Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 69
نُقِل فَخْذة إلى إسطبلٍ أفضلَ وأحسنَ رعايةً، ورُتِّب حَمّالٌ ليأتي بمتاعهم. واضطُرّ آل إلى الإذعان والسؤال عن الإكراميّات، فهو لم يقضِ كثيراً من وقته في أماكنَ من الفخامة بحيث تشيع فيها مثلُ هذه العادات. وبناءً على ذلك الحديث القصير، انتهى به الأمر إلى أن يعرض قطعةً فضّيّةً على غُلام الإسطبل الذي سيتولّى العناية بحمارهم، وأخرى للحَمّال. أمّا الرجل الذي جاء ليصطحبهم فعرّف بنفسه باسم ستيفن، وأوضح أنّه سيتولّى إدارة تجربتهم طوال إقامتهم، وهو ما تبيّن أنّه يعني أنّه شيءٌ يشبه مزيجاً من مُضيف النُّزُل وأمين الصندوق.
وكما هو متوقَّعٌ من سُمعة المكان، كانت الغُرَف باهظةً بعض الشيء لكنّها ليست بعيدةَ المنال، وبعد نقاشٍ يسيرٍ اتّفقوا على غرفةٍ خاصّةٍ مشتركةٍ للنوم. ثمّ بلغوا مسألة الحاجة إلى الحمّامات وما يتّصل بها من خدمات.
«كما تستطيع أن تلحظ على الأرجح، فإنّ الـ...» بدأ آل، وخطر بباله لسببٍ ما وصفُ البارون وولفكِن، «الرفيق الضخم الغريب الذي معنا هنا يحتاج إلى غَسلٍ شاملٍ دقيق، وقد وعدناه بأن يُقدَّم له الطعام والشراب وهو يُستحَمّ.»
لم يُبدِ ستيفن اكتراثاً. «ليس هذا بالأمر البالغ الغرابة عندنا، فلدينا عددٌ من الزبائن يستمتعون بأن يُخدَموا بشتّى الوجوه وهم مُحوَّلون إلى أجسادٍ غريبة. ولدينا بضعةُ أفرادٍ من العاملين متحمّسون على وجه الخصوص لذلك الضرب من الخدمة. سيلقى رفيقكم الضخم الغريب عنايةً حسنة. وأمّا بقيّتُكم؟»
طلب بوته حمّاماً خاصّاً مع خادمٍ واحدٍ مُلِمٍّ بعادات الاستحمام القزميّة. وتذكّر آل أنّ الأقزام في ثقافتهم يُفضّلون أن يكونوا اثنين على الأقلّ عند الاستحمام، حتّى تُفحَص مواضعُ الجسد التي لا يبلغها المرء بيده ولا يراها بعينه، تحسّباً لعِلَلٍ صحّيّةٍ محتملة، وضماناً لنظافتها على الوجه الصحيح. أمّا آل فطلب حمّاماً خاصّاً صغيراً بسيطاً بلا خَدَم، إذ أراد أن يتأمّل قليلاً في بعض المسائل السحريّة. وطلب أن يكون أقربَ ما يمكن إلى حيث سيُستحَمّ غرَنتِل، تحسّباً لأن يحتاج إلى التدخّل لسببٍ من الأسباب. واختارت ويكووكِت الحمّام العامّ المُختلَط.
واتُّفِق على الأسعار، ودلّهم ستيفن على غرفتهم، وكانت من الجودة بحيث رُكِّب في بابها قُفلٌ حقيقيّ. وأُعطي كلٌّ منهم مفتاحاً له. وفي الداخل أربعةُ أسِرّةٍ كبيرةٍ بفُرُشٍ ووسائدَ وثيرةِ الحَشو، وأغطيةٍ وافرة. لم تكن الغرفة كبيرة، لكنّها كانت دافئةً حميمة لا ضيّقةً خانقة. ووصل الحَمّال يُسلّمهم متاعهم بينما كان ستيفن يشرح أين بيوت الخلاء وكيف يهتدون إلى الحمّامات التي اختاروها.
«سيكون خَدَمُ رفيقكم ذي الهيئة الغُنوليّة على أُهبة الاستعداد له بعد رُبع ساعة، وكذلك خادمُ بوته،» أخبرهم ستيفن، «وإن احتجتم إلى شيءٍ آخر أو كانت لديكم أسئلة، فاذكروا اسمي لأيّ فردٍ من العاملين وسأتولّى الأمر.»
وما إن غادر ستيفن وأغلق الباب حتّى فتحت ويكووكِت كيس النقود الذي نُووِل إليها، فانتشلت منه بضعَ قِطَعٍ حديديّةٍ يعلوها شيءٌ من الصدأ، وورقةً مطويّة. نشرت الورقة وقرأت ما فيها.
«يبدو أنّ شخصاً يُدعى سايرَس بورغ قد قبِل طلبنا للقاء،» شرحت، «تقول الرسالة إنّه سيلقانا غداً بعد شروق الشمس بساعتين، في غرفة الكالداريوم الخاصّة رقم ثلاثة.»
«بشأن ماذا؟» سأل آل.
«لا فكرة لديّ، لعلّه ظنّنا أُناساً آخرين. لكن لا سبيل إلى أن أمتنع عن الذهاب، فقد يكون هذا مثيراً! وما شأن هذه القِطَع الحديديّة في رأيك؟» ومدّت بها لتُفحَص. كانت قد تآكلت من القِدَم والصدأ الطبيعيّ، لكن بدا عليها نقشٌ متناظرٌ متعدّدُ الأطراف، لعلّه كان في الأصل نُدفةَ ثلجٍ أو حشرة.
«ليس هذا ممّا درستُه كثيراً، لكنّي أظنّ الحديدَ يُفترَض أن يكون طارداً للجِنّ أو ضارّاً بهم، فلعلّها أُدرِجت لمنع أحد الـ...أمم...القوم الطيّبين من...آه...أداء حيلةٍ بديعةٍ مُسلّيةٍ بأن ينتزع الرسالة،» خمّن آل بشيءٍ من التوتّر. كان يكفيه سوءاً أنّه قضى الأيّام العديدة الماضية قلِقاً في كيفيّة التعامل المحتمل مع الشياطين، وها هو الآن يقلق أيضاً بشأن أيّ الخرافات المتعلّقة بالجِنّ قد يكون له أصلٌ من الحقّ.
هزّت ويكووكِت كتفيها وأعادت كلّ شيءٍ إلى كيس النقود. «قل لي، لماذا يظلّ الجميع ينظرون إليك ويتصرّفون كأنّ لك يداً في كون غرَنتِل غرَنتِل؟» سألت آل، «كنتُ أتوقّع صُراخاً أكثر بكثيرٍ أينما ظهر هنا.»
«أحسبهم يظنّونه شخصاً عاديّاً، وأنّي استعملتُ قُواي السحريّة المذهلة لأحوّله إلى غُنولٍ مؤقّتاً، وكأنّ لديّ من الخبرة ما يقارب أن يكفي حتّى لفهم كيف يجري ذلك أصلاً. وأخمّن أنّ بعض النبلاء مولَعون بهذا الضرب من الأمور، ويحبّون أن يستأجروا سَحَرةً يحوّلونهم إلى شيءٍ آخر حين يأتون إلى هنا.»
«وقد تكون أيضاً حيلةً نافعةً للحفاظ على إخفاء الهُويّة أو التستّر باسمٍ مستعارٍ عند لقاء الآخرين هنا،» أشار بوته.
«أفلا يجذب ذلك مزيداً من الانتباه إليهم فحسب؟» سأل آل.
«ربّما، لكنّه قد يصرف الانتباه بعيداً عن حقيقة مَن هم، بأن تكون لهم هُويّةٌ بديلةٌ أشدُّ إثارةً يظهرون بها.»
«إذن،» سألت ويكووكِت، «أيعني هذا أنّ ثمّة فعلاً سحراً تستطيع أن تستعمله لتحويلي إلى وحشٍ ضخمٍ خطير؟»
«نعم، مثلُ هذا السحر موجود، لكنّي أُنبّه إلى أنّكِ خطيرةٌ سلفاً،» ردّ آل بابتسامةٍ عريضة.
عدّ آل بعض القِطَع النقديّة المتفرّقة من مخزونهم الآخذ في النموّ، ليستعملها كلٌّ منهم في الإكراميّات والمشتريات الصغيرة. وأسقط في يد غرَنتِل قطعةً ذهبيّةً وشيئاً من الفضّة والنحاس. ولم يكن واثقاً من قدرته على شرح دقائق البَقشيش لغُنول، فاكتفى بأن يوضّح له أنّ عليه أن يُعطي شيئاً يسيراً من المال لكلّ من يصنع له صنيعاً. ثمّ آن أوان أخذ منشفةٍ من الكومة التي تُركت لهم في الغرفة، واصطحابِ غرَنتِل إلى موعده. وكما طلب آل، رتّب ستيفن أن يدخلا حمّامَين متجاورين. كان حمّام آل صغيراً خاصّاً، أمّا حمّام غرَنتِل فكان أوسع، ليتّسع لخَدَم الحمّام المُجتمِعين بصابونهم وفُرَشهم وخِرَق الاغتسال، فضلاً عن صواني اللحوم والأجبان المُنوَّعة وزُجاجات نبيذٍ لا تلفت النظر. وبدت امرأةٌ في منتصف العمر، جريئةٌ ممتلئةُ الصدر، ترتدي توغا رقيقة، وكأنّها المُشرِفة على الخَدَم أو مديرتهم. واتّسعت عيناها دهشةً حين وصل آل ليُسلّمهم غرَنتِل.
«حسناً، أنتَ جديدٌ عليّ،» قالت المرأة للغُنول وهي تتفحّصه بحِدّةٍ لا تعرف الحياء. «لم يسبق لي قطُّ أن اشتغلتُ على أحدٍ مثلك.» ثمّ التفتت إلى آل. «واقعيٌّ جدّاً، لقد أثّرتَ فيّ. أهو...كامل؟» سألته رافعةً حاجبيها.
«أمم...نعم؟» أجاب متردّداً، «إنّه غُنولٌ بتمامه، إن كان هذا ما تعنين.»
«ما أشدَّ غرابتَه!» ومالت ووضعت يدها برفقٍ على عظم صدر غرَنتِل. «أيّ خدمةٍ تريد منّا اليوم؟» سألت الغُنول رافعةً بصرها إلى وجهه غير البشريّ.
«يحتاج فقط إلى أن يُنظَّف،» تدخّل آل.
«جائع،» أضاف غرَنتِل، ناظراً إلى أسفلَ بشيءٍ من الحيرة إلى المرأة التي صارت الآن تتّكئ عليه.
«آه، لا شكّ أنّ لك شهيّةً عظيمة،» تغنّجت. «أتدري، بقطعةٍ ذهبيّةٍ واحدةٍ فقط أستطيع أن أجعل هذا مميّزاً لك.»
ولهَولِ آل المُحرِج، فتح غرَنتِل قبضته التي تضمّ القِطَع التي أعطاه إيّاها آل، فانتقى القطعة الذهبيّة وناولها المرأة، فابتسمت وأسقطت القطعة في مكانٍ ما أسفلَ مقدّمة ثوبها البسيط. ثمّ قادت غرَنتِل برفقٍ وحزمٍ نحو بِركة الماء الساخن في وسط الغرفة، حيث كان سائرُ الخَدَم ينتظرون بعُدد الاستحمام.
«حسناً، سأعود لأطمئنّ على سير الأمور لاحقاً سأكون في الغرفة المجاورة تماماً إن احتجتم إلى شيءٍ لكن أرجو ألّا تحتاجوا،» تلعثم آل، واستدار سريعاً حين رأى مديرة الخَدَم تمدّ يدها إلى إبزيم القطعة الوحيدة الضئيلة من اللباس التي يحتمل غرَنتِل ارتداءها.
ولم يزدد ضيقُ آل إلّا اشتداداً وهو يخطو بضع خطواتٍ نحو باب حمّامه، إذ مرّت ويكووكِت في طريقها إلى الحمّام العامّ المُختلَط. كانت...أبى ذهنُ آل أن يقبل كلمة عارية، لأنّها تستلزم الضَّعف، في حين أنّ ويكووكِت كانت ترتدي جِلدها بالثقة نفسها التي قد يرتدي بها فارسٌ مُدرَّبٌ طَقمَ درعٍ كامل.
«لماذا...لماذا لا ترتدين ثياباً؟» تلعثم.
«أتعبث بي؟ أنت لا ترتدي ثيابك في الحمّام، أليس كذلك؟ أم أنّ هذا من الأمور الغريبة التي يفعلها السَّحَرة؟ على أيّ حالٍ، قال ستيفن إنّهم سيغسلونها لي، فليست عندي الآن لأرتديها، حتّى لو كنتُ من ذلك الصنف الغريب من الناس الذي يرتدي ثيابه في الحمّام.»
«لا، لا، الأمر فقط...أنا...آه، دعكِ من هذا. سأدخل هنا لأنظّف نفسي فحسب، لذا...»
«أواثقٌ أنّك لا تريد المجيء معي؟ أوشك أن أُقدّم عَرضاً لكلّ مَن في الحمّام. يمكن أن تكون جزءاً من الفقرة!»
«لا! لا، أعني، أحتاج نوعاً ما إلى التفكير في...أمورٍ. النار. تعرفين.» شعر آل بوجنتيه تحمرّان. كانت ويكووكِت امرأةً بالغةً رياضيّةَ البِنية، لكنّ كونها غنومةً لا يتجاوز طولها ثلاثة أقدامٍ جعل هذا اللقاء بالغَ الإحراج.
«حسناً، لا بأس، أظنّني أستطيع أن أؤدّي أدوارك أنت أيضاً. استمتع بحمّامك المُمِلّ الموحش، أمّا أنا فذاهبةٌ لأمنح الناس شيئاً من الإثارة!» مازحتْه، ولوّحت وهي تمضي في طريقها مرحة.
ورأى بوته في آخر الرِّواق ينزع درعَ صدره الذي أوشك أن يتلف، بمساعدة قزمٍ داكن الشعر، قبل أن يفتح باب حمّامه، فلوّح آل للقزمَين تحيّةً مهذّبةً ثمّ أسرع إلى حمّامه هو.
كان البخار المتصاعد من الحوض الطويل المغروس في الأرض لا تفوح منه إلّا رائحةُ كبريتٍ طبيعيٍّ خفيفة. وكانت معادنُ متبلّرةٌ رماديّةٌ فاتحةٌ تُغشّي حوافّ الحوض. وأظهر نمطُ التموّجات على سطح الماء النظيف الصافي جرياناً مطّرداً من طرف الحوض إلى طرفه الآخر، يُنقَل على الأرجح بالأنابيب من منبع الماء المُسخَّن بركانيّاً، ثمّ يُصرَّف إلى حيث يتخلّصون منه. وكانت أوتادٌ خشبيّةٌ قد رُكِّبت في الجدران لتعليق الثياب، وثمّة مقعدٌ خشبيٌّ للجلوس عند الخروج من الحوض. ووُضِع بعنايةٍ إلى جانب المقعد دَلوٌ فيه شيءٌ من الصابون وعدّةُ مناشف. وبأنّةِ ارتياحٍ ممتنّةٍ إذ بلغ أخيراً لحظة الاسترخاء، خلع آل رداءه، ثمّ خلع قميصه، ثمّ خلع سرواله، ثمّ خلع ما بقي ممّا يُخلَع، ومضى في روتينه المُتقَن في تنظيف ثيابه بحيلةٍ سحريّة. وعلّقها على الأوتاد لمّا فرغ. ثمّ ملأ الدَّلو من حوض الماء الساخن، وفرك نفسه فَركاً وافياً بالصابون، وشطف عنه. وأخيراً أنزل نفسه في الحوض على مَهَلٍ، مُقطِّباً في لحظة الضيق قبل أن يتأقلم مع حرارة الماء، ثمّ استلقى إلى الوراء يطفو في سلام.
كان ما يزال مُنهَكاً جدّاً، لكنّه تأمّل قَدْرَ استطاعته في أسرار استحضار النار. وأسند رأسه إلى الوراء في الماء حتّى غُمِرت أذناه.
ومن مكانٍ بعيدٍ خلف جدرانه، سمع صوت ويكووكِت الجَهير محمولاً في الماء. «هل أنتم مستعدّون للإثارة؟» سأل صوتُها المكتومُ بالماء، فأجابته جوقةٌ من الأصوات الكثيرة بالموافقة. «حسناً إذن، سأفعلها!» وعدت ويكووكِت.
حاول آل ألّا يتخيّل أيّ ضربٍ من الأمور الشديدة الإلهاء قد يجري هناك.
ثمّ عاد صوت ويكووكِت يتردّد وهي تبدأ عَرضها.
«ابتدأتْ حكايتُنا في بلدة القِمم المُشرِقة،
بعلماءِ سِحرها وطلّابها رُهناءِ الإسار،
وهناك التقيتُ برِفاقٍ يَبتغون كما أبتغي
أن نصيرَ نحن حكايةَ أعظمِ مغامرةٍ تُروى في الديار!»
آه. صحيح. الحكاية. بالطبع. فكّر في نفسه. وأصغى برهةً قَدْرَ استطاعته، فالماء يحمل الصوت أبعدَ ممّا كان ليَبلُغ عبر الجدران، لكنّه يكتمه في الوقت نفسه. وتساءل كم من الوقت قضت ويكووكِت في نظم هذه الملحمة الشعريّة عن أفعالهم التي ليست ملحميّةً كثيراً حتّى الآن. وعلى الأقلّ بدت الأجزاءُ التي استطاع فهمها تجعلهم يبدون مُهيبين. وبلغته عبر الماء أيضاً أصواتُ جمهورها وهم يهتفون ويصفّقون ويقاطعونها بتعليقاتٍ هازئةٍ وديّة، فعلى الأقلّ كانوا يستمتعون.
جلس آل مُعتدلاً ليُخرج أذنيه من الماء كي يستطيع التركيز. الآن، لو أمكن جعلُ تجلّي النُّشّابات من العنف السحريّ يتّخذ صفاتٍ شبيهةً بمشعلٍ أو فانوسٍ مقصودٌ به أن يشتعل...
ولم يستمتع البتّة بموجة الذُّعر التي اجتاحته حين انفجرت جوقةُ الصراخ النسائيّ من الجهة الأخرى من الجدار، حيث ترك غرَنتِل. فخرج آل من الحوض في الحال واندفع نحو الباب. ثمّ عاد مسرعاً ليخطف منشفةً يلفّها حول نفسه قبل أن يهرع إلى الخارج، وقد استبدّ به القلقُ ممّا عسى الغُنولُ أن يكون قد فعله من أمرٍ فظيع، ومن كيفيّة شرحه لقصر نوتاميمِك ما عسى إلهةُ مِغطَس الجحيم أن تكون قد فعلته به جزاءَ نَكْثِ القَسَم.
ورأى المرأة التي أعطاها غرَنتِل قطعةً ذهبيّةً وهي تمضي في الرِّواق غاضبةً، بالكاد ترتدي شيئاً وتقطر ماءً. «...غافلٌ!...» سمعها تُغمغِم وهي تنصرف. ومن هنا في الرِّواق، وقد زال الجدار الحائل، بدا الصراخ أقلَّ شبهاً بـالرُّعب وأقربَ إلى القَهْقهة. فدفع الباب بحذر، ليجد غرَنتِل مُتمدّداً في كسلٍ في حوضٍ من الماء المُتصاعِد بخارُه، حائرَ النظرة وهو يلعق من قَدَحٍ كبيرٍ فيه نوعٌ من النبيذ. وكان خَدَمُ الحمّام مجتمعين حوله وقد بدا أنّهم لا حيلة لهم أمام الضحك. وكانت رغوةُ الصابون تطفو في ماء الحوض، وعلى الأقلّ بدا الغُنولُ أنظفَ الآن.
«آه...هل كلّ شيءٍ على ما يُرام هنا؟» سأل آل، غيرَ واثقٍ من أنّه يريد أن يعرف الجواب. وغرِقت شكوى غرَنتِل من أنّ رائحته لم تعد مخفيّةً كما ينبغي في ضجيج المرح.
«نعم، بخير...» تمكّنت إحدى الخادمات من أن تقول بصوتٍ مبحوح، بينما حاولوا جميعاً استعادة هيئتهم المهنيّة.
وألقى آل نظرةً قَلِقةً في الرِّواق، حيث كانت المرأة التي حسِبها المديرةَ قد انعطفت عند رُكنٍ وغابت عن البصر. «لم يفعل شيئاً...آه...غير لائق، أليس كذلك؟»
«لا!» تمكّن أحدهم من أن يقذف بها قبل أن يفقد الخَدَمُ كلَّ رزانةٍ ويستغرقوا في ضحكٍ يمنعهم من الكلام. ورمق آل غرَنتِل بنظرةٍ حائرة، فردّها الغُنولُ بنظرةٍ حائرةٍ مثلها، إذ لم يفهم هو الآخر ما وجهُ الطرافة. وظلّ آل يشاهد، وقد أخذ يشعر ببردٍ مُزعِجٍ وحرجٍ وهو واقفٌ في الرِّواق لا يستره شيءٌ سوى منشفةٍ مبلولة، حتّى استطاعت إحدى خادمات الحمّام أن تهدّئ نفسها بما يكفي للكلام.
«كفى، توقّفن!» قالت لزميلاتها بصوتٍ يكاد يختنق وهي تحاول ألّا تضحك، «يُفترَض أن نكون محترفات!»
«مدام مارج ذائعةُ الصِّيت بخدماتها الخاصّة،» قالت الخادمة لآل وعلى وجهها ابتسامةٌ ماكرة، «وهي تميل نوعاً ما إلى الزبائن الغرباء، فلمّا دفع لها صديقُكم المُحوَّل، أخذته إلى الحمّام وبدأت باللمس والمداعبة، تفهم؟»
لا بدّ أنّها لاحظت تعبيرَ آل المتزايدَ فزعاً واستنكاراً، إذ اضطُرّت إلى كتم ضحكةٍ أخرى. «لا، لا، انظر، لم يفعل شيئاً. أعني، لم يبدُ أنّه لاحظ أصلاً ما كانت تفعله! بل ظلّ جالساً هناك يتذمّر من غَسلنا للنَّتانة التي قال إنّها تُخفي رائحته.»
وقطّبت أنفها اشمئزازاً من الذكرى.
«وبعد حينٍ ضاقت مدام مارج ذَرعاً حتّى تخلّت عن اللطافة، فمدّت يدها إلى الأسفل وقبضت و...»
وتوقّفت لتكبح نوبةَ ضحكٍ أخرى.
«...وهو ينظر إليها من عَلٍ و...ويقول...يقول: متى تصنعون الطعام المميّز؟»
ولمّا بلغ آل حدَّ احتماله للمواقف المُحرِجة، تمتم بامتنانه لأنّ شيئاً سيّئاً لا يحدث، واستأذن ليعود إلى حمّامه، والضحكُ يعوي خلفه. أغلق الباب، وألقى المنشفة المبلولة، واستقرّ من جديدٍ في الماء الساخن مع تنهيدةٍ طويلةٍ متوجّعة.
ورفع بصره إلى السقف.
«من الأفضل ألّا يطارد هذا أحلامي،» قال له.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion