Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 22
أيقظني البونغ، وكالعادة، كنتُ قد نهضتُ وشرعتُ أتحرّك قبل أن يعود وعيي إلى عالم اليقظة. تمطّيتُ، وتثاءبتُ، وحككتُ جسدي، وأخيرًا فتحتُ عينيّ على وسعهما. كان كلّ رفاقي يستيقظون، وقد اتّجه بعضهم نحو البوّابة بدرجاتٍ متفاوتةٍ من النشاط... جميعهم عدا ديل، الذي كان لا يزال غارقًا في نومٍ عميق. جذبتُه من قدميه وأنشدتُ له:
«هيّا أيّها الأمير الدِّمورجِد الكسول، استيقظ، البونغ يرنّ والخبز قد وصل!»
أخيرًا، نجحتُ في انتشاله من خموله، لكنّنا كنّا آخر من وصل إلى البوّابة وأخذ الخبز. وكما في اليوم السابق، بقي رغيفٌ واحد، فسأل المُقنَّع:
«ألم تعثروا على المفقودة؟»
هززنا رؤوسنا، فقال سيرديو العدّاء:
«إن لم تعُد، فهذا يعني أنّها ماتت. لن تعود. ليس من العدل أن تُجبرونا على أخذ ثلاث لآلئ إضافية.»
هزّ الرجل المُقنَّع كتفيه وأجاب كما في اليوم السابق:
«أحضروا لي جثّتها، وأقبل بتسعين.»
مُتوسّلًا بصمت، مددتُ يدي بين القضبان نحو الخبز المتبقّي. ما نفعه له على أيّ حال؟ لم يكن بحاجةٍ إلى السوكواتا. غير أنّ لوف تجاهلني، وأعاد الخبز إلى الكيس، وكرّر لازمته:
«لا تتشاجروا وتصرّفوا بأدب. أراكم غدًا.»
«نراك غدًا يا سيّدي!»
خلافًا للعادة، لم أقُل شيئًا واكتفيتُ بمراقبة المُقنَّع وهو يبتعد. وحين دوّى بونغ الخروج، قضمتُ قضمةً أخرى من خبزي وذهبتُ لأجلس على المنصّة مع روغان وديل. فبينما كان الأوّل يأكل بنظرةٍ شاردة، كان الأمير الصغير يمضغ خبزه بنشاط. لم يُعجبه اليومُ الأوّل في أنفاق النور إطلاقًا، وراهنتُ أنّ هذا اليوم لن يُعجبه أيضًا. خصوصًا أنّني كنتُ قد فكّرتُ اليوم في أن أُرسله للصيد جدّيًّا؛ ففي اليوم السابق، جمعتُ اللآلئ الثلاث بدلًا منه، ومكثتُ في الأنفاق دهرًا لأنّ العثور على اللآلئ صار أصعب فأصعب، ولم أُرِد أن أُكرّر ذلك. تنهّدتُ. كلّما أسرعنا في جلب تلك اللآلئ، أسرعنا في العودة.
«هيّا بنا»، قلتُ حين أنهيتُ خبزي. «سأُعلّمك الصيد.»
تبعني ديل دون اعتراض، وكنّا قد بدأنا ندخل النفق المركزيّ المُفعم بالنور حين سمعتُ بونغ! فتسمّرتُ في مكاني.
«سلا»، تمتمتُ، وقلبي يخفق بجنون.
استدرتُ فجأةً وأسرعتُ عائدًا إلى كهف المنصّة. كان رفاقي قد اقتربوا من البوّابة وراحوا يتفحّصون النفق، مفعمين بالأمل. كانوا جميعًا يعلمون بفرار سلارين. ظنّ بعضهم أنّها لن تعود، مثل سيرديو، لكنّ آخرين كانوا أكثر تفاؤلًا وتخيّلوا أنّها ستعود بجيشٍ من الأرواح المخلِّصة. وحين سمعتُ أحدهم يُطلق نخرةً ويستدير ليبتعد بضع خطوات، استطعتُ أن أرى الشخص القادم عبر النفق فأدركتُ سبب خيبة الجميع. كان مانراس. ابتسمتُ وأسرعتُ لأنسلّ بين الغواكات.
«مانراس!»
«حاذق!» هتف بصوتٍ مرتجف. ركض نحو البوّابة وناولني حزمةً من المفاتيح. لم أُصدّق. بيدين مرتعشتين أخذتُ حزمة المفاتيح، فانتزعها القطّ الأسود من يديّ.
«لا يمكننا الخروج هكذا»، أوضح. «قالت سلارين إنّ لديها خطّة.»
حدّقتُ فيه بغضب.
«أعطني المفاتيح!»
«لا»، رفض ييرّيس بهدوء.
شعرتُ بالتوتّر يتصاعد بين الغواكات.
«إذًا أعطِني إيّاها»، تدخّل سيرديو بفحيحٍ آمر.
«افتح الباب!» قال نات الغطّاس.
«أريد الخروج!» قالت السمّيّة.
«صمتًا!» أرعد ييرّيس.
دفعه سيرديو بعنفٍ نحو قضبان البوّابة الحديدية، فتلألأت عينا القطّ الأسود. خِفتُ وصِحتُ:
«كفى!»
لكن لم يُصغِ إليّ أحد وسط الصخب الذي اندلع. لكم سيرديو القطّ الأسود في وجهه، فتركه مذهولًا. انتزع منه المفاتيح، ولم أُفلح إلّا في الإمساك بديل كي لا تسحقه كلّ الغواكات المتزاحمة على البوّابة.
«اهدؤوا!» زأر روغان.
على نحوٍ مذهل، خفّ الضجيج قليلًا، لكنّ سيرديو واصل تجربة المفاتيح في القفل. عثر على المفتاح الصحيح وفتح البوّابة. لكن بقي القُفل المُعلّق. فتحه في المحاولة الثانية، وساعدوه على نزع السلسلة. وحين انفتحت البوّابة تمامًا، خيّم صمتٌ من الحماس والخوف. كان أوّل من عبر مانراس، لكن في الاتّجاه المعاكس: فقد اندفع نحو ديل، وأمسك بذراعه، وتشبّث بذراعي أيضًا، وبدا فجأةً أكثر هدوءًا بكثير. لقد استعاد للتوّ عائلته الحقيقية. ابتسمتُ.
«باركت روحُك يا مانراس»، قلتُ متأثّرًا.
بادلني الإلف المظلم الصغير الابتسامة، ورفعتُ نظري إلى رفاقي المعدِّنين. كانت أوّل غواكٍ تتجرّأ وتُقرّر عبور العتبة باريسيا السمّيّة. خطت عدّة خطوات ثمّ... أمسكها سيرديو من ذراعها.
«انتظري لحظة»، قال. «أوّلًا، علينا أن نُسلّح أنفسنا. التقطوا كلّ حجرٍ تجدونه. بسرعة.»
أطعتُه، ومع مانراس وديل، اندفعتُ مع الآخرين لأجمع الحجارة من الكهف. وحين جمعتُ عدّةً منها، عدتُ إلى البوّابة. كان القطّ الأسود وسيرديو يُحدّق أحدهما في الآخر ويتذمّران. لم أجرؤ على الاقتراب كثيرًا، لكنّني كنتُ أسمعهما رغم ذلك.
«ستتسبّب في مقتلنا»، زمجر ييرّيس.
«موت حفنةٍ منّا خيرٌ من موتنا جميعًا»، ردّ سيرديو.
رسم القطّ الأسود ابتسامةً ساخرة.
«سنموت جميعًا على أيّ حال إن لم يُعطنا الخيميائي السوكواتا، يا إسطرباغ.»
«الإسطرباغ أنت يا قطّ أسود. ربّما كنتُ أحمق حين سرقتُ تلك اللآلئ. أمّا الآن فالأحمق أنت: البوّابة مفتوحة. نحن أحرار.»
«لا. نحن أموات»، صحّح له ييرّيس بقتامة.
تجاهله سيرديو، وإذ رأى أنّ عددًا منّا صار ينتظر عند البوّابة، نظر إلينا، فتغيّم تعبيره، ربّما لأنّه أدرك في تلك اللحظة أنّنا كنّا ننتظر إذنه لعبور العتبة.
«أعطوني بعض الحجارة»، طالب. أعطيناه بعضها، وبعد أن وضعها في جيوبه، قال بحزم: «سنخرج جميعًا من هنا أحياء. القاعدة الأولى: لا تُصدروا أيّ ضجيج. إن ظهر أوجيساري واعترض طريقنا، فارموا الحجارة على رأسه. هل هذا واضح؟» أومأنا. ابتلع سيرديو ريقه وقال: «حسنًا، لنذهب.»
بسطتُ ذراعيّ لأمنع مانراس وديل، وانتظرتُ حتّى يمرّ الآخرون. توقّف روغان عند البوّابة المفتوحة، ونظر إلينا بدهشة.
«ألن تأتي يا حاذق؟ أتُحبّ البئر لدرجة أنّك تريد البقاء فيه؟» مازحني.
قلّبتُ عينيّ والتفتُّ إلى القطّ الأسود. لم يتحرّك قِيد أُنملة، ولم يُهدّئ وجهُه المُعتِم من قلقي.
«هيّا يا ييرّيس»، شجّعتُه.
تنهّد نصف القزم لكنّه أومأ.
«لا خيار لي. لنذهب.»
أعطيتُه بعض الحجارة، وركضنا نحو الدَّرَج الخلفيّ. تجاوزنا الغواكات الآخرين، وأشرتُ إلى مانراس وديل، مُوضّحًا هامسًا:
«إنّهما يعرفان الطريق.»
كان مانراس قد ترك الباب المعدنيّ مفتوحًا، وتمنّيتُ ألّا تكون الجلبة التي أحدثناها قد بلغت آذان الأوجيساريين. وما إن عبرنا الباب حتّى غرق النفق في ظلامٍ شبه تامّ. لم يكن يُرى سوى ضوءٍ خافتٍ جدًّا في القاع. بعد لحظة تردّد، قرّرتُ أن أُطلق تعويذة نورٍ متناغم. لم يكن مهمًّا أن يعرفوا أنّني أستطيع استخدام التناغمات: فقد كانوا يعرفون على أيّ حال أنّني خنجرٌ أسود.
كان الطريق سهلًا جدًّا، إذ لم يكن ثمّة طريقٌ آخر ممكن. تقدّمنا برهةً، ثمّ خبا نوري، فلم أُعِده، لأنّ الضوء في نهاية النفق صار كافيًا لنرى. ومع أنّنا كنّا ثلاثين غواكًا، أحدثنا ضجيجًا أقلّ من عنكبوت، أو هكذا بدا لي. لم أكن آمُل إلّا ألّا تكون هناك فرقةٌ من الأوجيساريين مختبئةً خلف ذلك الباب.
رفعتُ يدًا لأوقفهم جميعًا، وسُبحان الأرواح، أطاعوني. وقفتُ أمام الباب، ولمستُه، وأطلقتُ تعويذة إدراكٍ عبر الشقوق، لكنّني لم أُفلح إلّا في استهلاك ساق طاقتي بغباء. تجهّمتُ، وأخذتُ نفسًا، وأدرتُ المقبض. صرّ الباب وهو ينفتح. لم يكن أحدٌ خلفه.
قبل أن أستطيع ردّ الفعل، انسلّ مانراس عبر الفتحة، جارًّا ديل خلفه، وأشار إلينا أن نتبعه. ففعلنا، عبر غرفةٍ خاليةٍ ذات جدرانٍ صخريّةٍ نصف مكتملة. مررنا عبر مدخلٍ إلى ممرّ. وأخيرًا، بعد طول مُكثٍ في عالمٍ سفليّ، رأينا ضوء النهار. كان خافتًا معتِمًا، لكنّه كان ضوء نهار. وما إن رأيناه حتّى فقد بعضنا كلّ حذر وركض مباشرةً نحو الضوء. تبعتُهم، خائفًا من أن يصيح الأوجيساريون في أيّ لحظة ويستلّوا أسلحتهم، وكان خوفي في محلّه. فما إن فتحنا باب الممرّ الخارجيّ حتّى سمعتُ زئيرًا كتمه المطر المنهمر نصف كتم.
«إنـــذار!»
رمى الغواكات الأوائل الحجارة على الحارس وهم يركضون، يخوضون في الوحل ويصرخون بأعلى أصواتهم. صاح الأوجيساري وهو يتراجع:
«يا أبناء الجرذان! أيّها الشياطين...!»
أصاب حجرٌ صُدغه، فتهاوى الأوجيساري. تجاوزناه، نكاد نطير، حين انفتح فجأةً بابٌ آخر في الممرّ وظهر أوجيساري آخر. رموه بالحجارة، وأحدنا، الذي كان قد أخذ الوعاء الذي نضع فيه اللآلئ، حطّمه فوق رأسه. انهار الأوجيساري. واحدٌ أقلّ.
«اركضوا! اركضوا!» تصايحنا فيما بيننا.
في لحظةٍ ما، انزلق مانراس في الوحل، فتوقّفتُ فجأةً لأُنهضه. كانت عينا الإلف المظلم الصغير مفتوحتين على وسعهما حتّى بدتا على وشك أن تقفزا من محجريهما.
«حاذق!» صرخ.
كان أوجيساري ثالث قد ظهر للتوّ على بُعد أقدامٍ قليلة وفي يده خنجر. قبل أن ينقضّ علينا، أخرجتُ حجرًا كبيرًا وقذفتُه به، فأصبتُه في أنفه إصابةً مباشرة وجعلتُه يعوي ألمًا.
«اركضوا!» زأرتُ.
جذبتُ مانراس من كُمّه، وركضنا كشيطانين متوحّشين، نتبع ديل والآخرين. لم يكن الطريق المسدود طويلًا جدًّا، وما إن بلغنا أزقّة المتاهة حتّى تفرّقنا جميعًا.
«قِفوا وإلّا أطلقتُ عليكم!» صاح صوت.
كنتُ قد دخلتُ للتوّ زقاقًا مع ديل ومانراس، وبفزعٍ، أدرتُ رأسي فرأيتُ أوجيساريًّا يُصوّب نحو روغان، الذي كان يركض خلفنا. قبل أن يتاح لي وقتٌ لأستوعب الموقف، أطلق الأوجيساري، فانطلق السهم بصوتٍ صفيريّ، وسقط القِسّ أرضًا.
«روغااان!» صرختُ. كاد الرعبُ يشلّني، لكنّ جزءًا من عقلي أخبرني أنّ من الحماقة أن أبقى مشلولًا في لحظة طوارئ.
استدرتُ، لكن بدلًا من أن أتوقّف حيث سقط القِسّ، بلغتُ الأوجيساري قبل أن يتمكّن من إعادة تلقيم قوسه الناشب، وأطلقتُ عليه دفقةً مَوْتية. رأيتُه يترنّح مندهشًا. أسقط القوس الناشب، لكنّه لم يفقد وعيه. بحجرٍ، ضربتُه بكلّ قوّتي ورأيتُه يسقط أخيرًا ويكفّ عن محاولة استلال خنجره.
كان المطر ينهمر، والصرخات، إن كانت هناك صرخات، لم تبلغ أذنيّ. بحركةٍ خرقاء، تراجعتُ وعدتُ إلى حيث كان يرقد روغان. انحنيتُ ومددتُ يدًا مُخدَّرة نحو السهم الذي كان مغروزًا في خاصرته. سحبتُ يدي المُلطّخة بالدم. كان القِسّ يتنفّس بسرعة.
«د-درائن؟» لهث.
«روغان»، همستُ بصوتٍ حادّ. «أتتألّم كثيرًا؟ قُل لي إنّك لن تموت، أرجوك يا قِسّ...»
خمّش القِسّ الوحل بيدٍ مُندّبة، فأخذتُها منه، مُجهِشًا بالبكاء، بينما قال بجهد:
«شكرًا لك... يا حاذق. أنا... لم يكن لي قطّ... صديقٌ حقيقيّ. لم يستطع أحدٌ قطّ أن يحتملني... كما تحتملني أنت. كنتَ صديقي، أليس كذلك؟ أرجوك قُل لي إنّك كنتَ كذلك.»
صارت كلماته المتقطّعة غير مفهومة. مانراس وديل، بدلًا من أن يركضا كما طلبتُ منهما، كانا قد اقتربا وراحا الآن ينظران إلى المشهد بتعبيرٍ مكروبٍ حائر. انسابت الدموع على وجنتيّ. شهقتُ بحدّة.
«أنا كذلك يا روغان. أنا صديقك. لن تموت. أرجوك لا تمُت...»
سمعتُ أحدهم يصيح بشيءٍ عبر المطر، وبعد ثوانٍ قليلة، شعرتُ بيدٍ على كتفي تهزّني بعنف. كان ييرّيس.
«ما الذي لا تزال تفعله هنا بحقّ الجحيم؟» صرخ. «تحرّك!»
نظرتُ إليه كأنّ ما يقوله لا معنى له، وهززتُ رأسي. بصوتٍ محايد، ربّما مرتجفٍ قليلًا، قلتُ:
«علينا أن نأخذه إلى طبيب. ساعدني يا قطّ أسود.»
بدا نصف القزم كأنّه على وشك أن يصرخ فيّ مرّةً أخرى لأتحرّك، لكنّه غيّر رأيه ومدّ لي يد العون. أمسكنا كلانا روغان من كتفٍ وجررناه في الزقاق الموحل، نازلين المنحدر. تصدّر مانراس وديل الطريق. من حينٍ لآخر، كنتُ أُلقي نظرةً مرعوبةً على وجه روغان شبه الواعي، وبينما نتقدّم، حاولتُ أن أُحوّل مورجاسه إلى جايبو لأمنحه طاقةً أكبر، لكنّ التركيز لم يكن سهلًا، ولسببٍ ما، لم تستطع تعاويذي أن تجد طريقها إلى العظام.
مررنا بعدّة قططٍ صامتين ربّما لم يُعيرونا اهتمامًا حقيقيًّا أصلًا. كنّا غواكات، في نهاية المطاف، وكان كثيرون يُفضّلون ألّا يعرفوا شيئًا عن متاعبنا. غير أنّنا حين خرجنا من المتاهة إلى ساحة الأرواح، في الجزء الأسفل من حيّ القطط، رأينا رجلًا يمرّ بعربة، فصِحتُ به:
«أرجوك يا سيّدي! أرجوك ساعدنا، إنّه يحتضر!»
الرجل في العربة، ربّما ظنًّا منه أنّها حيلةٌ ما لسرقته، لم يشدّ اللجام على الفور، لكنّ شيئًا رآه بعدها عبر المطر، ربّما الدم على أيدينا وعلى قميص روغان، أقنعه بأنّنا لا نتظاهر، ولا بدّ أنّ قلبه انفطر، ولإغاثتي الكبرى، أوقف العربة.
«أيّتها الأرواح الرحيمة!» هتف. «ماذا أصابه؟»
«سهمٌ يا سيّدي! رماه رجلٌ إسطرباغيّ»، أوضحتُ.
يُحسب له أنّ الرجل في العربة لم يتردّد ولو للحظةٍ في مساعدتنا على رفع روغان إلى عربته، وقال بهدوء:
«سآخذه إلى مستشفى زهرة الآلام.»
«أيمكننا الذهاب معه؟» سأل ييرّيس. «أرجوك.»
أومأ الرجل موافقًا.
«اصعدوا»، قال.
راقبتُ ييرّيس بطرف عيني ونحن نصعد. وكلّما ابتعدنا عن المتاهة، ازددتُ شعورًا بأنّه يسترخي. راكعًا إلى جانب روغان، تحقّقتُ ممّا إن كان قلبه لا يزال ينبض وهمستُ: «تشجّع يا روغان، لا تمُت، لا تمُت...» كنّا نصعد جادّة تارميل بخطًى حثيثة حين انحنى نصف القزم وتمتم في أذني:
«أنصِت يا شيور*. أعطاني الخيميائي بعض السوكواتا. حاولتُ أن أُنقذه، لكن... كان مُقيّدًا بالسلاسل. قال إنّ ما أخذتُه يكفينا قمرين إن لم نستخدمه إلّا حين نبدأ نشعر بنقص السوكواتا. وقال أيضًا... إنّه، في الوقت الراهن، لا يوجد علاج، لكنّه يظنّ أنّه قد يقدر على صنع واحد. لا أدري إن كنتُ أثق به، لكن... قد يكون صحيحًا.»
دون أن أنظر إليه، سمعتُ كلّ تلك الكلمات دون أن أستوعبها حقًّا. كان روغان يحتضر: لم أستطع التفكير في شيءٍ آخر. ربّت ييرّيس على كتفي.
«حاوِل ألّا تقول الكثير إن سألوك أسئلةً في المستشفى عمّا حدث، تمشي؟ لن ينفعنا في شيءٍ أن يحشر الذباب أنوفهم في الأمر ويسلبونا الخيميائي؛ أشكّ في ذلك، لكن، على أيّ حال... اكتفِ بأن تقول إنّك وجدتَ القِسّ على تلك الحال وإنّك لم ترَ شيئًا أكثر. وإن استطعتَ تجنّب أن يُطرح عليك أيّ سؤال، فذلك أفضل. تمشي؟» كرّر.
ابتلعتُ ريقي وأومأتُ. تردّد ييرّيس وأضاف:
«ثِق بالقِسّ. يُكثر الحديث عن الأرواح، لكنّه لن يصير روحًا حتّى تكسوه التجاعيد ويبيضّ شعره.» شعرتُ بيده تضغط على كتفي في إيماءة مواساةٍ ووداع. «لنلتقِ غدًا ظهرًا في حديقة المساء، اتّفقنا؟»
أومأتُ من جديد ورأيتُه يقفز من العربة ويركض في المطر. من يدري إلى أين كان ذاهبًا.
قطعنا بقيّة الطريق في صمتٍ تامّ. في ظروفٍ أخرى، لكنتُ ابتهجتُ برؤية إستِرغات من جديد وبأن أشعر بالريح، ومطر الصيف الدافئ، والهواء الطلق، لكنّني في تلك اللحظة لم أستطع إلّا أن أبقى ساكنًا بينما قبض على جسدي كلّه مزيجٌ من التوتّر والضيق والخوف.
أخيرًا، عبرنا حديقة زهرة الآلام، وما إن توقّفت العربة حتّى اقترح علينا مُنقِذُنا أن أذهب لأطلب النجدة من الأطبّاء داخل المستشفى. ركضتُ خارجًا، ودخلتُ المستشفى، وصرختُ من الكرب، وسرعان ما عدتُ برفقة ممرّضين يحملان نقّالة. أنزلا روغان، وكنتُ على وشك أن أتبعهما مع مانراس وديل، حين رأيتُ الرجل في العربة يُلوّح باللجام، وبينما كان يبتعد، صرختُ في المطر:
«شكرًا لك يا سيّدي!»
لا أدري إن كان قد سمعني، لكنّ ذلك الرجل سيعود إلى بيته بمباركة غواك. ركضتُ خلف الممرّضين. تبعناهما عبر القاعة الرئيسية، ثمّ سلكا ممرًّا، فاعترض طريقنا كاداإلف طويل بدين ذو بشرةٍ زرقاء فاتحة يرتدي معطفًا أبيض.
«إلى أين تظنّون أنّكم ذاهبون يا صبية؟»
«الذي على النقّالة صديقنا»، أوضحتُ بانفعال.
زمّ الممرّض شفتيه، مُتفحّصًا إيّانا من أعلى إلى أسفل.
«فهمت. آسف، لكن لا يمكنكم الدخول إلى هنا. هذا قسم العمليّات. اتبعوني من فضلكم. ما اسم صديقكم؟»
«روغان»، قلتُ. وألقيتُ نظرةً على طول القاعة. كان الممرّضان بالنقّالة قد اختفيا.
«مم-مم»، قال الكاداإلف. كان قد انسلّ خلف طاولةٍ صغيرة في القاعة الرئيسية وأمسك بريشةٍ ومنظارٍ وهو يستقرّ. «روغان ماذا؟»
قوّستُ حاجبيّ.
«حسنًا... لا أدري يا سيّدي. لكنّه مصابٌ إصابةً بالغة.»
«ماذا حدث؟»
تنهّدتُ.
«لا أدري. وجدناه مجروحًا سلفًا. لا بدّ أنّ مجنونًا هاجمه، لا أدري.»
«إذًا لم تكن إصابته حادثًا؟»
هززتُ رأسي، وتحت نظرات مانراس وديل المندهشة، أجبتُ:
«ربّما كان حادثًا. لا أدري ما الذي حدث، كلّ ما أعرفه أنّ روغان مصابٌ إصابةً بالغةً جدًّا، وإن لم تُنقذه، فسيلوي أسلافُك أذنيك جزاءً على ذلك.»
نظر إليّ الكاداإلف عبر منظاره، وريشتُه معلّقةٌ فوق دفتره.
«أيملك صديقك مالًا ليدفع ثمن العلاج؟»
تبًّا للجحيم. لم أُفكّر في ذلك. الساجِتيّون ومالهم الحاضر في كلّ مكان... تذمّرتُ وقلتُ:
«لا أدري. كم يكلّف؟»
«حسنًا... يعتمد ذلك على ما يُقرّره الطبيب المسؤول عنه. إن كان يملك مالًا، فسيدفع ثمن العلاج والإقامة. وإن لم يكن يملك، فسيتعيّن عليه أن يعمل لصالح المستشفى حتّى يسدّد ثمن الخدمة التي تلقّاها. كم عمره؟»
تصنّعتُ الجهل وقلتُ:
«اثنا عشر، أو ثلاثة عشر ربّما، لا أدري.»
«ألديه أقارب يمكنني الاتّصال بهم؟»
عضضتُ شفتي، وهززتُ كتفيّ، وكذبتُ:
«لا أعرف.»
«لا تعرف عنه الكثير بالنسبة إلى صديق»، لاحظ الكاداإلف، «ما اسمك؟»
فتحتُ فمي، ثمّ أطبقتُه من جديد، وتحت نظرته التي ازدادت دهشةً من صمتي، قرّرتُ أنّني قلتُ ما يكفي، فأمسكتُ ديل ومانراس من الكُمّ، وتراجعتُ.
«هيه!» احتجّ الكاداإلف. «إلى أين تذهبون؟»
«شُدّوا الأرجل يا رفاق»، تمتمتُ.
استدرتُ وركضتُ خارجًا من هناك. لم نتوقّف حتّى بلغنا الجادّة. كان المطر قد خفّ، وكاد لا يُمطر البتّة. حتّى إنّه لاحت لمحةٌ من ضوء الشمس عبر الغيوم، ورأيتُ بضعة أشخاصٍ جريئين يخرجون إلى الشارع بلا مظلّات.
«لماذا ركضنا يا حاذق؟» سأل مانراس لاهثًا.
هززتُ كتفيّ.
«لأنّني لم تُعجبني أسئلة ذلك الرجل.»
عبرتُ الساحة الضخمة نحو نافورة المانتيكور وأتممتُ تنظيف يديّ من الدم والوحل. وعلى الفور، جلستُ على الحافّة الحجرية ونظرتُ حولي. أخذتُ نفسًا، وأصغيتُ إلى أصوات المدينة، وصيحات الباعة، وصرير عجلات العربات التي تجرّها الخيل، وحفيف أوراق الأشجار المُلحّ التي تُحفّ الساحة، وامتدّت ابتسامةٌ عريضةٌ على شفتيّ إذ وجدتُ نفسي حرًّا أخيرًا. غير أنّني حين فكّرتُ في روغان من جديد، خبت ابتسامتي.
«سيدفع هؤلاء الأوجيساريون الثمن غاليًا»، قلتُ.
كان ديل يرمي الحجارة التي في جيوبه واحدةً تلو الأخرى، وكان مانراس، مُسنِدًا مرفقه إلى الجدار، يعبث بورقةٍ خضراء على ماء النافورة، يجذبها من ساقها. لم يبدُ أنّ أيًّا منهما يُعير انتباهًا كبيرًا لما يفعل. وبالطبع لن يفعلا: فقبل ساعةٍ واحدةٍ فقط، كنّا لا نزال في أرض الأوجيساريين، نرمي الحجارة على مستغِلّينا.
«حاذق»، قال مانراس دون أن يرفع نظره. «أتظنّ أنّ صديقك سينجو؟»
ابتلعتُ ريقي.
«كما كان ليقول، لِنُصَلِّ كي تشفيه الأرواح. وكي يشفيه الأطبّاء»، أضفتُ.
أسقط ديل حجره الأخير، وجلس إلى جانبي، وقال:
«إذًا لن نعود إلى الأوجيساريين أبدًا، أليس كذلك؟»
«مم. لا، طبعًا لا»، قلتُ. «أنصِتا. سيبحثون عنّا، هذا مؤكّد. ولا أظنّهم سيغفرون لنا ما فعلناه... رجمهم بالحجارة وكلّ ذلك. إن وقعنا في أيديهم، فسيقتلوننا، بلا شكّ.» رأيتُ عينيهما تتّسعان فابتسمتُ بلا مبالاة. «بَه، لا تخافا يا شيور: لن يُمسك بنا الأوجيساريون، لأنّنا قطط غواك، ولقطط الغواك أكثر من حيلةٍ في جِعابها. أوّلًا وقبل كلّ شيء»، قلتُ ناهضًا بحيويّة، «قطّ الغواك يُفكّر أفضل بكثيرٍ ومعدته ممتلئة، لذا... سأستغلّ كوني أبدو كطفلٍ مُدقِعٍ في حاجةٍ ماسّة، وفي لمح البصر، سأعود بشيءٍ نأكله، ما رأيكما؟» نزعتُ قبّعة ديل بحركةٍ رشيقة، وإذ رأيتُهما ينويان اتّباعي، أضفتُ بنبرة خبير: «مستحيلٌ أن أتسوّل ضمن جماعة، فذلك يُخيف الزبائن. لا تبرحا مكانكما.»
تسكّعتُ وحدي نحو الأكشاك التي تُحيط بالساحة، وبعد أن تأكّدتُ من خلوّ الجوار من الحرّاس، مضيتُ أبحث عن أهل الإحسان. لمحتُ وجهًا واعدًا قرب كشك تفّاح فاقتربتُ، مادًّا قبّعتي ومُصطنِعًا وجهًا مكروبًا متوسّلًا. لكن، ما إن بدأتُ نُواحي، حتّى ذهب الرجل ليدفع ثمن كيسٍ صغيرٍ مملوءٍ بالتفّاح، فتشتّت انتباهه حين سمعني، وأسقط عدّة قطعٍ نقديّةٍ على الأرض، وشتم:
«شياطين.»
«لا تقلق، سألتقطها لك!» قلتُ.
التقطتُها. لو كنتُ أرتدي قميصًا، لأمكنني أن أُدسّ بعض القطع خُفيةً في الكُمّ، لكن تحت أنظار مشتري التفّاح وبائعه، لم أكن لأستطيع أن أضع شيئًا في قبّعتي دون أن يرياني. وبعد أن استرجعتُها سريعًا، ناولتُها الرجل، وانتظرتُ أن يُعطيه البائع كيس التفّاح، ثمّ تشكّيتُ:
«أرجوك يا سيّدي. أنا جائع. أعطني شيئًا، بحقّ أرواح الرحمة.»
الرجل، الذي أتيح له وقتٌ ليُشفق عليّ ويرى حُسن نيّتي، أعطاني لا أكثر ولا أقلّ من قطعة خمسة مساميرَ واحدة. زفرتُ.
«شكرًا لك يا سيّدي! بارك أسلافُك.»
ابتسم الرجل ابتسامةً حانية وابتعد دون كلمةٍ حاملًا كيس تفّاحه.
عجبًا، عجبًا، فكّرتُ غير مُصدّق. أوّل شخصٍ أسأله في ذلك اليوم يُعطيني قطعة خمسة مسامير. الآن فهمتُ لماذا قال سميّي السريع إنّ مهنة المتسوّل أربح من مهنة بائع الجرائد. مبتسمًا، ركضتُ لأشتري رغيف خبزٍ وعدتُ إلى نافورة المانتيكور. كان صديقاي بالكاد قد تحرّكا، وقد رآني كلاهما أظهر بحماس، فاستنتجتُ أنّ الأوجيساريين لم يُطعموهما هما أيضًا كثيرًا. قسّمتُ الخبز ثلاث قطع، وأعطيتُهما الأكبر، واحتفظتُ بالثالثة لنفسي، ولأوّل مرّةٍ منذ قمرٍ ونصف، أكلتُ خبزًا حقيقيًّا، طازجًا من الفرن وخاليًا من المُنتَجات الغريبة.
«ماذا سنفعل؟» سأل مانراس، ونحن نُنهي الأكل.
ابتلعتُ لُقمتي وأجبتُ:
«أوّل شيءٍ هو أن نمنع الأوجيساريين من الإمساك بنا. أنتما، إن رأيتما أيّ أوجيساريّ تعرفانه، فأخبراني، اتّفقنا؟ ونفرّ من هنا بأسرع ما يمكن.»
«حتّى لو كان لوف؟» سأل مانراس. «ذلك الرجل ليس بذلك السوء.»
«حتّى لو كان لوف»، أكّدتُ. سؤاله، على نحوٍ غريب، واساني قليلًا لأنّني، لسببٍ غريب، كنتُ قد خشيتُ أن يكون أحد الأوجيساريين المرجومين هو لوف المُقنَّع. لم يكن الأمر أنّني أتعاطف معه عقلانيًّا، لكن... حسنًا، لقد اعتنى بنا كلّ يوم، وأطعمنا... لم أُرِد أن أُؤذيه.
في تلك اللحظة، قرعت أجراس المعبد الكبير، فعددتُ.
«السابعة»، قلتُ. «حان وقت البحث عن ملجأٍ جيّد. إلى الأمام يا شيور.»
تبعاني، وسِرنا نازلين الجادّة الإمبراطورية بخطًى حثيثة. بعد أن اجتزنا سوقًا شبه خاوية، اختصرتُ الطريق عبر شارعٍ مهجور، متّجهًا مباشرةً نحو نهر إستِرغات. لم ينبس صديقاي الصغيران بكلمةٍ حتّى عبرنا جسر فال ودخلنا منطقة القنوات والمصانع.
«حاذق! إلى أين نذهب؟» سأل مانراس حينها.
أجبتُ بمرح.
«إلى بيت العصافير!»
أخذتُهما إلى السرداب. لم يُشاركاني إطلاقًا ثقتي بأشجار هذا البيت الجميل، وإذ أدركتُ ذلك، قلتُ لهما، ونحن ندخل الغابة:
«أنصِتا، بدلًا من مصابيح الشوارع هناك جذوع، وبدلًا من الشوارع والساحات هناك دروبٌ وفُسَح، لكن عدا ذلك، الأمر متشابهٌ بعض الشيء، وهنا لن نجد أيّ ساجِت مجنونٍ يأتي ليُزعجنا. ثمّ إنّنا من هناك نرى النجوم كما نراها في الوادي. سترَيان ذلك حين يحلّ الليل، ما لم تبقَ الغيوم. هيّا، لنُواصل!» شجّعتُهما.
وإذ استنشقتُ رائحة الغابة، غمرتني نشوةٌ غريبة، وضحكتُ حين رأيتُ وجهَي صديقيّ غير المقتنعين.
«هيّا، هيّا!»
هرولتُ بين الجذوع والأدغال وسمعتُ صيحاتهما خلفي.
«حاذق، لا تتركنا خلفك!» توسّل إليّ مانراس.
توقّفتُ، واستدرتُ، وابتسمتُ إذ رأيتُهما يركضان مُسرعين.
«إلى الأمام يا رفاق»، حثثتُهما. «هيّا، كِدنا نصل.»
«سمعتُ... أنّ في هذه الغابة وحوشًا»، قال مانراس وهو يلحق بي لاهثًا.
«بُوه. الوحوش في كلّ مكان»، طمأنتُه.
أخيرًا، بلغنا سفح الشجرة الضخمة التي كانت ملجئي آخر مرّةٍ كنتُ فيها هنا، ومانراس، إذ رآني أتسلّق برشاقة، قلّدني وابتسم ابتسامةً عريضةً حين بلغ غصني.
«هيّا أيّها الأمير الصغير!» شجّع.
«شجاعةً وإقدامًا!» أيّدتُ. «نحن كالملوك هنا في الأعلى. أليس كذلك يا مانراس؟»
«بجنون!» أكّد الإلف المظلم الصغير.
وإذ ظلّ ديل مُتردّدًا، يضع قدمه على نتوءٍ في الجذع ثمّ يرفعها، قلتُ له:
«الذئب قادم!»
أجفل الأمير الصغير، ومع أنّني لا أظنّه انطلى عليه الأمر، قرّر أخيرًا أن يتسلّق إلينا. كانت السماء قد بدأت تُظلم حين استقرّ ثلاثتُنا في قلب الشجرة.
«والآن لنغفُ قليلًا يا شيور!» قلتُ.
أصغيتُ إلى أنفاسهما وإلى أغاني طيور الليل وحشراته. رغم مطر العصر، كان ملجؤنا جافًّا نسبيًّا بفضل الأوراق. كان العيب أنّني بالكاد أرى السماء بسبب الأوراق.
«حاذق!» تمتم مانراس.
تثاءبتُ وأدرتُ رأسي.
«ماذا؟»
«ما ذلك الصوت؟»
«أيّ صوت؟»
«البْويّي»، أوضح مانراس، مُقلّدًا الصوت.
«آه. تلك بومة»، قلتُ.
«آه»، تنهّد مانراس. «وما البومة؟»
ابتسمتُ في الظلام المتنامي، فسؤال مانراس ذكّرني بالأسئلة التي طرحتُها على ييرّيس ويالِت العام الماضي، إلّا أنّه بدلًا من أن يسألني ما الحارس، سألني ما البومة.
«إنّها طائر»، أجبتُ.
بعد صمت، همس مانراس:
«حاذق. أأنت مستيقظ؟»
«همم...»
«أتظنّ أخي غاضبًا ممّا فعلت؟»
فتحتُ عينيّ وكتمتُ نخرة.
«تبًّا للجحيم يا مانراس. من الطبيعيّ أن يغضب، وليس قليلًا. ذلك الفتى شيطان.»
ساد صمت.
«لا أريد أن أراه ثانيةً أبدًا»، تمتم مانراس.
ابتسمتُ متفهّمًا ومددتُ يدًا لأهزّ ذراعه.
«إذًا تعالَ معي يا شيور. أرسِل أخاك ليصطاد التَّراقي. نحن صديقان، صحيح؟ بل أكثر من ذلك. أنت من أخرجنا جميعًا من البئر بالمفتاح. نحن إخوة، إخوةٌ حقيقيّون، من النوع الذي يحمي بعضه بعضًا ويسنده. أنت وديل وأنا. ألسنا كذلك؟»
استطعتُ أن أرى ابتسامته في الظلال، لكنّ ديل هو من أجاب:
«نحن كذلك.»
وأيّده مانراس:
«بجنون.»
خيّم الصمت وشيئًا فشيئًا صارت أنفاسنا أكثر انتظامًا. استغرقتُ وقتًا طويلًا لأنام، لأنّ الشعور بالحرّية من جديد، بعد أن كنتُ محبوسًا في جحيمٍ زمنًا طويلًا، كان تجربةً لا تُنسى. لم أكن آمُل إلّا أن يستطيع روغان تذكّرها طويلًا هو الآخر.
* شيور: نداءٌ ودّيٌّ دارج، بمعنى «يا صاحبي/يا رجل».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion