Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 70
كان إعياءُ آل يجعل التأمّلَ في المسائل السحريّة المُعقَّدة عسيراً دون أن يغلبه النُّعاس، لكن لمّا خفتَت أصواتُ المَرَح الجامح من وراء الجُدران، استطاع أن يسترخيَ على الأقلّ.
ليست المسألة إلّا إقناعَ رقعةٍ من الفضاء، أو تجلٍّ قائمٍ بالفعل، بأنّ من المفترض أن تكون مُشتعِلة...
وبين فتراتٍ قصيرةٍ من الغَفوة وهو يُسنِد رأسه إلى حافّة الحوض، ولحظاتٍ من التفكير الناعس في أمور السحر، شعر آل أنّه ربّما يقترب من الفهم على الأقلّ. لم يكن ينقصه إلّا قِسطٌ وافٍ من الراحة، وربّما مزيدٌ من الورق يخُطّ عليه الرسوم التخطيطيّة والملاحظات، فيصير في وُسعه عندئذٍ أن يشرع في التجريب.
وقطع استرخاءَه نصفَ الواعي بعد قليلٍ طَرقٌ مهذّبٌ على الباب، وصوتُ ستيفن يُخبِر آل أنّ وقته ووقتَ غرَنتِل في الحمّام سينقضيان قريباً، إذ سيحتاجون إلى خروجهما ليُهيّئوا الحمّامات للزبائن التالين. فشكر الرجل، وسمعه ينتقل إلى الحمّام المجاور ليُخبِر غرَنتِل.
وكانت حرارةُ الماء قد بدأت تُعرِق آل على أيّة حال، فجرّ نفسه خارج الحوض ونشّف بدنه. ثمّ أعاد ثيابه المُنظَّفة سحريّاً على جسده المُنظَّف طبيعيّاً، ومضى إلى الغرفة المجاورة ليلتقي غرَنتِل.
انفتح بابُ حمّام الغُنول، فاندفع حقلٌ كاملٌ من الأزهار البرّيّة هائجاً إلى الرِّواق، وهوى بقبضةٍ زهريّةٍ وحشيّةٍ في وجه آل مباشرةً... أو على الأقلّ، هكذا كانت رائحتُه.
لم يرَ آل غرَنتِل قطّ في مثل هذه النظافة. حتّى القِطَع الجلديّة التي يلبسها كالمِئزَر قد نُظِّفت، والطوقُ الجلديّ يلمع ممّا ناله من صَقْل. بدا مُضحِكاً بعض الشيء وفَرْوُه مُمشَّطٌ أو مُسرَّحٌ في أنماطٍ مُرتَّبةٍ لا شكّ أنّها ستعود إلى فوضاها في غضون ساعة، لكنّه لم يعد ينتن برائحة المُستنقَع والعَفَن والدم. بل صار كأنّ أحداً غمسه في برميلٍ من العِطر.
أتاح الأسبوعان الأخيران مع غرَنتِل لآل وقتاً ليألف شيئاً من معاني تعابير الوجه ولغة الجسد الغُنوليّة، فخُيِّل إليه أنّ غرَنتِل يبدو مسروراً، بل ربّما مُزهُوّاً. وفي إحدى يديه كان الغُنول يُمسِك قارورةً زجاجيّةً في حجم قبضة آل، تكاد تبلغ ثلاثة أرباعها من سائلٍ ورديّ. رفعها بفخرٍ ليراها آل. وكانت الرونات القزميّة المحفورة في القارورة تُهجّي: بلوتنبلاتغيروخ.
«رائحةٌ طيّبة. جميلة. تُخفي الرائحة. جيّدةٌ للصيد،» أصرّ غرَنتِل.
«جميلة؟» ردّد آل، وقد أُذهِل تماماً أن يسمع تلك الكلمة من غُنولٍ في أيّ سياقٍ كان.
فأطلق غرَنتِل هَمْهَمةً جواباً. ولم يكن آل واثقاً أنّ غرَنتِل يعرف حقّاً ما تعنيه الكلمة، لكن مهما يكن ما ظنّه معناها، فإنّ جميلة، بجلاء، كانت وصفاً ملائماً في حقّ تلك الميازما الزهريّة الطاغية بالنسبة إليه. ونظر آل من وراء غرَنتِل إلى الغرفة التي اغتُسِل فيها. بدا خَدَم الحمّام مُنهَكين، ومنهم المديرة، مدام مارج، التي كانت قد عادت في وقتٍ ما. وكانت الأرض حول الحوض مُبعثَرةً بصواني طعامٍ فُرِّغت عن آخرها، وبقارورةٍ كبيرةٍ كان فيها نبيذٌ ذات مرّة.
«ظلّ يتشكّى من رائحته،» شرحت مدام مارج بهدوئها المِهنيّ، «فلمّا فرغنا من تنظيفه عرضنا عليه تشكيلةً من الكولونيا والعطور. وقد اختار... باقتصاد، لكن يبدو أنّه مُعجَبٌ به جدّاً.»
«نعم، يبدو ذلك جليّاً،» وافقها آل مُجاهِداً ألّا يسعل. لم تكن الرائحة سيّئةً في ذاتها، لكنّها كانت أقوى من اللازم بكثير. واستنتج آل من مستوى السائل في القارورة أنّ غرَنتِل لم يكن حَذِراً في المقدار الذي أفرغه على نفسه.
وانفتح بابُ الحمّام الذي دخله بوته، فخرج ومعه خادمُ الحمّام ذو اللحية الداكنة. وكانت درعُ صدر بوته تلمع الآن بلا أثرٍ للتآكل، وإن بقي فيها بعض النَّخْر وثقوبٌ صغيرة. تشابك القزمان بساعديهما وتصافحا لحظةً، وأدرك آل أنّ هذا هو مُقابِل العِناق عند الأقزام. ولم يستطع أن يجزم أهو عِناقُ معرفةٍ ودّيّة أم شيءٌ أوثق، لكنّه قرّر أنّ ذلك ليس من شأنه على أيّة حال. ثمّ فكّ القزمان ساعديهما، وتناطحا برأسيهما نطحةً رفيقة، وافترقا. واتّجه بوته نحو آل وغرَنتِل بينما انصرف الخادم. كان شعره المائل إلى الحُمرة نظيفاً مشدوداً إلى الخلف، ولحيته مُمشَّطةً بعناية، حتّى ثيابه ودِرعه كانت زاهية.
«هذا بوته أنظفُ بكثيرٍ من بوته الذي وصل،» علّق بوته بمَرَحٍ وإن بدا عليه التعب. «استطاعت غريتا أن توقف تآكل درع صدري حيث لمسه المخلوقُ الذي في القبر. سيظلّ يحتاج إلى إصلاحٍ أو استبدالٍ ليؤدّي غرضه تمام الأداء من جديد، لكنّه على الأقلّ لن يزداد سوءاً.»
ولمّا اقترب بوته، وجد آل شيئاً من العزاء إذ رأى أنّه ليس الوحيد غير المستعدّ لمُلاقاة غُنولٍ أفرط في التعطّر. فقد تجعّد أنفُ بوته وهو يرمش.
«أصديقُنا غير البشريّ هو الذي اعتنق طبيعة الزَّهر إلى هذا الحدّ؟» سأل. فاكتفى آل بالإيماء، وأشار إلى القارورة التي يحملها الغُنول. فحدّق بوته فيها مُضيِّقاً عينيه.
«ذاك مُنتَجٌ صناعيّ،» قال، «يُقصَد به أن يُخفَّف قبل الاستعمال.»
وقطع الحديثَ تصفيقٌ عالٍ وهُتافٌ من آخر الرِّواق حيث الحمّامات العامّة. فانفتح الباب دَفعةً واحدة، وشرع ناسٌ شديدو التباين في الحجم والهيئة والأصل ودرجة التعرّي يتدفّقون إلى الرِّواق. ومضوا في كلّ اتّجاهٍ على هَواهم إلى حيث وِجهتُهم التالية. والتصق آل وبوته بالجدار إلى جانب باب حمّام غرَنتِل بينما مرّت بهما أفواجٌ من الحشد. وبدا أنّ بعض المارّة يعرفون غرَنتِل وآل وبوته، فأهدَوهم هُتافاً صغيراً أو تلويحةً أو نَقْرةَ قبضةٍ تهنئةً وهم يمضون، مع أنّ آل كان واثقاً أنّه لم يلتقِ أحداً منهم من قبل. وخُيِّل إليه أنّه سمع ذِكراً لاسم البارون وولفكِن، لكنّ سائر تفاصيل ما قيل غرِقت في أحاديث بقيّة الحشد، وفي السعال حين بلغتهم رائحةُ عِطر غرَنتِل.
وأخيراً لفظت بوّابةُ الحمّام العامّ ويكووكِت ومعها نفرٌ آخرون بدا أنّهم يُعرِبون عن شكرهم لها على أدائها. فلمحت غرَنتِل وآل وبوته ينتظرون انقضاء الزحام، فأشارت إليهم لمن حولها، فنال المغامرون الثلاثة ضروباً من إشارات الاستحسان. ثمّ ودّعت ويكووكِت مُعجَبيها الجُدُد، وتبعت الغوغاء المُتناقِصة من المُغتسِلين حديثاً في اتّجاه آل. وكانت قد لفّت حول نفسها منشفةً بمقاس البشر لَفّاً رخواً كأنّها توغا إلفيّة، وشعرُها البُنّيّ المُبتلّ مُنسدِلٌ مُمشَّطٌ مُستقيماً. بدت مُتعَبةً بقَدْر ما شعر آل، لكنّها سعيدة.
«بعضُ الأبيات لا يزال خَشِناً بعض الشيء، لكن يبدو أنّها أعجبتهم!» قالت مُتحمِّسة، «وبالمناسبة، بدا أنّ في الداخل أناساً آخرين غيري يفهمون زَيف البارون فلان. وكان هناك أيضاً نفرٌ لم يَرُقْ لهم سماعُ الحقيقة عنه، لكن فيما عدا ذلك يبدو أنّ حكايتي عن مغامراتنا حتّى الآن تلقى رواجاً!»
«لم نُنجِز حتّى الآن سوى مهمّتين حقيقيّتين، ولم يمضِ علينا في هذا الأمر إلّا أسبوعان في الحقيقة،» أصرّ آل.
«أجل، نحن أشبه بـعباقرة المغامرة! تخيّلْ فحسبُ كم ستذيع حكاياتنا في المستقبل حين نُنجِز أكثر من ذلك بكثير!»
ثمّ سعلَت. «مهلاً، ما هذا الذي رائحته كبائع زهورٍ شرّيرٍ هنا؟»
وشقّوا طريقهم عائدين إلى غرفتهم دون حادثٍ يُذكَر، عدا بضع ردود فعلٍ مذعورةٍ من أناسٍ لم يتوقّعوا أن يكون غُنولٌ تجسُّدَ الإله الموكَّل برائحة الزهور أيّاً كان. وفي الطريق سأل آل أحد أفراد الطاقم وهو مارّ عن سبيل العثور على ستيفن، فطُمئِن إلى أنّه سيوافيهم في غرفتهم بأسرع ما يستطيع.
كانت الغرفة مُظلِمة. ولا شكّ أنّ خُلُوّ جدرانها من النوافذ، لكونها من الغُرف الأكثر توغّلاً في داخل المبنى، كان من أسباب كونها أرخص من بعض ما كان متاحاً سواها. وكانت شموعٌ جديدةٌ موضوعةً في حَمّالات الشموع على مناضد صغيرةٍ إلى جانب كلٍّ من الأسرّة الأربعة، فعزم آل أن يغتنم الفرصة ليتمرّن على استحضار النار مرّةً أخرى بحيلته السحريّة في إشعال الشموع. وحاول أن يُنعِم الانتباه أكثر إلى المفاهيم التي يدفعها في ذهنه وهو يأمر كلّ شمعةٍ بدورها أن تُشعِل نفسها، وقد أحسّ أنّه صار قريباً من فهم ما يلزمه. ثمّ أخرج من حقيبته نسخته المُسوَّدة من كتاب ميليسا في الغُنول ليقرأ فيه بعض الوقت، إلى أن جاء ستيفن يطرق الباب بينما كان آل يشقّ طريقه في بحث ميليسا عن بنية العشيرة الغُنوليّة والديناميّات الاجتماعيّة.
فتحت ويكووكِت الباب استجابةً للطَّرق المهذّب، وهي لا تزال في توغا المنشفة. وكان ستيفن هناك ومعه رِزمةٌ صغيرةٌ مطويّةٌ بعنايةٍ من ثياب ويكووكِت المُنظَّفة المُجفَّفة، فناولها إيّاها.
«هل كلّ شيءٍ على هَواكم حتّى الآن؟» سأل ستيفن المغامرين وهو يشتمّ الهواء خِلسةً، بينما نشرت ويكووكِت ثيابها وأخذت تُعجَب بما بدت عليه من زهاءٍ وجِدّة.
«نعم، شكراً لك، لم أشعر منذ زمنٍ ليس بالقصير بمثل هذه النظافة وهذا الاسترخاء،» أجابه آل من السرير الذي استرخى عليه، «آه، يبدو أنّ صاحبنا الضخم الغريب أفرط في حماسه للعِطر الذي ناله من الخَدَم، لكنّ ذلك ليس ذنبكم.»
«حسنٌ، يسرّنا أن نعلم أنّه مُستمتِعٌ به، لكن نرجو تجنّب إصابة الأرضيّات أو الجدران أو الأثاث به، وإلّا فقد نُضطَرّ إلى تقاضي رسم تنظيفٍ لتهيئة الغرفة للزبائن التالين. هل من شيءٍ آخر نستطيع نحن في مِغطَس الجحيم أن نُقدّمه لكم؟»
كان آل قد فكّر في بادئ الأمر أن يسأل عن الطعام، لكنّه لم يكن يشعر بجوعٍ شديدٍ بعد، بل حتّى غرَنتِل لم تبدُ عليه رغبةٌ في الأكل.
«لا، أظنّ... لا، مهلاً. لدينا لقاءٌ صباح الغد، أليس كذلك؟» سأل ويكووكِت.
«أجل، بعد ساعتين من الفجر، في غرفة الكالداريوم رقم ثلاثة،» ذكّرته، «لقاءٌ سرّيّ وغامض لا شكّ أنّه سيُغيّر مصائرنا إلى الأبد!»
«آه، صحيح. على أيّة حال،» قال وقد أعاد انتباهه إلى ستيفن، «أيمكنك أن تدلّنا على الطريق إليها؟»
وشرح ستيفن كيف يتنقّلون في المبنى ليجدوا الكالداريا ويعرفوا أيُّها رقم ثلاثة، ووعد كذلك بأن يُرتّب لمن يطرق بابهم ليضمن استيقاظهم مُبكِّرين بما يكفي للوصول في الموعد. ثمّ تركهم ليستريحوا. وكانوا جميعاً يتثاءبون وقد تهدّلت أجفانهم بعد رحلتهم المُضنية. وهذه المرّة، لم يكد آل يلحظ حين حشر غرَنتِل نفسه تحت سريره لينام، تماماً كما فعل في البلّوط الفضّي. أطفأ آل الشمعة التي على منضدته الصغيرة، ثمّ انطفأ آل نفسه بالسرعة ذاتها تقريباً التي انطفأت بها الشمعة.
وتعكّر نومُ آل حيناً بموكب الغُنول الذين لم يلبسوا شيئاً سوى قُبّعاتٍ من بتلات الزهر (وكانت مُشتعِلةً بلا سببٍ مفهوم)، وكلّهم يُقدّمون إليه صحوناً من طعامٍ خاصّ. ولو أنّه تذكّر عند استيقاظه ما كان في تلك الصحون، لأصابه حَرَجٌ شديد.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion