Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 65
بعد ساعاتٍ من الخَوض البائس، بدأ ذلك الذي يتذرّع بأنّه طريقٌ يرتفع رويداً نحو منطقةٍ صغيرةٍ متموّجة التِّلال، وأخذ الوحلُ والأعشابُ الضارّة يُفسحان المجال للشُّجيرات وأشجار الصنوبر. وخفّ وباءُ البعوض بعض الشيء وهم يمضون، لكنّه لم يزُل بالكلّيّة. وكان الغَسَقُ يوشك أن يحلّ حين بلغوا ما تبقّى من حانةٍ قديمة. بدت وكأنّها كانت مكاناً شديد الترحاب، قبل عَقدٍ من الزمان ربّما. أمّا الآن فقد انهار جزءٌ من الطابق الثاني في ذلك البناء ذي الطابقين، تاركاً فجوةً فاغرةً في السقف. وكانت الجدران الخشبيّة مكسوّةً بالمُتسلّقات التي تُخفي في معظمها نوافذَ ذاتَ ألواحٍ زجاجيّةٍ تبدو باهظة الثمن. أمّا الباب الأماميّ فكان مُغلقاً، غير أنّ السنين الطويلة الرطبة قد لوَتْه لَيّاً بيّناً. ولم يبقَ من اللافتة الخشبيّة التي أكل العَطَنُ معظمها وسقطت عن موضع تعليقها سوى قطعةٍ من لوحٍ تُقرأ عليها بالكاد كلمة «الـ»، وقطعةٍ أخرى عليها كلمة «حانة» وقد نالها البِلى نفسه. أمّا البقيّة فقد التهمتها الرطوبةُ والزمن.
وبدا أنّ مبنىً قريباً من طابقٍ واحد، له بابٌ خشبيٌّ عريضٌ مُتهدّل، إنّما هو إسطبل. وبدا أنّه ربّما كان في حالٍ أفضل قليلاً ممّا تبقّى من حانة الـ.... وكان هو الآخر مكسوّاً بالمُتسلّقات، وبدا بابُ الإسطبل معلّقاً منذ زمنٍ طال حتّى اعوجّت مفاصله، لكنّ السقف على الأقلّ بدا سليماً غير متصدّع. ولم يكن ثمّة بناءٌ آخر في المكان سوى بئرٍ مُغطّاةٍ كساها الطُّحلُب. وعلى الأقلّ بدا الحبلُ الملفوف على خُطّافٍ صدئٍ تحت غطاء البئر، والدلوُ الخشبيّ المربوط بطرفه، سليمَين، ولعلّهما عولجا بطريقةٍ ما لعزل الماء.
«أنُحرقه كلَّه ومصّاص الدماء بداخله؟» مازح آل مُزاحاً فاتراً، وقد بلغ من الإعياء ما كاد يمنعه عن صفع بعوضةٍ أخرى تُطنّ حوله.
«قد نجده أشدّ رطوبةً من أن يحترق كما ينبغي،» اقترح بوته. «لستُ نجّاراً، لكنّي أُرجّح أنّ البناء قد يحمل نفسه بما يكفي لندخل وننظر إن شئنا، ما دمنا لا نُنزل بالهيكل عنفاً ذا بال. لقد رأيتُ أنفاق مناجمَ أخشابُها أسوأ من هذه.»
«إن كانت الأشياء الماصّة للدماء في الداخل أقلّ ممّا هي في الخارج، فأنا مع إلقاء نظرة،» اقترحت ويكووكِت.
تفقّد آل وسيلة نقلهم. كان فَخْذة مُتهدّلاً من الإعياء، وتعلّقت عينا آل لحظةً بجُثّة الأيّل المتيبّسة المُستنزَفة التي ألقاها غرَنتِل فوق العربة.
«أينبغي أن يبقى أحدُنا هنا في الخارج ليقتل أيّ شيءٍ قد يحاول امتصاص سوائل الحياة من حمارنا؟» سأل.
حتّى غرَنتِل، الرابطُ الجأشِ عادةً، كان قد تهدّل من التعب، غير أنّ احتمال قتل شيءٍ ما بدا أنّه أثار فيه شيئاً من الاهتمام. أطلق هَمْهمةً واحدة، وخطا بضع خطواتٍ مُتعَبةٍ ليجثم إلى جانب فَخْذة. وأراح ذلك آل بعض الشيء، إذ لو كان ثمّة خطرٌ في أن يُنزل «العنف» أحدٌ بالحانة المتداعية فيُسقطها فوق رؤوسهم، فقد افترض أنّه سيكون الغُنول.
«سنصيح إن صادفنا أيّ خطر،» طمأن آل غرَنتِل، «لكنّ هذا المكان يبدو خاوياً إلى حدٍّ بعيد. أرجو أن يكون كذلك، ولعلّنا نجد في الداخل شيئاً نافعاً. وعند هذا الحدّ، أفترض أنّنا سنقضي الليلة إمّا هناك وإمّا في الإسطبل السابق.»
وإذ شعر آل بشيءٍ من السخف، لكنّه لم يشأ أن يكون فظّاً، ولا أن يُفاجَأ مفاجأةً غير سارّة، إن كان أحدٌ ما زال يتربّص في أطلال الحانة، طرق الباب الخشبيّ الملويّ بصولجانه. فانفكّ الباب عن مفصله الأعلى عند الطَّرْق، ثمّ سقط إلى الداخل بعد أن انخلع عن مفصله الأسفل أيضاً. هوى الباب في الغرفة الرئيسة من الحانة المهجورة مُحدِثاً ارتطاماً مكتوماً.
وفي ضوء الشمس الغاربة الشحيح، أمكنهم أن يروا أنّ الحانة بدت وكأنّها هُجِرت هَجْراً مُنظَّماً. فما إن يدخل المرء حتّى يجد المِشرَب على يمينه، وخلفه رفوفٌ خاويةٌ وحواملُ براميلَ فارغة. وتناثرت في الغرفة الرئيسة، تناثراً منتظماً، موائدُ مستديرةٌ صُنعت من عجلات عرباتٍ مكسورةٍ مُلتقَطةٍ أو من براميلَ قديمة، وحولها ضروبٌ شتّى من الكراسي والمقاعد لا تزال تنتظر في صبرٍ أن يعود أحدٌ يوماً ما فيجلس. وكانت مِدفأةٌ مهجورةٌ منذ أمدٍ بعيدٍ مبنيّةً في أحد الجدران، وإلى جانبها بابٌ بدا أنّ عليه كلمة الحمّامات بحروفٍ باهتة. أمّا الدَّرَج الخشبيّ الصاعد بمحاذاة الجدار البعيد فكان مُكدَّساً بأنقاض سقفٍ انهار في مكانٍ ما فوق الطابق الثاني، ومعها تشكيلةٌ مُقلِقةٌ من العظام وجثث الطيور والفئران وسائر الحيوانات الصغيرة اليابسة.
وكانت بضعُ ثُرَيّاتٍ بسيطةٍ غير مُزخرفةٍ لا تزال مُعلَّقةً في السقف، وفيها شموعٌ احترق نصفها. وإذ لم يشأ آل أن يُضيّع الوقت في البحث عن سُلَّم، أمر الشموع أن تُشعل نفسها بحيلةٍ سحريّة. فأطاعت، وإن طقطقت وأصدرت شيئاً من الدخان، ولعلّ ذلك لقِدَم الشمع. ولم يزد الضوءُ الإضافيّ المكانَ إلّا ظهوراً بمظهر الخواء، فيما عدا ما يُنثَر عادةً من نُسُج العناكب وقشور حشراتٍ ماتت منذ زمنٍ طويل. وأسرعت ويكووكِت تدور إلى ما وراء المِشرَب، لكنّها لم تلبث أن نادت بخيبةٍ ظاهرة.
«آه... لقد ذهب كلُّ شيء. لا صندوقَ نقودٍ، ولا قنانٍ متبقّية، لا شيء! إلّا إن حسبتَ كوز الجِعة هذا المكسور نصفه. أوه، لا، مهلاً، هنا بابٌ أرضيّ!»
صرّت مفاصلُ صدئةٌ من خلف المِشرَب. «إنّه قَبْو! بقي فيه برميلٌ واحد!» أعلنت ويكووكِت. واقترب آل لينظر من فوق المِشرَب بينما تردّد صدى خطواتها الصغيرة نازلةً درجاتٍ خشبيّةً إلى الظلام. ثمّ دوّت فرقعةُ سِدادةٍ كبيرةٍ تُنتزع من برميل. وما إن نُزعت السِّدادة حتّى أضاء توهّجٌ خافتٌ مُزرقٌّ مُخضرٌّ فتحةَ أعلى البرميل من داخله. وكان الضوء بالكاد يكفي آل ليتبيّن هيئة ويكووكِت وهي تتراجع مُجفِلةً عن البرميل.
«أوّه! إنّه يلسع! ما هو إلّا خَلّ!» قالت. «خَلٌّ قويّ. لِمَ يوجد برميلٌ واحدٌ من الخَلّ المُتوهِّج في القَبْو هنا؟»
«لا أدري لِمَ قد يتوهّج، لكن لعلّه كان ضرباً من النبيذ فسد قبل أن يحزموا متاعهم ويرحلوا، فلم يُكلّفوا أنفسهم عناء حمله معهم،» ناداها آل من فوق، «وقد يساوي شيئاً عند خيميائيٍّ إن أخذناه معنا. لكنّي أظنّ أنّ الأولى أن نتركه هناك في الوقت الحاضر. الأرجح أن نتفقّد بقيّة المكان أوّلاً.»
وزال التوهّج إذ أعادت ويكووكِت السِّدادة إلى غطاء البرميل بفرقعة، وصعدت الدَّرَج عائدة.
وأفضى بابٌ في الطرف الآخر من المِشرَب إلى ناحية مطبخ، وقد أُفرِغت هي الأخرى إلّا من مِرجَلٍ حديديٍّ ثقيلٍ ما زال معلّقاً بسلاسلَ صدئةٍ فوق مِدفأةٍ أخرى. واستغرب آل أن تكون ثمّة ثلاثُ غرفٍ صغيرةٍ منفصلةٍ ملحقةٍ بالمطبخ. بدت إحداها وكأنّها كانت مِخزناً من نوعٍ ما، وإن لم يبقَ على أيٍّ من الرفوف شيء، ولم تكن ثمّة براميلُ مؤن. وبدت الأخرى مستودعاً لأدوات الطهو، فيها حواملُ وخطاطيفُ وأدراجٌ لِما عساه كان هناك يوماً من سكاكينَ وشوكاتٍ وأسياخٍ وقُدورٍ ومقالٍ وسائر أدوات الطبخ. أمّا الغرفة الثالثة فكانت خاويةً هي أيضاً إلّا من بعض الرفوف ومكتبِ كتابةٍ صغير، غير أنّ تباعد الرفوف جعل آل يفكّر في مكتبةٍ متخصّصةٍ أو غرفةِ مُطالَعة. وقد تُرك فيها شيءٌ واحدٌ جديرٌ بالذكر: قطعةُ رَقٍّ باهتةٌ على المكتب. أفسد الزمنُ والرطوبةُ معظمها، لكنّ ما بقي مقروءاً من حروفها الأنيقة البسيطة أوحى بأنّها كانت وصفةً لحساء لحم. وراحت ويكووكِت تطوف بدأبٍ تطعن كلّ شيءٍ لتتأكّد، لخيبتها ولراحة آل، من أنّ لا شيء ممّا وجدوه كان مسخاً متنكّراً في الخفاء.
وأفضى بابُ الحمّامات إلى رِواقٍ قصيرٍ عموديٍّ فيه أربعُ غرفٍ صغيرة، في كلٍّ منها حوضُ اغتسالٍ خشبيٌّ وبضعةُ أوتادٍ، للتعليق عليها الثياب فيما يبدو. وكان في وسط أرضيّة كلٍّ منها قِطعٌ صغيرةٌ أشبه بأبوابٍ أرضيّةٍ يسهل رفعها، وبدت كلّها تُفضي إلى الخندق العميق نفسه ذي الرائحة الكريهة في الأسفل. وكانت شموعٌ نصفُ محترقةٍ تنتظر هنا في حَمّالاتِ شموعٍ عند مدخل كلّ غرفةِ اغتسالٍ بجانب الأبواب، كما كانت في الثُّرَيّات. وقد تعفّن حوضُ إحدى الغرف وتهاوى، أمّا البقيّة فكانت سليمة، لا أنّ أحداً كان يُرجَّح أن يحاول الاغتسال هنا مهما اشتدّت حاجته.
ولم يبقَ إلّا الطابق العلويّ ليستكشفوه. وضع آل قدماً مُتردّدةً على الدرجة الأولى، فـتَلَزَّجَتْ وتفتّتت حين حاول أن يُلقي عليها ثِقله. وسارعت ويكووكِت فغرزت عَضّاضة سو في الدرجة، خشيةَ أن تكون تلك الحركةُ غير الطبيعيّة تعني أنّها من لحم مسخٍ متنكّرٍ لا من خشبٍ متعفّن، أو رجاءَ ذلك، ثمّ خاب أملها مرّةً أخرى.
«لا سبيل لنا إلى الصعود والنزول على تلك الدرجات،» أخبر آل، «لا يبدو أنّ الطقس المتسلّل عبر فجوة السقف كان رحيماً بها.»
«قد لا تستطيعون أنتم أيّها المُسوخُ العملاقة، أمّا أنا فأستطيع! سأصعد لأتفقّد الأمر نيابةً عنكم،» تباهت ويكووكِت، ثمّ أخذت تصعد الدَّرَج في حذرٍ وخِفّة. وكان بعض الدرجات قد بلغ من التعفّن، لوقوعه تحت السقف المُرشِّح، أن تَلَزَّجَ تحت قدمَي ويكووكِت الخفيفتين، لكنّ أيّاً منها لم ينكسر تماماً. وبلغت منتصف الدَّرَج تقريباً حين انحدر من فوقُ صوتُ حَفيفٍ خفيف. فوثبت ويكووكِت ودارت لتحطّ على درجتين أعلى، فيما هبطت حُزمةٌ خفيفةٌ من السَّرْخَس الأخضر الزاهي على الدرجة التي كانت عليها. ثمّ جعلتها أصواتٌ ناعمةٌ أخرى لشيءٍ خفيفٍ يهوي في الهواء فوقها تعدل عن فكرة الصعود.
«لا، لا!» صاحت، وسلّت خِنجرها لتدافع عن نفسها وهي تراوغ وتتلوّى مبتعدةً عن السَّرْخَس المتساقط حديثاً، ومارّةً بذاك الذي على الدرجات تحتها. وبانفتالها وضربِها السَّعَفاتِ الممدودة بخنجرها، تمكّنت من العودة إلى الطابق الأرضيّ وكلُّ دمها لا يزال داخل جلدها. لهثت وحدّقت في غضبٍ إلى عُنقود السَّرْخَس المنتظر الآن على الدرجات. لقد مدّ إليها أذرعه حين ركضت، بل إنّ أدناه جرّ نفسه درجةً واحدةً إلى الأسفل كأنّه يطاردها. أمّا الآن فقد توقّف وجلس في مكانه، وسَعَفاتُه تتموّج في هدوءٍ كأنّها في نسيم. ومال غرَنتِل من الخارج ليتأكّد أنّ أحداً لم يُصَب بأذى، أو، كما أعاد آل النظر، ليتأكّد على الأرجح أنّه لا يفوته شيءٌ من العنف، ثمّ نَفَخَ ساخطاً وخرج ليحرس فَخْذة من جديد.
«حسناً، ألن تأتوا في إثري؟» طالبت ويكووكِت السَّرْخَسَ بعد حين، لكنّه لم يبدُ أنّه يسمعها. وواحدةً تلو الأخرى، جرّت الحُزَمُ أنفسها في بطءٍ شديدٍ نحو أقرب جدار، وأخذت تتسلّقه. وزحفت زحفاً بطيئاً نحو ما تبقّى من ضوء الشمس الغاربة المتسلّل عبر السقف المكسور في الأعلى.
«أعلم، أعلم،» أجاب آل عن نظرة ويكووكِت المُتّهِمة، «النار. أنا أعمل على ذلك. لعلّنا نذهب لتفقّد مبنى الإسطبل قبل أن يزول ضوء الشمس تماماً، ثمّ نُقرّر ما سنفعله لليلة.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion