Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 67
استيقظ آل مُثقَلاً بالنُّعاس على صوت بوته يُغمغِم دعاءً لاعناً مُكرَّراً يستنزل القِصاص الإلهيّ على مَن يحاول إحباط الخُطَط التي لا تُوصَف. أرغم آل نفسه على أن يترنّح إلى الباب ويفتحه ليتفقّد الأمور. كان قد نسي أن يُطفئ الشموع في الشمعدانات المُعلَّقة، وإذا بعِدّةٍ من السَّرْخَس الجائع للدم تتدلّى الآن من السقف إلى جانب أحدها. وكان عمودٌ من النور الإلهيّ ينبض هابطاً عبر السقف عند تمام كلّ دعاءٍ يستغرق ثوانيَ عِدّة، فيدفع السَّرْخَس إلى التخبّط ببطءٍ ويأسٍ وهو يتفحّم، حتى نفَق واحداً تلو الآخر وتساقط على الأرض.
«يبدو أنّها استشعرت الضوء، ولعلّها استشعرت دفء الشموع كذلك، فجرّ كلٌّ منها نفسه عبر السقف إلى هناك على مرأًى منّي. ورأيتُ من الأصوب أن أتولّى أمرها في أمانٍ قبل أن تستحيل مُعضِلة،» شرح بوته، بينما أطلّ غُنولٌ ناعسٌ من الغرفة التي يتقاسمها مع الحمار. زفَر غرَنتِل زفرةَ ضجرٍ فاترة وعاد إلى الداخل، فأعقبتها أصواتُ حوافرَ تتحرّك لإفساح المجال.
أومأ آل لبوته إيماءةَ شكرٍ وعاد ليضطجع ويستأنف نومه. وبينما كان ينسلّ من وعيه من جديد، سمع البابَ الأرضيّ الصغير الذي يغطّي فتحة التصريف يُرفَع في الغرفة المجاورة. تحرّك ساكنا الغرفة، ثمّ ارتفع صوتُ سائلٍ طويلٍ ينهمر إلى الخندق في الأسفل. وكان آل شِبهَ واثقٍ من أنّ صوت السائل الثاني الذي عاد فانطلق بعد لحظاتٍ لم يكن إلّا هلوسةً من فرط الإعياء. أُغمِضت عينا آل، فحلَم بألسنةِ لهبٍ تحاول أن تهمس إليه بأسرار.
دوّت في الخارج خَبْطةٌ! عاليةٌ لجسمٍ ثقيلٍ يرتطم بالأرض، فأفزعت آل من نومه مُجدَّداً قبل الأوان بكثير. وبأنينِ الجَهد، دفع آل نفسه ناهضاً على قدميه، وقد تكرّرت الخَبْطة! مرّةً أخرى. فتح بابه ثانيةً ليرى غرَنتِل يهوي بمِخبَطه على أفعى ورديّةٍ طولها قدمان. وكانت اثنتان أُخريان قد سُحِقتا على الأرض. وفي الضوء المُرتعش للشموع التي أوشكت أن تحترق تماماً، أبصر آل عدداً آخر منها يفرّ راجعاً عبر الفُرجة خلف الباب الأماميّ المُسنَد. ولمّا التفت غرَنتِل يبحث عمّا بقي منها ممّا يحتاج إلى سحق، لمح آل واحدةً وقد التصق فمها بمؤخّرة فَخِذه اليُمنى. وكان رأسها وبضعُ بوصاتٍ من جسدها قد اغمقّت إلى حُمرةٍ أشدّ عُمقاً.
«غرَنتِل، ثمّة واحدةٌ أخرى عليك هناك!» حذّره آل. نظر الغُنول إلى أسفل حائراً كيف لم ينتبه إلى أنّه عُضّ. أمسك الأفعى من طرف ذيلها، وقبل أن تحاول الإفلات انتزعها، ثمّ راح يضرب برأسها الأرضَ حتى سكنت عن الحركة. ونزّ دمُ غرَنتِل نفسِه من الجُرح الخَشِن المستدير بحجم قطعةِ نقدٍ حيث انتزع الأفعى.
وكان بوته قد استفاق هو الآخر من نومه على الضجيج، فتقدّم يجرّ خُطاه ليعالج الجرح، بينما دفع الفضولُ آلَ إلى إمعان النظر في الأفاعي قبل أن يحاول العودة إلى النوم. كانت نحيلةً وليست كبيرةً على وجه الخصوص. وكانت حَراشفها ورديّةً ناعمة، إلّا عند رأس تلك التي تعلّقت بغرَنتِل وتغذّت على شيءٍ من دمه. أمّا أجزاء أفواهها فكانت غريبة. وكان آل قد قرأ يوماً عن الجُلْكى في كتابٍ عن مخلوقات البحر، فذكّرته هذه الأفاعي بها. كانت أفواهها تنفتح إلى آخرها لتستطيع أن تغرس كلّ أسنانها في رُقعةٍ مُسطَّحةٍ من اللحم وتتشبّث بها. ضغط بوته خِرقةً نظيفةً على إصابة غرَنتِل وربطها في موضعها ضِماداً.
«يبدو أنّ الجميع بخير،» قالت ويكووكِت مُتّكِئةً على قائمة باب الغرفة التي اتّخذتها لنفسها. ثمّ تثاءبت. «يبدو أنّ الفجر قد أوشك، فلعلّي أتولّى المُراقبة من الآن.» خرجت واتّكأت على الجدار بينما حاول الآخرون أن يعودوا إلى شيءٍ من النوم. وكان آل من الإرهاق بحيث لم يُزعِجه أن يرى غرَنتِل يأكل في لامبالاةٍ الأفعى التي عضّته وهم عائدون إلى غُرَفهم. وسقط آل في أحلامٍ يطير فيها عبر فراغٍ مُظلمٍ حارٍّ يسكنه الخوف والكراهية والجوع.
لم يكن آل يدري كم من الوقت مضى قبل أن يوقظه من جديد قَرْعُ حوافر الحمار وهي تعبر الأرض خارجةً إلى الغرفة الرئيسة في الحانة. أراد أن يعود إلى النوم، غير أنّ الأزيز المُزعج لبعوضةٍ ترفرف في الغرفة حال دون ذلك. ولم يكن يدري إلى متى سيظلّ مرهم البراغيث الذي صنعه غيرهارت طارداً لسائر الحشرات، فكلّما بكّروا في الرحيل قلّ احتمال أن يزول مفعوله قبل بلوغهم وجهتهم. تقلّب على ظهره وحدّق برهةً في سقف الغرفة العاري.
«على الأقلّ كنّا في مأمنٍ من تقلّبات الطقس،» اعترف، «لكن كان من الجميل أن نحظى براحةٍ حقيقيّة.»
ثمّ جلس مُعتدِلاً بجهدٍ أكبر ممّا كان ينبغي، وجمع أغراضه على مَهَل. وساور آلَ شيءٌ من القلق أن يجد جثّة ويكووكِت مُستنزَفةَ الدم جالسةً في الخارج، إذ لم يُوقَظ مرّةً أخرى أثناء نَوبتها، لكنّه فتح الباب فوجدها تستعين بغرَنتِل على حمل الصندوق المُبطَّن بالرَّصاص إلى الخارج ليضعاه على العربة.
«مستعدّةٌ للرحيل بهذه السرعة؟» سأل آل.
«نعم،» أجابت ويكووكِت، «هذه المنطقة كلّها مُخيفةٌ ومُنهِكة. ليلةٌ أخرى كتلك وأصير من التعب بحيث لا أقوى على منع أيّ شيءٍ من امتصاص كلّ دمي.»
«مُبالَغٌ في التهويل ربّما، لكنّي أوافق على الفحوى،» قال بوته وهو يخرج مُتثاقِلاً من غرفته بحقيبته.
«هل توصّلتَ بعدُ إلى كيفيّة قذف النار السحريّة من أصابعك، حتى نحرق هذا المُستنقَع؟» سألت ويكووكِت آل.
تثاءب آل.
«أظنّني كِدتُ أُحكِم فهم المفاهيم، لكنّي لن أقدر على تجربة شيءٍ حتى أنال قسطاً من الراحة الحقيقيّة وفرصةً لتدوين بعض الملاحظات. والأمر التالي الذي أريد أن أفهمه بعد ذلك هو استحضار شيطان.»
حتى ويكووكِت بدت مصدومةً بعض الشيء من هذا. «هذا... يبدو قفزةً كبيرةً جدّاً في الطموح، خصوصاً وأنّك لم تسمح لي حتى بمساومة الشيطان الأخير الذي قابلناه،» ذكّرته.
«ليس شيطاناً حُرّ الإرادة،» حاول آل أن يشرح وهو يحمل حقيبته إلى الخارج ليضعها على العربة. «أحتاج إلى واحدٍ أدرسه في أمان، وأظنّه قد يعينني على فهم بعض الأمور. كثيرٌ من صانعي السحر ينتهي بهم الأمر إلى استحضار روحٍ مرتبطةٍ بروح صانع السحر نفسِه. تكون شيئاً بالكاد تشكّل، مصوغاً على هيئة حيوانٍ طبيعيٍّ هنا في عالَم اليقظة ليُمنَح صورةً يتجسّد فيها. مثل كودِكس، عَقْعَق ميليسا. ذاك ليس طائراً طبيعيّاً، بل روحٌ في هيئة طائر. ويبدو أنّها آمنةٌ ومُطيعةٌ لأنّها من البساطة بحيث لا تملك أفكاراً مستقلّةً حقّاً. لكنّي حقّاً بحاجةٍ إلى أن أعثر على نسخةٍ من ذلك الكتاب الذي وعدتُ الأب بقراءته قبل أن أحاول شيئاً من هذا القبيل. وأرجو ألّا يكون نادراً إلى حدٍّ يتعذّر معه إيجاد نسخةٍ منه.»
«أتظنّ أنّ رؤيتك تجول ومعك عبدٌ شيطانيّ ستصدم طبقة النُّبَلاء؟» سألت ويكووكِت، وقد تسلّل شيءٌ من الحماسة إلى صوتها.
«عبدٌ ليست الكلمة الدقيقة، إنّه... حسناً، دعكِ من هذا، لستُ واثقاً أنّي أُحسِن شرحه. لكن، في الحقيقة، الأرجح ألّا تصدمهم. حسناً، أتراجع عن قولي، فقد يستاؤون من أنّ شخصاً مثلي أنا ممّن ليسوا نُبَلاء بجلاء، يمكن أن يكون له خادمٌ خارقٌ للطبيعة.»
«هذا يكفيني! إن كان بوسعي أن أساعدك على الحصول على ذلك الكتاب فسأفعل!»
وبإلحاحٍ من ويكووكِت، جرّ آل وغرَنتِل البرميل الصغير من الخَلّ المُتوهِّج خارج القَبْو وحمّلاه على العربة كذلك. لم يكن آل يدري ما نفعه، لكنّه ظنّ أنّه على أقلّ تقديرٍ قد يكون شيئاً يبيعونه لخيميائيّ. وما زال غير واثقٍ من أنّه ليس سامّاً. صحيحٌ أنّه لم يُصِبهم بأذًى حين وُضِع في الحساء، لكنّ بوته كان قد تلا دعاءً لتطهير الطعام قبل أن يأكلوا.
كان هواء الصباح بارداً بلُطف، وإن ظلّ رطباً. ولمّا تمّ تحميل كلّ شيء، أخذ آل بعض شظايا اللافتة المكسورة واستعملها ليُثبِّت بها الباب الأماميّ المُتخلخِل في موضعه، حتى لا يسقط إلى الداخل بسهولةٍ مرّةً أخرى على الأقلّ، بعد أن خرج عن مفصّلاته. ولم يكن يتوقّع أن يعود إلى هنا يوماً، لا سيّما إن كان له في الأمر خِيار، لكنّ ذلك بدا له الصواب. ثمّ واصلت الجماعة سيرها المُتثاقِل صعوداً في الطريق الذي غطّاه النبات.
وفيما عدا رائحته العالقة بهم، وبغرَنتِل على وجه الخصوص، تحت رائحة مرهم البراغيث، بدا أنّهم يتركون المُستنقَع وراءهم. وكانوا ما زالوا يلمحون بقايا ضبابٍ كثيفٍ خلفهم وإلى الشرق من بين أشجار الصنوبر. وبينما يمضون، صاروا يرون بين الحين والآخر حجارةً مُسطَّحةً هنا وهناك، مدفونةً في الطريق.
«لقد مضى على ذلك زمنٌ،» أبدى بوته رأيه بعد أن مرّوا ببضعةٍ منها، «لكنّي أعتقد أنّ هذا كان في وقتٍ من الأوقات طريقاً مُبلَّطاً بالحجارة. والبناء الحجريّ هنا دون المعايير القزميّة السليمة بطبيعة الحال، فأتصوّر أنّه عملٌ بشرانيٌّ قديم. ولعلّ بضعة عقودٍ مضت منذ آخر صيانةٍ له بأيّ وجه. ولو كان أطول من ذلك بكثيرٍ لَما بقي في ظنّي حجرٌ واحدٌ ظاهراً على السطح، لأنّ التراب وما شابهه كان سيغطّيها. أو على الأقلّ، هذا رأيي بوصفي شخصاً لا خبرة رسميّة له بالبناء الحجريّ.»
وبعد ساعاتٍ قليلةٍ من السير، صارت الحجارة من الكثرة بحيث غدت عائقاً بعض الشيء. فقد أفضى إهمالها الطويل ونموّ النبات أحياناً عند حوافّها إلى أن يميل كثيرٌ منها مُنتصِباً بدل أن يستوي مُسطَّحاً، فجعل ذلك العربة تترنّح وترتجّ. وارتاح آل حين صادفوا بعد ذلك بقليلٍ أوّل لافتة طريقٍ يرونها منذ مدّة. كان العمود الخشبيّ مكسوّاً بالطُّحلُب والأُشْنة، غير أنّ الحروف المحفورة بعمقٍ في خشب اللافتة المُتآكل بفعل الطقس ما زالت تدلّ بوضوحٍ على أنّهم متّجهون إلى مِغطَس الجحيم. وكانت لافتةٌ أصغر تشير إلى الشرق، حيث بدا أنّ بضعة أحجارٍ أخرى تُلمِح إلى طريقٍ أصغر يمضي في ذلك الاتّجاه. وكانت اللافتة الصغرى مغطّاةً بالطُّحلُب تماماً. كشَط آل الطُّحلُب ليرى إن كان قد بقي فيها شيءٌ مقروء، فلم يستطع أن يُميِّز سوى لاف. أمّا البقيّة فلم تعد بائنة. ونظر آل إلى ما هو أبعد شرقاً، فخُيِّل إليه أنّه يرى عمود بخارٍ صاعداً، أو لعلّه دخانٌ أبيض. وكانت رائحةٌ كِبريتيّةٌ خفيفةٌ عالقةً في الهواء.
«على الأقلّ نحن سائرون في الاتّجاه الصحيح،» قال، ومضوا في طريقهم، إذ لم تكن لهم في تلك الساعة رغبةٌ في جرّ أنفسهم المُنهَكة إلى استكشافٍ لا داعي له.
وظلّ غرَنتِل هدفاً للذباب، تجذبه رائحته التي تُشبِه مَسلخاً مُسِح بماء المُستنقَع، غير أنّ ما تبقّى من مرهم البراغيث بدا يؤدّي عملاً لا بأس به في منعها من الاستقرار عليه حين تحطّ. وقلّ البعوض كثيراً الآن، وسرّ آلَ أن يسمع أصوات الطيور لأوّل مرّةٍ منذ أن بدأوا يتّبعون هذا الطريق.
وسرعان ما اكتشفوا مصدر تلك الأصوات. فقد بدا طائرٌ طنّانٌ أحمر زاهٍ فضوليّاً تجاه المُتطفّلين على أرضه. راح يرفرف بينهم جميعاً، يتوقّف ليُحلِّق في مكانه ويتفحّصهم، وأطلق نداءً مَرِحاً. فأجابته بضعةُ نداءاتٍ أخرى، وما لبثوا أن صار لديهم عددٌ من تلك الطيور زاهية الألوان تُسلّيهم. حتى غرَنتِل بدا مُستمتِعاً، إذ ظلّ يحاول اصطيادها بأسنانه. وقهقهت ويكووكِت حين حطّ أحدها على كتفها.
«انظروا! صرتُ مثل إحدى الأميرات السحريّات في كتب الحكايات!» ضحكت، ومدّت يدها تحكّ رأس الطائر برفقٍ وهو يُداعِب عنقها بمِنقاره. وضحك آل هو الآخر، إلى أن لاحظ شيئاً.
«هل ذلك الطائر يعضّكِ؟» سأل.
مدّت ويكووكِت يدها تلمس عنقها، فأفزعت الطائر حتى طار مُبتعِداً. «لا أشعر بشيء،» قالت، لكنّها حين نظرت إلى أصابعها وجدت عليها لطخة دم.
كانت الطيور تبدو شديدة الهشاشة، لكنّها كانت صغيرةً سريعة، وكانت الرِّفقة كلّها ما تزال مُنهَكةً من ليلةِ النوم السيّئ، فلم تُثمِر محاولاتهم إيقاع الأذى بالطيور المُتعطّشة للدم أكثر من إفزاعها. وبعد أن طردوا ذلك الذي كان يلعق الدم النازف ببطءٍ من عضّةٍ صغيرةٍ أحدثها أحدها في كتف الحمار، تمكّنت الرِّفقة من طرد البقيّة بدقيقةٍ أو نحوها من محاولاتٍ دؤوبةٍ لقتل الطيور لم تُكلَّل بالنجاح.
«لقد سئمتُ هذا المكان!» صاحت ويكووكِت، وهي تضغط على جانب عنقها قطعة القماش النظيفة التي ناولها إيّاها بوته. ولحسن الحظّ تبيّن أنّ الإصابات سطحيّة، فما لبثوا أن مضوا في طريقهم من جديد.
وصعِد الطريق مُرتفَعاً هيّناً، وبدأت غابة الصنوبر تتخلخل. ورأى آل في البعيد أعمدةَ بخارٍ وبضعة خيوطٍ رفيعةٍ من الدخان تُوحي بوجود مَدافئ. وارتاح آل حين لاحت البوّابة الحديديّة المُزخرَفة في السياج المُمتدّ عبر الطريق، وخلفها مبانٍ صغيرةٌ كثيرةٌ جعلت من الواضح أنّهم قد وصلوا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion