنتِل، وإن بدا أنّ غرَنتِل لم يلحظ ذلك حتى.
كان آل قد سمع من قبلُ عن هياج المعركة، لكنّ هذا لم يبدُ له هياجاً على الإطلاق. فالابتسامة الوحشيّة والأصوات الحيوانيّة المتلهّفة بدت أشبه بجنونٍ نشوانَ. كان غرَنتِل يستمتع بهذا. ولم يدرِ آل بمَ يُفكّر حين أدرك أنّه هو أيضاً يستمتع بمشاهدته، من مسافةٍ بعيدةٍ بما يكفي لتمنع المعمعة من أن تجتاحه.
«أينبغي أن نساعد غرَنتِل هذا؟» سأل بوته، مقترباً ليشاهد معه.
«لا... أدري»، أجاب آل. أكان سيُزعج غرَنتِل لو انضمّا؟ لم يظنّ آل ذلك، لكن...
بينما ترّددا، حاول القاطع صاحب الذراع المهشّمة النازفة يائساً أن يتفادى الموت. كانت تلويحاته الجامحة تُشغل الغُنول، لكنّه هو والقاطع الآخر استدارا للفرار. هشّم مِخبَط غرَنتِل مؤخّرة جمجمة الرجل مكسور الذراع، وطارد غرَنتِل الآخر.
جاء رنينُ قوسٍ نشّابٍ يُطلَق من الأدغال إلى جانب الطريق، وأصابت نُشّابةٌ القاطع الهارب في ظهره. تعثّر، لكنّه واصل الجري.
تنهّد آل. تلا تعويذةً قصيرة وأشار إشارةً سريعة، فتجسّدت أمامه ثلاثُ شظايا متلألئةٍ من القوّة السحريّة. مثّل آل إطلاق قوسٍ، فانطلقت الشظايا الثلاث على امتداد الطريق وأصابت القاطع الأخير في مؤخّرة رأسه.
«لا يزال الأمر يبدو غِشّاً»، تمتم آل.
بلغ غرَنتِل الجُثّة وهي تسقط، واندفع إلى الأمام، مُمزّقاً بأسنانه شريطاً مُهلهلاً من اللحم من عنق الجثّة، فلم يدع مجالاً للشكّ في أنّ القاطع الأخير قد مات.
دار غرَنتِل على قدميه لاهثاً بتلهّف، باحثاً عن مزيدٍ من الأعداء. خطا خطوةً إلى الأمام إذ سمع حركةً في الأدغال القريبة، لكنّها لم تكن سوى ويكووكِت، تجرّ قوساً نشّاباً بدا أكبر بكثيرٍ من أن تستخدمه بأريحيّة. هتفت ولوّحت بقبضتها في الهواء. «ياااهو! مغامرة!»
وإذ صارت عشيرة رِفقته آمنةً ونفدت الإثارة، أعاد غرَنتِل مِخبَطه إلى حزامه. وفيما يفعل ذلك، أغمض عينيه وأخذ نفَساً عميقاً، ثم أطلقه في تنهيدةٍ أجشّ من الارتياح والرضا. ظنّ آل أنّه صوتٌ ما كان ليبدو نافراً لو صدر من الجانب الآخر لباب غرفة نومٍ يتقاسمها عاشقان.
شكراً يا آل، فكّر في نفسه ساخراً، هذا ليس نوع التداعيات الذي أردته يتقافز في رأسي.
وما زال مُبتسماً، ولاحظ آل بتقزّزٍ أنّه يمضغ ويبتلع شيئاً ما بسرعة، فتح غرَنتِل عينيه من جديد وعاد بخطاه إلى حيث تمدّدت جثّة زعيم قُطّاع الطرق. تحسّس الثلج حوله، ثم نهض واقفاً، مُثبِّتاً طوقه بالإبزيم حول عنقه من جديد.
«ماذا الآن؟» سأل غرَنتِل آل. تأمّل آل عينَي الغُنول الكهرمانيّتين. نظرتا إليه بالمقابل، يقظتين لكن غير مكترثتين. وقد عاد بؤبؤاهما إلى حالهما الطبيعيّ.
«أطوقُك مسحورٌ أو ما شابه؟» سأل آل.
«لا. مجرّد حزام. اشتريته من غنوم. إنّه تذكار.»
تقاطر الدم على مقدّمة جسد غرَنتِل، وبعضه دمُه هو. وما زالت نُشّابةُ قوسٍ ناتئةً من تحت كتفه الأيمن. لم تغُر عميقاً، لكنّها بدت مع ذلك كأنّها لا بدّ تؤلم. أشار آل إليها. «آه، لديك قليلٌ من...»
نظر غرَنتِل إلى الأسفل. لوى رأسه جانباً ليُمسك النُّشّابة وينتزعها بأسنانه، فأضاف قليلاً إلى الدم. وبمناسبة الحديث عن الدم...
أجال آل بصره في مشهد المذبحة. كان الثلج مدوساً موحلاً ملطّخاً بالدم. وتناثرت جثث قُطّاع الطرق حوله في هيئاتٍ رخوةٍ كدُمى الخِرَق.
«ينبغي أن نفعل شيئاً حيال إصاباتنا، ثم أظنّ أنّ علينا أن نفعل شيئاً حيال كلّ هؤلاء الموتى. يمكننا أن ننظر ما الذي نصادره منهم، ثم علينا أن نجد طريقةً ما للتخلّص من الجثث.»
«نأكلهم؟» سأل غرَنتِل. اقشعرّ آل.
«لا يمكننا حقّاً أن نأكل الناس يا غرَنتِل. مثل هذا يُكسبنا سُمعةً سيّئة. والطعام في مأوى الدجاج سيكون أفضل على أيّة حال، أنا واثق. ثم إنّنا سنظلّ مضطرّين إلى فعل شيءٍ بالعظام.»
«نأكلها؟» كرّر غرَنتِل.
«لا يزال الجواب لا، يا غرَنتِل. أرجوك، نحن بحاجة إلى أن يرغب الناس في وجودنا. سيكون صعباً بما يكفي أن نكون «رفقة الغُنول»، وسيزيد نجاحنا صعوبةً بكثيرٍ إن عُرِفنا بـ«رفقة آكلي لحوم البشر» أيضاً. أعِدك بأن نجلب لك ما هو أطيب من قُطّاع طرقٍ موتى لتأكله حين نصل إلى البلدة.»
كان هذا ممّا تُغفله الحكايات دائماً. فهي تصف المعركة البطوليّة بتفاصيلَ مجيدةٍ دائماً، ثم تقفز إلى الأبطال الظافرين يسيرون مبتعدين بثرواتٍ نُهبت من مُهاجميهم (سَلَب، في الحكايات الأكثر ابتذالاً).
كان آل شبه واثقٍ أنّ «المغامرين الأبطال» لا يتركون خلفهم جثثاً مُمزّقة وحسب. فماذا كانوا يفعلون بها؟
في الجيش، كان لديهم فريقٌ مُخصَّص يجوب ساحة المعركة فيجمع جنودهم الصرعى باحترامٍ لدفنهم دفناً لائقاً، ويجمع الأعداء الصرعى ليُكوَّموا ويُحرَقوا بعد مصادرة العتاد المفيد. وأحياناً كانت الحكايات تقول إنّ الأبطال يستأجرون أناساً ليُسافروا معهم ويتولّوا الأعمال الروتينيّة. أفكان يُفترض بآل أن يكون قد استأجر بعض الناس ليجمعوا الجثث لهم؟
كان يتبيّن أنّ شأن «المغامرة» هذا أكثر تعقيداً ممّا كان مُتوقَّعاً.
«حسناً»، قال لرفاقه الذين يراقبونه مترقّبين، «كلّ ما أملكه من أدوات الحفر مجرفةُ مُخيَّمٍ صغيرة، فسيستغرق الأمر ساعاتٍ عِدّة على الأقلّ لحفر حفرةٍ لائقةٍ نُدفن فيها قُطّاع الطرق هؤلاء. ومع أنّ الجوّ رطبٌ الآن، فما زلت لا أرتاح إلى ترك نارٍ كبيرةٍ مشتعلةٍ في وسط هذه الغابة المحلّيّة، حتى لو لم يستغرق إشعالها من الوقت ما يستغرقه حفر حفرة. كما لا أظنّ أنّه سيكون في مصلحة سُمعتنا أن نترك الجثث تتعفّن على الطريق أيضاً. نحن متأخّرون عن الموعد أصلاً، وكلّما طال بقاؤنا هنا، ازداد الوقت الذي سنقضيه في السير في الظلام بعد الغروب قبل أن نصل. أفي جُعبتكم أفكار؟»
«أظنّ أنّ فكرة غرَنتِل ربّما هي الأكثر عمليّةً»، قال بوته، لهَولٍ بدا على آل. ضحك بوته وشرح.
«لا أعني أن نأكلهم نحن.»
«ولمَ لا؟» سأل غرَنتِل.
«لأنّه، فضلاً عن مخاوف آل المعقولة تماماً، حتى نحن جميعاً مجتمعين لا نقدر على أكلهم الستّة كلّهم، فنبقى مع المشكلة ذاتها. كما أظنّ أنّ المحاولة ستستغرق وقتاً أطول من أيٍّ من الحلّين الآخرين المطروحين.»
«إذن، مَن تتوقّع أن يأكلهم؟» سأل آل، غير متيقّنٍ إن كان يريد أن يعرف.
«أتوقّع أن يكون لدينا متطوّعون كثيرون هنا في هذه الغابة العامرة. أقترح أن ننقل ببساطةٍ ما لا ننوي مصادرته مسافةً معقولةً داخل الأدغال، ونتركهم قُرباناً للدِّببة والذئاب والغِربان. فذلك سيُقلّل على الأقلّ من مقدار ما قد ينزعج به مسافرون آخرون، ويُحرّرنا لنواصل أبكر.»
«حسناً، لا يخطر لي شيءٌ أفضل»، أذعن آل. نظر إلى ويكووكِت التماساً للإجماع. كانت تنظر إلى أحد قُطّاع الطرق الموتى بتفكّر.
«أعندك فكرةٌ أفضل؟ تبدين وكأنّك تفكّرين.»
«حسناً... لا، ليس تماماً. مجرّد فضول. ما طعم الناس حقّاً؟»
«شبيهٌ بطعم الخنازير نوعاً ما»، أجاب غرَنتِل بلا اكتراث.
«حسناً، رسميّاً لم أعد أريد مواصلة هذا الخطّ من النقاش، أيمكننا فقط أن نمضي في التخلّص منهم ونتابع طريقنا؟»
«لا، مهلاً، فكّر في الأمر!» ألحّت ويكووكِت مبتهجةً، «أتتخيّل كم سيكون الأمر طريفاً في المرّة القادمة التي يحاول فيها أحدٌ سلبنا؟ أتعرفون ما فعلناه بآخر زُمرةٍ من قُطّاع الطرق صادفناها؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion