Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 3
الانطباع الأول الذي تركته فيّ إستِرغات لا يُنسى. فحتى من بعيدٍ، كان المرء يرى بحر البيوت يعلو ويعلو على الصخرة الهائلة. وكان الطريق الإمبراطوري الممتدّ شمالًا من المدينة مكتظًّا بالعربات والناس حتى صُمّت أذناي وطنّتا كأنّهما سِربٌ من النحل الطنّان. أطلّت الجِراء برؤوسها من الصندوق فضولًا، وفعلتُ مثلها متشبّثًا بأحد طرفَي العربة. كان ديراشو قد نبّهني مرّتين ألّا أنحني كثيرًا، لكنّي كنتُ أنسى على الدوام.
عبَرنا نهر إستِرغات مرّةً، ثم مرّةً أخرى، عبر بوّابات مورَليون، كما كان هيشيوا يسمّيها. وكنّا نصعد شارعًا واسعًا صاخبًا حين هتف:
«وهذه هي الجادّة!» كنّا قد خرجنا لتوّنا إلى ساحةٍ ضخمة. «انظر! تلك نافورة المانتيكور. أترى المخلوق؟»
رأيتُه متحجّرًا، وتدفّقٌ مهيبٌ من الماء ينبثق من فمه الهائل. فتحتُ عينيّ على سعتهما دهشةً، وتمنّيتُ ألّا يكون الفيريلومبارد على هذا الشكل. أوقف ديراشو العجوز العربة على مقربةٍ من المانتيكور.
«أظنّك ستعرف طريقك من هنا إلى مصنع زجاج عمّك، أليس كذلك؟» قال.
«نعم يا سيّدي، ليس بعيدًا،» أكّد هيشيوا. وبعد أن ربَّت على أنف أبيض، نزل بوثبةٍ رشيقة. «شكرًا جزيلًا لك على توصيلنا!»
«عفوًا يا فتى، لقد أنرتَ رحلتي بأسئلتك الكثيرة،» قال مبتسمًا. «وأنت يا صغير؟» أضاف بينما انزلقتُ إلى جانب هيشيوا والثعلب الأحمر بين ذراعيّ. «أتعرف إلى أين تذهب؟»
هَزَزتُ كتفيّ، فقال هيشيوا:
«سأساعده، لا تقلق يا سيّدي.»
«حسنًا. اسمع يا صغير، أعِد إليّ الثعلب الأحمر، إنّه ليس لك، إنّه لابنةِ ابنةِ أختي، أفهمت؟»
عضضتُ شفتي وأومأتُ بخيبةِ أمل. أعطيتُه الجرو، ووضع ديراشو العجوز يده على قبّعته.
«حظًّا سعيدًا يا فتيان!»
لوّح باللجام، وسرعان ما اختفت العربة وسط صخب الناس والعجلات وذوات الأربع.
«حسنًا؟» قال لي هيشيوا. «أتعرف في أيّ اتجاهٍ بيتك؟»
تلفّتُّ حولي. ورفعتُ بصري إلى شجرةٍ كبيرةٍ بلا أغصان. أشرتُ إليها.
«يا لها من شجرةٍ طريفة!»
ابتسم هيشيوا.
«لا عجب. إنّه مصباح شارعٍ، لا شجرة. يُستخدَم لإنارة الشوارع. سترى ذلك قريبًا: سيحلّ الظلام بعد قليل. حسنًا، اسمع، اتبعني إلى مصنع الزجاج. لعلّ عمّي تكون لديه فكرةٌ عن كيفية العثور على أهلك.»
أومأتُ، وبعد أن تأكّدتُ من أنّ حقيبتي وبطّانيّتي ما زالتا معي، تبعتُ رفيقي. كنتُ مذهولًا ممّا أرى. وفجأةً هتفتُ:
«يا للهول، عصاي!»
كنتُ قد تركتُها في العربة. استدرتُ وانطلقتُ عَدْوًا. صاح هيشيوا بشيءٍ خلفي. عدتُ إلى الجادّة وسلكتُ الطريق الذي ظننتُ أنّ ديراشو العجوز قد سلكه. وبعد حين، أدركتُ أنّي لا أملك أدنى فكرةٍ عن كيفية العثور عليه وسط هذا الحشد من الناس.
تلفّتُّ حولي، فاعتراني خوفٌ خافتٌ حين لم أرَ هيشيوا في أيّ مكان. أين عساه يكون؟ عدتُ أدراجي، لكن مضى وقتٌ طويلٌ قبل أن أجد الجادّة. تسلّقتُ نافورة المانتيكور، ومسحتُ المكان بعينيّ... لا شيء، لم يكن لرفيقي أثر. حسنًا، كيف كان لي أن أتخيّل أنّي سأفقد يومًا ما رفيقًا لمجرّد أنّي فقدتُه عن نظري وسط بحرٍ من الساجِت؟
«يا له من زحام!» هتفتُ.
وفجأةً رأيتُ ضوءًا يظهر. رفعتُ بصري إلى عمود المصباح المُضاء، وابتسمتُ متعجّبًا وأنا أرى رجلًا يُشعل آخر.
«واو، إنّه جميلٌ حقًّا،» غمغمتُ.
عندئذٍ فقط أدركتُ أنّ الظلام يحلّ، وأنّي لم أجد بعدُ أيّ مأوى. سِرتُ في شارعٍ واسعٍ حين لمحتُ شجرةً في نهاية شارعٍ آخر. وبتنهيدةِ ارتياحٍ ركضتُ نحوها، لكنّي وجدتُها نحيلةً جدًّا، فواصلتُ البحث. مشيتُ برهةً على دربٍ مهجورٍ يمتدّ بمحاذاة نهر إستِرغات، وإذ لم أجد أشجارًا، سألتُ نفسي: ماذا عساي أفعل؟ كان معلّمي يقول إنّ النجوم تهدي التائه، فتوقّفتُ ورفعتُ بصري إلى النجوم، لكن بسبب الضوء أو ما شابه، لم أستطع رؤيتها. وبينما كنتُ هناك أُجهد نظري بحثًا عنها، اعترض طريقي صبيٌّ أكبر منّي بقليل، على رأسه قبّعةٌ مائلة ويداه على خصره.
«مهلًا، شُور*... أثيابك مصنوعةٌ من الجلود؟»
قوّستُ حاجبًا حين رأيتُه يمدّ يده نحو ثيابي. أومأتُ.
«جلود أرانب، نعم.»
«تبًّا! أصطدْتَها أنت؟»
«نعم.»
«هيّا، بربّك،» ضحك. لاحظتُ أنّه يفتقد سنًّا. «وهذه البطّانيّة؟»
«إنّها من جلد الأرانب أيضًا،» أجبتُ.
«أدافئةٌ هي؟»
«ليست دافئةً كما كانت من قبل،» اعترفتُ.
زفر ساخرًا، كأنّي قلتُ شيئًا مضحكًا.
«قل لي. أين تحرث الأعماق؟»
«ماذا؟»
«أين نمتَ الليلة الماضية،» أوضح.
هَزَزتُ كتفيّ.
«في الغابة.»
«في الغابة؟» ضحك. «في حديقةٍ أم في غابةٍ حقيقية؟»
«في غابةٍ حقيقية،» قلتُ.
«همم. فهمت. وتقطع كلّ هذه المسافة كلّ يوم؟»
هَزَزتُ رأسي نفيًا.
«وصلتُ لتوّي.»
«آه! فهمت. وأهلك؟» هَزَزتُ كتفيّ. هزّ رأسه. «وستعود إلى الغابة في الظلام؟ ألديك عيون الكابور؟»
«كا-ماذا؟»
«الكابور، شُور، الكابور. إنّه حيوانٌ على ساقين يعيش على جوانب الدروب ويخرج بحثًا عن حَدوقات حبوب الذهب ليملأ حَدوقه. لم يفهم شيئًا،» ضحك من تعبير الحيرة على وجهي. «والآن بجدّية: تُعيرني بقعةً تحت بطّانيّتك ونتقاسم المأوى. ما قولك؟»
لم ينتظر جوابي. مضى مبتعدًا يُشير إليّ أن أتبعه. وفعلت.
قادني إلى رواق بيتٍ، مأوًى محميٍّ من الريح حتى إنّه ذكّرني بشجرةٍ جوفاء، فأعجبني. اضطجع رفيقي، واضطجعتُ، وسحب البطّانيّة فوقنا. وبعد صمتٍ نحنح خلاله رفيقي الجديد وحاولنا كلانا أن نجد وضعًا مريحًا، سألتُ:
«أحقًّا الحَدوقات مصنوعةٌ من حبوب الذهب؟»
«من الخارج لا، لكن من الداخل نعم،» أجاب.
«أوه. لكن إن كانت تحوي ذهبًا فلا يمكنك أكلها؛ فلماذا يصطادها الكابور إذًا؟»
سمعتُه يلهث دهشةً.
«أمّهات النور! أتسأل بجدّية؟ لنرَ يا كِنشِن*: الكابور قُطّاع طرق، وحَدوقات حبوب الذهب هي صُرَر الذهب. والآن اصمت، وإلّا سمعنا أصحاب البيت.»
فتحتُ عينيّ على سعتهما.
«أهناك أناسٌ خلف الباب؟»
«تبًّا للجحيم، نعم. ماذا تظنّ؟ أنّنا نبقى هنا في الخارج لأنّنا نحبّ البرد؟ أغمِض مصابيحك العلوية ونَم.»
أطعتُه، وكنتُ من التعب بحيث غفوتُ في ثوانٍ معدودة. وعند الفجر، أيقظنا صياح صاحب البيت.
«اخرجا!» زأر. كان الرجل الضخم يلوّح بعصاه غاضبًا، وأفزعني حتى وثبتُ واقفًا كأرنبٍ برّي. ولاعنًا، انطلق رفيقي عَدْوًا بالبطّانيّة، وتبعتُه بينما قال الرجل:
«عسى الشياطين أن تُمسك بكما قريبًا، أيّها الوغدان!»
غاب رفيقي عن نظري، وبعد لحظاتٍ قليلة، وجدتُ نفسي في شارعٍ وأدركتُ أنّي لا أعرف أين أنا. حاولتُ البحث عن رفيقي، فقد أخذ بطّانيّتي معه، لكن جهودي ذهبت سُدى.
«رفيقٌ آخر ضاع،» تنهّدتُ.
سيمرّ أكثر من عامٍ قبل أن أرى ذلك الصبيّ ثانيةً.
كان النهار يتبلّج، والشوارع بدأت تزدحم قليلًا. مشيتُ طويلًا، وكنتُ من الجوع بحيث توقّفتُ في لحظةٍ ما وقلتُ لامرأة:
«أنا جائع.»
مرّت من دون أن تتوقّف، وعلى وجهها تكشيرةٌ نصفها شفقةٌ ونصفها أسى. في العادة، حين كنتُ أقول ذلك لمعلّمي، كان يقول: حسنًا، اذهب وانبش بعض الجذور. والمشكلة أنّه لم تكن في هذه المدينة جذور. وبعد أن كرّرتُ شكواي ربّما مئة مرّة، بصوتٍ عالٍ، ومن بين أسناني، وفي رأسي، انفجرتُ:
«أنا جائع!»
كنتُ أمرّ بجانب طاولةٍ عليها طعامٌ حين رأيتُ شابّةً تضع شيئًا مستديرًا في يد الواقف خلف البسطة وتأخذ قطعةً داكنة اللون... قطّبتُ حاجبيّ واقتربتُ.
«ما هذا؟» سألتُ.
تلفّت الرجل حوله قبل أن يجيبني:
«ماذا تعني بـ‹ما هذا›؟ إنّه خبز الشعير يا بنيّ. أتريد أن تشتري؟ الكعكة بمسمارين ونصف، والرغيف بقطعةِ خمسة مسامير، والرغيف الكبير بسبعة عشر مسمارًا،» سرد.
لم أفهمه.
«مسامير؟» كرّرتُ. وأشرتُ إلى تلك المدقوقة في الطاولة، الشبيهة بتلك التي في صندوق معلّمي. «مثل هذه؟»
صفّر الرجل، وقد بدا مذهولًا.
«الأمّ الصالحة. من أين أتيت يا فتى؟»
«من الجبال،» أجبتُ.
هزّ رأسه، وبعد نظرةٍ أخرى حوله، أعطاني كعكةً وأراني قرصًا فضّيًّا.
«هذا نصف مسمار. خُذه، احتفظ بالقطعة. حين تجمع خمسًا مثلها يمكنك أن تشتري كعكةً كما تُملي الأرواح. والآن اذهب، ولا كلمةً عن هذا وإلّا لويتُ أذنك.»
وسّعتُ عينيّ وابتعدتُ مسرعًا، آخذًا قضمةً سخيّةً من خبزي وأتفحّص القطعة بيدي الأخرى. كان في وسطها ثقب، وقد نُقش حولها شيءٌ على الوجهين. الأرواح، فكّرتُ رافعًا بصري. كنتُ فضوليًّا حيال قصص الأرواح هذه. وكنتُ قد سمعتُ هيشيوا وديراشو العجوز يذكرانها عدّة مرّاتٍ أيضًا.
تجوّلتُ في الشوارع، أراقب في صمتٍ هذا العالم الغريب كلّه، ثم بلغتُ نافورةً وانحنيتُ لأنظر إلى انعكاسي. رحتُ أُقطّب وجهي وأنفخ على الماء فتشوّشت الصورة. ابتسمتُ.
«مرايا الماء ليست بهذه الصلابة.»
لمستُ الماء. كان دافئًا! ليس حارًّا، بل دافئًا قليلًا. أدخلتُ يدي ثم ذراعي. وبعد لحظاتٍ قليلة، أدخلتُ ذراعي الأخرى، ثم رأيتُ شيئًا في القاع. التقطتُه. كان عظمًا. كتلك التي كنتُ أعطيها لمعلّمي. جلستُ على الحافّة الحجرية وقضمتُ العظم، وأنا أشعر بالطاقة المَوْتية تتدفّق منه. ومع أنّي لم أكن بحاجةٍ إليها كمعلّمي، فقد امتصصتُ الطاقة.
«من أنت يا فتى؟» سأل صوتٌ فجأةً.
رفعتُ بصري فرأيتُ عجوزًا يراقبني. كانت له أذنان كبيرتان مدبّبتان، ويرتدي عباءةً واسعةً خضراء داكنة، شبيهةً جدًّا بعباءة معلّمي.
أخرجتُ العظم من فمي وقلتُ:
«أنا مور إلدال.»
ابتسم الإلف العجوز كاشفًا عن أسنانٍ فاسدة.
«يا له من اسم. لستَ من هنا، أليس كذلك؟ لهجتك فظيعة. منذ متى وأنت في إستِرغات؟»
«منذ يومٍ واحد،» قلتُ.
«يومٌ واحد! ومن أين أنت؟» سألني بنبرةٍ خفيفة.
«من وادي إيفون-سيل،» أجبتُ. «من الجبال. جئتُ لأكتشف العالم.»
«هذا ما يُسمّى طموحًا،» ابتسم بعرضٍ. «تعال، لنجلس هناك على ذلك الجدار الواطئ الأوسع. تثير قصّتك اهتمامي. ليس كلّ يومٍ يلتقي المرء فتى وادٍ بتلك النظرة المتوحّشة وعظمةٍ بين أسنانه، أتدري؟ هَه. لكن قل لي، أسافرتَ وحدك؟»
ذهبتُ وجلستُ على الجدار الواطئ إلى جانب العجوز قائلًا:
«نعم، جئتُ وحدي. مشيتُ أيّامًا. لكنّي بعد ذلك صادفتُ أناسًا طيّبين، وأحضرني رجلٌ عجوزٌ إلى إستِرغات على عربةٍ تجرّها الخيل.»
«كان ذلك طيّبًا منه حقًّا. لكنّه تركك وحدك؟ ذلك أقلّ طيبةً منه،» علّق العجوز.
«لا، لا، كان طيّبًا جدًّا،» أكّدتُ له مقطّبًا.
بدا العجوز مفكّرًا.
«همم... إذًا لا تعرف أحدًا هنا؟ وماذا ستفعل في إستِرغات؟» تأمّلتُ باحثًا عن جوابٍ لذلك. في الحقيقة، ماذا كنتُ سأفعل؟ لا صيدَ هنا ولا تسلّقَ أشجار. أومأ الإلف العجوز بابتسامةٍ خفيفة. «يبدو أنّك لم تفكّر في ذلك بعد، ها. حسنًا، سأخبرك بما سيحلّ بك، اسمع. اليوم، أو غدًا، أو بعد أسبوعٍ من الآن، سيلحظك بعضهم ويقولون: ‹مهلًا، أليس ذاك فتًى مهجورًا؟› وفي لمح البصر، سيأخذونك إلى عصابتهم؛ والكاب، إذ يراك عاجزًا هكذا، سيقبلك ويجعلك متسوّلًا. وبمظهرك هذا، أتنبّأ لك بالنجاح: حتى القاسي القلب سيعطيك مسمارًا. وهكذا، شيئًا فشيئًا، ستتعلّم حياة قطّ إستِرغات، وتجعل من نفسك لصًّا وتخدع الناس، وفي غضون بضعة أقمارٍ لا أكثر، تكون قد صرتَ غُواكًا شارعيًّا لا يُرجى شفاؤه.»
نظرتُ إليه معجَبًا. بدا هذا الإلف وكأنّه يعرف مستقبلي كلّه.
«لا أدري،» ترددتُ. «أخبرني معلّمي أنّ اللصوص أشرار.»
«معلّمك؟ إذًا لديك معلّم،» غمغم العجوز، وقد تجعّد جبينه. «أين هو الآن؟»
اتّخذتُ وجهًا متحفّظًا ونظرتُ إلى عظمتي.
«ميت.»
كان ذلك صحيحًا، بشكلٍ ما: فقد كان ناكروس.
«فهمت. إذًا وصلتَ إلى مدينةٍ لا تعرفها، وأنت وحيدٌ كالفارس الأعرج. ليس معك مال، أليس كذلك؟»
ضيّقتُ عينيّ، ثم ابتسمتُ، وأخرجتُ نصف المسمار الذي أعطانيه رجل خبز الشعير. أدار العجوز عينيه.
«هذا يشتري لك قشرة خبزٍ بائتٍ على أقصى تقدير. أمّا تلك القلادة التي تعلّقها حول عنقك فقد تشتري لك رغيفًا. من أين لك بها؟»
نظرتُ إلى قلادتي. كانت سيرًا من جلدٍ جيّدٍ عليه لوحٌ معدنيٌّ صغيرٌ ورموزٌ لم يستطع حتى معلّمي أن يفهمها قطّ. هَزَزتُ كتفيّ.
«كانت معي دومًا. أخبرني معلّمي أنّ عائلتي ربّما أعطتنيها.»
نظر العجوز إليها وأومأ مفكّرًا.
«ولا تتذكّر عائلتك؟»
«بالكاد،» اعترفتُ. «يقول معلّمي إنّي حين أخذني إليه أخبرتُه أنّ لي ستّة شتاءات. لكنّي لا أتذكّر.»
«ومتى حدث ذلك؟»
هَزَزتُ كتفيّ وتجهّمتُ. لم أكن أحبّ التفكير في الماضي البعيد. لكنّي أجبتُ:
«قبل أربع سنوات.»
«فهمت. حسنًا إذًا. والآن، انظر هنا يا فتى. قد أكون إلفًا عجوزًا فقيرًا أعرج، لكنّي لستُ شرّيرًا، ولن أدع صغيرًا مثلك، بهذه البراءة والطِّيبة، ينتهي به المطاف في وكر التنين. سأمدّ لك يد العون. اسمع،» أضاف. «هناك، عبر الساحة، أترى نجمة الداغلات على ذلك الباب، وتحتها وردة؟ ذلك شعار «وردة الريح». إنّها حانة. رخيصةٌ وليست جيّدةً كثيرًا، لكنّها من أفضل حانات حيّ القطط. أجائعٌ أنت؟»
«آه، في الواقع، جائعٌ إلى حدٍّ بعيد، نعم،» اعترفتُ.
ابتسم العجوز وأعطاني بعض القطع النقدية.
«إذًا اترك تلك العظمة واذهب لتشتري بعض لُقَم الجبن. هل سبق أن دخلتَ حانة؟ لا؟ حسنًا، تذهب إلى المِنضدة، وتقف على مقعدٍ كي يراك صاحب الحانة، وتقول بصوتٍ عالٍ: يا صاحب الحانة، أريد لُقمتَي جبن! تعطيه القطع النقدية وتعود إلى هنا باللُّقَم. أفهمت؟»
أومأتُ بحماسة، ووضعتُ العظمة في حقيبتي، ونهضتُ، والقطع النقدية في يدي، وركضتُ إلى الباب، وكدتُ أدفعه حين انفتح فجأةً فسمعتُ ضجيج أصواتٍ وكؤوس. انتظرتُ الرجل الخارج ليمرّ، ثم دخلتُ. تركني ما رأيتُ عاجزًا عن الكلام. كانت هناك طاولاتٌ وناسٌ وحتى كلاب. تعرّفتُ إلى المِنضدة بسهولة، وتسلّقتُ مقعدًا، وصحتُ:
«يا صاحب الحانة، أريد لُقمتَي جبن!»
خفت الصخب في الحانة على الفور، وضحك الرجل القويّ الذي أمامي وهو يراقبني في تسلية.
«اخفض صوتك أيّها المتوحّش الصغير، إنّك تُفزع زبائني. لديك صوتٌ جهيرٌ، أتدري. اجلس على المقعد قبل أن تقع، وسآتيك ببعض اللُّقَم في الحال. أعطني تلك القطع النقدية.»
تركتُها في يده الكبيرة، وجلستُ وظهري إلى المِنضدة، وتلفّتُّ حولي بفضول. كانت الأحاديث قد استؤنفت، والضجيج يُصِمّ أذنيّ. وقبل أن أجد وقتًا للملل، ظهر صاحب الحانة على الجانب الآخر من المِنضدة وأعلن:
«لُقمتا جبنٍ يا فتى!»
«شكرًا،» قلتُ. أخذتُهما، ونظرتُ إليهما بفضول، وقضمتُ قضمةً وزفرتُ ماضغًا. «إنّها لذيذة! شكرًا يا صاحب الحانة!»
وتحت نظرته المتسلّية، خرجتُ راكضًا. عبرتُ الساحة ووجدتُ الإلف العجوز حيث تركتُه. ابتسم لي.
«أرى أنّك بدأتَ من دوني.»
أعطيتُه لُقمته وجلستُ آكلُ حتى شبعت.
«لذيذةٌ، أليس كذلك؟ بل ينبغي أن أقول إنّها كانت كذلك،» ضحك العجوز. في الواقع، كنتُ قد حشوتُ لتوّي آخر قطعةٍ في فمي. وتابع: «أتدري؟ إن أصغيتَ إليّ جيّدًا، فقد أتمكّن من إيجاد شخصٍ يستطيع أن يشتري لك وجبةً طيّبةً كلّ يوم.»
حدّقتُ فيه وابتلعتُ آخر قضمة.
«حقًّا؟» قلتُ. «أين ذلك الشخص؟»
راقبني الإلف العجوز بعنايةٍ قبل أن يجيب:
«أتعرف ما الأخويّة؟»
أومأتُ.
«الكثير من الإخوة. كان لي بعضهم ذات مرّة. على ما أظنّ.»
ابتسم العجوز.
«نعم. الأخويّات عائلاتٌ يتعلّم فيها الناس ويتعاونون. حسنًا، يصادف أنّي أنتمي إلى واحدة. ورأيتُ أنّه لا ضير في توسيع العائلة. أسمعتَ بالخناجر السوداء؟ لا، بالطبع لا، كما هو متوقّع. حسنًا. نحن الخناجر السوداء أخويّةٌ خاصّة. ليس بيننا لصوصٌ حقراء ولا محتالون رخيصون، ناهيك عن أشرار. نحن الخناجر السوداء لنا ميثاق. بل نعرف حتى أن نصنع قليلًا من السحر.»
كِدتُ أقول له: آه، أستطيع أنا أيضًا أن أصنع قليلًا من السحر، بل أكثر من قليل. لكنّي توقّفتُ في الوقت المناسب، لأنّه ما كان ينبغي لي أن أتحدّث عن ذلك. عضضتُ لساني وأبقيتُ عينيّ على العجوز. تابع:
«فكّرتُ في الأمر وقرّرتُ أنّك قد تصير خنجرًا أسودَ جيّدًا. سيكون لك طعامٌ، وبيتٌ تنام فيه، بل ومعلّمٌ يعلّمك أشياء كثيرة.» راقبني بطرف عينه. «ما رأيك؟ أتعجبك الفكرة؟»
ابتسمتُ.
«أوه نعم، تعجبني كثيرًا. ماذا عليّ أن أفعل؟»
«عُد إلى هنا الليلة عند الغسق واجلس على هذه النافورة بالذات. سيأتي أحد أعضائنا ليأخذك. وبالطبع، لا تقل شيئًا عن هذا لأحد، حسنًا؟ نحن الخناجر السوداء أخويّةٌ سرّية،» قال بغمزة.
وبينما كنتُ أومئ، ابتسم ومدّ يدًا متغضّنةً ليعبث بشعري كما كان يفعل معلّمي. شعرتُ على الفور بموجةٍ من الثقة تجاه هذا الإلف.
«أراك قريبًا يا صغير. لا تنسَ: تعال إلى هنا عند الغسق. اسم الفتى يالِت.»
نهض، ورأيتُه يبتعد عارجًا. ولم يخطر لي إلّا حين اختفى أنّي نسيتُ أن أسأله عن اسمه.
* شُور: مخاطبةٌ ودّية، بمعنى «صديقي/يا صاح» تقريبًا.
* كِنشِن: لفظٌ عامّيٌّ للفتى الصغير، بمعنى «يا غلام» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion