Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 71
لم تكن للنار حرارةٌ وضغطٌ فحسب، بل كان لها مَلمَسٌ أيضاً، وآل يجتذبها إلى الوجود من مكانٍ أخرويٍّ سحيق. فبأمرٍ من آل امتدّت أمامه متّسعةً، ثمّ التوت راجعةً بين أصابعه، ثمّ تطاولت إلى أعلى لتحطّ على نُشّابات القوس المُعلَّقة بلا وزنٍ في الهواء فوق رأسه. وأحسّ آل عقله يتمدّد كثوبٍ جديدٍ يتشكّل على لابسٍ ضخم. والتقت الألسنةُ أمام وجهه، تُشعّ حرارةً وضياءً بشدّةٍ تتجاوز حدّ الاحتمال بقليل.
كان شيءٌ في اللهب يطلب انتباه آل. خفتَت الألسنةُ حتّى صارت حُمرةً دمويّةً كامدةً وأخذت ترتجف. كان التوق هناك خلف اللهب، في موضعٍ ما. وانتقل عبر النار، بلا كلمات، إحساسٌ بالخوف والغضب والجوع، يدور حول حاجةٍ غريزيّةٍ إلى...
وكاد آل يفهم، لولا أنّ زئيراً قاطعاً تردّد صداه في الفراغ الذي كان آل واقفاً فيه. فانطفأ اللهب حين انفرط تركيزُ آل.
ثمّ، وآل يستيقظ من حُلمه، تكرّر الزئير، ثمّ ما لبث أن انحلّ سريعاً إلى شخير ويكووكِت.
لم يكن واثقاً أيّ ساعةٍ من النهار هي، لكنّه شعر أنّه نال قسطاً وافياً من الراحة، وأنّ المفاهيم التي كان يحاول التلاعب بها وهو مُنهَكٌ قد صارت الآن واضحة. وإذ لم يشأ أن يُبدّد هذا الإلهام، أمر الشمعةَ على منضدة سريره أن تُشعِل نفسها، واستخرج ملاحظاته وأدوات الكتابة من حقيبته. وكان لا يزال يخُطّ في لهفةٍ رسوماً تخطيطيّةً ورموزاً سحريّةً حين طَرَق أحدُهم البابَ مُعلِناً أنّ ساعةً قد مضت على شروق الشمس. فتذمّر آل من المقاطعة، لكنّه أتمّ رسم التخطيط الذي كان يشتغل عليه ثمّ أغلق دفتر ملاحظاته. وأعاد سِدادات قوارير حِبره ونظّف قلمه قبل أن يُودِع أدوات الكتابة موضعها بعناية.
تأوّهت ويكووكِت في نُعاس. «مَن صاحبُ فكرة وضع الصباح في هذا الوقت المبكر من النهار؟» تشكّت وهي تجلس مستويةً، ولا تزال ترتدي توغا المنشفة من مساء أمس.
«يُرجَّح أنّ الإلف هم المُلامون على ذلك، إذ يُقال إنّهم أوّل من استعمل اللغة،» اقترح بوته، وكان مستيقظاً من قبلُ وقد لفّ نفسه بمِنشفتين كبيرتين، «وقد أُتيحت لهم آلافُ السنين ليُعيدوا تعريف الصباح، فما فعلوا.»
«أرجو أن يكون في هذا فائدة، فأنا أظنّني كِدتُ أُحيط عقلي بمسألة صناعة النار. ومتى بلغنا موضعاً أستطيع التجريب فيه بأمان، فلا بدّ أن أقدر على الإتمام، ثمّ أعود إلى ما يلزمني حقّاً أن أفعله. لا ينقصني إلّا أن أجد نسخةً من ذلك الكتاب،» قال آل. ثمّ خلع قميصه، ولفّ منشفةً حول نفسه، ثمّ نزع سرواله. وكوّمه ليُنظّفه بالسحر، ثمّ نشره ثانيةً وتركه على السرير.
أطلّ من تحت سرير آل رأسٌ زَغِبٌ شبيهٌ برأس الضبع تفوح منه رائحة الزهور. ولمّا رأى غرَنتِل الجميعَ يتهيّؤون للذهاب إلى مكانٍ ما، زحف خارجاً، ووقف، وتمطّى تمطّياً مسرحيّاً. وكانت رائحة الزهور فيه قد خفّت بين عشيّةٍ وضحاها إلى مجرّد إفراطٍ، بعد أن كانت في مستوى الأبخرة الخانقة الأصليّ، فذاك على الأقلّ ممّا تحسّن.
«أنجلبُ شيئاً غير المناشف؟» تساءل آل بصوتٍ مسموع. فكان جوابُ ويكووكِت أن تناولت الأحزمة التي تُثبِّت غِمد عَضّاضة سو على ظهرها وشدّتها فوق توغاها المُرتجَلة.
«أحقّاً لا بأس أن نكون مُسلَّحين لهذا الأمر؟»
«كثيرون هنا يتجوّلون مُسلَّحين. البارحة، لمّا بلغتُ من الحكاية موضعَ عثورنا على خنجري الذي لم يُسمَّ بعد، أخرج بعضُ الحاضرين خناجرهم ليتباهوا بها. ولستُ أدري حتّى أين كان بعضُها مخبّأً،» قالت ويكووكِت مُتعجِّبة، وهي تدسّ خنجرها السحريّ الذي لم يُسمَّ بعدُ تحت أحد الأحزمة.
«القَسَم باسم بالنيا إنفيرنالا يمنع الزبائن الشرعيّين من إيذاء بعضهم بعضاً، فلا رِيبةَ حقيقيّةً في حمل السلاح،» اقترح بوته، «وإن وقع ما لا يُرجَّح وقوعه، فتسلّل ذو نيّةٍ خبيثةٍ بطريقةٍ ما دون أن يُقسِم، فثمّة حافزٌ صغيرٌ في أن يكون المرء مستعدّاً للدفاع عن نفسه.»
فكّر آل في هذا، وعزم على أن يخوض التمرين المُحرِج في شدّ حزام عصاه الصولجانيّة الذي كان يلبسه تحت أرديته. فوضعه حول نفسه في احتشامٍ تحت المنشفة وعلّق الصولجان فيه. ثمّ، وهو يشعر بشيءٍ من الحماقة، غير أنّه لم يطمئنّ إلى ترك بورغاتيو خلفه في مثل هذه الظروف، أخذ الحزام الخارجيّ الذي كان يلبسه فوق أرديته وشدّه فوق المنشفة وعليه غِمدُ بورغاتيو.
شبحٌ عمرُه قرونٌ هو الذي أعطاني إيّاه، فالأولى بي أن أُبقيَ عليه عيناً، فكّر في نفسه.
راقب غرَنتِل شدّهم الأسلحةَ إلى أبدانهم فقرّر أن يشاركهم، فعلّق مِخبَطه الخشبيّ في حزامه، والتقط تُرسه الخشبيّ المُثخَن بسوء المعاملة وأدخل ذراعه في سُيوره ليستقرّ عند كتفه اليسرى.
أمّا بوته فاكتفى بالمراقبة. ولمّا تجهّز الجميع، رمقوا القزم كلُّهم بنظرةٍ متسائلة.
«معي واجبي والسُّلطة الإلهيّة. فأيّ شيءٍ عساي أحتاج إليه بعدُ؟» قال بوته هازّاً كتفيه.
«ولا حتّى تجلب مطرقتك لتُجاريَ بقيّتَنا نحن المُسوخ الذاهبين ليجلسوا في حمّام بخارٍ وقد شدّوا إلى أبدانهم أدوات العنف؟» سأل آل، وهو يشعر أنّه في غير موضعه، لا يلبس إلّا منشفةً وحزامين وأداتين مختلفتين من أدوات العنف.
«تستطيع أن تنتظرني هنا، فبوته الذي يحضر هذا اللقاء لا ينبغي أن يحتاج إلى عونها.»
رفض غرَنتِل أن يلبس منشفةً، لكنّه حمل واحدةً في قبضته اليسرى. وظلّ الغُنول يجتذب نظرات الفضول، ونظرات الاستنكار أحياناً، من قلّةٍ ممّن يمرّون في الأروقة، غير أنّ أحداً لم يُزعجهم وهم يتّبعون الإرشادات التي أعطاهم إيّاها ستيفن إلى الكالداريا. وكان الكالداريوم رقم ثلاثة موسوماً على بابه بالرقم الإلفيّ III، لكنّه فيما عدا ذلك لا يتميّز عن سواه.
«دَعوا الكلام لي!» أصرّت ويكووكِت، وتقدّمت إلى الأمام وطرقت الباب.
«ادخلوا، وأهلاً بكم،» أجاب صوتٌ جهوريٌّ كانوا قد سمعوه مرّةً من قبل. فدفعت ويكووكِت الباب. ولمّا انقشع بخارُ الغرفة بما يكفي للرؤية، تكشّف الرجلُ البدين الذي التقوه مرّةً من قبل. لم يكن يرتدي إلّا منشفةً رطبةً على حِجره بدلاً من حريره الأبيض المُذهَّب، ذاك الرجلُ الذي بدا في اليوم السابق أنّه يعرف ويكووكِت، جالساً هناك على أحد المقاعد المصطفّة على طول الجدران. أومأ لويكووكِت إيماءةَ ترحيب، ورمق الآخرين بتحديقةٍ متشكّكةٍ تمهّلت عند غرَنتِل، ثمّ انتقلت إلى بوته. فأدّى القزمُ إشارةَ العين والأنف والأذن والفم المعتادةَ الدالّةَ على انتمائه الدينيّ. فأومأ مُضيفهم البدين إيماءةَ معرفةٍ وبدا أنّه ارتاح قليلاً. ولم يكن الرجل يلبس، فيما عدا المنشفة وقدرٍ وافرٍ من العَرَق، إلّا سلسلةً فضّيّةً حول عنقه يتدلّى منها خنجرٌ في غِمده.
كان مِقبضه ملفوفاً بسلكٍ فضّيٍّ على هيئة نسيج العنكبوت، وكان رأسُ مِقبضه الفضّيُّ مسبوكاً على صورة عنكبوت.
أومأت ويكووكِت للرجل بدورها، فانتظر صامتاً حتّى أغلق آل الباب خلفهم. «تفضّلوا بالجلوس،» طلب الرجل مُشيراً إلى المقاعد. فجثم غرَنتِل حيث وقف، بينما اختار آل وبوته موضعين على المقاعد الممتدّة على الجدران الجانبيّة. أمّا ويكووكِت فوثبت لتجلس إلى جانب الرجل الغامض تماماً، فرمقها بنظرةٍ متسائلةٍ وأومأ برأسه نحو الآخرين.
«لا بأس، هؤلاء يُوثَق بهم،» طمأنته.
«على كلمتكِ إذاً،» قال الرجل، وانتقل إلى صُلب الأمر. «أجراً أم خِدمة؟»
«الأجرُ أبسط، فيما أظنّ،» أجابت ويكووكِت.
«تُرى أأستطيع إقناعكِ بأن تعرضي خدمةً بدلاً من ذلك؟ فالحقّ أنّ لدينا مسألةً تتّصل بقضيّتنا، ويبدو أنّكِ و...زملاءكِ قد تكونون أهلاً لها، بالنظر إلى عُدّتكم وإلى ظهوركم بمظهر المغامرين الذي تكلّفتم أن تعرضوه عليّ هذا الصباح.»
«أوه، حسناً، إن كانت القضيّة تحتاج إلينا فسننظر في الأمر بالطبع. سيتوقّف ذلك على طبيعة الخدمة، لكنّنا راغبون بلا شكّ.»
رمق الرجلُ الآخرين بنظرةٍ متشكّكةٍ أخرى. «كم يعرفون؟»
«بقدر ما يحتاجون أن يعرفوا لا غير،» أجابت ويكووكِت.
«مهلاً، يعرفون عن ماذا؟» سأل آل، فنال تحديقةً أخرى من الرجل البدين، لكنّ ويكووكِت اكتفت بلَوحةٍ نافية.
«عن هذا القَدر، نعم،» قالت بثقة. «لا تُعِرْه انتباهاً، وفي وُسعك أن تصفعه إن أزعجك.»
كفّ آل نفسه عن الرَّدّ. كان جليّاً أنّ ويكووكِت تُدبِّر شيئاً، ومهما يكن ذلك الشيء فإنّه لم يشأ أن يعترض سبيله.
«لا أحسب ذلك ضروريّاً،» قال الرجل، ثمّ أعاد انتباهه إلى ويكووكِت. «وما الذي تسعَين أنتِ إليه؟»
«يستطيع عالِمي أن يشرح هذه،» أجابت، مشيرةً إلى آل الذي لم يكن بعدُ يدري شيئاً ممّا يجري.
«حسناً، ثمّة كتاب،» بدأ آل. فتوتّر مُضيفهم الغامض توتّراً ظاهراً، لكنّ ويكووكِت أومأت لآل إيماءةَ تشجيعٍ خفيّة، فتابع. «أحتاج أن أجد نسخةً من كتاب وُتزنوت ب. هيغوجيغي الكائنات الأخرويّة وكيف تجعلها تدفع الثمن.»
ارتاح الرجل البدين. «أتطلبون الوصول إلى المكتبة السابقة؟» سأل.
«نعم، أظنّ ذلك سيفي بالغرض تماماً،» وافقت ويكووكِت.
«القَسَم المُلزِم الذي يقتضيه الأمر ليس جزءاً من قضيّتنا، لكنّي أحسبكم ستجدونه معقولاً، وكذلك، إن جاز التعبير، رسم الدخول. وستحتاجون بالطبع إلى الاستعداد للأخطار، وإن كنتُ أتصوّر أنّكم على علمٍ بها من قبلُ، ما دامت مكتبةً في ما مضى. نعم، يمكن ترتيب هذا، وأتصوّر أنّ ذلك لا بدّ أن يكون سببَ توجّهكم إلى السور الجنوبي.»
«إنّك واسعُ الاطّلاع!» أثنت ويكووكِت على الرجل، «فما الخدمة التي أردتها منّا إذاً؟»
«بلغني أنّكم قطعتم المُستنقَع عديم الدم لتصلوا إلى هنا. ولعلّكم لحظتم اللافاتيو القديم إلى الجنوب الشرقيّ من هنا بعض الشيء.»
تذكّر آل اللافتة البالية التي كان لا يزال يُتبيَّن عليها بالكاد لاف، فأومأ. وأومأت ويكووكِت كذلك.
«ويصادف أنّ مِغطَس الجحيم قد وضع عينه مؤخّراً على التوسّع للاستيلاء عليه وترميمه. وهم يعرضون مكافآت على استكشاف الموقع وإزالة ما فيه من أخطارٍ أو على الأقلّ فَهرَستها. وعلى نحوٍ منفصل، لدى قضيّتنا معلوماتٌ بأنّ هناك شيئاً غيرَ طبيعيّ، نريده مُحتوىً للدراسة. ولمّا كنتم تعملون الآن بصفة مغامرين، فإنّنا نودّ أن تقبلوا مهمّة استكشاف اللافاتيو من مِغطَس الجحيم، غطاءً تدخلون تحته لتجدوا موضوع البحث وتحتووه في أسلم حالٍ ممكنة،» شرح الرجل.
«أيّ نوعٍ...؟» بدأ آل يسأل، لكنّ ويكووكِت قاطعته.
«نعم، يبدو هذا أمراً ينبغي لنا أن نتولّاه. وأنا واثقةٌ أنّ فيه شيئاً من الاستعجال، ومَن يدري متى يمرّ من هنا آخرُ من أهل قضيّتنا مُهيّأٌ لتولّيه.»
«جيّد. سنلتقي هذا المساء لنتبادل التفاصيل. وسأُرتّب غرفةً خاصّةً للعَشاء عند الغسق في حانة النبع السرّي.»
أمّا غرَنتِل، الذي كان قد بدأ يلهث بشدّةٍ من حرارة حمّام البخار، فرفع بصره في أمَلٍ عند ذِكر العَشاء.
«سنكون هناك،» طمأنته ويكووكِت. «فإن لم يكن ثمّة شيءٌ آخر في هذه الأثناء، فالأولى بنا أن نذهب الآن. فبعضُنا ليس مُعتاداً تماماً على حرارة حمّام البخار، ولنا أمورٌ أخرى نقضيها.»
أومأ الرجل، واسترخى مُسنِداً ظهره إلى الجدار. وفتح آل الباب فخرج غرَنتِل شاكراً إلى الرِّواق الأبرد كثيراً في الخارج. وتبعه آل وبوته.
«لماذا غُنول؟» سأل الرجلُ الغامض ويكووكِت قبل أن تنصرف.
«أوه، حسناً، عالِمُنا يدرسهم منذ حين، وأراد واحداً يراقبه،» أجابت ويكووكِت.
«لعلّنا محظوظون بوجود مثل هذا المُريد في هذه الظروف،» قال الرجل، وقد بدا مسروراً. ثمّ عَبَس.
«ولمَ ينتن برائحة عِطرٍ رخيص؟» سأل الرجل.
«لكيلا ينتن بما كان ينتن به حين وصل!» أجابت ويكووكِت، ثمّ لوّحت للرجل تلويحةً مَرِحةً وانصرفت، وأغلقت الباب خلفها.
وبينما كانت الجماعة، بين عَرِقٍ ولاهثٍ من حمّام البخار، تعود إلى غرفتها، اغتنم آل الفرصة ليلتمس أجوبةً من ويكووكِت.
«ما كان كلُّ ذلك؟ مَن هذا، وما هذه القضيّة التي ظلّ يتكلّم عنها؟»
«لا فكرة لديّ! أليس هذا مُثيراً؟!» أجابت ويكووكِت بابتسامةٍ عريضةٍ هَوسيّة.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion