Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 68
كانت البوّابةُ والسياجُ وكوخُ الحراسة وعُدّةُ الحارس المُتهالِك بكسلٍ على جانب الكوخ أوّلَ أشياءَ حسنةِ الصيانة يراها آل منذ أيّام. كانت البوّابةُ والسياجُ من حديدٍ مطليٍّ بالسواد، وفوق البوّابة لافتةٌ مُتقنةٌ صُنِعت من أسلاكٍ رُتِّبت ببراعةٍ بالغة، عُلِّقت عليها حروفٌ مطليّةٌ بالذهب تقرأ: مِغطَس الجحيم. أمّا الكوخُ فمن خشبٍ مُحكَم الصنع مطليٍّ بالجيرِ الأبيض. وكان صِدارُ الحارس وخوذتُه النصفيّة من فولاذٍ مصقولٍ لامع.
أمّا الحارسُ نفسُه، في المقابل، فكان مُستنِداً إلى الكوخ استنادَ المُتراخي، مُغمَضَ العينين مائلَ الرأس إلى جنب. وللحظةٍ خشي آل أنّهم عثروا على جثّةٍ أخرى بلا دم، لكنّ الحارس تحرّك قليلاً يلتمس وضعاً أكثر راحة. ثمّ فتح عينيه حين استرعى انتباهَه وقعُ حوافر الحمار وقعقعةُ العربة على ما تبقّى من حجارة الطريق.
نادى آل بأكثر ما استطاع من بشاشةٍ وهو يلوّح: «مرحباً هناك، لا فكرة لديك كم يسرّنا أن نراك!» وعلى غير ما توقّع آل، اتّسعت عينا الحارس على آخرهما، ومدّ يده في هَلَعٍ محمومٍ إلى داخل كوخ الحراسة ليخطف رمحاً، فأسقطه من فوره وتخبّط في التقاطه من جديدٍ لفرط عَجَلته.
صرخ بأعلى صوته وهو يعبث بيأسٍ بحلقة مفاتيح ليفتح البوّابة: «مصّاصو دماء! مُستذئبون! أحتاج إلى نجدة! مصّاصو دماءٍ ومُستذئبون!» وفي حَيرةٍ أشار آل إلى بقيّة الجماعة أن يُبطئوا، بينما وجد الحارسُ أخيراً المفتاح الصحيح، ففكّ قفل البوّابة، وانسلّ من خلالها، وأسقط رمحه، والتقطه ثانيةً، ودفع البوّابة حتى أُغلِقت، وأقفلها بيدين مرتعشتين. ثمّ انطلق راكضاً مُبتعِداً عن البوّابة نحو أقرب مبنًى، يصيح بصوتٍ أبحّ طالباً العون للدفاع ضدّ مصّاصي الدماء والمُستذئبين. التفت آل إلى الوراء نحو ذلك الشيء البائس الذي يُسمّى طريقاً وقد قطعوه، فلم يرَ أحداً خلفهم.
تساءل بصوتٍ مسموع: «هل يقصدنا نحن؟»
مازحت ويكووكِت: «قد يكون الأمر طريفاً بعض الشيء لو طاردتُه وعضضتُه.» فامتدّت ذراع آل تلقائيّاً تُشير إلى غرَنتِل أن يتوقّف قبل أن يأخذ الغُنولُ الفكرةَ على محمل الجدّ.
رفع آل بصره إلى ذلك الكائن الوحشيّ خائبِ الأمل الذي هو زميله.
أدرك آل: «آه. صحيح. إنّه يظنّ أنّك مُستذئب.»
سأل غرَنتِل: «ما المُستذئب؟»
بدأ آل: «حسناً، إنّهم قومٌ خطرون عنيفون وحشيّون...» ثمّ خفت صوتُه لحظةً وهو ما يزال ينظر إلى الغُنول. «...و... تؤثّر فيهم روحٌ عنيفةٌ من نوعٍ ما، أشبهُ بمسٍّ شيطانيّ...»
وحدّق في الغُنول لحظةً أطول، يحاول أن يهتدي إلى ما يصف الفرق.
«...آه، نعم، لقد بدؤوا قوماً بشرانيّين، لكنّ لعنتهم تُرغمهم على تبديل هيئتهم إلى صورٍ أشدّ وحشيّةً، ثمّ العودة إلى البشرانيّة من جديد.»
«لماذا؟»
«أنا... لا أعرف حقّاً. ذلك التأثير يُرغمهم على التبدّل فحسب.»
نفخ غرَنتِل. وتذمّر: «ينبغي أن تكون ما أنت فحسب.»
وكاد آل أن يسأل بوته إن كان يحاول تعليم الفلسفة لغرَنتِل، حين ظهر الحارسُ المذعور من جديدٍ خارجاً من المبنى الذي اختفى فيه. وكانت تتبعه امرأةٌ مفتولةُ العضل في طَقم درعٍ مماثل. كانت تضع على رأسها خوذةً ذات عُرفٍ أبيضَ بتراخٍ بدا أنّه يُهيّج الحارس الأوّل، بحسب ما استطاع آل أن يسمعه من توسّلاته كي يذهب ليأتي بمزيدٍ من الحرس لمواجهة جيش مصّاصي الدماء. أمّا الحارسة الجديدة ذات الخوذة الفاخرة فقد توقّفت فعلاً فجأةً لتُحدّق في اتّجاههم لحظةً حين لمحت غرَنتِل، لكنّها نظرت بعدها إلى آل، وهزّت رأسها، ودفعت الحارس الأوّل إلى الأمام.
قالت الحارسة الثانية للأوّل مُشيرةً إلى آل: «أيّها الأحمق، انظر إلى الأردية. إنّه ساحر.»
وفوجئ آل أنّ هذا هدّأ الحارس الأوّل قليلاً.
«لكن... لقد جاؤوا فعلاً من المُستنقَع عديم الدم! لا أحد يأتي من المُستنقَع عديم الدم! الشيء الوحيد في تلك الجهة هو بذرة اللفت! لا أحد يذهب إلى بذرة اللفت!»
وكان الحارسان قد بلغا البوّابة الآن، وبإلحاحٍ من الثانية فكّ الأوّلُ القفل بيدٍ مرتعشةٍ من جديد، وهو ما يزال يحتجّ.
تشكّى: «كلُّ سبب تطوّعي لهذه النوبة هو أنّ لا أحد يمرّ من هنا أبداً! لا أحد يريد الذهاب إلى بذرة اللفت!»
حاول آل أن يشرح: «بصراحة، نحن أيضاً لم نُرِد العودة إلى بذرة اللفت، ولهذا انتهى بنا الأمر على هذا الطريق. لم يخطر لنا أنّ الرحلة ستؤول إلى هذا القدر من الكدر. أكاد أندم على أنّنا لم نرجع عبر بذرة اللفت من حيث أتينا. والآن وقد وصلنا أخيراً، نحن مُنهَكون جدّاً، وكما ترى على الأرجح، نحتاج إلى الاستحمام حاجةً ماسّة. أنسمح لنا رجاءً بالدخول؟»
أشار الحارس الأوّل مُتّهِماً وقد عاد الهلعُ يعلو صوته: «أرأيتِ؟! مصّاصو الدماء لا يستطيعون الدخول ما لم تَدْعُهم!» فلطمت الحارسةُ الثانية مؤخّرةَ خوذته بقبضتها.
«إنّهم واقفون في ضوء الشمس تماماً، ولا قمر في السماء الآن، فهذا ليس مُستذئباً أيضاً. هذا غُنول.»
ولم يُجدِ هذا في تهدئة الرجل البتّة، فأخذت الحارسةُ الثانية تُوسِع مؤخّرة خوذته لكماً مرّاتٍ أُخَر حتى كفّ عن الصياح بشأن مدى خطورة الغُنول.
سألت الحارسة الثانية آل: «اسمع... أنت ساحرٌ فعلاً، صحيح؟»
أجاب آل: «هذا واحدٌ ممّا أنا عليه، نعم.» فأشارت الحارسة الثانية بيدها إشارةً مُؤكِّدةً نحو آل كأنّها تدلّ على أنّ هذا يُفسّر كلّ شيء.
وتنازل الحارس الأوّل قليلاً: «حسناً لكن... لماذا غُنول؟»
ردّت الحارسة الثانية سائلةً بغموض: «ولماذا دُبّ؟» ثمّ التفتت لتُخاطب الرِّفقة.
«اعذروا رجاءً سلوك لاري هذا غيرَ المهنيّ. صحيحٌ أنّنا لا نرى قطّ أناساً يَقدُمون من تلك الجهة، ولا يمضون إليها كذلك، على الأقلّ لا في السنين التي قضيتُها هنا. غير أنّنا نحترم خصوصيّة ضيوفنا وكرامتهم، فلن أسأل عن رحلتكم، ولن أُعلّق على مظاهركم التي اخترتموها ولا على حاجاتكم إلى النظافة. هل لديكم حجوزات؟»
أجابت ويكووكِت: «كلّا، لا تحفّظاتِ لدينا البتّة، نحن على ثقةٍ تامّة!»
قالت لهم الحارسة ذات العُرف الأبيض، إمّا لأنّها لم تلتقط الدُّعابة وإمّا لأنّها تجاهلتها: «إن لم تكن لديكم حجوزات، فسيتعيّن عليكم الذهاب إلى غرفة الانتظار وأن تأملوا أن نجد لكم متّسعاً. وثمّة أيضاً قَسَمٌ مُلزِمٌ قبل أن يُسمح لكم بالدخول، أمناً لضيوفنا وراحةً لهم. وإن لم تكونوا قد تركتم رفيقكم هذا في حالٍ تسمح له بالكلام،» تابعت مُشيرةً إلى غرَنتِل، «فالجزء المهمّ من القَسَم مكتوب. لا تقف هكذا يا لاري، اذهب وأحضِر كتاب القَسَم.»
سأل آل بينما هرع لاري الحارس ليُنفّذ ما طُلِب منه: «ماذا تعنين بـتركتموه في حالٍ تسمح له بالكلام؟»
«يعني، الدِّببةُ لا تستطيع الكلام، فإن مُسِخ أحدٌ سِحريّاً دُبّاً لن يستطيع الكلام هو الآخر. الغُنول لا تستطيع الكلام، أليس كذلك؟»
«في الحقيقة تستطيع، غير أنّ سائرها على الأرجح لا يُحسِن التحدّث بلغةٍ مُتحضِّرةٍ كما يفعل غرَنتِل هنا. أليس كذلك يا غرَنتِل؟»
ولم تُفلح نَخرةُ غرَنتِل الدالّةُ على الموافقة في حسم المسألة حقّاً.
عاد لاري بمُجلَّدٍ ضخمٍ مُغلَّفٍ بجلد أيّلٍ فاخر، عليه حروفٌ ذهبيّةٌ تتهجّى:
كتاب القَسَم
مِغطَس الجحيم
بالنيا إنفيرنالا
شرحت الحارسة ذات العُرف الأبيض: «إليكم كيف يجري الأمر: سأقرأ قواعد السلوك التي يلتزم بها كلُّ أحدٍ ما دام داخل حدود مِغطَس الجحيم. وإن لم تفهموا أيّاً منها فعليكم أن تطلبوا الشرح، لأنّكم في الختام ستكتبون أسماءكم الأولى في كتاب القَسَم، وسندعو إلهة مِغطَس الجحيم لتشهد بينما توافقون على الالتزام بالقواعد، فإن لم تفهموها فلن تستمتعوا بزيارتكم البتّة.»
فرَدَت الحارسةُ ذات العُرف الأبيض لفافةَ رَقٍّ مُتغضِّنةً باليةً وشرعت تقرأ. وبدت القواعد معقولةً لحسن الحظّ: فقوانين المملكة العاديّة ضدّ السرقة والاحتيال والعنف ما تزال سارية وواجبة الطاعة، والضيوف الآخرون يُعامَلون بلُطفٍ أو يُتجنَّبون، وخصوصيّتهم مصونة. ويُباح العنفُ في الدفاع عن النفس الصادق المشروع، غير أنّه شُدِّد على أنّه لا ينبغي أن يكون ضروريّاً إلّا إن تسلّل أحدهم يوماً دون أن يُقسِم بنفسه. أمّا العنف بالتراضي فيجري وفق قواعد مضبوطةٍ بدقّةٍ في دار المُبارزة الرسميّة إن لزم الأمر. وكانت هناك أيضاً بعض القواعد المتعلّقة بأصول المُساومة مع أصحاب الحوانيت في مِغطَس الجحيم، والسلوك اللائق في الحمّامات نفسها، ومعاملة العاملين في المنشأة. أمّا القاعدة الأخيرة فكانت موافقة المُقسِمين على أن تَطَّلِع الإلهة بالنيا إنفيرنالا على ما في قلوبهم، وقد كشّر غرَنتِل عن أنيابه في البداية وستر صدره حتى تمكّن آل، بعون ويكووكِت، من شرح المجاز له. ثمّ كتب كلٌّ منهم اسمه في الكتاب، وفوجئ آل حين تناول غرَنتِل القلمَ بخُرقٍ وكتب اسمه الأوّل ببطءٍ بحروفٍ رديئة. أوضح غرَنتِل: «العمّة ميليسا أجبرتني أن أتعلّم،» فذُهِل الحارسان اللذان لم يتوقّعا أن يتكلّم فعلاً. ثمّ استُدعِي اسمُ الإلهة، فتصاعدت نفثاتُ بخارٍ مرئيّةٌ من صفحة الكتاب حيث كُتِبت أسماؤهم.
أعادت الحارسةُ ذات العُرف لاري إلى موقعه ليترقّب مزيداً من مصّاصي الدماء والمُستذئبين، ثمّ قادت الرِّفقة في جولةٍ مُختصَرةٍ في مِغطَس الجحيم، الذي تبيّن أنّه أشبهُ بقريةٍ صغيرةٍ ثريّةٍ على نحوٍ غريبٍ منه بمنشأةِ ضيافةٍ واحدة. كان الطريق الرئيس مُصطَفّاً على جانبيه بتشكيلةٍ وافرةٍ من الحوانيت الصغيرة وبضعةِ مواضعَ دينيّة، يمتدّ مُستقيماً عبر المُستوطَنة التجاريّة كلّها من البوّابة الجنوبيّة حيث وصل آل وجماعته إلى البوّابة الشماليّة. ولم تنقطع استقامةُ مسارهم إلّا حيث ينشقّ في وسط المُستوطَنة ليلتفّ حول المبنى الضخم ذي الطابقين الذي يحتضن النبع الحارّ الأكبر الذي بُنِي مِغطَس الجحيم من أجله. وكانت هناك مساكنُ إضافيّةٌ للعمّال، ومراكزُ للحراسة، وبضعةُ أحياءٍ لأهلٍ محلّيّين شتّى لهم مساكنهم الصغيرة الضيّقة. وكان صغارُ النبلاء والتجّار الأثرياء ورجالُ الدين فاخرو الثياب يتمشّون في كلّ مكانٍ في رِضاً. وقد تجاهلوهم في معظمهم، وإن كان آل قد لمح غير قليلٍ من النظرات المُتفاجئة تتقافز بين غرَنتِل وبينه. والتزاماً بالقَسَم لم يُثِر أحدٌ ضجّةً بشأن وجودهم. غير أنّ رجلاً بديناً يرتدي حريراً أبيضَ فاخراً مُطرّزاً بخيوط الذهب بدا مسروراً مُتفاجئاً برؤية ويكووكِت.
قال لها منحنياً ورافعاً قبّعته المخروطيّة الأنيقة ذات الرشقة من الأسلاك الفضّيّة المُتناثرة من قمّتها: «طاب لقاؤكِ!» وتعلّقت عيناه لحظةً بمِقبض نصلها الموسوم بالعنكبوت، البارزِ من غِمدٍ خشبيٍّ ريفيٍّ إلى حدّ السخف على ظهرها، ثمّ رمق آل وبقيّتهم بنظرةٍ مُرتابةٍ ومضى في سبيله.
سأل ويكووكِت بعد أن خلّفوا الرجل وراءهم: «من كان ذاك؟»
«لا أدري، يبدو لي تاجراً من نوعٍ ما. إن كان يظنّ أنّني سأبيعه عَضّاضة سو، فسيُصاب بخيبة أمل.»
واقتِيدت الجماعة في نهاية المطاف إلى مبنًى كبيرٍ يُشبه الحظيرة قرب البوّابة الشماليّة، وأُدخِلوا إليه. كانت مقدّمته كلّها مرابطَ واسعةً للخيل، أو ربّما لما هو أكبر منها بكثيرٍ بالنظر إلى فُسحتها. وكان معظمها خالياً، فأُعطِيَ فَخْذة واحداً منها يتّسع لترك العربة معه. ثمّ اقتِيدت بقيّة الرِّفقة إلى عمق المبنى حيث فسحةٌ واحدةٌ كبيرةٌ مفتوحة، جرداءُ بلا زينةٍ عدا كراسٍ ووسائدَ وسجّادٍ مُتناثِرٍ للاستلقاء عليه. وكانت لتبدو دافئةً مريحةً جدّاً لولا الدُّبّة البنّيّة الكبيرة.
طمأنتهم الحارسة ذات العُرف الأبيض: «لا تقلقوا، إنّها زبونةٌ دائمةٌ هنا، غير أنّها لا تُكلّف نفسها عناء الحجز أبداً. إن انتظرتم هنا فسيأتيكم أحدٌ بعد قليلٍ ليُناقش حاجاتكم وكم قد يطول انتظاركم،» قالت ذلك ثمّ مضت لتعود إلى واجباتها الحراسيّة.
وكانت الدُّبّة مذعورةً لرؤيتهم بقدر ذُعرهم لرؤيتها. انتصبت سريعاً على قائمتيها الخلفيّتين وكشّرت عن أنيابها حين لمحت غرَنتِل. كانت في طوله تقريباً، لكنّها أثقل منه. ثمّ هدأت وهي تنقل بصرها من الغُنول إلى آل، وجلست ثانيةً تُراقبهم. لاحظ آل قِلادةً حول عنقها، مصنوعةً من مجموعةٍ من العظام والحصى والأغصان غريبة الشكل، ومعها كِيسٌ جلديٌّ صغير، وقد نُظِم ذلك كلّه بخيطٍ خشنٍ من عُشبٍ مضفور. أشارت إلى غرَنتِل بقائمةٍ أماميّةٍ، وأمالت رأسها نحو آل في تساؤلٍ، وأصدرت صوتاً مُستفهِماً: «غرررررر؟»
قال لها آل: «نعم، إنّه غُنول،» مُتسائلاً في نفسه ما عساها تكون. وقد خطر له احتمالان.
سأل الدُّبّة: «لستِ من... إيه... القوم الطيّبين، أليس كذلك؟» فهزّت رأسها في إيماءةٍ بشرانيّةٍ تنفي بوضوح.
تابع آل بحذر: «بالطبع، القوم الطيّبون مُبهِجون،» وهو يتلفّت حوله تحسّباً لأن يكون أحدهم مُختبئاً في الجوار، لكنّه لم يرَ ما يُريب. على الأقلّ كان يمكن الوثوق بنفي الدُّبّة الصريح؛ فقد سمع آل دائماً أنّ الجِنّ لا يقولون الكذب الصريح، أو لعلّهم لا يقدرون عليه. «أُخمّن إذاً أنّكِ من إحدى التقاليد الدرويديّة؟»
أومأت الدُّبّة. ونكزت قلادتها بقائمتها برفقٍ، ثمّ ارتدّت مُنكمِشةً ورمقت آل بنظرةٍ مُستفهِمةٍ حين تهادى غرَنتِل نحوها ليشمّها.
قال لها آل: «إنّه يفعل أشياء كهذه، وستكونين بأمانٍ ما لم تستفزّي شجاراً. لن أصفه بأنّه مُتحضِّر، لكنّه أقلّ عدائيّةً بكثيرٍ من الغُنول المعتاد.»
قاطعت ويكووكِت سائلةً: «هل يمرّ باعةُ الطعام من هنا؟ لم نأكل طعاماً لائقاً منذ أيّام!»
دفعت الدُّبّة الغُنولَ الفضوليّ بعيداً بأقصى ما استطاعت من لُطفٍ وحَزمٍ معاً، ونكزت الكِيس الجلديّ في قلادتها وهي تنظر إلى آل مُتوقِّعة.
سأل: «أتُريدينني أن أفتح هذا؟» فأُجيب بإيماءة. اقترب وفتح الكِيس، فلم يجد فيه سوى حفنةٍ كبيرةٍ من التوت الأرجوانيّ. ومالت الدُّبّة إلى جنبٍ فتمكّنت من مدّ قائمةٍ أماميّةٍ مقلوبةٍ إلى أعلى تدلّ بوضوحٍ على أنّها تريد أن يُناوَلها التوت. فأفرغ آل شيئاً منه من الكِيس مُساعِداً، ومدّت الدُّبّة قائمتها نحو ويكووكِت، فأخذت واحدةً ومضغتها.
قالت: «أوه! هذه لذيذة! ما هي؟»
أجابت الدُّبّة بنَخَراتٍ وزمجراتٍ بدت كأنّها حديثٌ مُتّصِل، لم يفهمها أحدٌ على أيّة حال، ولا حتّى غرَنتِل. ومدّت قائمتها تعرض التوت على آل وغرَنتِل وبوته كذلك. وحتّى غرَنتِل بدا مستمتعاً بتلك القضمة الصغيرة رغم خلوّها التامّ من اللحم. تشمّمت الدُّبّة الغُنولَ بفضولٍ لحظةً قبل أن ترتخي عائدةً إلى جِلستها. وبشيءٍ من الإشارات نجحت في حمل آل على أخذ ما تبقّى من التوت وإعادته إلى كِيسها، ففعل، ووجد من الطريف أنّه بعد توتةٍ واحدةٍ فقط أكلها لم يعد يشعر بالجوع. وكان غرَنتِل قد استقرّ هو الآخر جاثماً، يبدو راضياً في تلك اللحظة، أو لعلّه نعسان فحسب. وتثاءب آل إذ ذكّره ذلك بمدى إرهاقه بعد اليومين الماضيين.
اقترح آل وهو يجلس مُسنِداً ظهره إلى جدارٍ ويحاول أن يستريح على إحدى السجّادات: «لا فكرة لديّ كم قد ننتظر هنا. يُستحسَن أن نغفوَ قليلاً، فلعلّنا حين يتفرّغون لنا أخيراً نستطيع...»
نادى رجلٌ ذو صوتٍ عالٍ واضحٍ كصوت المُنادين، وزيٍّ رسميٍّ أنيقٍ للعاملين، مُقاطعاً كلام آل: «ويكووكِت د. فليبندورفر، ألويسيوس أركانيسن، بوته فيسِنغرابر، غرَنتِل؟»
أجابت ويكووكِت: «هؤلاء نحن!»
«ثمّة ضيفٌ آخر قد كفلكم ودبّر لكم الأمر. إن تفضّلتم باتّباعي فيمكننا مناقشة حاجاتكم.»
وكان تذمّر الدُّبّة وزمجرتها اعتراضاً من نوعٍ ما بلا شكّ.
ردّ الموظّف غير المُكترِث: «تعلمين أنّ بوسعكِ ببساطةٍ أن تطلبي حجزاً مُسبقاً بدل أن تخرجي من الغابة هكذا دون إخطار،» ثمّ أعاد انتباهه إلى ويكووكِت.
«كذلك، طلب منّي السيّد الذي كفلكم أن أُعيد إليكِ متاعكِ الذي سقط منكِ.»
ومدّ إليها كِيسَ نقودٍ جلديّاً صغيراً.
قالت وهي تتناوله: «آه، شكراً لك، كنتُ أتساءل أين ذهب،» وإن بدت لآل مُرتابةً بعض الشيء.
جمعوا أمتعتهم جميعاً وتبعوا الرجل خارجين، تاركين الدُّبّة المُستاءة خلفهم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion