Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 11
استطردت ميليسا في حكايتها عن كيفية حصولهم على غرَنتِل حتى نَفِد أكثرُ الطعام والنبيذ. وكان سائرُ المغامرين المتقاعدين يتداخلون بين الحين والآخر ليوضِّحوا أحداثاً بعينها.
وصفوا كيف عادوا إلى البلدة، واضطُرّوا إلى ثَنْي غوغاءٍ غاضبةٍ عن الانتقام من غرَنتِل، بأن أقنعوهم أنهم استعبدوه ولمّحوا إلى أنهم سيفعلون به أفاعيلَ مريعةً على مدى زمنٍ طويل، وهو ما كان نوعاً ما صحيحاً في نهاية المطاف. وقد كاد أهلُ البلدة يشنقونه رغم ذلك حين تقدّم غرَنتِل أمام المغامرين مُزمجراً بتهديد، في ما بدا محاولةً لحمايتهم من أهل البلدة، غير أن رؤيتهم غرَنتِل ينكمش ويتراجع بعدما صفعه غراكثور على مؤخّرة رأسه وأمره بالكفّ عن ذلك، جعلته يبدو خانعاً بما يكفي لتهدئة الحشد.
كانت ميليسا قد شرعت في العمل ببعض سحر فهم اللغات لتوثيق كلام الغُنول البسيط، وعلّمت غرَنتِل مع الوقت أن يبدأ التحدّث باللغة المشتركة. وكان من أوّل العقبات رغبةُ غرَنتِل في معرفة الكلمتين اللتين تعنيان «الأنثى المهيمنة» و«الذكر المهيمن». ولمّا كانت لفظتا «زعيمة العشيرة» و«زعيم العشيرة» عسيرتين عليه في البداية، انتهى به الأمر إلى «ماما» و«بابا» وحسب. ولم يتخلَّ قطّ عن مخاطبة غراكثور ومالاغريل بهذين اللفظين على التوالي.
ورغم اعتراضات غراكثور الشديدة، وجدوا غرَنتِل مطيعاً له على وجه الخصوص، إذ عُدَّ غراكثور «زعيمة العشيرة» في هذه العشيرة الصغيرة الغريبة. واقتُنع غراكثور في النهاية بأن يقضي بعض الوقت مع غرَنتِل، فوجده شريكَ تدريبٍ ممتعاً على نحوٍ مفاجئ، لا يتشكّى من الكدمات ولا من تلقّي الضربات. فميلُه الفطريّ إلى العنف جعله دؤوباً، في حين حال نفورُه الفطريّ من منازعة زعيمة العشيرة على الهيمنة دون أن يتمادى أكثر من اللازم.
وكان آل لا يزال عالقاً عند ملاحظةٍ واحدة.
«إذَن، مرّةً أخرى، دعوني أرى إن كنتُ قد فهمتُ هذا: أنتم بمحض الصُّدفة صنعتم من أنفسكم عشيرةً غُنوليّةً بأن عاملتم عن غير قصد غُنولَكم الأسير معاملةَ... آه، غُنول؟»
قالت ميليسا موضِّحةً: «في جانبٍ كبيرٍ منه، نعم، غير أنه يبدو أن ظروفاً أخرى كانت في صالحنا لتجعل ذلك ممكناً. أوّلاً، كان غرَنتِل صغيراً في السنّ ولا يزال يتكيّف مع بيئته آنذاك، وثانياً كان يعلم أن عشيرته بأسرها قد أُبيدت، فانقطعت صِلتُه بهم وانقطع عنه تعزيزُهم الثقافيّ. وهذا أيضاً أثار فيه حاجةً غريزيّةً إلى العثور على عشيرةٍ ينتمي إليها، فكان مهيّأً للانضمام إلى أيّ جماعةٍ تبدو غُنوليّةً بما يكفي. ومن خلال بحثي وتجاربي الواسعة، لا أظنّ أن لهذا احتمالاً كبيراً في النجاح مع غُنولٍ بالغٍ عاديّ يُختطَف من عشيرةٍ تُختار عشوائياً، لكنّي وضعتُ بروتوكولاً لا يخلو من خطرٍ يسير، وله احتمالُ نجاحٍ جيّد في ظلّ ظروفٍ مُهندَسةٍ على النحو الصحيح. وإنّي لأتطلّع كثيراً إلى سماع نتائج غيري ممّن يجرّبونه بعد أن أنشره. ولعلّه قد يكون من الممكن حتى عزلُ عددٍ كافٍ منهم وتحضيرُهم بنجاحٍ إلى درجةٍ مماثلةٍ لما بلغه غرَنتِل، وتوطينُهم بوصفهم جماعةً أقلّ تدميراً».
نظر آل نحو الغُنول. فقد أشبعت شهيّتَه أخيراً عدّةُ أطباقٍ كبيرةٍ مكوّمةٍ بالطعام وبضعُ كؤوسٍ من النبيذ، فانحنى إلى الأمام في تراخٍ، شِبهَ مُستلقٍ على الطاولة. تهدّلت عيناه قليلاً، وإن بدا أنه لا يزال منتبهاً إلى الحديث. وجد آل غرَنتِل أقلَّ إثارةً للقلق الآن، لكنه ظلّ يشعر بتوتّرٍ شديدٍ إذ لاحظ أن ويكووكِت قد تسلّلت إلى أعلى الطاولة وسارت على رؤوس أصابعها عبرها بينما كانوا يتحدّثون. كانت جالسةً إلى جانب رأس غرَنتِل الضخم، تمدّ يدها في تردّد. ثم حسمت أمرها بعد تردّدٍ قصير وانحنت إلى الأمام لتحكّ خلف أُذن غرَنتِل.
أطلق أنينَ رضًا هادئاً، وأُغمِضت عيناه ببطء.
قالت ميليسا موضِّحةً: «الغُنول حقاً مخلوقاتٌ بسيطة، رغم التعقيد الميتافيزيقيّ لأصولها. لا يهتمّ غرَنتِل في الغالب إلا بثلاثة أمور، كلّها آثمة. ثالثُها الكسل».
سأل آل: «وما الاثنان الآخران؟»
«العنف والنَّهَم.»
شدّدت مالاغريل، ورمقت ويكووكِت بنظرةٍ ذاتِ مغزى: «العنف بخاصّة. لا أظنّكِ تُدركين كم كنتِ قريبةً من نهايةٍ مريعةٍ حين لقيتِه أوّل مرّة».
قال بوب بشيءٍ من الأسى: «هذا صحيح. لقد عملنا جميعاً بجدٍّ بالغٍ لنُوجِّه سلوكه بعيداً عن نزعة القتل، لكن الغرائز الحيوانيّة والنزوات الشيطانيّة جزءٌ من كِيانه لا غير. ولا سبيل إلى استئصالها حقاً».
سخِرت ويكووكِت: «مستحيل، إنه لطيفٌ لا غير! ما كنتَ لتؤذيني حقاً في ذلك الحين، أليس كذلك يا غرَنتِل؟»
تمتم غرَنتِل وعيناه لا تزالان مغمضتين: «بلى». توقّفت ويكووكِت عن حكّ رأسه.
«أكنتَ... لتفعلها؟»
هَمهَم مؤكِّداً.
سحبت ويكووكِت يدها ببطء.
سألت: «لماذا؟». تلاشى عن وجهها بِشرُها المعتاد، وبدت متألّمةً بعض الشيء.
«غريبةٌ تقتحم أرض العشيرة. غالباً تُهاجم أو تسرق. يحقّ لي القتل حمايةً للعشيرة.»
«لكنّك... لم تفعل. هسهستَ عليّ فحسب.»
«سيغضب بابا والعمّ بوب لو سمعاني أقتل أحداً وآكله في البيت. كان عليّ أن ألزم الصمت.»
خيّم السكون على الطاولة بأسرها. وأثارت نظرةُ الصدمة على وجه ويكووكِت شفقةَ آل عليها.
وبعد حين، تكلّمت من جديدٍ بصوتٍ خافت.
«فلماذا لم تفعل؟»
أجاب غرَنتِل: «إن حاولتِ الفرار صرتِ فريسةً، وحقَّ لي أن أُطاردكِ وأقتلكِ». انفتحت عيناه واتّسع بؤبؤاهما لحظةً وهو يقول ذلك، ثم عادا إلى حالهما وأُطبِق جفناه من جديد. وتابع بنُعاس:
«إن هاجمتِ فأنتِ تهاجمين العشيرة ويحقّ لي قتلُكِ. إن أحدثتِ ضجيجاً كثيراً فأنتِ تستنجدين، وعليّ قتلُكِ قبل أن يأتي غزاةٌ آخرون. تكلّمتِ بودٍّ عن الطعام. لا ينبغي لمهاجمٍ أن يفعل ذلك. ربّما كنتِ فرداً من العشيرة لم أُقابلْه من قبل. كان عليّ أن أسأل الرفقة. يمكن قتلُكِ لاحقاً دائماً إن قالوا إن ذلك مقبول. ثم أردتِ اللعب مع الرفقة، تتباهَين. لا يلعب إلا رفاقُ العشيرة.»
تحرّك ليستريح أكثر، ومال رأسه قليلاً إلى الجانب.
تمتم وأفكاره تنساب بعيداً عن اليقظة: «رفقةٌ جديدةٌ في العشيرة أمرٌ جيّد. رفقةٌ جيّدة. عشيرةٌ أقوى».
جلس بقيّةُ مَن حول الطاولة في صمتٍ مُتأمِّل، عدا بعضَ أصوات شخيرٍ خفيفةٍ تصدر عن غرَنتِل.
وأخيراً، مدّت ويكووكِت يدها، وحكّت برفقٍ خلف أُذن الغُنول النائم من جديد.
سأل آل بقلق: «أأنتِ بخير؟»
«نعم. أفكّر فحسب في أن ذلك ربّما كان أكثر مغامرةً ممّا قصدتُ. آسفة». ابتسمت برفق. «لكنّ ذلك سيجعل الحكاية أكثر إثارةً بكثير، أليس كذلك؟»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion