Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 21
اصطدتُ ثلاث لآلئ سوداء.
كلّفني الحصول على الأولى عناءً لا يُطاق.
أمّا الثانية، فلم أكدح كثيرًا في سبيلها.
وكانت الثالثة أكثرها رغبةً في نفسي،
لأنّها فتحت الطريق إلى الديار.
مُهمهمًا أكثر منّي مُغنّيًا، تركتُ الحبّات الثلاث في الوعاء قرب البوّابة، وما إن اعتدلتُ واقفًا حتّى سمعتُ:
بونغ!
انتفضتُ مذعورًا وقطّبتُ حاجبيّ. كنتُ قد عدتُ لتوّي من الصيد. لا يُعقل أن يكون وقت الغداء. أتُراهم يجلبون معدِّنين جددًا؟ مرّ نحو أسبوعين على حادثة اللآلئ الثلاث المفقودة، وطوال ذلك الوقت، لم نرَ سوى المُقنَّع. أمّا الآن، فقد كان آخرون قادمين. رأيتُ أربعة أشباحٍ ينزلون عبر الدَّرَج الخلفيّ. لم يكونوا مُجنَّدين جددًا، فالمجنّدون يصلون دائمًا نائمين، يحملهم الأوجيساريون. كانوا ينزلون في النفق حاملين مشعلًا مُضاءً. اثنان منهم بالغان. والآخران طفلان. وثب قلبي حين تعرّفتُ إليهم جميعًا. كانوا واروك وتيف... ورفاقي.
«تحرّك،» زمجر الإلف المظلم في وجه أخيه الصغير.
ركله بعقبه، فأطلق مانراس أنينًا مُتوجِّعًا. ابتعدتُ عن البوّابة، وقد اكتسى وجهي شحوبٌ شديد. لن يضعوا الإلف الصغير وديل في البئر، أليس كذلك؟ كان واروك أخا مانراس... لن يجرؤ، أليس كذلك؟
وبينما كنتُ أتراجع، اصطدمتُ بحافّة المنصّة. بدا رفاقي، الذين عادوا هم أيضًا من الصيد، مُنتبهين مثلي، لكن حين رأوني بهذا الحذر، لم يجرؤ أحدٌ منهم على الاقتراب. فمن الواضح، على أيّ حال، أنّهم لن يُعطونا خبزًا ولن يُلقوا علينا نُكاتًا كما يفعل المُقنَّع.
أخيرًا، بلغوا البوّابة، وبوحشيّةٍ أجّجت كراهيتي، قذف واروك أخاه الصغير على القضبان.
«انظر إليهم أيّها التعِس!» صرخ بصوتٍ مُرعِب. «انظر إلى هؤلاء الغواكات وقل لي الآن إن كنت تريد حقًّا أن تحكم عليهم بالموت! أيّها الأحمق الصغير! كيف تكون بهذا الغباء! أتريدني أن أتركك هناك في الداخل مع الوحوش الصغيرة أمثالك؟ ها؟ قل لي، أتريد أن تتعفّن في هذا الجحر؟» قذف به على القضبان مرّةً أخرى، ثمّ أفلته، وفي رعبٍ، رأيته يستلّ خنجرًا. «افتح الباب يا تيف!»
أخرج القيتيّ الأشقر المفاتيح، وفكّ القفل، وفتح البوّابة. كانت هذه المرّة الخامسة فقط التي تُفتَح فيها منذ وصولي، وأوّل مرّةٍ لا يجلب فيها الأوجيساريون كلابهم. دفع واروك ديل إلى الداخل، فارتطم الأمير الصغير بأحد الأعمدة الصخرية قبل أن يستدير ويقول مُتلعثمًا:
«لا تضرب مانراس، لا تضربه! أنا من أراد أن أفتح الباب للخيميائي! كانت فكرتي أنا!»
نظر إليه واروك باحتقار.
«فكرتك أنت؟ كلامٌ فارغ. أنت أفرغُ رأسًا من عصفور يا ديل. ابقَ هناك وأحضِر لنا ثلاث لآلئ. هذا هو الشيء الوحيد المفيد الذي تُتقنه.»
كان تيف قد بدأ يُغلق البوّابة. صاح مانراس:
«لا، لا، لا! ديييل!»
مدّ يديه الصغيرتين المُزرقّتين بين القضبان، يائسًا وهو يرى صديقه محبوسًا في ذلك الكهف الجهنّمي. لم أجرؤ على الحركة، لكن في تلك اللحظة، حين رأيتُ واروك يُمسك مانراس من عنقه ويأمره بالصمت، اندفعتُ نحو البوّابة دون أن أُفكّر حتّى، وصرختُ:
«ابتعد عنه يا إسطرباغ!»
كفّ مانراس عن الصراخ ونظر إليّ مذهولًا. ولم يبدُ ديل أقلّ دهشةً منه. قابلتُ نظرة واروك وكرّرتُ بحزم:
«ابتعد عنه.»
رفع واروك حاجبًا وفقد اهتمامه بمانراس.
«يا للعجب، أليس هذا الخنجر الأسود الصغير. كيف حال حياتك البائسة؟»
«الريح في الأشرعة،» قلتُ.
لم يبدُ أنّ جوابي أعجبه. قال لي الأوجيساري:
«اقترب.»
كنتُ قد توقّفتُ قرب ديل. لم أتحرّك.
«اقترب وإلّا فلن تجد ما تأكله! أتسمعني؟» نبح.
رمقتُه بنظرةٍ ساخرةٍ مُتحدّية. كان وجود رفاقي يدفعني إلى أفعالٍ متهوّرةٍ وحمقاء. وإزاء تمرّدي، تحوّل وجه واروك إلى قناعٍ من الغضب. هذه المرّة، رفع خنجره. فتحتُ عينيّ على اتّساعهما، وأدرتُ رأسي نحو رفاقي، لعلّي أطلب العون، ورحتُ أرقب ترقّبهم القلق. كان روغان شاحبًا شحوب الموتى.
«احذر أيّها الشقيّ الصغير،» قال لي واروك بهدوء. «لو شئتُ، لقذفتُ هذه السكّين نحوك واخترقتُ قلبك. لن يُبالي أحد، وأنا أقلّهم مبالاةً. اقترب، قلتُ لك.»
لم أكن أبعد عن البوّابة سوى ثلاث أو أربع خطوات. خطوتُ خطوة. خطوتُ خطوةً أخرى. وجدتُ نفسي قرب القضبان، وللمفاجأة، لم يضربني واروك. بل لم يلمسني حتّى. وحين تكلّم، بدا صوته مُتعالِيًا لا أكثر.
«قل لي أيّها الفتى البشريّ. إن كانت ذاكرتي لا تخونني، فقد دخلتَ إلى هنا في منتصف السماوي. أتعرف كم مضى على وجودك هنا؟»
ألقيتُ نظرةً على مانراس، الذي كان يُراقب المشهد باضطرابٍ صامت. هززتُ رأسي وأجبتُ:
«قمرٌ واحد؟»
ابتسم واروك ساخرًا.
«أكثر من ذلك. نحن الآن في القمر الأحمر. أتذكر كيف كانت الشمس تبدو؟ حسنًا، حاوِل أن تتذكّر ولا تنسَ، فلن تراها ثانيةً.» أومأ إليّ أن أقترب قدر المستطاع، وهمس بلطفٍ في أذني: «أنت ذكيّ، ابحث عن مزيدٍ من اللآلئ، احتفظ بها ولا تُخبِر لوف، وإن أحسنتَ العمل، فسأُطلق سراحك ذات يوم. ثمّ إنّك، فيما يبدو، تهتمّ لأمر أخي الصغير، ولو كنتُ مكانك لأطعتُ، فربّما هكذا تمنعني من أن أضعه في هذا الجحر هو أيضًا، هممم؟»
تحت نظرتي العدائية نوعًا ما، تنحّى جانبًا، ودفع مانراس، لا أدري أليختم الدرس أم ليدفعه إلى ردّة فعل، ثمّ مضى في النفق مع تيف. أمّا مانراس، فلم يتحرّك: راح يُنقّل بصره بيني وبين ديل، كأنّه يستنجد. وأن يطلب النجدة من غواكاتٍ محبوسين خلف بوّابةٍ من الفولاذ الأسود، أمرٌ فطر قلبي. وقبل أن يستدير واروك ويُناديه، سارعتُ إلى إشارةٍ تُحاكي شيئًا طويلًا نحيلًا، وأشرتُ إلى القفل. المفاتيح، أردتُ أن أقول. وهمستُ:
«كن حذرًا.»
«مانراس!» نبح واروك.
وهو يلهث، أسرع الإلف الصغير ليلحق بأخيه الأكبر. لكن حين بلغ أوّل درجةٍ من الدَّرَج، التفت، وبإشارةٍ من تلك التي كنّا نستعملها حين نبيع الصحف، قال لي: «تمشي». ثمّ اختفى صاعدًا الدَّرَج.
شهقتُ وقبضتُ على القضبان، مُتوتّرًا قلِقًا. لزمني برهةٌ لأفهم سبب هذا التوتّر الشديد. وكان السبب أنّني من قبل، رغم أفضل جهود القطّ الأسود، لم أكن أحمل كثيرًا من الأمل في الخروج يومًا عبر نفقٍ غامضٍ إلى السطح، حتّى هو نفسه لم يكن يبدو مؤمنًا بذلك. أمّا أن يجلب لنا مانراس المفاتيح... فذلك، وإن لم يكن مضمونًا، إلّا أنّه أكثر تصديقًا. أكثر تصديقًا بكثيرٍ من أن يُطلق واروك سراحي. تبًّا للجحيم. لا بدّ أنّ ذلك الإلف ظنّني أحمقَ حقًّا.
حين دوّى بونغ الباب المعدني، خطر لي أمرٌ فجأة. كان مانراس قد لوّح لي في نهاية النفق، حين كان المشعل قد كاد ينطفئ، كأنّه لا يشكّ في أنّني أراه. وربّما لأنّه كان يعلم أنّه، من مكاني، كان سيرى نفسه عبر الظلال. لا لأنّني متحوّلٌ أو سوكواتا أو ما شابه، بل لأنّه هو أيضًا كذلك.
فتحتُ عينيّ على اتّساعهما إزاء هذا الشكّ المُريع، والتفتُّ فجأةً نحو ديل. كان الشيطان الصغير يُحدّق في الكهف والمنصّة. لكنّه لم يبدُ مذهولًا بالطاقة هو أيضًا، بل مصدومًا فحسب ممّا كان يراه.
«أيّها الأمير الصغير،» ناديتُه. اقتربتُ منه على الفور. «مهلًا، أيّها الأمير الصغير! أصحيحٌ أنّك حاولتَ إنقاذ الخيميائي؟»
نظر إليّ ديل نظرةً قاتمة وأومأ. ألحَحتُ:
«ماذا حدث؟»
وهو يقضم أصابعه، اعترف:
«السيد وايام خدعنا. هو الخيميائي،» أوضح. «كنّا نعمل معه. كنّا نُنظّف آلاته ونضع عجينةً سوداء في الخبز. لم نكن نعلم أنّها مُوجَّهةٌ إليكم. لم نكن نعلم شيئًا عن الأمر، أُقسم لك يا حاذق...»
لمستُ ذراعه لأُطمئنه وأُشجّعه على المواصلة. فتابع:
«كان يُعطينا حلوى مسمومةً كلّ يوم. في الحقيقة، كان بداخلها العجين نفسه الذي كنّا نضعه في الخبز. لكنّنا لم نكن نعلم أنّها ضارّة...» نظر إليّ ديل بشعورٍ بالذنب وأضاف: «بالأمس، أقنعنا وايام بمساعدته على الهرب، وقال... إنّنا سنهرب معه، لأنّنا إن لم نفعل، فسنموت. لكنّ أدويا ضبطنا.»
«صاحب الكلاب؟»
أومأ ديل. تجهّمتُ وأطلقتُ لعنةً أعقبها تنهيدة ارتياح. فالأوجيساريون، على الأقلّ، لم يفقدوا الخيميائي. وكان ذلك خبرًا سارًّا جدًّا، إذ من دون الخيميائي، كُنّا هالكين.
بطرف عيني، رأيتُ حركةً عند مدخل كهف النور، فالتفتُّ لأرى ييرّيس يظهر. لعلّه سمع البونغ، إذ اتّجه رأسًا نحو البوّابة. ولم يسعني إلّا أن ألاحظ أنّ القِسّ، في اللحظة نفسها، أبطأ خطاه، وبدل أن يقترب، بقي على المنصّة مُتحفّزًا. كان روغان يشعر بشيءٍ من الخوف من «المتشرّد الغامض»، كما كان يُسمّيه أحيانًا. وخمّنتُ أنّهما، قبل قدومي إلى البئر، كان بينهما خلافٌ ما.
«مَن هذا الغواك؟» استفسر ييرّيس وهو ينضمّ إلينا.
«ديل الأمير الصغير،» قدّمتُه. «رفيقٌ لي.»
«وأحضروه صاحيًا؟» لاحظ ييرّيس مُستغرِبًا.
ترددتُ، ثمّ أخبرتُه بما حدث في جُملٍ قليلة، مُعترفًا بأنّ ديل ومانراس عملا لدى الأوجيساريين، لكن دون أن أذكر أنّهما شاركا مباشرةً في تسوكتتنا. بعد صمت، تركتُه غارقًا في تفكيره، وأمسكتُ ديل من ذراعه وقُدتُه إلى المنصّة.
«لا تيأس، سترى، لسنا بهذا السوء هنا،» قلتُ، ثمّ هتفتُ: «أيّها القِسّ! تعرّف إلى الأمير الصغير. أكثر غواكٍ تكاسلًا في بروسباتيرّا،» قلتُ. نكزتُ رأس ديل بيدٍ حانية، وسرقتُ قبّعته، ووضعتُها على رأسي، مُعتدلًا كقائد فرقة. «فلنُرحّب بأخينا الجديد في أخويّة معدِّني السالبرونيكس! اجلس، اجلس. هذا روغان القِسّ. وهذه غويل العرّافة: تتكهّن بأمور المستقبل، وبحسبها، سنخرج من هنا خلال أسبوع.»
«دائمًا خلال أسبوع،» ضحك روغان.
رمقته العرّافة، رغم إنهاكها من الصيد، بنظرةٍ مُتعاليةٍ ومُتحدّيةٍ في آن.
«سيكون خلال أسبوع،» أكّدت.
واصلتُ بحيوية:
«ذاك هناك هو ناتورغ الخُلد. إنّه من الشمال، وقبل عام، كان كاسرًا في منجم فحم، فهو، كما ترى، خبير. وصاحب الأنف الكبير الذي يشخر هو درائن الكنّاس. سميٌّ آخر لي. كان يكنس جادّة تارميل ليكسب قوته. وتلك هناك هي باريسيا السمّيّة. آه! وذاك هو نات الغطّاس. يعرف عن النشل أكثر منّا جميعًا مجتمعين. وهو صديقٌ لسميّي السريع. وهذا سيرديو العدّاء.»
واصلتُ ذكر أسماء الرفاق جميعًا. بعد رحيل واروك، خفت الجميع وصاروا نيامًا نصف نومٍ أو تمامًا، ولم يكن يحاول البقاء مستيقظًا سوى روغان والعرّافة، فحين أطبقتُ فمي، ساد الصمت، ولبرهةٍ، لم يُسمَع سوى خرير النبع البطيء. قطّبتُ حاجبيّ.
«لكن ما هذا...!»
وقفتُ على المنصّة ودُرتُ حول نفسي. عددتُ الرؤوس. سبعةٌ وعشرون، ثمانيةٌ وعشرون. تسعةٌ وعشرون معي أنا. وثلاثون مع القطّ الأسود. كان أحدهم مفقودًا.
«ما الأمر؟» سألت العرّافة.
ردًّا عليها، قلتُ:
«أين سلارين؟»
راح روغان والعرّافة يبحثان عنها بدورهما، مندهشين.
«هذا غريب. كانت هنا قبل قليل، عُدنا معًا،» جزمت العرّافة.
«في الماضي أم في المستقبل؟» ردّ روغان ساخرًا. استلقى على الألواح ليختلس النظر تحت المنصّة، المكان الوحيد في الكهف الذي بقي بمنأًى عن أيّ نظرةٍ شاملة. وكما هو متوقّع، أعلن: «لا شيء.»
مُقطّبًا حاجبيّ، نزلتُ عن المنصّة وهرولتُ نحو القطّ الأسود. كان واقفًا يقبض على القضبان بكلتا يديه. توقّفتُ فجأةً حين سمعتُه يتكلّم. واتّسعت عيناي إذ رأيتُ شبحًا على الجانب الآخر من البوّابة. كانت سلارين.
«الأمّ الصالحة،» أفلتُّ في همسةٍ مذهولة. ركضتُ نحوها.
كانت سلارين تقول:
«إنّه المخرج الوحيد؛ أنت قلتَ ذلك بنفسك: لم تجد شيئًا في الأنفاق الأخرى.»
«إنّه خطير،» لهث ييرّيس.
«والبقاء هنا ليس أفضل: أنا أصلًا في الخارج،» ردّت سلارين. «لا تقلق، لن يُمسكوا بي.»
«سلا!» قاطعتُ، وأنا أتشبّث بالقضبان، في غاية الحماس. «كيف فعلتِ ذلك؟»
منحتني فتاة الخنجر الأسود ابتسامةً غامضة.
«بالسحر المظلم يا شيور*، ولمسةٍ من الموهبة. كان ذانك النذلان شاردَي الذهن إلى حدٍّ جعل الأمر سهلًا كلا شيء. أعِدك أنّني سأُخرجك من هذا. لا أعرف متى، لكنّني سأُخرجك.»
«من دون سوكواتا، لا فائدة يا سلا،» ذكّرها القطّ الأسود.
«ثِق بي،» ردّت سلارين.
انتقل بصرها إلى شيءٍ عن يميني، وعندئذٍ فقط أدركتُ أنّ ديل وروغان والعرّافة قد تبعوني. وبدهشةٍ، لاحظتُ أنّ عينَي الإلفة المظلمة كانتا مُثبَّتتين على الأمير الصغير.
«مهلًا. ما اسمك يا شيور؟»
هزّ الصبيّ كتفيه قبل أن يُجيب:
«ديل.»
«ديل،» كرّرت سلا. «قل لي يا ديل. رأيتَ الأنفاق، أليس كذلك؟ أتعرف كم استغرقتَ لتصل إلى هنا؟»
رمقها ديل بنظرةٍ حذرة. تحمّستُ لهذا السؤال المنطقيّ.
«الجولة الميتة! ديل، أجِب سلا، الأمر مهمّ.»
«هل استغرق مجيئك وقتًا طويلًا؟» ألحّت سلا.
هزّ الأمير الصغير كتفيه ثانيةً.
«قليلًا، ليس كثيرًا.»
رغم إجابات ديل المتردّدة، تمكّنت سلا والقطّ الأسود من استنتاج المسار العكسيّ: الدَّرَج، والباب المعدني، ونفقٌ طويلٌ بعض الشيء، وبابٌ آخر يُفضي مباشرةً إلى ملجأ الأوجيساري، إلى المتاهة. ومن هناك، قال ديل إنّ ثمّة غرفًا شبه فارغة، وإنّ باب المختبر يقع على الجانب الآخر من الممرّ الخارجيّ، في المبنى المقابل عبر الشارع. أخيرًا، عبثت سلارين بشعر ديل عبر القضبان وقالت:
«شكرًا لك يا شيور. لقد أسديتني للتوّ معروفًا عظيمًا.»
رأيتُ ديل يردّ بابتسامةٍ خافتة؛ وبينما أخذت سلارين نفَسًا عميقًا وتهيّأت للانصراف، ناداها القطّ الأسود بصوتٍ متوتّر:
«سلا.» التفتت الإلفة المظلمة. وبعد أن أطلق صوتًا مكتومًا، تنحنح ييرّيس واتّخذ نبرةً خفيفةً أليفة وهو يقول: «كوني حذرةً أيّتها الأميرة.»
قلّبت سلارين عينيها، ولوّحت بيدها، ومضت. رأيناها تصعد الدَّرَج، وحتّى بعد أن غابت، بقينا عند البوّابة ننتظر صوت البونغ. سمعناه، لكن ليس بالعلوّ الذي توقّعناه. لا بدّ أنّ سلارين ألقت تعويذة صمت. ألقيتُ نظرةً على القطّ الأسود. وإذ لمستُ قلقه، همستُ له:
«لا تقلق يا ييرّيس. سلا خنجرٌ أسود. لن يراها الأوجيساريون.»
ابتلع نصف القزم ريقه وأومأ ببطء.
«إن لم تستطع هي، فلن أستطيع أنا أيضًا على أيّ حال. لم أكن يومًا بارعًا في التناغمات.»
بعد لحظة صمت، تركنا القطّ الأسود غارقًا في تفكيره، أنا وروغان والعرّافة وديل، وعُدنا إلى المنصّة. ملأني احتمال هروب سلا بالأمل. لم أكن أعرف كيف ستُخرجنا من هناك، لكن... كان من المُواسي دائمًا أن تعلم أنّ أحدًا في الخارج سيُحاول شيئًا. وإذ رأيتُ سائر رفاقي غارقين في نومٍ عميق، أدركتُ إنهاكي أنا الآخر، وسرعان ما طغت على أفكاري رغبةٌ واحدة: النوم. جلسنا في ركنٍ من المنصّة، وسمعتُ العرّافة تُهمهم:
«خلال أسبوع.»
تبادلتُ وروغان تكشيرةً ساخرةً لكن مفعمةً بالأمل، وكلانا يتمنّى بشدّةٍ أن تتحقّق نبوءة العرّافة. وبينما تمتم روغان بصلاةٍ لأسلافه المجهولين، نكزتُ ديل، الذي بدا مشوّشًا بعض الشيء، ليستلقي على الألواح، وقلتُ:
«نَمْ. حين يدقّ البونغ، سنأكل ونذهب للصيد معًا، أليس كذلك؟»
أسندتُ رأسي على الخشب، وأغمضتُ عينيّ، وسمعتُ الأمير الصغير يهمس:
«يا حاذق... لا يُعجبني المكان هنا.»
قلّبتُ عينيّ، ومرّرتُ يدي على رأس صديقي الصغير، وقبل أن أُفكّر في البحث عن جواب، غرقتُ في نومٍ عميق.
* شيور: لفظُ خطابٍ ودّيّ، يقارب معنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion