Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 64
سُرعان ما تدهور الطريقُ المتّجه شمالاً، كلّما أوغلوا فيه، إلى مسلكٍ بالكاد يُتبيَّن عبر المُستنقَع، حيث الأرضُ مدكوكةٌ قليلاً وأقلُّ اكتظاظاً بالأعشاب الضارّة. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ حتّى انضمّ إلى الذُّباب المُزعِج بعوضٌ أشدُّ إزعاجاً.
«هذا يجعل التفكير عسيراً جدّاً،» تذمّر آل وهو يصفع الهواء بقوّةٍ بينما كانوا يُسرعون عبر رقعةٍ أشدَّ بللاً، على أملِ أن تقلّ الحشرات الماصّة للدماء متى بلغوا أرضاً أقلَّ رطوبة.
«وفيمَ تحاول أن تفكّر؟ كلُّ ما أقدر على التفكير فيه الآن هو أن أمنع دمي من أن يُمتَصّ،» أجابت ويكووكِت وهي تؤدّي رقصتها الخاصّة في الصَّفع.
«النار،» أجابها آل.
«أظنّ هذا المكان أشدَّ بللاً من أن يحترق،» قالت ويكووكِت. «للأسف.»
«لكن لعلّ هذا البعوض الملعون ليس كذلك. ما فتئتِ تُلحّين عليّ في أمر النار السحريّة، وبعد اليوم قرّرتُ أن أوافقك.»
«آن الأوان!»
«لا ينبغي أن يكون استنباطها عسيراً عليّ إلى هذا الحدّ؛ فقد أتقنتُ حِيلتين تقوم على استحضار النار من أشياءَ يُفترَض بها أن تكون مشتعلة، وعلى استحضار الشَّرَر من العدم. غير أنّ الجمع بينهما لاستحضار قَدْرٍ معتبرٍ من النار من العدم فيه شيءٌ من التسلّق المفاهيميّ.»
«أوه. أتريد أن تستعير حبلي؟»
التفتَ آل إلى ويكووكِت الراكبة على العربة، وضيّق عينيه نحوها في ارتياب.
«ها!» قالت، «للحظةٍ هناك، ظننتَ أنّني لا أعرف ما الاستعارة، أليس كذلك؟»
«لا، لكنّني لم أتوقّع أن أسمع منكِ نُكتةً كهذه. عادةً ما يقول الشيوخُ نُكَتاً كهذه.»
«ليس ذنبي أنّ أكثر الرجال يحتاجون إلى عمرٍ كاملٍ من التجربة ليلحقوا بذكائي!»
هزّ آل رأسه وعاد إلى تجاربه الذهنيّة. ثمّ، من فرط الضجر، شرع يحاول استحضار زخّاتٍ من الشَّرَر الناريّ في اتّجاه ما كان يطنّ حوله من ذُبابٍ وبعوض. ولم يبدُ أنّ ذلك نفع كثيراً، لكنّه كان يطردها أحياناً لحظاتٍ معدودة.
أمّا غرَنتِل، أو على الأقلّ سحابةُ الذُّباب والنَّتن التي في داخلها غُنولٌ يُرجَّح أنّه هو، فقد ابتعد بحذرٍ خارج مدى زخّات الشَّرَر. وقدّر آل ما نتج عن ذلك من انحسارٍ في الكراهة، وإن كان يسيراً جدّاً. وأخذ يتساءل هل من سبيلٍ إلى تحسين حال غرَنتِل على الأقلّ، من غير أن يفرض عليه مسألة اغتسالٍ حقيقيّ فرضاً. وكانوا قد ساروا أكثر من ساعةٍ حين لاح له سبيلٌ ممكن. فذلك العُذر البائس الذي كانوا يسمّونه «طريقاً» ارتقى إلى نَشْزٍ خفيفٍ يوازي جدولاً عريضاً بطيئاً موحلاً، تنبت منه أعوادُ البَرْدِيّ بغزارة. وعلى الضفّة الأخرى من الجدول رقعةٌ من الأعشاب الطويلة.
«لا أدري في الحقيقة كم سيستغرقنا الوصول إلى حيث نحن ذاهبون. قد يلزمنا أن نجد مكاناً نُخيّم فيه الليلة. تُرى هل يختبئ في تلك الأعشاب هناك شيءٌ نأكله،» اقترح آل، وسُرّ حين نزل غرَنتِل من فوره عن الطريق إلى الجدول ليخوضه إلى الضفّة الأخرى. فطار الذُّبابُ هرباً من الغَرَق، وبلغ الماء صدر غرَنتِل في وسط الجدول. ولم يكن يسيراً أن يُتبيَّن الأمر في الحال، لكن بدا أنّ الماء قد غسل شيئاً من القذارة على الأقلّ. وانساب الغُنول إلى الأعشاب، وجثم، ومضى في صمتٍ حتّى غاب عن العيون.
وعاد غرَنتِل بعد دقائق وعلى كتفه جُثّةُ أيّلٍ متيبّسةٌ على نحوٍ مُقلِق، وخاض الجدول راجعاً. وعضّ رقبة الأيّل ليتعلّق به بينما استعمل يديه كلتيهما ليتسلّق الأقدام القليلة صعوداً من الجدول إلى الطريق. ثمّ ألقى الحيوانَ المنكودَ على العربة. كان متجمّداً في هيئة النائم، قوائمه تحته وعنقه ملتوٍ إلى جانبه ليُسنِد رأسه إلى جسده، ولم ينثنِ ولم يَلِن إلّا بالكاد وهو يسقط. كان الجلد شاحباً، وأشكال الأضلاع والعمود الفقريّ والكَتِفين والوَرِكين بادِيةً بلا عناء. واقترب آل يفحصه بافتتانٍ مَرَضيّ.
«ماذا فعلتَ به؟ يبدو المسكينُ مُحنَّطاً تقريباً!»
«وجدتُه هكذا. جافّ. رائحتُه لحمٌ بعدُ.»
وكشف الفحص الأدقّ عن إصاباتٍ صغيرةٍ كثيرة: ثقوبٌ بالغةُ الصِّغَر ومواضعُ تبدو عضّاتٍ أحدثتها ثلاثُ أسنانٍ دقيقة. وكانت هناك أيضاً آثارُ الثقوب العميقة الخشنة في عنقه حيث عضّ غرَنتِل ليُمسِكه. ولم يقطر منها دم.
وصفع آل البعوض بعنفٍ أشدّ.
«أتُرى هذه الحشرات مصّاصة الدماء الملعونة استنزفت كلّ دم المسكين؟» تساءل.
«وستفعل ذلك بنا إن لم نُسرِع!» أصرّت ويكووكِت وهي تصفع بعوضةً أخرى على عنقها. وأطلق فَخْذة أنيناً من الضِّيق وزاد من سرعته، وذَنَبُه يضرب بجنونٍ ورأسه يهتزّ.
«لكلّ مكانٍ غايته، وفي ذلك جمالٌ وجوديٌّ ما،» قال بوته، وقد أفسدت جهودُه في ردّ الحشرات الماصّة للدماء هيئتَه المعتادة، هيئةَ الرِّواقيّ المرِح. «غير أنّي أحسبني أُوثِر أنا أيضاً أن أتأمّل جمال مكانٍ موقوفٍ على استنزاف الدماء في سياقٍ أشدَّ تجريداً وأقلَّ مباشرة.»
«أجل! كم بقي علينا أن نقطع؟ أظنّني اكتفيتُ من هذه التجربة بعينها حيناً من الدهر،» قالت ويكووكِت.
«أخشى أنّني لستُ واثقاً. أعلم أنّ مِغطَس الجحيم يُفترَض أن يكون خلف أقصى المدن جنوباً مباشرةً، وأحسبها السور الجنوبي. واللافتات التي تشير إلى هذه الجهة ذكرت السور الجنوبي ومِغطَس الجحيم معاً، ولم تكن ثمّة لافتاتٌ لسواهما. وعادةً ما يوجد شيءٌ على مسيرة يومٍ على طريقٍ بين موضعٍ وآخر، ولو نُزُلٌ صغيرٌ أو ما شابه. لكنّنا قد لا نبلغ مكاناً آهلاً قبل حلول الظلام، فهذا الطريق يبدو رديئاً جدّاً. أقول إنّ علينا أن نمضي بأسرع ما نستطيع حتّى نجد موضعاً يبدو لائقاً وجافّاً بما يكفي لنصب مُخيَّم، ثمّ نحاول أن نتوقّف حتّى شروق الشمس. وإلّا فقد ينتهي بنا الأمر نتعثّر في هذه الأرض المُريعة في الظلام.»
ولكان آل قد فوجئ سروراً بخلوّ الكلام من التعليقات اللاذعة على ضعف رؤيته الليليّة، لولا أنّه كان مشغولاً بجهوده المتّصلة في حماية سوائله الحيويّة الثمينة من الحشرات. حتّى غرَنتِل، الذي لا يكاد يأبه عادةً لمثل هذه المضايقات، كان يصفع بين الحين والآخر لدغةً بالغةَ الإزعاج. وعلى الأقلّ بدا أنّ الغطسة في جدول المُستنقَع قد أزالت أكثر القذارة الظاهرة. فقد تضاءل ذلك الطلاء الكثيف من الطين والدم وصديد وحوش الحشرات تضاؤلاً شديداً، ولم يبقَ منه إلّا خطوطٌ عموديّةٌ لامعةٌ متدلّيةٌ طولها بضع بوصات.
وارتدّ آل مذعوراً حين انقبض أحد تلك الخطوط والتوى استجابةً لصفعةٍ من صفعات غرَنتِل القاتلة للبعوض.
«غرَنتِل! فيك عَلَق!»
نظر الغُنول إلى تلك الملتصقات اللَّزِجة الشبيهة بالديدان على جسده. ونكَزَ واحدةً منها بمخلبٍ قصيرٍ في فضول، وراقبها مفتوناً وهي تنكمش إلى ما يشبه البَزّاقة السمينة.
«ينبغي أن تُنزَع بعناية،» حذّر بوته، «فالعَلَقة إن أُزعِجت قد تترك في العضّة فساداً.»
«أجل، تلقّينا شيئاً يسيراً من تدريب البقاء في الجيش. لا يصحّ أن تُمسكها هكذا وحسب ثمّ...،» بدأ آل، ثمّ إذا بغرَنتِل، لهَوْلِ آل، يقبض على العَلَقة التي نكزها ويشدّ. فامتدّت حتّى قاربت القدم طولاً قبل أن تنفلت، تاركةً أثراً صغيراً نازفاً بثلاث أسنان. ثمّ قذف بها في فمه وعضّ عليها، ومضغ مضغاتٍ قبل أن يبتلع. فبقي آل مبهوتاً لا ينطق من القَرَف، ولم يزده قرفاً إلّا أن كرّر الغُنول الفعلة مع عَلَقةٍ أخرى. وفي المرّة الثالثة أفاق آل من ذهوله حين انتزع غرَنتِل واحدةً أخرى وألقاها في فمه، ثمّ أطلق عُواءً صغيراً من الضِّيق. وأتى غرَنتِل بحركات مضغٍ خرقاءَ لم تُفلِح فيما يبدو، ثمّ فتح فمه ليعبث بداخله في تردّد. فهرع آل ليرى ما الخطب، فرأى أنّ العَلَقة قد التصقت من جديدٍ بلسان غرَنتِل.
«غرَنتِل، اهدأ، سنساعدك،» أمر آل، «بوته، ماذا أفعل؟»
«استعمل ظُفرك لتفصل فمها عن الجلد، ثمّ يمكنك أن تنزعها،» نصح بوته في هدوء. فمدّ آل يده في فَكّي الغُنول الفاغرين وفعل ما وُصف له، فانفصلت العَلَقة بيُسر. ورماها آل أبعدَ ما استطاع عنهم.
ولم يُدرِك آل إدراكاً تامّاً إلّا في وقتٍ متأخّرٍ من ذلك اليوم أنّه وضع وجهه للتوّ أمام فَكّي غُنولٍ مباشرةً، بل ووضع يديه فيهما، غير أنّ الشواغل في تلك اللحظة كانت غير ذلك.
«اثبُتْ فحسب يا غرَنتِل، سننزع عنك بقيّتها،» أصرّ آل. وشاركه بوته في العمل، بل وساعدت ويكووكِت في نزع واحدةٍ منها، «لأجل التجربة ليس إلّا» كما قالت. وتأوّه آل حين وجد، وهم ماضون في نزع العَلَق، نُقطةً كقِشرة جرحٍ نصفِ منفصلةٍ لاصقةً بالجلد تحت الفَرْو في أسفل ظهر غرَنتِل، وأدرك أنّها في الحقيقة قُرادة.
«رائع. القُراد. سنحتاج أن نتفحّص أنفسنا حين نجد مكاناً نتوقّف فيه الليلة. فإن كان غرَنتِل يحملها، فالأرجح أنّنا نحملها نحن أيضاً. أفي هذا المُستنقَع شيءٌ لا يسعى إلى مصّ دمائنا؟ إن وجدنا نُزُلاً في الطريق فلا أظنّ أن نتوقّف عنده، فالأرجح أنّ مصّاص دماءٍ يديره.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion