Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 20
كثيراً ما كان المغامرون في الحكايات يُغمَرون بالاهتمام حين يتناولون طعامهم على الملأ. وكان ذلك يُصوَّر عادةً تبجيلاً وثناءً، وعروضَ زواجٍ عارضةً في ولائم فاخرة. لم يذكر آل حكايةً واحدةً كان فيها الاهتمامُ حشوداً من روّاد الحانات يُلحّون على المغامرين بأسئلةٍ غريبةٍ سخيفة، أكثرُها عن أحد أفراد الرفقة، بينما هم يحاولون التهامَ العصيدة.
تجاوز بوته الأمرَ بيُسر، إذ اكتفى بالإجابة عن الأسئلة الموجَّهة إليه بأسلوبه الغامض المعتاد حتى يئس الناسُ من محاولة الفهم. ولم يكد الحشدُ يلحظ حين فرغ بوته من طعامه واستأذن ليقصد غرفته ويبدأ تأمّلاته الدينيّة الليليّة.
أما غرَنتِل فلم يتلقَّ إلا القليل من الأسئلة، إذ بدا قليلون مرتاحين للاقتراب منه، وبدا أن ثمّة حَيرةً في مدى قدرته على الكلام. ولم يفعل الكثيرَ ليحسم ذلك، فالأسئلةُ التي تلقّاها أجاب عن أكثرها بكلماتٍ بسيطةٍ قليلة، أو بإيماءاتٍ غامضةٍ وغمغمة.
كان آلُ مؤدَّباً، وحاول أن يجيب عن كلّ سؤالٍ إجابةً مباشرةً دقيقة. وكانت جملةُ «لا، لم أرَه يأكل أحداً» وما شابهها أكثرَ ما تكرّر. ولحسن الحظّ، آل الأمرُ إلى أن استأثرت ويكووكِت بمركز الاهتمام، فتمكّن آل من ملء بطنه والتوجّه نحو الدَّرَج دون أن يلفت الأنظار. تردّد هناك، يُجيل بصره في أرجاء الحانة. كانت ويكووكِت قد استحوذت على حشدٍ متحمّسٍ منجذبٍ كلَّ الانجذاب إلى حكايةٍ مُنمَّقةٍ بعض الشيء عن أوّل لقاءٍ لها بغرَنتِل. وكان غرَنتِل لا يزال يحظى باهتمام قِلّةٍ من الفضوليّين كذلك. فقد أخذ غرَنتِل وعاءَي بوته وآل حين فرغا منهما، وجلس الآن إلى طاولةٍ وحده، والأوعيةُ الثلاثة مملوءة. كما تخلّى عن الملعقة الصغيرة التي أُعطيها وأخذ المِغرفةَ من القِدر. وكان آل يكاد لا يسمع بضعةً من جمهور غرَنتِل يتجادلون بهدوءٍ فيما إن كان أكلُه بأداةٍ يعني أنه يأكل «كإنسانٍ متحضّر»، أم أن قضمَه ولعقَه المِغرفةَ مع كلّ غَرفةٍ يعني أنه يأكل «كوَحش». وتساءل آل لحظةً إن كان عليه أن يُرغم نفسه على البقاء ليطمئنّ ألا يقع خطب. ثم حسم أمرَه أخيراً أن الأمور ستسير على ما يُرام على الأرجح ما دامت ويكووكِت هناك أيضاً. ثم إنه لو حاول مراقبةَ غرَنتِل كلّما خشِيَ أن يقع خطبٌ ما لَما نام أبداً بعد اليوم. فلوّح تلويحةً صغيرةً ليلفت انتباه ويكووكِت فتعلم أنه صاعدٌ إلى الأعلى. فرفعت إبهامها بحماسةٍ وتابعت حكايتها، مشيرةً إليه أمام الحشد.
«وعندها تقدّم آلُ ذاك بلا خوف، رافعاً صولجانه عالياً ليذود عن حياة هذه الفتاة الغنوميّة العاجزة بحياته هو!...»
«صولجان؟» شاغبَ أحدُهم من الحشد، «حسبتُكِ قلتِ إنه ساحر؟ لا يبدو ذلك من شِيَم السَّحَرة كثيراً.»
أطلق آل تنهيدةَ ضجرٍ وصعد الدَّرَج بوقعٍ ثقيل، وتلاشى صوتُ ويكووكِت وهي تجادل المُشاغِبَ مازحةً في الدفاع عنه.
«...وساحرٌ أيضاً، وقد خدم بشجاعةٍ في جيش المملكة...»
بلغ آل أعلى الدَّرَج ومضى في الرِّواق إلى الغرفة التي احتفظ بها صاحبُ الحانة لهم. كان في داخلها أربعةُ أسرّةٍ نقّالة، لكلٍّ منها منضدةٌ صغيرةٌ عليها شمعة، بالكاد يراها آل على ضوء المصباح المنبعث من الرِّواق. لم يُكلّف بوته نفسَه عناءَ إشعال أيّ شمعة، بل اكتفى بالجلوس على السرير الأقرب إلى الباب، مغمَضَ العينين، يصلّي بهدوءٍ في الظلام. انتقل آل إلى السرير الأبعد عن الباب ووضع حقيبته عليه. وسمح لنفسه بإشعال الشمعة بشيءٍ من السحر، مُعلِّلاً ذلك بأنه أقلُّ تبذيراً من استنفاد ما في عُدّة إشعال النار عنده. لكنه مع ذلك عبَر الغرفةَ عائداً ليُغلق البابَ كأيّ شخصٍ عاديّ. ثم رجع إلى سريره وأخرج أطروحةَ ميليسا من حقيبته ليستقرّ لقليلٍ من القراءة النافعة قبل النوم.
ولم يمضِ إلا وقتٌ قصيرٌ على غير المتوقّع حتى صرّت ألواحُ أرضية الرِّواق تحت ثِقلٍ ثقيل، وسُمع صوتُ شمٍّ حول أطراف الباب. انفتح البابُ، فبدا غرَنتِل يكاد يملأ المدخلَ بكامله. انحنى ليتّسع له المرورُ، متسلّلاً إلى الغرفة كمفترسٍ يقتحم جُحرَ أرنبٍ أعزل. نظر إلى آل نظرةَ ترقّبٍ، ولعلّها كانت أشدَّ مباشرةً مما يريح آل.
قرّر آل أنه يستحقّ الأمرُ تذكيراً صغيراً بمن يكون الشامان* في هذه الأرجاء. توتّر غرَنتِل، وانحنى قليلاً، بينما أومأ آل إيماءةً سريعةً ونطق بكلماتٍ من الكلام السحريّ، آمراً الشموعَ الثلاثَ الأخرى في الغرفة أن تشتعل واحدةً تلو الأخرى.
«بما أنك صرتَ الآن فرداً من الرفقة، يحقّ لك أن تختار أيَّ موضعٍ يكون شاغراً حين تصل. استرِح وخُذ قسطاً من الراحة، فالأرجح أننا سنسير طوال يوم الغد. وأغلِق البابَ خلفك من فضلك.»
ثم، وقد التقط بعضَ الحِيَل من مراقبة ويكووكِت أثناء ترحالهم، أضاف فرقعةً مسرحيّةً بأصابعه لا لزوم لها البتّة، واستحضر رَذاذاً صغيراً من الشرر الذهبيّ. استرخى غرَنتِل بعد أن تلاشى الشررُ من الوجود، وأطلق غمغمةً واحدةً إقراراً. وعاد آل باهتمامه إلى كتابه بينما أغلق غرَنتِل البابَ ووضع حقيبته على السرير الذي أمام سرير آل. ثم جاء دورُ آل ليتوتّر، إذ خبّ غرَنتِل نحو سرير آل. ولدهشة آل، ركع غرَنتِل بعدها وزحف تحته، يضمّ أطرافه بإحكامٍ ليتكوّر. وأطلق غرَنتِل أنّةَ استرخاءٍ خافتة.
انحنى آل لينظر تحت السرير. فلمعت نقطتا ضوءٍ كهرمانيّتان في وجهه، تعكسان ضوءَ الشموع الخافتَ في الغرفة.
«ماذا تفعل؟» سأل آل.
«قلتَ يمكنني أن آخذ أيَّ مكانٍ شاغر،» أجاب غرَنتِل.
«لِمَ هذا بالذات؟»
«يناسب جيّداً. مخفيّ. مظلم. آمن. مكانٌ جيّد للكمين منه إن جاء أحدٌ ليقتلنا.»
لم يوافق آل على هذا الرأي، لكنه لم يستطع أن يجد حجّةً مضادّةً وجيهة. «حسناً،» قال أخيراً، وجلس معتدلاً ليحاول أن يقرأ قليلاً بعد. ولحسن الحظّ، بدت بدايةُ أطروحة ميليسا لمحةً مبسَّطةً عن التفاصيل التي يحويها بقيّةُ العمل. وحتى بوصفها ملخّصاً، كانت كثيفةً جداً حافلةً بالإحالات إلى أعمالٍ أخرى. ومع أن آل كان يستمتع عموماً بقراءة الأعمال الأكاديميّة، ولا سيّما حين تقوم على بحثٍ ميدانيٍّ فعليٍّ وتطبيقاتٍ عمليّة، فإن إرهاقَ اليوم سرعان ما أدركه وهو يقرأ. وحين وصلت ويكووكِت أخيراً، منهكةً مبتهجةً من عرضها، استسلم آل وأغلق الكتاب.
«يا له من جمهورٍ ممتع!» هتفت ويكووكِت وهي تضع حقيبتها وترتمي على سرير. «لقد أنهكتُ تماماً!»
«حسناً، لينَل الجميعُ قسطاً وافراً من النوم ما دام بوسعنا ذلك. فلا سبيل إلى معرفة ما سنجد أنفسنا نواجهه غداً.»
«سيكون ذلك يسيراً بعد كلّ ما فعلناه اليوم،» قالت ويكووكِت. ثم أطفأت الشمعةَ على المنضدة حيث تستقرّ حقيبةُ غرَنتِل، ثم شمعتَها هي.
«سيكون هناك خطرٌ وإثارةٌ كما يليق بنا، إني على يقين،» تفوّه بوته بذلك وهو يُطفئ شمعتَه ويسحب البطانيّةَ الرقيقةَ فوقه.
انحنى آل لينظر تحت سريره مرةً أخرى. فبادلته عينا غرَنتِل توهّجَهما الكهرمانيّ. صدرت غمغمةٌ واحدةٌ إقراراً، ثم انغمضت العينان. جلس آل معتدلاً، وأطفأ الشمعةَ الأخيرة.
استلقى هناك في الظلام برهةً. كان قد توقّع في الحقيقة أن يُصدر غرَنتِل نوعاً من الأصوات الوحشيّة وهو نائم، أو أن يشخر على الأقلّ، لكنه كان ساكناً هادئاً. وكان آل بالكاد يسمع أنفاسه المنتظمة إن أصغى بعناية.
كان آل قد افترض سلفاً أن الوقائع العمليّة للمغامرة الحقيقيّة ستكون في نهاية المطاف مختلفةً عمّا تُصوّره كتبُ الحكايات عن هذه المهنة، لكنّ الأوجهَ المحدّدة التي راحت بها الأمورُ تختلف عن توقّعاته ظلّت تُدهشه.
مرّ بالكثير من الغرائب خلال الأيام القليلة الماضية. وكان يعتزم أن يُعرّض نفسه ورفقته لأوّل خطرٍ مغامراتيٍّ متعمَّدٍ في وقتٍ قد يكون مبكّراً كاليوم التالي. وفوق ذلك كلّه... كان يحاول أن ينام في غرفةٍ غريبةٍ فيها حرفياً وحشٌ تحت سريره.
تساءل آل إن كان سيقدر على النوم أصلاً.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرنتل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion