Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 22
بعد أن انتزع آلُ الحديثَ من موضوع أكل لحوم البشر، أقنع الرفقةَ بمعاونته على جرّ رُفات مهاجميهم إلى جانب الطريق. ولحسن الحظّ، لم يُصَب من الجماعة سوى آل وغرَنتِل. وحرصاً على توفير الوقت، جرع كلٌّ منهما واحدةً من جُرعات الشفاء التي أخذوها من القصر ليوقفا النزيف. كان للشراب الكثيف المُعالَج خيميائياً نكهةٌ حلوةٌ حامضةٌ طيّبة، وسرعان ما سرى دفءٌ لطيفٌ من بطن آل إلى سائر جسده في ثوانٍ. فتوقّف نزيفُ الجروح التي أصابته على الفور، وانطبق أكثرُها، حتى بدت كأنها التأمت طبيعياً منذ أيامٍ عدّة. وانطبقت كذلك جراحُ غرَنتِل الأشدّ عمقاً، لكنها ظلّت بادِيةً بوضوحٍ وقد غطّاها الجَلَب.
وحين تمّ ذلك، شرعوا في العمليّة القذرة، مصادرةِ كلّ ما ينفع من متاع قُطّاع الطريق. ونظر آلُ بخيبةٍ إلى ما تمكّنوا من جمعه.
ستُّ حُللٍ جلديّةٍ مُلفَّقةٍ رديئةِ الصيانة قد يتكرّم المرءُ فيَعُدّها «درعاً». وستّةُ سيوفٍ صغيرةٍ مختلفة، بين مستقيمٍ ومنحنٍ، مشحوذةٌ بقدرٍ مقبولٍ لكن عليها آثارُ الصدأ وسوء الاستعمال. وثمانيةُ سكاكينَ صغيرةٍ في حالٍ مماثلةٍ من السوء، إذ كان كلُّ واحدٍ من قُطّاع الطريق يحمل واحداً، غير أن أحدهم حمل زوجاً إضافياً غيرَ متجانسٍ بدا موزونَ الثِّقل بعضَ الشيء للرمي. وخمسةُ أقواسٍ نشّابةٍ صغيرةٍ بالِيةٍ لكنها ما تزال صالحةً للعمل، وخمسةَ عشرَ سهماً لها في المجموع. وتبيّن أن مختلف الأكياس والجيوب حوت في المجموع ثلاثاً وثلاثين قطعةً نحاسيّةً، واثنتي عشرة قطعةً فضّيّةً، وقطعتين ذهبيّتين، كلُّها تحمل علامةَ سَكّ مملكة كازوسيا. وكان في كيس نقود الزعيم أيضاً خاتمٌ فضّيٌّ بسيطٌ وسلسلةُ عُنقٍ فضّيّة.
كان ثمّة أيضاً الثيابُ والأحذية، لكنّ رائحتها كانت كفيلةً بأن تصرف أيَّ فكرةٍ في نزعها عن قُطّاع الطريق، فقد كان مجرّدُ تفتيشهم بحثاً عن الجيوب والأشياء المخبّأة كريهاً بما يكفي. وارتأوا أن «الدرع» في الحال نفسها فلن يحتفظوا به هو الآخر. ولاعناً نفسَه لأنه نسي أن يشتري ورقاً، انتقل إلى آخر كتابه في فنّ السِّحر وشرع يمسك سِجِلّاً يبدأ من الصفحة الأخيرة إلى الوراء. ودوّن بأمانةٍ كلَّ ما احتفظوا به. ثم تنهّد.
«حسناً، لعلّها بضعُ مئاتٍ أخرى من مواجهاتٍ كهذه ونكون قد سدّدنا دَينَ قصر نوتاميمِك،» أعلن ساخراً. «حسناً، ربما يمكن بيعُ السلاح ببعض النقود. ليس في حالٍ ممتازة، لكن لا بدّ أنه يساوي شيئاً.»
«أتصوّر أن لا بدّ لهم من مخيّمٍ أو مخبإٍ في مكانٍ ما. والأرجح أن لديهم المزيدَ هناك. وقد يكون هناك أيضاً المزيدُ منهم بالطبع، والأرجح أننا لا نريد أن نُنفق الوقتَ في البحث عنه الآن،» استدلّ بوته.
وافقه آل.
«أجل، علينا العودةُ إلى الطريق، فقد استغرق هذا الاعتراضُ من الوقت أكثرَ من اللازم. ويكووكِت، أيمكنكِ أن... لا، مهلاً.»
نظر آلُ إلى غرَنتِل، وقرّر أنه لا بدّ له أن يحاول الوثوقَ به في نهاية المطاف.
«غرَنتِل، أيمكنك أنت أن تستطلع الأرجاءَ وتجد لنا موضعاً نرمي فيه هذه الجثثَ في الغابة، حيث لا يعثر عليها أحدٌ بسهولة؟»
أومأ غرَنتِل وأطلق غمغمةً، ثم انطلق يعدو بهدوءٍ بين الأشجار. وسرعان ما غاب عن نظر آل. فجلس هو والآخرون في الجهة التي تأتي منها الريح، بعيداً عن جثث قُطّاع الطريق، ليستريحوا ريثما ينتظرون.
خرج غرَنتِل من بين الأشجار في موضعٍ أبعدَ على الطريق بعد حينٍ، وخَطْمُه ملطّخٌ بالدم. ولمّا لحظ آلُ ذلك، نهض مسرعاً وأخرج صولجانَه، يُنعم النظرَ والإصغاءَ إلى الغابة. وتأهّب ويكووكِت وبوته كذلك.
«أصادفتَ مزيداً من قُطّاع الطريق هناك؟» سأل آل بإلحاح.
«لا،» أجاب غرَنتِل.
«على وجهك دمٌ!»
«أرنب. أنا جائع.»
استرخى آل، وقد تملّكه الضِّيق.
«أوجدتَ مكاناً نضع فيه هذه الجثث؟»
«حُفرةٌ تحت شجرةٍ كبيرة، غيرُ بعيدةٍ من تلك الجهة.» وأشار غرَنتِل إلى الغابة خلف الموضع الذي خرج منه. «أظنّها ستتّسع لهم جميعاً.»
«حسناً. أمهِلني قليلاً لأقوم ببعض... أمور الشامان*.» قال آل. راجع كتابَ ملاحظاته في فنّ السِّحر مرةً أخرى وتأمّله، بينما اعتنى بوته بما بقي من جراح غرَنتِل. ثم، متتبّعاً طريقةً وثّقها بعنايةٍ في ملاحظاته، حفَر نمطاً سحريّاً دائريّاً في الثلج وهو يُنشد بهدوء. استغرق كتابةُ كلّ الرموز وإتمامُ التعزيم بعضَ الوقت، لكنّ النمطَ الدائريّ بدا في النهاية وكأنه ينتشل نفسَه من الثلج. حام في الهواء كسطح طاولةٍ زجاجيّةٍ مستديرٍ ضبابيّ.
«أظنّ هذا سيحمل نحو ثلاثٍ من الجثث في المرّة الواحدة، كوّموا بعضَها عليه وقودوني إلى ما وجدتم.»
قادهم غرَنتِل إلى شجرة بلّوطٍ شبهِ مقتلعة. كانت أضخمَ وأقدمَ من سائر ما حولها من الأشجار. مالت إلى جانبها بزاويةٍ حادّةٍ كأنّ عاصفةً عاتيةً أطاحت بها. فقد انتُزع نحو ثلاثةِ أرباع جذورها، تاركاً بُقعةً واسعةً محفورةً من الأرض تحتها. أما الجذورُ الباقيةُ فبدا أنها صمدت، وظلّت الشجرةُ حيّةً، إذ انثنت أحدثُ أغصانها لتنمو مستقيمةً إلى الأعلى من الجذع المائل، والجذورُ التي لم تزل مغروسةً ضاربةٌ عميقاً. وكان الحيّزُ بين جذور الشجرة المنتزَعة والحفرة الباقية تحتها متّسعاً لستّ جثثٍ بشريّة. استغرق الأمرُ رحلتين، لكنهم نقلوا جثث قُطّاع الطريق إليها ودسّوها جميعاً في الحيّز تحت الشجرة. وتلا بوته دعاءً وجيزاً لإنديسينا، سائلاً أن تُبلَّغ الآلهةُ المعنيّةُ بستّ أرواحٍ تحتاج أن تُرسَل إلى حيث تنتمي.
وأخيراً، عادوا إلى الطريق وشرعوا يجمعون أشياءهم للمسير.
لم يستطب آلُ ذاك النقاشَ المتكرّرَ أكثرَ من اللازم الذي أعقب ذلك حول سبب عجزهم عن أن يستحضروا بالسحر شيئاً من وسائل الراحة لحمل أمتعتهم. وأخذ يحاول أن يشرح لماذا لن تدوم تعويذةُ ما تسمّيه ويكووكِت «العربة السحرية الخفيّة» إلا ما يكفي لأداء بعض الأعمال، ثم تخبو طبيعياً وتُلقي كلَّ شيءٍ أرضاً قبل بلوغهم مأوى الدجاج بوقتٍ طويل. وبعد بضع دقائق، استسلم واكتفى بالقول إن حملَ الأشياء فعلاً نافعٌ لصحّة الجميع، وإن السحر لا ينبغي أن يُستعمل للكسل وحسب.
«وفوق ذلك، فإن اضطراري إلى التوقّف لإعادة إقامة الأثر السحريّ مرّاتٍ عدّةً قبل وصولنا سيستغرق في الحقيقة وقتاً أطولَ من مجرّد المسير وحمل كلّ شيء، ولن أقدر على إبقائه ساري المفعول طوالَ الطريق إلى مأوى الدجاج حتى لو حاولتُ ذلك الآن،» ختم كلامَه وهو يربط قوسين نشّابين إلى ظاهر حقيبته.
كانت الشمسُ تنحدر في السماء وهم يواصلون طريقهم. وكان ما يزال أمامهم ساعاتٌ قليلةٌ من المسير. وراح آلُ يُغمغم لنفسه بصمتٍ وهم يزحفون في مسيرٍ مُملّ.
«العربة السحرية الخفيّة». لا أحد يقدّر مدى تعقيد هذه الأمور. أجل، إنها موثَّقةٌ جيّداً وبسيطةٌ في فنّ السِّحر، لكنّ النمطَ يحمل قدراً محدّداً جداً من القصد. أيظنّون أنني أستطيع، ماذا، أن أحشو مزيداً من «السحر» فيه لأجعله يدوم أطول؟ أعني، لكان على النمط كلِّه أن يُبدَّل. هممم، أظنّ أنه لو اكتفى المرءُ بأن...
شغلَ التحدّي الأكاديميُّ ذهنَ آلٍ حيناً طويلاً، حتى تعثّر بحجرٍ في الطريق وكاد يسقط. كان الليلُ قد أرخى سُدولَه فعلاً وهو غارقٌ في تأمّله. صار آلُ بالكاد يرى سطحَ الطريق وبقيّةَ رفقته من حوله في ضوء القمر الخافت المتسلّل بين الغيوم. أما الآخرون فظلّوا يمضون في مسيرهم بثقة.
تنهّد آل. «أنا الوحيدُ الذي لا يقوى على الرؤية في هذا، أليس كذلك،» قرّر.
«لطالما آثر أسلافي باطنَ الأرض طوال وجودنا. لقد اعتدنا الأماكنَ الأقلَّ إضاءة،» قال بوته.
«ثمّة ضوءُ قمرٍ وافر،» أضافت ويكووكِت.
لحظ غرَنتِل أن الجميع ينظرون إليه. فهزّ كتفيه وتابع سيرَه.
رفع آلُ بصرَه بصمتٍ، مستجدياً السماءَ الرحمة. لم يستطع أن يرى أحداً هناك في الأعلى، لكنه افترض أنهم، شأنَ كلِّ من عداه على ما يبدو، لن يجدوا عناءً في رؤيته وهو يتوسّل في الأسفل وسط الظلام.
«وقبل أن تسألوا،» قال آل، «لا، لا أملك سبيلاً إلى أن أُسحِر عينيَّ. توقّفوا لحظةً وأستطيع أن أُشعل مشعلاً. سأفعل ذلك بالسحر إن شئتم.»
توقّف غرَنتِل. فتوقّف الآخرون ليروا السبب.
التفت غرَنتِل ليتفرّس في آل، الذي لم يكن يرى في الحقيقة إلا الوهجَ الكهرمانيَّ الخافتَ لعيني غرَنتِل تعكسان ضوءَ القمر الخافت فوقه. تبادلا التحديقَ ثوانيَ عدّةً غيرَ مريحة. وأخيراً، رأى آلُ عيني غرَنتِل تتّسعان.
«آه،» قال غرَنتِل، أو هكذا فسّر آلُ الصوتَ الحلقيَّ الخافت، «خطّة. الشامان يحمل ضوءاً ساطعاً، يجذب كلَّ الانتباه. سحرٌ قويٌّ يحميه. وبينما انتباهُ العدوّ كلُّه على الشامان، نكمن نحن ونقتل العدوّ.»
خفض غرَنتِل رأسَه قليلاً في شبه انحناءة.
خلع آلُ حقيبتَه واصطاد منها مشعلاً، وقد شعر أنه ملتزمٌ بذلك الآن لا محالة. وإمعاناً في الاستعراض، أضاف بعضَ البهرجة إلى إيماءاته وهو يُسيء استعمالَ قدرٍ ضئيلٍ من القوّة السحرية، آمراً المشعلَ أن يتأجّج ناراً.
قد تكون تلك خطّةً جيّدةً حقّاً لو كنتُ أملك فعلاً سحراً قويّاً يحميني. فكّر آلُ في نفسه. فيمَ ورّطتُ نفسي؟
انطلقوا من جديد، وغرَنتِل يتسلّل متلهّفاً في المقدّمة، على مبعدةٍ من مدى ضوء المشعل. وبدا خائبَ الأمل حين لم يهاجمهم شيءٌ قبل أن يبلغوا قرية مأوى الدجاج الخافتةِ الإضاءة.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرنتل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion