Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 66
عاد ثلاثتهم إلى الخارج ليلحقوا بالغُنول والحمار. أخذ آل واحداً من مشاعله المتبقّية من حقيبته تحسّباً لحاجتهم إلى مزيدٍ من الضوء ليروا في الداخل، وقادوا فَخْذة إلى بناء الإسطبل. وتمرّس آل بسحر إشعال النار مستعيناً بالحيلة التي تجعل مشعله يوقد نفسه، وطلب إلى غرَنتِل أن يجذب باب الإسطبل ليفتحه. فصرّ الباب وارتجّ على مفاصله المُعوَجّة الصَّدِئة، لكنّه انفتح. ولم يتهدّدهم خطرٌ عاجل. وإذ أدخل المشعل بحذرٍ ليضيء بينما راح آل يتفحّص السقف، لم ينكشف أيّ سَرْخَسٍ ماصٍّ للدم متربّص. تقدّم آل الطريق في حذر. أمّا التِّبن الذي كان مفروشاً على الأرض فقد تعفّن وزال منذ أمدٍ بعيد، تاركاً في التراب نقشاً مجنوناً من خطوطٍ سوداء متقاطعة. وبدا البناء على الأقلّ متيناً، لا أثر لتسرّبٍ من السقف ولا لانهيارٍ في الدعائم أو الجدران. ولمّا أوغلوا في الداخل، رأوا جميعاً أنّ كلّ ما له نفعٌ قد نُقل حين هُجر المكان، وأنّ المرابط كلّها خالية... أو هكذا بدا، حتّى بلغوا نقطةً أوغلت بهم كفايةً ليروا أبعدها. عندئذٍ أخذ فَخْذة ينهق فزعاً وتلكّأ محاولاً السير إلى الوراء وهو ما يزال موصولاً بالعربة. فجاء بوته ليمسك بطُقم الحمار وقاد فَخْذة إلى الخارج، يحدّثه بهدوءٍ محاولاً تهدئته.
أدرك آل حين اقترب أنّ المَربِط الأخير يضمّ جُثّة فرس، في حالٍ من الهُزال والجفاف أشدّ حتّى ممّا كان عليه الأيّل على عربتهم. وقد فقد الجلدُ الرماديّ الشبيه بالأديم كثيراً من شَعره، فبان العظمُ تحته جليّاً. ولم تكن لدغاتُ الحشرات الدقيقة الكثيرة وحدها ما يزيّن الرُّفات، بل أيضاً حفرٌ مستديرةٌ عديدة، ضحلةٌ خشنة، كلٌّ منها في حجم قطعةِ نقد.
تقدّم غرَنتِل وانحنى يشمّ. وقبل أن يتمكّن آل من ردعه، عضّ الغُنول أسفل عنق الفرس الميّتة منذ أمدٍ طويل، وتمكّن بعد شيءٍ من العناء أن ينتزع بأسنانه شريطاً صغيراً قاسياً ممّا كان ذات يومٍ لحماً وجلداً. مضغه من غير أن يبدو عليه أنّه يستطيبه، وابتلعه.
«قديمٌ جدّاً على الأكل،» قرّر، مع أنّه قد أكله لتوّه. «لا ينفع.»
أظنّ أنّنا لن ننام هنا الآن؛ فإن كان حمارنا قد انزعج من فرسٍ ميّتةٍ مُمتَصٍّ دمُها كلّه، فتمزيقُ حلقها لن يُصلح شيئاً.
لم يبدُ أنّ ثمّة الكثير غير ذلك يستحقّ الاستقصاء. وجدوا عِلّيّة تِبنٍ صغيرة لكن بلا تِبن، وأوتاداً خشبيّةً متفرّقة لم يعد يتدلّى منها شيء، ولا شيء غير ذلك يُذكر.
«لكن بالطبع، هنا يكون السقف سليماً والباب يُغلق فعلاً،» تحسّر آل مخاطباً السقف بمبالغةٍ تمثيليّة، قبل أن يُخلوا المكان جميعاً ويدفعوا الباب ليُغلق من جديد.
وبعد نقاشٍ قصير، قرّرت الرفقة أن تقضي الليلة في الحانة الخَرِبة. لم تكن العربة لتمرّ من الباب، أمّا فَخْذة فيستطيع. فحوّلوا غرف المَغاطس إلى أماكن للنوم، وأزالوا بقايا المِغطَس المكسور ليُسكِنوا فَخْذة في تلك الغرفة. ونقلوا ما في العربة إلى الداخل، وأسندوا الباب الأماميّ إلى المدخل ليسدّوه ولو جزئيّاً.
وانتهى عشاء المساء إلى أن يكون أقلّ إثارةً للاشمئزاز ممّا توقّع آل. فقد نجح أربعتهم في انتشال قَدْرٍ لا بأس به من اللحم الرماديّ المتيبّس من الأيّل الميّت، وألقوه في المِرجَل الذي ما زال معلّقاً في المطبخ مع ماءٍ من البئر في الخارج يكفي لتغطية قطع اللحم. وأُلقي في القِدر بعضُ البطاطا والبصل من الكيس الذي دُفع لهم أجراً في بذرة اللفت. اعترض آل على إضافة شيءٍ من الخَلّ المُتوهِّج، لكنّ بوته طمأنه إلى أنّ الإيمان سيقيهم أيّ أثرٍ سامّ.
وتناوبوا على مراقبة قِدر الحساء بينما عُولج ما قد يكون من غزوات القُراد. وأُسنِدت هذه المهمّة إلى بوته لخبرته في عمل المُعالِجين.
«ممنوع الاختلاس بالنظر، أيّها المنحرفون!» مازحت ويكووكِت قبل أن تدلف إلى الحمّام الذي هيّأه بوته عيادةً مرتجَلة. «لن أتعرّى إلّا لأسبابٍ طبّيّةٍ مشروعة!»
ولمّا فرغوا من الفحوص جميعاً، أحصوا كم قُرادةً وجدوا. كانت على رأس ويكووكِت قُرادتان، وواحدةٌ خلف رُكبتها اليمنى. وقالت ويكووكِت إنّها لم تجد على بوته إلّا واحدة، في لحيته تحت الجانب الأيمن من فكّه. وكان لدى آل اثنتان: واحدةٌ في ساعده، وأخرى مُلتصقةٌ بربلة ساقه داخل الحذاء المُتضرِّر. ووجد بوته أربعاً على قوائم فَخْذة ووجهه.
أمّا غرَنتِل فكان عليه إحدى عشرة. «كنّ في كلّ مكان،» أعلن بوته وقد ناله شيءٌ من الصدمة، حين انتهى الأمر كلّه.
وأُلقي القُراد كلّه في كوز الجِعة نصف المكسور الذي كانت ويكووكِت قد لمحته خلف المِشرب في وقتٍ سابق، وقُتل بالمقدار اليسير من إيرثشاين الذي صُبّ فيه من قارورة بوته الفضّيّة. وراح آل ينقّب في المؤن التي جلبوها من صيدليّة غيرهارت بحثاً عن جَرّةٍ فخّاريّةٍ من المرهم، بينما ذهب بوته إلى المطبخ ليدعو بتطهير حساء الأيّل المنكوب.
«يُفترض أنّه للبراغيث،» شرح آل وهو ينزع غطاء الجَرّة، «لكن ربّما يُبعِد القُراد والبعوض أيضاً. أنا مستعدٌّ لتجريب أيّ شيءٍ تقريباً عند هذا الحدّ.»
«ولِمَ اشتريتَ مرهم البراغيث؟» سألته ويكووكِت. فأجابها آل صامتاً برفع حاجبٍ ونظرةٍ ذات مغزًى لا يخفى صوب غرَنتِل.
«آه، صحيح،» أومأت ويكووكِت، «بكلّ ذلك الفَرو، ستكون مشكلةً لو اقتربتَ منه أكثر من اللازم فأعديتَه بالبراغيث.»
وفي ظلّ تلك الظروف، كان عشاؤهم المتأخّر طيّباً على نحوٍ محتمَل. كان الحساء ينقصه المِلح، وظلّ اللحم يستعصي على المضغ حتّى بعد أن غلى على نارٍ هادئة أكثر من ساعة، لكنّه كان صالحاً للأكل. وأثبت ماءُ البئر في الخارج أنّه نظيفٌ بما يكفي للشرب، وإن فاحت منه رائحةُ كِبريتٍ خفيفة وكان طعمه كطعم الطُّحلُب المُبتلّ. وعلى الأقلّ توفّرت لهم موائدُ حقيقيّةٌ كثيرة يجلسون إليها وهم يأكلون. وفوق ذلك، جعلتهم الأبخرةُ الخيميائيّة المتصاعدة من المرهم يفوحون جميعاً برائحةٍ أشبه ما تكون برائحة خِرافٍ نَعناعيّةٍ نفّاذة، غير أنّها نجحت في تغطية أيّ روائح كريهة قد تكون في الحساء. وكان غرَنتِل يتوقّف بين الحين والآخر ليشمّ نفسه، مُعلِّقاً بأنّ المرهم يُحسِن إخفاء رائحته هو أيضاً.
وبعد أن امتلأت البطون بطعامٍ ليس ساماً على الأقلّ، أعاد آل إسناد الباب المُلتوي إلى الفتحة، حتّى يمنع على الأقلّ أيّ شيءٍ كبير من الدخول دون أن يُلحَظ.
«قد يكون من الحكمة أن يبقى أحدُنا مستيقظاً يراقب الأمور هنا في الخارج إلى أن نرحل. لا أدري كم يبقى لي من تركيزٍ ذهنيّ الآن، لكن ثمّة أموراً أودّ أن أبحث فيها، فأظنّ أنّ بوسعي أن أحرس بضع ساعاتٍ قبل أن أنام. ويمكنني أن أوقظ غيري ليحلّ محلّي حينئذٍ. ولسنا مضطرّين إلى الرحيل مسرعين في الصباح...»
«بل نحن مضطرّون! كلّما طال انتظارنا هنا، ازداد احتمال أن يُمتَصّ دمُ أحدنا!» اعترضت ويكووكِت.
«أقصد أنّ بوسعنا الانتظار بما يكفي ليأخذ الجميع قسطاً من الراحة قبل أن نمضي من جديد.»
وتطوّع بوته ليحلّ محلّ آل، واتّفقوا على أن يحلّ غرَنتِل محلّ بوته. أمّا ويكووكِت فتتولّى الحراسة الأخيرة.
«لدينا ثلاثةٌ من الحمّامات نتصرّف بها، فأظنّ أنّنا سنحتاج إلى أن يأخذ الخارجُ من الحراسة الغرفةَ ممّن يليه في الدور،» تأمّل آل.
«في الحقيقة ثمّة متّسعٌ ليكون لكلٍّ منّا مكانه الخاصّ،» نبّه بوته، «شريطة أن يتقاسم أحدُنا المكان مع فَخْذة. وقد يُطمئن هذا أيضاً جارَّ عربتنا القَلِق. سأفعل أنا ذلك، ما لم يرغب فيه أحدٌ غيري.»
أطلق غرَنتِل هَمهمةً ونهض، ثمّ جرّ خطاه إلى الحمّام حيث ينتظر فَخْذة. وترك الباب مفتوحاً، فتردّد في أرجاء القاعة الرئيسة من الحانة ناقصة الاسم صوتُ ارتمائه على الأرض وأنينُه ارتياحاً إذ صار أخيراً في وُسعه أن يستريح. زاد ذلك آل شعوراً بالتعب على سبيل المقارنة، لكنّه ركّز على المسائل التي أراد أن يراجع فيها المجموعة الصغيرة من مراجع السِّحر التي يحملونها. وبينما توجّه بوته وويكووكِت إلى الغرفتين اللتين اختاراهما وأغلقا بابيهما، أخرج آل أوسفيلته زاخِن والمبادئ الفلسفيّة في السِّحر للمُبتدئ، ووضعهما على إحدى الموائد ليقرأ. ثمّ عادت به الفكرة فرجع وأحضر دي ري برايكونتاتيو أيضاً. وبدأ حراسته يقلّب بين الكتب متأمّلاً ما عساه يجد عن الاتّصال بالأرواح وتجسيدها في عالَم اليقظة، وعن طبيعة الروابط الممكنة بين روحٍ مُستحضَرةٍ كهذه ومُستحضِرها. ولمّا استعصت المفاهيم الباطنيّة على التركيز أخيراً، انتقل إلى السؤال الأيسر: كيف للمرء أن يُجسِّد ناراً خالصةً بالسحر. وأيقظ بوته ليحلّ محلّه بعد بضع ساعات، وأوى إلى فراشه. أغلق الباب، وفتح البابَ الأرضيَّ الصغير فوق فتحة الصَّرف الظاهرة في الأرض، واستعمله فيما جعلت الرائحةُ جليّاً أنّه أحدُ أغراضه. ثمّ أعاد الباب الأرضيّ إلى موضعه، واستقرّ في لفافة فِراشه. ونام سريعاً إلى حدٍّ لم يُتِح له أن يقلق من آخر أفكاره الواعية المُشوَّشة، وكانت عمّا إذا كانت ثمّة وسيلةٌ سحريّةٌ تُمكِّن روحاً مُستحضَرةً من امتصاص دم أحدهم من مكانٍ ما وراء عالَم اليقظة.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion