Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 10
كان الجوّ في الخارج عاصفًا يتساقط فيه الثلج، وكما كان أستاذي الناكروس ليقول، لم تكن لِتُخرِج عظمةً إلى العراء في طقسٍ كهذا.
«دورك يا رولغ»، قلت للإلفيّ العجوز.
نظر الإلفيّ العجوز إلى أوراقه، يحكّ ذقنه بأظفاره الطويلة، وتثاءب يالِت متّكئًا إلى الوراء في كرسيّه.
«مهلًا يا ساري، لم تخبرنا بعدُ كيف سار يومك»، لاحظ.
عبستُ ونفختُ. ابتسم يال.
«مزيدٌ من الحكايات عن ليسابيث وقابض المسامير؟»
تنهّدت.
«لو كان الأمر يقتصر على ذلك…»
«هيّا، أخبرنا»، شجّعني يال. «لا شيء كقصّة حبٍّ يملأ ليالي الشتاء».
رمقته بنظرةٍ ساخرة وقلت:
«حبٌّ، تقول. ليسابيث ساحرة. قلتُ ذلك لقابض المسامير من قبل، لكنه لا يصغي إليّ، بل غضب حتى. إنه يحبّ أن يتعذّب. اليوم قالت له ليسابيث إنه حالةٌ ميؤوسٌ منها، وشاعرٌ فاشل، وأحمق، وبدلًا من أن يقول لها إنها ساحرةٌ متغطرسةٌ مغرورة، قال لها»، ثم أنشدتُ رافعًا يدي كما فعل ميروكي: «آه أيتها الفراشة الرشيقة القاسية، يزداد جمالُكِ كلّما ابتعدتِ محلِّقة».
ضحك يال.
«بحقّ الأرواح، إنه متعلّقٌ بها تمامًا».
«هذا صحيحٌ تمامًا»، أكّدت له. «لكنه أمرٌ فظيع. حتى صديقه شودي يقول له أن يدعها وشأنها، وأنه يصنع من لا شيءٍ عالمًا كاملًا. بخ، يا لها من فوضى. وليس هذا أسوأ ما في الأمر. اليوم أخبرني شودي أنه يريد أن يرسم صورتي».
قطّب يال حاجبيه.
«صورتك؟ أنت؟ وكيف ذلك؟»
هززتُ كتفيّ.
«قال إن الأمر مبتكَر لأنه لم يرسم قطُّ طفلًا فقيرًا. قلتُ له إنني لستُ فقيرًا البتّة، لكنه رماني بتلك النظرة التي تقول: هلّا صمتَّ، وشرع يرسمني. كلّ ما أرجوه ألّا تخرج اللوحة كتلك السبّورة المليئة بخيوط العنكبوت، فهي مرعبة».
قلَّب يال عينيه، ولمّا لعب رولغ ورقته، لعب هو ورقته، ونظرتُ إلى أوراقي وأخرجتُ لساني.
«لم يبقَ لديّ ملوك»، أعلمتُهما.
«لا يُفترض بك أن تقول ذلك بصوتٍ عالٍ»، علّق رولغ مُتسلِّيًا.
شارِدًا في أفكاري، تنهّدتُ وألقيتُ ورقةً وقلت:
«لكن اللوحة ليست أسوأ شيءٍ أيضًا. الأسوأ أنه في الخريف كان ميروكي يمنحني وقتًا حرًّا أكثر، أما الآن فلا يكفّ عن تكليفي بعشرين ألف مهمّة. حتى إنه كان ليطلب منّي جمعَ الأزهار في عزّ الشتاء لو استطاع. أتعلم يا إلَسّار*؟ لقد سئمتُ السحرة وقابضي المسامير».
أطلق يال ضحكةً مكتومة.
«يبدو ذلك، يبدو ذلك»، أكّد.
عبستُ في لامبالاةٍ ووضعتُ الأمور في نصابها:
«على أيّ حال، لستُ في حالٍ سيّئةٍ إلى هذا الحدّ. اليوم علّمني روكس كيف أطرُق بالمطرقة. أصلحنا كرسيًّا»، شرحتُ بفخر.
«إذن ستصير نجّارًا الآن؟» ضحك يالِت. «وكيف حال تلك القراءة عن الغربان والغراميّات والأشباح؟»
ابتسمت.
«حُسِمَ الأمر. أخبرتُ ميروكي فال أن كتابه لم يعجبني، فأعطاني كتابًا آخر. كتاب مغامرات. ظننتُ أنني ما عدتُ قادرًا على القراءة، لكنني قرأتُ معظم الكتاب الجديد في جلسةٍ واحدة. يا للأرواح… إلى الجحيم بأشباح ميروكي فال…» نفختُ منتفخَ الوجنتين.
ضحك يال ورولغ، ولمّا أدركتُ أن الدور صار لي من جديد، تذمّرتُ وفرَدتُ أوراقي على الطاولة.
«الحظّ ليس في صفّي الليلة»، قلت.
أظهرا ورقتيهما أيضًا، وابتسم رولغ.
«آه، للمرّة الأولى أفوز. حسنًا»، قال ناهضًا على قدميه ببطء. «الوقت يمضي ويمضي، وفي مثل سنّي لم أعُد أصلح للسهرات الطويلة. طابت ليلتكما أيها الفتيان، وأحلامًا سعيدة».
ردَدنا عليه كلانا، ولمّا مضى الإلفيّ العجوز إلى غرفته، جمعتُ الأوراق.
«أتعلم يا إلَسّار؟» قلت. «لم أخبرك، لكنني سعيدٌ جدًّا لأنك انتقلتَ وجئتَ لتعيش في الوكر».
ابتسم يال.
«قلتَ لي هذا نحو عشر مرّاتٍ في الأقمار الخمسة الأخيرة يا ساري».
ابتسمتُ، أنقُر كومة الأوراق لأسوّيها. في الخارج، هزّت هبّةُ ريحٍ طويلةٌ البابَ هزًّا كِدتُ معه أُقسم أنها أنفاسُ تنّين. ولمّا كفّ الباب عن الاهتزاز الشديد، زفرتُ بارتياحٍ دون وعي.
«أصغِ»، قال يالِت فجأة. «علينا أن نتحدّث في… أمرٍ جادّ».
رفعتُ بصري في حَيرة.
«ما الأمر يا إلَسّار؟»
«حسنًا…» تردّد يال، وانتقل إلى الكرسيّ الذي تركه رولغ لتوّه، فجلس أقرب إليّ. «انظر يا مور إلدال. لدى كورثر عملٌ لنا».
نظرتُ إليه غير مصدِّقٍ ومبتهجًا. أكابُ الخناجر السوداء في إستِرغات لديه عملٌ لنا؟
«أيّ عمل؟»
«لكن، في الحقيقة، كي تُنجز العمل الأول، يريد كورثر أن تُثبت له أنك ماهرٌ بما يكفي للقيام به. وقد وضع أمامك تحدّيًا. يريدك أن تدخل بيتًا ثريًّا في أتويرثو وتسرق شيئًا ثمينًا. الأمر أشبه باختبار، لتُثبت له أن بوسعه أن يثق بك. أخبرته أنك سريع التعلّم… لا أدري إن كان يجدر بي أن أخبره بهذه السرعة»، اعترف.
هززتُ رأسي.
«أيّ بيت؟ أيّ بيتٍ كان؟»
«لا. بيتٌ بعينه. سأرشدك إليه»، أكّد.
«لكن متى؟» سألتُ مترقّبًا.
راقبني يالِت بعناية وأجاب:
«غدًا».
«غدًا!» كرّرت. وابتسمتُ، لا لأنني كنتُ متلهّفًا إلى تطبيق كلّ ما علّمني إيّاه يالِت فحسب، بل أيضًا لأنني لم أكن أحبّ الانتظار، وبدا أنني لن أضطرّ إلى الانتظار طويلًا. «إذن، غدًا أصير خنجرًا أسود بحقّ!»
قلَّب يال عينيه ورفع يده، مُظهِرًا سبّابته وإبهامه.
«أو على الأقلّ دبّوسًا أسود».
بدوتُ مستاءً على نحوٍ مسرحيّ ودفعته.
«دبّوسٌ وأمّك! أنا خنجرٌ أسود»، قلت.
«وأين خنجرك؟» عابثني يال. وأمام تعبيري المذهول، ربَّت على كتفي في تسلٍّ. «لا تقلق، ستنال واحدًا يومًا ما، مطروقًا من الفولاذ الأسود على يد الحدّاد نفسه. لكن ليس بعد. فكّر فقط في أنني أنا، الطالب المثاليّ، لم أنَله إلا في الخامسة عشرة».
عبستُ في وجهه ساخرًا.
«طالبٌ مثاليّ؟ بفّ، متأكّدٌ أنك أخرجتَ محبرتك فحسب و…»
صمتُّ تحت نظرته الآمرة، وأدركتُ أن رولغ لا يعلم بأمر امتحان الدردار المُزوَّر.
«حسنًا»، قلت. «إذن غدًا أسرق شيئًا؟ وكيف سأعرف إن كان يساوي شيئًا؟»
قلَّب يالِت عينيه.
«ستعرف يا مور إلدال. كلّ الأمر متعلّقٌ بالغريزة».
صدّقته، ولمّا أطفأ الفانوس، انزلقتُ من كرسيّي واضطجعنا. كانت الريح تهبّ، تتسلّل عبر الفناء الصغير وتصفر في شقوق البيت. شددتُ الغطاء عليّ بإحكامٍ وتقلّبت. كنتُ قلقًا. أبسبب هذا العمل لأجل كورثر؟ على الأرجح. كان ذلك لأن ييرّيس أخبرني أن الذباب أصدقاء قابضي المسامير، وأنهم يحبسون اللصوص في سجن القرنفل. مكانٌ غير لطيفٍ البتّة، على حدّ قول القطّ الأسود. وكأنه خمّن قلقي، ضغط أستاذي على كتفي لبرهةٍ وقال:
«ستُبلي حسنًا يا ساري. لديّ إيمانٌ بك».
ابتسمتُ وأومأت.
«طابت ليلتك يا إلَسّار».
«طابت ليلتك يا ساري»، همس.
صدَعت هبّةُ ريحٍ أخرى الخشبَ، فارتجفتُ وتكوّرتُ في غطائي إلى جانب أستاذي. كان يبعث في النفس الثقة والأمان. وكذلك كان أستاذي الناكروس. وبتلك الفكرة في ذهني، غفوتُ وحلمتُ بسناجب تعدو بين الأشجار، وبطفلٍ يقفز من صخرةٍ إلى صخرةٍ نازلًا مع جدول، يغنّي بأعلى صوته.
«أدِر رأسك قليلًا إلى اليسار، هكذا، هكذا! والعينان إلى الأمام مباشرةً… كُفّ عن نكش أنفك أيها الشقيّ المقزّز! ولا تُقلِّب عينيك، قلتُ وجهُك إلى الأمام. شياطين، كُفّ عن التململ»، تبرّم الرسّام.
ضحك ميروكي فال.
«إن شئتَ، أربطه إلى كرسيّ».
نظرتُ إلى قابض المسامير في توجّس، ثم أدركتُ أنه يمزح. أطلقتُ زفرةً وثبّتُّ عينيّ في عينَي شودي فيدمان. كنتُ قد بدأتُ أسأم قليلًا من ذلك الرسّام الإلفيّ قابض المسامير.
«هكذا تمامًا، هناك!» هتف الرسّام بحماسة. «لا تتحرّك».
ضرب عدّة لمساتٍ بفرشاته على قماشته و…
«الكتفان مستقيمتان!»
أطبقتُ فكّيّ وتحفّزت. ساكنٌ كأستاذي، فكّرت. كان إلَسّار قادرًا على الوقوف بلا حَراكٍ ساعاتٍ فوق صندوقه. والمشكلة أن الوقوف بلا حَراكٍ طويلًا كان يُدوّخ رأسي، وأخيرًا، حين كانت شمس المساء قد صارت تسطع على غرفة الرسم، استسلمتُ وجلستُ على الأرض عاقدًا ساقيّ.
«يا له من متكاسل! انهض»، أمرني شودي.
«أنا متعب»، تذمّرت.
نفخ الرسّام وزفر وتجاهلني، فحدستُ أنه لم يعُد بحاجةٍ إليّ، وفي لحظةٍ بدا فيها منغمسًا تمامًا في لوحته، زحفتُ خارجًا وهربتُ من الغرفة. كان ميروكي فال قد عاد إلى بيته، ولمّا كان الوقت قد تأخّر، تخيّلتُ أنه لا يتوقّع عودتي. ففتحتُ الباب الرئيس لبيت آل فيدمان، ومن باب اللياقة، صحتُ:
«مساء الخير يا سيّد فيدمان!»
وخببتُ خارجًا من هناك، آملًا ألّا يناديني الرسّام للعودة. في ذلك اليوم، لم أكن على ما يُرام. كان يؤلمني رأسي، وهو ما نادرًا ما كان يحدث لي. وكانت عيناي تنطبقان من تلقاء نفسيهما، كأنني لم أنَم منذ أيّام. وحين بلغتُ الوكر، شعرتُ كأنني قطعتُ ثلاثين ميلًا. لم يكن رولغ ولا يال هناك، فاضطجعتُ على الفراش وغرقتُ في نومٍ ثقيل.
«درائن! استيقظ!»
رمشتُ فرأيت أستاذي واقفًا عند الباب. كانت الشمس قد غابت، وعمّ الظلامُ كلَّ شيء.
«أسرِع، انهض، هيّا. اليوم ستؤدّي عملك الأول. في طريقك»، ألحّ بنبرةٍ خفيفة.
جلستُ ونهضتُ واقفًا، أفرك وجهي. شعرتُ بحالٍ مزرية. لم أستطع أن أذكر أنني شعرتُ يومًا بهذا السوء. حاولتُ أن أتماسك، وخرجتُ مع يال، وقبِلتُ طقم أدوات فتح الأقفال الذي ناولني إيّاه. أبقيتها تحت معطفي وتبعته كشبحٍ مترنّح.
«أنت صامتٌ جدًّا»، لاحظ يال بعد لحظة. «هيّا، تهلّل. أنا واثقٌ أن كلّ شيءٍ سيكون على ما يُرام».
أطلقتُ تذمّرًا. لم أستطع أن أحدّد إلى أين كنّا ذاهبَين. كلّ ما عرفتُه أن البيت كان قريبًا من حديقة الحجارة والسور المتهدّم الذي كان يحيط بحيّ أتويرثو. كان البيت قائمًا في وسط حديقةٍ ذات شُجيراتٍ عاريةٍ تبدو كعناكب سوداء ضخمة يكسوها الثلج. توقّف يال قرب شجرةٍ في الحديقة وهمس إليّ:
«هذا هو البيت. له بابان، الرئيس ومدخل الخدمة الذي في الجهة الأخرى. اليوم ثمّة حفلٌ راقصٌ في القلعة، ومن يقطنون هذا البيت ليسوا هنا. سيعودون بعد ساعتين على الأقلّ، لكن كن على حذرك، فالأرجح أن ثمّة خادمًا، وربما ماغارا مضادّة للسرقة. هيّا يا مور إلدال: فاجئ كورثر وعُد بشيءٍ ثمين. حظًّا موفّقًا».
أومأتُ في ذهولٍ وتلعثمت:
«لستُ بخير يا إلَسّار».
«حسنًا، لا تقلق، أصعبُ ما في الأمر البداية؛ ومتى صرتَ في الداخل، سيبدو الأمر كلعبة. هيّا»، شجّعني. «وتذكّر ما علّمتُك إيّاه».
جررتُ خطايَ مبتعدًا لكنني توقّفتُ حين رأيت حارسًا ليليًّا يمرّ في الشارع. تراجعتُ واختبأتُ خلف شجرة. ثم واصلتُ السير، ورأسي يشتعل.
«شياطين، ما خطبي؟» تمتمتُ بوهن.
كنتُ أودّ لو سألتُ يالِت، لكن يديّ كانتا قد أمسكتا بالسور. تسلّقتُ بأخرقيّة، ودخلتُ الحديقة وتقدّمت، أضرب جبهتي بقبضتيّ.
«ما خطبك يا مور إلدال؟» زمجرت.
التقطتُ حفنةً من الثلج وفركتُ بها جبهتي. ذلك على الأقلّ أيقظني. بلغتُ المدخل الرئيس، وإذ تذكّرتُ في الوقت المناسب أن عليّ أن أكون كتومًا، كبحتُ نفسي عن ضرب رأسي بالباب لأُريحه قليلًا. اتّكأتُ عليه، لكن بحذر، وأخرجتُ أداة فتح. ولمّا لم أكن خبيرًا بعد، ألقيتُ تعويذة الإدراك لأكوّن فكرةً عن القفل. فرأيت أن الباب مقفلٌ من الداخل. متنهّدًا، ابتعدتُ ودُرتُ حول البيت، واقتربتُ من مدخل الخدم. تمكّنتُ من فتحه عَنوةً، مُعطِّلًا جرسَ إنذارٍ أوّلًا. وقبل أن أدفعه، ألقيتُ تعويذة صمتٍ ونجحتُ نجاحًا لا بأس به: انفتح الباب دون صوت. دخلتُ وأغلقتُ الباب، ولمّا رأيت كرسيًّا بجانبه، جلستُ بثقل. كنتُ أرتجف من البرد وأشعر برغبةٍ في التقيّؤ. لكن لماذا؟
«هيّا يا مور إلدال»، أنَنتُ بهدوء.
بعد حين، نهضتُ وسِرتُ نحو ما بدا أنه غرفة جلوس. ووجدتُ درجًا. صعدتُ بأقصى ما استطعتُ من هدوء. فتحتُ بابًا عشوائيًّا ودخلتُ غرفة. وما إن سمعتُ شخيرًا حتى قلتُ في نفسي: ليست هنا. وأنا نصفُ غارقٍ في عالم الأحلام، خرجتُ وذهبتُ إلى الغرفة الخلفية. كانت مقفلة. استغرق فتحها منّي وقتًا طويلًا، حتى بتعاويذ الإدراك. ولمّا فتحتها، تأكّدتُ أن الغرفة خالية. أشعلتُ نورًا متناغمًا خافتًا جدًّا و… جلستُ في وسط الغرفة.
«فتّش، فتّش»، تمتمت. اضطجعتُ على السجّادة الوثيرة، ومع أن ساق طاقتي كانت قد استُهلكت إلى حدٍّ بعيد، ألقيتُ تعويذة إدراكٍ أخرى. خزائن، كراسٍ، مرايا… ها، أحسبتُ حقًّا أنني سأعثر على مجوهرات الملّاك هكذا؟! كانت ساق طاقتي ستُجَنّ وتُصيبني بالفتور قبل أن أعثر على أيّ شيء.
تنهّدتُ وكِدتُ أفكّ التعويذة حين شعرتُ فجأةً بشيءٍ تحتي تمامًا. تجويف. أيُعقل أن…؟
أزحتُ السجّادة ولففتُها، كاشفًا ألواح الأرضية الخشبية. كان ثمّة شيءٌ هناك. مددتُ أصابعي بأظفاري في توتّر، وتمكّنتُ من فصل الألواح ورفع أحدها، فانكشف ثقبٌ صغير. جيب؟ نعم، كانت صُرّة، وما بداخلها بدا كالمال. فكّرتُ أنه إن كان المالك قد خبّأها هنا فلا بدّ أنها ثمينة، فوضعتُها في جيبي، وأعدتُ اللوح إلى مكانه، وبسطتُ السجّادة، و… سمعتُ صريرًا في الممرّ.
«ضلوعٌ وتَراقٍ»، تلعثمتُ بلغة الكايلدرِك.
تراجعتُ نحو السرير عازمًا على الاختباء تحته، لكنني فكّرتُ بعدها أنهم، إن كانوا الملّاك، سيعثرون عليّ في النهاية. كانت الخطوات تقترب. وكنتُ قد بدأتُ أستسلم لفكرة الذهاب رأسًا إلى القرنفل حين رأيت فجأةً شيئًا خلف نافذة. غصن. وكان قريبًا. فتحتُ النافذة بسرعة، وما إن دار مقبض الباب حتى وثبتُ وتشبّثتُ بالغصن. استعملتُ يدي اليمنى في الأغلب، المقاوِمة لكلّ الشدائد، وأحطتُ نفسي بالظلال المتناغمة، وإذ نسيتُ للحظةٍ توعّكي، استعدتُ غرائزي في تسلّق الأشجار وكنتُ في الأسفل في طرفة عين. سمعتُ صرخةَ امرأةٍ حادّةً من الفزع.
«روحٌ شرّيرة! النجدة! شبح!» صرخت.
انطلقتُ راكضًا، وتسلّقتُ السور، ودخلتُ حديقة الحجارة دون أن أُبطئ. كان الدم يخفق بجنونٍ في صُدغيّ.
«درائن!» سمعتُ أحدهم يهمس.
توقّفتُ ألهث.
«إلَسّار! لقد رأوني!» تلعثمت.
سمعته يسبّ ورأيته يخرج بسرعةٍ من مخبئه.
«ماذا تعني، رأوك؟»
«امرأةٌ رأتني. لكنها ظنّتني شبحًا»، زفرت.
تنهّد يال بصوتٍ عالٍ.
«فلنعُد إلى القطط، بسرعة».
أمسكني من ذراعي، وخرجنا من حديقة الحجارة. نزلنا الدرج، وبعد لحظاتٍ قليلة، بلغنا زقاقًا مسدودًا مليئًا بأشياء متباينة. كنتُ أرتجف وأصطكّ بأسناني.
«إلَسّار…» تمتمت.
«انتظر»، قال يال.
طرق بابًا، وما إن أسندتُ ظهري إلى الجدار البارد حتى أمسكني يال من معطفي ودفعني إلى الداخل. كان ثمّة ضوءٌ كثير. وكان الحرّ خانقًا. لكنني كنتُ لا أزال أرتجف. كان جالسًا في مقعدٍ وثيرٍ أمام المدفأة إلفوكانٌ بنّيّ الشعر، ذو حاجبين حرشفيّين وعينين بنفسجيّتين بحدقتين عموديّتين كحدقتَي الأمير الصغير. كما كان الناس ليقولوا: كان شيطانًا. كان يرتدي ثيابًا داكنة، وفي يديه أمسك خنجرًا أسود تمامًا.
«الفتى من الوادي، أليس كذلك؟» استفسر الكاب.
أومأ يال؛ ابتسم لي كورثر وقال:
«مساء الخير. وتهانيّ على عملك الأول. هل سار على ما يُرام؟»
فتحتُ فمي وتلعثمتُ بشيءٍ غير مفهوم. نظر إليّ الكاب في فضول.
«آه… حسنًا. لا تقلق، لن أعضّك. سرقتَ شيئًا، على ما أظنّ، أليس كذلك؟ وإن لم تفعل، فلا تقلق: يكفيني أنك دخلتَ بيتًا وخرجتَ سالمًا. تعالَ، تعالَ»، قال، حين رآني أُخرج الكيس الصغير الذي سرقته.
أخذه بلطفٍ من يديّ وأفرغه في راحته. انزلقت خمسُ كُرَياتٍ سوداء. سمعتُ يالِت يُنحنِح:
«آه…»
لكن كورثر تفحّص الكُرَيات باهتمام.
«يا للعجب»، تمتم. «سيدهشك أن تعلم أن صبيّك المتدرّب قد سرق لتوّه لآلئ السالبرونيكس يا يال».
سمعتُ يال يتنهّد ارتياحًا، كأنه كان قد خشي أن تكون هذه الخرزات مجرّد كُرَياتٍ حقًّا.
«أصغِ يا فتى»، أضاف الكاب، ناظرًا في عينيّ. بدت لي عيناه البنفسجيّتان الزاحفتان ضخمتين جدًّا فجأة. «ما رأيك أن أشتريها منك بخمسة سياتو، ها؟ أجل، سأعطيك خمسة».
أنا، الذي لم أكن في حالةٍ ذهنيّةٍ تسمح بالتفكير، همست:
«اتّفقنا».
قطّب كورثر قليلًا.
«لا تبدو بخير يا فتى».
رأيت يده تمتدّ نحوي، وبومضةٍ مفاجئةٍ من الحذر، تراجعتُ وترنّحت. هذه المرّة، نظر إليّ يال عن كثبٍ أكثر في ضوء النار، وومضت عيناه الداكنتان بالقلق.
«ساري؟ ساري، هل أنت بخير؟»
هززتُ رأسي وتلعثمت:
«إلَسّار، أريد أن أعود إلى البيت».
شعرتُ بيده الجليديّة على جبهتي وسمعته يلهث.
«بأرواح الفجر الأربعة، إنك تحترق!»
«أريد أن أعود إلى البيت»، كرّرت.
«تبًّا، خذه بعيدًا يا يال، وأودِعه الفراش»، تنهّد كورثر. «واعتنِ به جيّدًا، فأنا أريده جاهزًا خلال عشرة أيّام».
نظرتُ إليه، وعيناي نصف مغمضتين، وتمتمتُ بلا طاقة:
«جاهزٌ لماذا يا سيّدي؟»
ابتسم لي الإلفوكان.
«جاهزٌ لسرقة أعظم جوهرةٍ في إستِرغات».
حدّقتُ فيه، ورمشت، وفجأةً، بدأ رأسي يدور، وأفرغتُ كلّ ما في معدتي، هناك تمامًا على أرضية نُزُل الخناجر السوداء. حتى إنني رشقتُ حذاء الكاب. كانت ابتسامة كورثر قد استحالت تكشيرةً متحجّرةً من الاشمئزاز. رأيته يبتلع ريقه. بصقتُ متّكئًا على الأرض، وذراعاي ترتجفان. كان فمي يشتعل.
«أيتها الروح الراعية!» تلعثم يال، جاثيًا إلى جانبي. «آسف يا كورثر. إنه مريض…»
«لا بأس، خذه بعيدًا»، قاطعه الكاب. «الأفضل لك أن تتعافى سريعًا يا فتى. الآن، اخرج».
التقط يال القبّعة التي كنتُ قد أسقطتها، وألبسنيها، ورفعني بذراعيه كلتيهما دون عناءٍ ظاهر. تشبّثتُ بعنقه بأقصى ما استطعت. ظلّ عقلي يترنّح ويغوص. سمعتُ صوت بابٍ يُغلَق. ثم صوت الأحذية الإيقاعيّ يطأ الثلج فيُحدث خشخشة.
«لماذا لم تخبرني يا مور إلدال؟» نفر يال وهو يتقدّم، يحتضنني بإحكام.
تأوّهتُ، وبعد صمت، سألت:
«أأنا مريضٌ حقًّا؟»
«مريضٌ جدًّا واللعنة»، نفخ يالِت.
«لم أمرض قطُّ»، نشجتُ. «هل سأموت؟»
نقلني صمته القصير إلى ذلك العالم المليء بالأرواح والأسلاف الذي كان كهنة المعبد يتحدّثون عنه. وأن أفكّر أنني لم أكن أعرف حتى أسلافي أنا! انتظرتُ إجابة يال في قلقٍ، وقد غمرني الرعب. ولحسن الحظّ، لم تتأخّر في المجيء.
«لا يا ساري»، تمتم أستاذي. «ماذا تقول، بالطبع لن تموت. سأعتني بك. لن تموت».
قبّلني على جبهتي. وإذ كنتُ مقتنعًا تمامًا أن أستاذي يقول لي الحقيقة، أغمضتُ عينيّ المحترقتين وغرقتُ في هذيانٍ عميق.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ أستاذَه أو معلّمه، بمعنى «الأستاذ» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion