Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 4
قضيتُ النهار أعلّم على المنطقة دون أن أبتعد كثيرًا عن ساحة وردة الريح، إذ لم أكن، وسط هذا الكمّ من الشوارع، أثق بعدُ بحسّي في تحديد الاتّجاهات. وبحجري المسنون في يدي، رحتُ أرسم علاماتٍ عند كلّ زاوية، لأصنع معالم يمكن تمييزها، إلى أن ناداني إلفٌ داكنٌ طويل القامة:
«ماذا تفعل أيّها الشيطان الصغير؟»
ذكّرتني نبرته إلى حدٍّ بعيد بنبرة صاحب البيت الذي طاردني ورفيقي الذي تنقصه سنّ، حتى إنّني تحلّيتُ بالحذر ففررتُ ومضيتُ أعلّم الشوارع على نحوٍ أكثر خفاءً.
مع حلول المساء، عدتُ إلى الساحة، وجلستُ على حافّة النافورة، ورحتُ أراقب الساجِتيّين. سمعتُ نتفًا من الأحاديث، لكنّي لم أفهم إلّا القليل. وفي لحظةٍ ما، غير بعيد، جلس إلفٌ ومعه كومةٌ كبيرة من الأوراق. ومن الطريقة التي كانت عيناه ترتدّان بها ذهابًا وإيابًا، أدركتُ أنّه نوعٌ من الكتب. وبدافع الفضول، اقتربتُ لأرى ما هو مكتوب، و... لم يُتَح لي إلّا أن أدرك أنّني لا أفهم العلامات البتّة قبل أن يزمجر الساجِت:
«أفسِح لي بعض المكان، أيّها الصغير.»
ففعلت: درتُ حول الساحة بأكملها، وانتظرتُ حتى ذهب الإلف قبل أن أعود إلى النافورة.
حين أرخى الليل سدوله، كانت الساحة لا تزال مكتظّة. من الواضح أنّ الساجِتيّين ليسوا كالسناجب التي تختفي مع غياب الشمس. في تلك الليلة كان البدر ساطعًا، وهذا ما بعث في نفسي الطمأنينة. كان معلّمي يقول إنّه ما دام القمر أو الجوهرة أو الشمعة ساطعًا في السماء، فبإمكان المرء دومًا أن يهتدي إلى طريقه.
الأقمار الثلاثة شمسُ الليل، قال، والنجوم أشعّتها.
في الليالي الدافئة، كنّا كثيرًا ما نخرج لنعدّ النجوم. حسنًا، لا أدري إن كان يعدّها هو، لكنّه كان يطلب منّي أن أعدّها، وأضربها، وأطلعه على حساباتي. تعلّمْ يا مور إلدال. حتى السناجب تعرف أن تعدّ بلّوطها! كان يقول لي.
كنتُ ألهو بريشتي الصفراء، شارد الذهن، حين جلس إنسانٌ بجانبي على حافّة النافورة وعلّق:
«ريشةٌ جميلة.»
أمَلتُ رأسي إلى جانب ورحتُ أتفحّصه بعناية. كان شابًّا، يرتدي عباءةً داكنة، وثمّة شيءٌ في عينيه ينبئني بأنّه لم يجلس هناك مصادفةً.
«يالِت؟» قلتُ مستفهمًا.
رأيته يبتسم ويومئ.
«هو بعينه. وأظنّك مور إلدال.» أكّدتُ ذلك صامتًا، أنظر إليه بوقاحة، فلاحظ: «اسمٌ غريب. أوالداك من سمّياك به؟»
هززتُ رأسي نافيًا.
«ليس لي والدان.»
أومأ يالِت في هدوء.
«لستَ الوحيد، فاطمئنّ. قل لي، أتعرف لماذا أرسلك رولغ لتراني؟»
افترضتُ أنّ رولغ هو الإلف العجوز. هززتُ كتفيّ.
«قال إنّك ستعلّمني وتشتري لي طعامًا طيّبًا.»
ابتسم يالِت.
«تمامًا. إن أحسنتَ التصرّف، ستكون سارِيَّ، وأكون أنا، على نحوٍ ما، مُرشدك وأعلّمك أشياء كثيرة. أتعرف ما معنى أن تُحسن التصرّف؟»
أومأتُ. كان معلّمي قد أخبرني بذلك. شرحتُ له باجتهاد:
«يعني ذلك أنّ عليّ ألّا أزعج، وألّا أتكلّم حين يُطلب منّي أن أصمت، وألّا أفعل حماقةً كأن آكل فُطرًا لا أعرفه أو أدنو من الأفاعي.»
ابتسم ابتسامةً عريضة.
«ما كنتُ لأقولها أفضل من ذلك. حاول ألّا تنسى هذا، وسنتّفق نحن الاثنان على أحسن حال، اتّفقنا؟ هيّا، اتبعني. سأريك شيئًا.»
نهض برشاقةٍ عن حافّة النافورة، ولم أتردّد: وضعتُ ريشتي الصفراء في الحقيبة وتبعته بفضول. قادني يالِت عبر الشوارع، واضطررتُ إلى الهرولة كي أواكبه. أخيرًا، توقّف عند زقاقٍ مسدود والتفت إليّ بوجهٍ ضاحك.
«أتُحسن التسلّق؟»
ابتسمت.
«بالطبع! أنا متسلّقٌ بارع. كلّما رآني معلّمي على شجرة، قال إنّني أحمقُ متهوّر. لكنّ المرّات التي سقطتُ فيها أعدّها على أصابع يدٍ واحدة.»
رأيته يرفع حاجبًا في تسلٍّ.
«حسنًا، هنا، الأفضل ألّا تسقط، لأنّ المكان الذي أريد أن آخذك إليه أعلى بكثير من شجرة. والآن راقبْ وتعلّم.»
تسلّق فوق برميل، وأخذ زخمًا، وتشبّث بعارضةٍ من أوطأ سطح. في ثوانٍ قليلة، كان جاثمًا عليها ينظر إليّ من خلال الظلال، وكأنّه ينتظرني.
اتّسعت عيناي دهشةً، وأكثر حين رأيته يلوّح بيده. أه... حقًّا؟ عليّ أن أفعل الشيء نفسه؟ حسنًا، فكّرت. هيّا. بإمكانك فعلها أيّها المتسلّق البارع. أخذتُ نفَسًا عميقًا لأشدّ من عزيمتي، وتسلّقتُ البرميل وحاولتُ بلوغ العارضة، لكنّها كانت أبعد من أن تُنال. حسنًا، لم تكن هذه الطريقة ممكنة. نزلتُ ووجدتُ عمودًا معدنيًّا كبيرًا بعض الشيء يصعد ويصعد إلى القمّة. أمسكتُ به وشرعتُ في التسلّق. كان الأمر أشبه بتسلّق شجرة، لكن أقلّ يُسرًا، لأنّه لم تكن ثمّة أغصان. بلغتُ السطح، وأمسكتُ بالإفريز، و... انزلقت، ولولا أنّ يد يالِت أمسكت بي في تلك اللحظة، لسقطتُ سقطةً موجعة. ساعدني الخنجر الأسود على الصعود إلى السطح، ورغم أدائي المريب، ابتسم وقال:
«ليس سيّئًا لمحاولةٍ أولى. تذكّر: المهمّ هو أن تتمسّك دومًا بمقبضٍ متين. إن عجزتَ عن التسلّق من جهة، فاصبر: ستجد طريقًا آخر. أمّا ما يجب ألّا تفعله، بالطبع، فهو أن تقفز، أليس كذلك؟ هيّا، اتبعني وكن حذرًا.»
تبعته على أربع فوق القرميد إلى سطحٍ أعلى. لم يفارقني يالِت، وكأنّه يخشى أن أنزلق وأسقط في أيّة لحظة. تسلّقنا الشُّرَف، وعبرنا سطوحًا مكدّسةً بالخُردة، وتسلّقنا الواجهات. لم يكن هذا بالتأكيد كتسلّق الأشجار. كان ممتعًا، أجل، لكنّه كان... حسنًا، مختلفًا، وأكثر إثارةً للقلق: فبدلًا من الطيور والسناجب، صادفنا الجرذان والخفافيش.
أخيرًا، بعد تسلّقٍ وتسلّق، بلغنا سطحًا شديد الارتفاع، فربت يالِت على كتفي.
«لقد وصلنا. أهلًا بك في قاعة درس المعلّم يالِت وتلميذه! إنّها فوضويّةٌ بعض الشيء، لكن لا بأس: نحن لا نسمح بالزوّار على أيّة حال. والآن التفتْ وتأمّل المدينة، يا مور إلدال.»
التفتُّ وأطلقتُ لهاثًا مكتومًا. حدّقتُ في المدينة الليلية، مسمَّرًا في مكاني. بدت كأنّها محيطٌ من اليراعات. أو محيطٌ من النجوم، فكّرتُ في دهشة.
«جميلة، أليست كذلك؟» رفع يالِت يده. «انظر. ذاك، هناك في البعيد، هو الجادّة. أترى تلك القبّة المضاءة؟ إنّها المعبد الكبير. وإلى جانبها تمامًا الكابيتول، حيث البرلمان. الحيّ الذي يليه مباشرةً هو ريسكيل، وكر التجّار، وكلّ ذلك تارميل، حيّ الحِرفيّين. هذا هو النهر. وما وراءه، هناك مصانع القنوات. آه، حيث لا ترى النور، تلك هي الحديقة البرّية، أتراها؟ هناك يحتفظون بأغرب حيوانات بروسباتيرّا. و، حسنًا، خلفنا، يقع الحيّان الغنيّان. أتويرثو والقيثارة.» أشار إلى الجزء الأعلى من المدينة بإيماءةٍ غامضة. «أعمل في حانةٍ في القيثارة. وصدّقني، أجني من إكراميّات الزبائن أكثر ممّا يعطيني إيّاه صاحب الحانة البخيل. ما تراه هناك، فخمًا كقصر، هو المعهد، حيث يدرس السحرة. وخلف ذلك السور تقع القلعة. مدينة المنبوذين. النبلاء. وذلك،» أضاف، مديرًا ظهره للصخرة من جديد وناظرًا إلى البيوت التي أمامنا مباشرةً بتعبيرٍ مهيب. «ذلك، يا مور إلدال، هو حيّ القطط. هنا نشأتُ، وهنا ستعيش.»
قوّستُ حاجبيّ.
«على هذا السطح؟»
نطقتُ الكلمة بعناية، فقد تعلّمتها لتوّي. ضحك يالِت في سرّه.
«لا. ليس على هذا السطح. ذاك ملاذٌ سرّيّ لا يعرفه سواي وسواك، يا مور إلدال. ستعيش مع رولغ العجوز. بيته من ذلك الاتّجاه،» قال ملوّحًا بيده على نحوٍ مبهم. «كنتُ سأؤويك عندي بكلّ سرور، لكنّي أقيم في نُزُلٍ في أتويرثو ولا أستطيع إدخالك. لا تقلق، ثمّة الآن سارِيَان آخران يعيشان مع رولغ أيضًا.»
«أهما طفلان مثلي؟» سألت.
ألقى يالِت نظرةً عليّ، ربّما مستمتعًا باهتمامي الشديد.
«ييرّيس في الثالثة عشرة، وسلارين... أظنّها في الثالثة عشرة أيضًا. سلا ابنةُ، حسنًا، ابنةُ خنجرٍ أسود وقع في شِباك الحرّاس... مممف. اسمع، حالما ننزل من هذا السطح، سآخذك إلى بيت رولغ ويمكنك أن تتعرّف إليهما كليهما. اتّفقنا؟»
أومأتُ وأسندتُ مرفقيّ إلى الجدار، محدّقًا في المدينة، مفتونًا. بدأتُ أظنّ أنّ معلّمي كان مُحقًّا حين طردني من كهفه. كم كان لديّ لأتعلّمه! وكم من أماكن جديدة لأستكشفها! رفعتُ يدًا وأشرتُ إلى المباني العالية المتراصّة بسطوحها البارزة في حيّ القطط.
«وما ذاك هناك؟ حيّ القطط أيضًا؟»
كان يالِت، مثلي، متّكئًا على الجدار. رفع نظره ليرى إلامَ أشير، وأضاء القمر وجهه.
«ذاك... هو المتاهة. إنّه جزءٌ من القطط، إنّه قلب الحيّ، لكن...» تردّد. «الأفضل لك ألّا تدخل هناك. إنّه مكانٌ خطير. مثل ذلك الفُطر وتلك الأفاعي، أتفهم؟»
قلّبتُ عينيّ.
«طبعًا. وذاك هناك؟»
أشرتُ إلى منطقةٍ على اليسار، مليئة ببيوتٍ صغيرة واطئة.
«ذاك هو الحيّ الأسود. وأبعدَ في اتّجاه مجرى النهر تقع مينشالدرا، بلدة الملّاحين. أترى تلك الأضواء هناك؟ إنّها أضواء الجسر الباسل. وهناك، أمامك مباشرةً، وإن لم تستطع رؤيتها، تقع غابة إستِرغات المحرّمة. الجميع يسمّيها السرداب لسببٍ ما. لا يُسمح لأحدٍ بقطع شجرةٍ واحدة في الغابة. إنّها مِلكٌ لآل فال، أسرةٌ نبيلة.»
كان يشير بإصبعه إلى موضعٍ يلفّه الظلام وراء النهر، فحاولتُ أن أرى، لكنّي لم أرَ شيئًا. غابة، فكّرت. كان من المطمئن أن أعرف أنّ ثمّة واحدةً بهذا القرب.
«ماذا تعني كلمة سرداب؟» سألت.
«ها. إنّه مكانٌ حيث... حسنًا، حيث يدفنون الموتى. لا تقلق،» أضاف بنبرةٍ خفيفة. «لا تخرج منه أشباحٌ ولا ما شابه. في أسوأ الأحوال، قد يكون هناك بعض الدببة أو الذئاب. العام الماضي، خرج منه نادرِيٌّ أحمر، أحد تلك التنانين الصغيرة التي تركض بسرعةٍ فائقة وتنفجر حين تموت، هل رأيتَ واحدًا من قبل؟ لا؟ حسنًا، لا بدّ أنّه ما زال لديّ نقشٌ قصصتُه من الجريدة. سأريك إيّاه.»
«ما النقش؟» سألت.
بُهت يالِت ولم ينبس.
«النقش رسم.»
«آه. وما الجريدة؟»
«الأرواح، حسنًا... الجريدة هي... حزمةٌ من الأوراق مكتوبٌ عليها معلومات،» أجاب مُنَحنِحًا.
«حسنًا. شكرًا،» قلت. «وما الأرواح؟»
«الرعود...» تمتم يالِت وهو يدلّك جبينه. «الأرواح هي... اسمع، يا مور إلدال، هذا سؤالٌ من الأفضل أن تطرحه على كاهن، اتّفقنا؟»
عضضتُ شفتي وأومأت. قرّرتُ ألّا أسأله ما الكاهن.
«إذًا، الغابة خطيرة؟»
هزّ يالِت رأسه وابتسم لي.
«ليست كذلك ما دمتَ تبقى هنا في القطط.»
زممتُ شفتيّ وأشحتُ بنظري إلى مباني القطط التي لا تُحصى. كانت الريح باردة فارتجفت. كسرتُ الصمت.
«قلتَ قبل قليل إنّ خنجرًا أسود وقع في شِباك الحرّاس. من هؤلاء الحرّاس؟» سألت.
رأيته يقلّب عينيه ويكتم ضحكة.
«لا أمزح. أتعرف ما الشرطيّ؟ لا؟ يا أمّاه العزيزة. في القطط، يسمّونهم الذباب. أيُذكّرك هذا بشيء؟ لا؟ حسنًا يا ساري،» تنهّد داخلًا النفَس، ناظرًا إليّ بإمعان. «الحرّاس هم الذين يراقبون ويعتقلون من يفعلون ما لا ينبغي فعله، ويزجّون بهم في السجن، مكانٍ بقضبانٍ لا تستطيع الخروج منه. أفهمت؟»
أومأت.
«نعم.»
إلى حدٍّ ما، أضفتُ في نفسي، لكنّي أبقيتُ ذلك لنفسي، لأنّي شعرتُ أنّ جهلي المطبق كان يدفعه إلى شيءٍ من اليأس.
«أخبرني رولغ أنّك من الوادي،» استأنف يالِت بعد صمت. «قال... إنّك كنتَ تعيش مع رجلٍ عجوز.»
«هذا صحيح. لكنّه طردني،» اعترفتُ، وقد تجهّمتُ فجأة. أسندتُ ذقني إلى يديّ، وعيناي على المدينة، وشرحت: «أراد أن أذهب لأعيش معكم يا قوم، كي أتعلّم أشياء. أشتاق إليه،» بُحتُ بصوتٍ خافت. «لكنّه لا يريدني أن أعود حتى... حتى أجد فيريلومبارد.»
قوّس يالِت حاجبًا.
«فيريلومبارد؟ مهلًا،» قال فجأة. «أخبرني رولغ أنّ معلّمك ميّت.»
فتحتُ فمي، ثمّ أطبقته من جديد، وزممتُ شفتيّ.
«حسنًا... المسألة أنّه ليس ميّتًا حقًّا.»
رفع يالِت حاجبيه، ولمّا لم أقل شيئًا آخر وأشحتُ بنظري إلى أضواء الشارع البعيدة، عبث بشعري وقال بمرح:
«هيّا. لا تحزن. إن كنتَ ومعلّمك تعيشان حقًّا وحدكما في الجبال... حسنًا، أتدري؟ أظنّه أسدى إليك معروفًا عظيمًا حين طردك. لولا ذلك، لما رأيتَ إستِرغات أبدًا. ولما رأيتَ هذا قطّ،» أضاف مشيرًا بيده على اتّساع نحو المشهد الليلي. «لنذهب، سأريك بيتك الجديد. لكن أوّلًا: كن حذرًا في طريق النزول.»
رأيته يتخطّى الجدار إلى السطح الأدنى فابتسمت. ظننتُ أنّ هذا الساجِت لطيفٌ جدًّا. وفوق ذلك، بدا أنّ الشعور متبادل. والأفضل من ذلك: كان معلّمي الجديد. عضضتُ أصابعي، وأنا لا أزال أبتسم.
«يا مور إلدال! ماذا تفعل؟»
أوبس. أسرعتُ متخطّيًا الجدار وشققتُ طريقي نزولًا عبر السطوح. وحين بلغنا الزقاق أخيرًا، لاحظ يالِت:
«أتدري؟ ينبغي أن تغيّر اسمك. مور إلدال... غريبٌ أكثر من اللازم. الجميع سينتبه إليه. ما رأيك لو غيّرناه إلى...؟» فكّر لثوانٍ قليلة تحت نظرتي المتسائلة، ثمّ نطق فجأة: «درائن. هناك الكثير منهم في إستِرغات. وهو اسمٌ جيّد. أيعجبك؟»
ابتسمت. لم يكن معلّمي يسألني عن رأيي عادةً. حين سمّاني الناجي، على الأقلّ، لم يسألني إن كان يعجبني ذلك. أومأت، وأنا أشعر أنّ يالِت قد أهداني هديّةً لتوّه.
«نعم. يعجبني. ويالِت اسمٌ جيّد أيضًا،» أضفت.
ألقى عليّ نظرةً ساخرة.
«نادِني يال وسأناديك درائن، اتّفقنا؟» أومأت، فابتسم لي. «هيّا، لنذهب.»
تبعته عبر الأزقّة إلى فناءٍ ضيّق مليء بالخُردة. كان البيت الذي على اليمين في حالٍ أسوأ بكثير من الذي على اليسار. توجّه يال إلى الأخير، صعد بضع درجاتٍ خشبية ودفع الباب فُتِح.
كان في الداخل ضوء. حين دخلتُ خلف يال، رأيتُ غرفةً تشبه إلى حدٍّ ما تلك التي في بيت هيشيوا. كان فيها أربع حشايا من القشّ، وطاولة، وبعض المقاعد، وقطعةُ أثاثٍ أخرى لم أعرف لها اسمًا.
«حسنًا، يبدو أنّ ييرّيس وسلارين ليسا هنا،» قال يال عابسًا.
«في الآونة الأخيرة، بالكاد يمرّان،» تمتم صوت. التفتُّ فرأيتُ الإلف العجوز يخرج من الغرفة المجاورة. أزاح اللِّثام الذي كان يقيه البرد، وسطع ضوء الفانوس على وجهه المتغضّن الوادع. ابتسم لي. «أهلًا بك في الوكر، يا فتى. كنتُ لأحدّثك عن كلّ أعمال هذا البيت وقواعده، لكنّي أعتقد حقًّا أنّ ثمّة أمرًا أكثر إلحاحًا نفعله.» وضع كومةً من الثياب على الطاولة وأشار إلى دلوٍ ضخم مليء بالماء. «اغتسل في المِغطس، عندك صابونة وإسفنجة هناك بجانبه تمامًا. أريدك أن تفرك حتى نرى بشرتك، اتّفقنا؟ ثمّ ارتدِ هذا،» قال ملاطفًا ثيابي بربتة. أومأتُ، دون كلمة، لأنّي لم أكن متيقّنًا أنّي فهمتُ كلّ شيء. رأيته يقلّب عينيه. «يال، يا فتى، أحتاج أن أكلّمك لحظة.»
ابتسم لي يالِت ليشجّعني على فعل ما طلبه رولغ، فمشيتُ إلى المِغطس. توقّفتُ أمامه، وألقيتُ نظرةً إلى الغرفة المجاورة طلبًا للعون، تمامًا حين أُغلق الباب. حسنًا. عليّ إذًا أن أدبّر أمري بنفسي. خلعتُ جلود أرانبي، والتقطتُ الصابونة والإسفنجة ونظرتُ إليهما لحظةً قبل أن أغمسهما في الماء. اتّسعت عيناي حين رأيتُ الزبد الأبيض. لعقتُ الصابونة و...
«أُخّ...» تأوّهت.
بصقتُ، ونظّفتُ فمي بالماء، ثمّ فكّرتُ أنّه سيكون أسهل أن أدخل المِغطس، فدخلتُ وشرعتُ أفرك كما قال الإلف العجوز. حين خرج يال من الغرفة، كنتُ أفرك قدمًا. نظر إليّ وابتسم.
«حسنًا يا ساري، أظنّك على الطريق الصحيح. بدأتَ الآن تبدو كإنسان. لكن، أتدري، نستعمل الإسفنجة أيضًا. انظر، سأفرك ظهرك، فذلك ليس سهلًا وحدك. ناولني الصابونة وانهض.»
أخذ الإسفنجة والصابونة وشرع يفرك.
«مهلًا. لديك ندبةٌ جميلة هنا على ذراعك،» لاحظ يال.
«فعلها بي وشقٌ الصيف الماضي،» شرحت.
«وشق؟» تنفّس يال بانبهار. «وخرجتَ منها حيًّا؟»
«حسنًا...» تلوّيتُ محرَجًا، لأنّي تذكّرتُ لتوّي أنّه لا يمكنني الحديث عن تلك الحادثة. فعلى أيّة حال، إن كنتُ قد نجوتُ من الوشق، فذلك بفضل تعويذةٍ من سحر الموتى: كنتُ قد قذفتُ الهرّ بشحنةٍ مَوْتية، فأصابه الذعر. بعد صمت، قلت: «كنتُ محظوظًا.»
«بالتأكيد كنتَ كذلك،» نخر يال وهو يواصل الفرك بقوّة. «على أيّة حال، في إستِرغات على الأقلّ لن تضطرّ إلى قتال الوشوق. حسنًا، يريد رولغ أن أشرح لك قليلًا كيف يسير هذا البيت. القواعد ليست كثيرة، لكن عليك احترامها. أتسمعني؟»
«كثيرًا،» أكّدتُ له.
«حسنًا. القاعدة الأولى: لا تُدخل أحدًا ليس عضوًا في الأخويّة. القاعدة الثانية: افعل كلّ ما يأمرك به رولغ. القاعدة الثالثة: لا تدخل غرفته. وهذا كلّ شيء. أرأيتَ كم هو سهل؟» ابتعد بضع خطوات، ورفع دلوًا صغيرًا مليئًا بالماء، ومن دون إنذار، سكبه كلّه فوق رأسي. صِحتُ صيحةً حادّة، فضحك: «تستمتع بالاستحمام بقدر ما كنتُ أستمتع في مثل سنّك. لكنّه كان أمرًا لا بدّ منه، صدّقني. حدّثتُك عن الحرّاس قبل قليل، أتذكر؟ حسنًا، كانوا سيقتلعونك من الشوارع في نهاية المطاف، ويرسلونك إلى أحد ملاجئهم، وما كنتَ لترغب في أن تكون هناك، ولو ميّتًا، صدّقني. والآن جفّف نفسك بهذا وارتدِ ثيابك. ليلة الغد، سآتي إلى هنا لآخذك، فاحرص أن تكون هنا. حاول أن تنسجم مع ييرّيس وسلارين، همم؟ الأرجح أنّهما سيعلّمانك الكثير، فأصغِ إليهما. طابت ليلتك يا ساري،» قال ملاطفًا كتفي بربتة.
لا أدري ما الذي أثارني أكثر: احتمال أن أتعرّف إلى هذين السارِيَين، أم احتمال أن أرى يال من جديد في اليوم التالي. أجبتُ مبتسمًا:
«طابت ليلتك يا إلَسّار*.»
وقد صار قرب الباب، نظر إليّ يال مندهشًا.
«إلَسّار؟ ماذا تعني؟»
أوبس. هززتُ كتفيّ وشرحت:
«معلّم. أيمكنني أن أناديك بها؟ الأمر فقط أنّ... معلّمي، كنتُ دائمًا أناديه إلَسّار.»
قوّس يال حاجبًا وابتسم.
«همم. كما تشاء. أراك غدًا يا ساري.»
«أراك غدًا يا إلَسّار!»
اتّسعت ابتسامته. أغلق الباب خلفه، وأسرعتُ أرتدي ثيابي لأنّ الغرفة لم تكن دافئةً تمامًا، فكيف والشعر مبلّل. كنتُ أرتدي القميص حين خرج رولغ من غرفته يعرج.
«كيف يعجبك بيتك الجديد يا بنيّ؟»
«جميلٌ جدًّا،» أكّدتُ له. «إنّه أكبر من الذي كان لي من قبل. لكنّه بارد هنا أيضًا.»
«لهذا أحضرتُ لك بطّانية. تفضّل.» ناولني رولغ البطّانية وأشار إلى حشيّةٍ من القشّ بإيماءة. «هذه لك. لا تمانع إن رميتُ هذه الجلود، أليس كذلك؟ رائحتها أنتن من بالوعة. حتى أبأس المتسوّلين كان ليرميها. هيّا، استلقِ ونم، الأرجح أنّك متعب، وإن لم تكن كذلك، فمهما فعلت، لا تُصدر صوتًا: أحذّرك أنّني إن أُوقظتُ قبل شروق الشمس، أنهض دائمًا بمزاجٍ نكِد، وأنت لا تريد أن تعرف ما يعنيه ذلك، أليس كذلك؟» ابتسم لي ساخرًا. «طابت ليلتك، يا فتى.»
«طابت ليلتك يا رولغ،» أجبتُ بمرح. «وشكرًا جزيلًا على... على الصابونة. طعمها فظيع، لكنّها لطيفةٌ جدًّا. وشكرًا على الثياب والبطّانية. وعلى الحشيّة، إنّها أفضل من التي كانت لي في الجبال.»
تلألأت عينا الإلف العجوز تسلّيًا.
«حسنًا، يسعدني ذلك.»
لففتُ نفسي بالبطّانية ورأيتُ رولغ يحمل الفانوس إلى غرفته. أغمضتُ عينيّ، ثمّ فتحتهما من جديد، وأجلتُ نظري في الغرفة على ضوء القمر الخافت المتسلّل عبر النافذة. كان بوسعي سماع الأصوات البعيدة، والهمهمات الغريبة. سمعتُ صرير الخشب تحت خطوات الإلف العجوز العرجاء في الغرفة المجاورة، وأصواتًا في الفناء، و... فجأة انفتح الباب بهمسةٍ تكاد لا تُسمع ودخل شبحان. كانا طفلين.
«تلك آخر مرّة أذهب فيها إلى المسرح معك،» همست الفتاة للفتى.
«أنتِ تبالغين،» ردّ الآخر همسًا.
لم يقولا المزيد. استلقيا على حشيّتَيهما، وتردّدتُ في أن أقول لهما شيئًا. أخيرًا، قرّرتُ ألّا أفعل، لأنّ رولغ قد يكون نائمًا بالفعل ولم أُرد أن أوقظه. فأصغيتُ إلى أنفاس ييرّيس وسلارين، وطمأنتُ نفسي بإقناعها أنّي أنام في بيتٍ ودود، وإذ تذكّرتُ تلك الوجبات الخفيفة الموعودة، غفوتُ في سلام.
* إلَسّار: لقبٌ يخاطَب به المعلّم أو السيّد، أي «معلّمي».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion