Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 70
أوه، أوه، أوه، السنونو يمضي،
يطير، يطير على الريح،
من عشٍّ إلى عشٍّ، ولا يدري
إلى أين يمضي!
«أوه! أوه! إلى أين يمضي!» ردّدتُ صائحًا بأعلى ما في رئتيّ.
كانت نفثاتُ بخارٍ كبيرة تخرج من فمي. كان ذلك بسبب البرد. وأمامي، كان الذئب الصغير، ملفوفًا في البطّانية الدافئة، يرقبني باهتمامٍ شديد. في اليوم السابق، كان الثلج قد استحوذ على كلّ اهتمامه. فما إن سمح لنا داكيس بالنزول حتّى بدأ يلمسه، فاحمرّت أصابعه من البرد، فلفَفتُه لفًّا لم يستطع الصغير معه أن يُفلت نفسه، فبقي كذلك، ملفوفًا الليلَ كلّه. وكلّما نظرتُ إليه، لم أستطع إلّا أن أبتسم.
في ذلك الصباح، كانت السماء صافية، وقد سُرِرتُ بذلك. كنّا قد سافرنا سبعة أيّام، ولم تُمطر إلّا في اليومين اللذين قطعنا فيهما الغابة الكبيرة. بدا أنّ الأرواح في صفّنا. لعلّ صلوات روغان كانت تعمل. ثمّ إنّني، بعد أن قبضتُ التيجان العشرين من السرداب، أعطيتُ سياتو لمتسوّلٍ أعمى خِلتُه رجلًا طيّبًا، فقد قال روغان إنّ إعطاء المال للمتسوّلين يجلب الحظّ. وبالطبع، حين أخبرتُه، ضحك القِسّ منّي، موضّحًا أنّ ذلك لا يصحّ إلّا حين يكون هو نفسه المتسوّل. لكن، مَن يهمّه ذلك! ومع هذا، أثنى على كرمي وتنبّأ لي برحلةٍ سعيدةٍ لا مكروه فيها. حسنًا، حتّى الآن، سار كلّ شيءٍ على خير. العَقَبةُ الوحيدة: في اليوم الثالث، تعطّلت الماغارا الخاصّة بإيقاد النار. شعرتُ أنّ تاجر المتاهة الذي باعني إيّاها قد غشّني، لكنّني لم أُفاجأ: هذه الأشياء لا يُعتمَد عليها كما لا يُعتمَد على تاجر. لهذا كنتُ قد حملتُ معي قارورة فوسفورٍ وحجرَ نار. على الغواك الجيّد أن يكون له دائمًا أكثر من شارعٍ يهرب إليه.
«اليوم سنصعد أعلى من ذلك!» أعلنتُ، وقد كففتُ عن الغناء وأغلقتُ الكيس. «هل الجميع جاهز؟ داكيس! كيف حال قوائمك؟ بخير؟ إن تعبتَ فقُل، اتّفقنا. هيّا بنا!»
صعدنا على ظهره، وبدأت قوائمه المفتولة تتحرّك. كنّا قد أوشكنا على الوصول، أو هكذا كنتُ أُكرّر لنفسي. قطعنا مسافةً هائلة في سبعة أيّام، بفضل كلب الجحيم، وصِرنا في وسط الجبال المحيطة بوادي إيفون-سيل. تلفّتُ حولي أبحث عن علامةٍ مألوفة، عن شيءٍ يستدعي ذكرياتي… لكنّني لم أجد شيئًا. كان صبري ينفد ساعةً بعد ساعة، فنسيتُ الغناء، وحاولتُ أن أتذكّر، وصرختُ مرّةً صرخةً حادّة: «إلَسّار*!»، آملًا لعلّ معلّمي يسمعني فيُظهر جمجمته بين الأشجار المكسوّة بالثلج. لكنّ صرختي خبت، ولم يبقَ إلّا صوتُ خطوات كلب الجحيم المتّصلُ الخفيّ على الثلج.
لم يكن داكيس يحبّ الثلج والبرد، وربّما لأنّه لا شتاء في العالم السفلي. ومع ذلك، لم يتذمّر كثيرًا، لأنّني والذئب الصغير كنّا نُدلّله، ونلعب معه، وكنتُ أحكّ له أذنيه وأُغنّي له أغانيَ مرِحة… و، حسنًا، لم يكن ليشكو من راكبيه. وأن أتصوّر أنّني، قبل ذلك، كنتُ أهرب كلّما رأيتُه وتُصاب تناغماتي بالجنون! أمّا الآن، فكنتُ في الليل أُغطّينا ثلاثتَنا بالبطّانية، وننام معًا، متلاصقين قرب النار، كالرفاق.
ابتسمتُ، وبينما كانت الشمس قد بدأت تهبط عن كبد السماء نحو الجبال أمامنا، لمحتُ قمّةً صخريّةً تُطلّ بين الأشجار، فرميتُ بقولي:
«داكيس، سأنزل.»
تركتُ الذئب الصغير في رعاية كلب الجحيم، وهبطتُ في الثلج، وسِرتُ إلى الأمام أتفحّص الجذوع، باحثًا عن علامات الكايلدرِك تلك التي كنتُ أتركها على اللحاء لتدلّني حين كنتُ أصغر. لم أجد واحدة.
وصلتُ إلى القمّة الصخريّة الصغيرة وصعدتُ إلى أعلاها بحذر. كان المنظر كما أذكره تمامًا. أشجارٌ وأشجارٌ تُغطّي الجبال بأغصانها العارية وجذوعها العتيقة. استدرتُ، فأنا لم أكن أبحث عن علامةٍ على الجانب الآخر من الوادي، كنتُ أبحث عن القمّة. رفعتُ نظري وتفحّصتُ القمم مليًّا، حتّى استوقفتني واحدةٌ منها فجأة. نظرتُ إليها، وقطّبتُ، وهززتُ رأسي، وتسارع قلبي، ورفعتُ يدي.
«هذه هي القمّة! داكيس، أيّها الذئب الصغير، إنّها هناك!»
كان أمرًا لا يُصدَّق أن أراها على الحقيقة! نخر كلب الجحيم كأنّه يقول: «أجل، أجل، كلّ هذا جميل، لكن احترس.» وبعد أن تأمّلتُ القمّة لحظةً أخرى، نزلتُ وهبطتُ في الثلج فتناثر، وصِحت:
«أوشكنا على الوصول!»
واصلنا السير بخطوٍ حسن، وأنا أُكرّر لنفسي: «أوشكنا على الوصول». لكنّني لم أتأكّد حقًّا إلّا حين، والشمس تُهدّد بالغياب خلف القمم، عبَرنا جدولًا نصفَ متجمّد فرأيتُ علامةً على لحاء شجرةٍ قريبة. عرفتُها فأطلقتُ صيحةَ فرح.
«داكيس، أيّها الذئب الصغير، أنا فعلتُ هذا! أنا فعلتُ هذا! حقًّا. سنصل قبل حلول الليل، بلا شكّ. هيّا يا رفاق!»
كنتُ أرتجف من الحماسة. وشرعتُ أسير أمام كلب الجحيم. وحين بدأت السماء تُعتم، لم تخبُ معنوياتي: على العكس، كنتُ أزداد حماسةً وحماسة. وأخيرًا، رأيتُ الشجرة الشهيرة التي كانت يومًا أحبَّ الأشجار إليّ: هناك تعرّفتُ إلى أوّل صديقٍ لي من السناجب، وفي تلك الشجرة نفسها أعطاني الياراك ريشته الصفراء في اليوم الذي سبق رحيلي. وإذ عرفتُ أغصانها وجذعها الضخم، شهقتُ بالهواء البارد وأنشدتُ بصوتٍ مرِح:
لاريلان، لاريلون،
يا ربيعُ،
اخرجِ الآن،
بومبومبيم،
ما أجمله، إنه الربيع!
لاريلان، لاريلون…
شقّ صوتي الطفوليّ الصائح صمتَ الجبل الوادع. أسرعتُ صاعدًا المنحدر فرأيتُ، مخفيًّا بين كتلتَي ثلج، مدخلَ الكهف. وأمامه وقف شكلٌ هيكليٌّ في عباءةٍ خضراء داكنة. كدتُ يُغمى عليّ من الفرح. صِحت:
«إلَسّار!»
أسرعتُ، وتزحلقتُ في الثلج، وكدتُ أسقط. استعدتُ توازني بخفّة، وقد سقطت قبّعتي الأسطوانيّة فلم أُكلّف نفسي حتّى أن ألتقطها: واصلتُ الركض ومعلّمي يضحك. وفتح الناكروس ذراعيه البيضاوين.
«إلَسّار!» ردّدتُ لاهثًا.
ذهبتُ إليه وعانقتُه، غيرَ قادرٍ على أن أُصدّق أنّني، أخيرًا، أخيرًا! قد عدتُ إلى البيت. فاحتجّ:
«مهلًا، احترس لعظامي العجوز. يا صغيري!» صاح بعدها، وهو يُمرّر يدًا هيكليّةً على رأسي. «لم أكن أتوقّعك بهذه السرعة. لكن قُل لي، هل الساجِتيّون فظيعون إلى هذا الحدّ حتّى تعود إلى عجوزٍ نكِدٍ مثلي؟ بَه، بَه، بَه، ما أسعدني برؤيتك من جديد! لا بدّ أنّ لديك الكثير لتُخبرني به…»
رنّ صوته الناكروسيّ الفريد في أذني كأحسن الأغاني. وكانت عيناه السحريّتان قد التفتَتا بعيدًا، فتبيّنتُ فيهما لمعةَ انزعاجٍ مخلوطةً بالفضول. سأل:
«هل تجلب معك زوّارًا؟»
استدرتُ، فرأيتُ كلب الجحيم والذئبَ الصغير جاثمًا عليه، واقفَين على بعد. كان داكيس قد استعاد قبّعتي الأسطوانيّة بأسنانه. ابتسمتُ ابتسامةً عريضة وأشرتُ لهما بالاقتراب، وقدّمتُهما بمرح:
«هذا داكيس، وهذا الذئب الصغير.»
اتّسعت عينا الناكروس تسلّيًا.
«أحسبُ أنّ داكيس هو المرموط، وأنّ الذئب الصغير هو ذو القوائم الأربع.»
ضحكت.
«لا! العكس. داكيس كلبُ جحيمٍ ضبابيّ. أتى من العالم السفلي. والذئب الصغير أيضًا… حسنًا، لكن لا يجب أن يعرف أحد. الصغير به داءٌ في عظامه، والكفّ الباردة، وهي ساحرةُ الموتى التي صُفِّيت في الخريف»، شرحتُ على عجل، «حسنًا، الكفّ الباردة أعطته لي لأعتني به…»
«مهلًا يا بُنيّ، مهلًا»، أوقفني معلّمي رافعًا يدًا هيكليّةً في بطء. ثمّ تنحّى جانبًا وأشار. «مرحبًا بكم جميعًا، لندخل ونتحدّث، لكن بهدوء يا مور إلدال. إن بدأتَ تأكل كلماتك، فلن أفهمك.»
أومأتُ بحماسةٍ وهتفت:
«جلبتُ عظام الفيريلومبارد!»
نظر إليّ معلّمي وعيناه تضيقان.
«ماذا قلت؟»
تنهّدت. أتُراني كنتُ أتكلّم بسرعةٍ تمنعه من فهمي؟ قلت:
«أقول إنّني جلبتُ عظام الفي-ري-لوم-بارد.»
هزّ معلّمي جمجمته.
«حقًّا؟» بدا غيرَ مُصدِّق. دخل الكهف وجلس بحذرٍ على صندوقه الكبير، مُكرِّرًا بذهول: «عظام فيريلومبارد؟ وأين وجدتَها يا بُنيّ؟»
«في تلال العواصف!» ابتهجتُ، ثمّ كحّتُ حين لاقتني نظرةُ داكيس الفضوليّة. ومقلّدًا مسرحيّة روغان، استعدتُ القبّعة الأسطوانيّة وصحّحت: «في الحقيقة، لا. وجدتُها في قصر. انظر، انظر.»
وبينما استلقى داكيس مرتاحًا في الكهف وجلس الذئب الصغير يتلفّت حوله بفضول، فتحتُ الكيس ونقّبتُ فيه، وقد بلغَ بي الحماسُ مبلغَه من فكرة إعطاء العظام لمعلّمي. كم كنتُ سعيدًا في تلك اللحظة! أخرجتُها ووضعتُها على الصندوق إلى جانبه، وأشرتُ إلى الذئب الصغير.
«ومعه بعضها أيضًا.»
وبعد أن قلتُ ذلك، وقفتُ صامتًا مُتشوّقًا، ومعلّمي يفحص العظام. كانت عيناه السحريّتان تتوهّجان بشدّة. وحين يرتسم عليه ذلك التعبير، كان يستطيع أن يبقى مستغرقًا وقتًا طويلًا، فبعد حين أدرتُ نظري في الكهف. كانت الكتب الثلاثة والمرآة لا تزال هناك. عضضتُ شفتي وأشرتُ للذئب الصغير أن يقترب. فجاء، وأجلستُه إلى جانبي. وكي لا أُزعج معلّمي في فحصه، خاطبتُه بصوتٍ خافت:
«تعرف ما المرآة، أليس كذلك؟ لا؟ حسنًا، انظر، ها واحدةٌ أمامك تمامًا. إلَسّار هو الذي شرح لي أنّك إذا رفعتَ يدك اليمنى، أظهرَت لك اليسرى، فهمت؟»
وإذ رأيتُ الصبيَّ الأشقر يرقب انعكاسه وعيناه متّسعتان، سخِرت:
«مُخيف، ها؟»
عبثتُ بشعره، وإذ تحقّقتُ أنّ معلّمي لا يزال مُنصبًّا على العظام، أخذتُ كتاب الحكايات وأريتُه للذئب الصغير بانفعال.
«انظر إلى هذه الرسوم»، همست.
وأريتُه التنّين والقطّ والفأر والكلب والبيتَ الجميل ذا الطاحونة. وبينما تركتُ الصغير يُقلّب الصفحات بحذر، كنتُ أرمق معلّمي بين الحين والحين، منتظرًا ردّة فعله، باحثًا عن إشارةٍ تدلّ على أنّه سُرَّ بالعظام التي جلبتُها له. خِلتُ أنّني رأيتُ وميضَ سُخطٍ فتشدّدت، قَلِقًا فجأة. أتُراه لم تُعجبه عظامي؟ رأيتُ عينيه تتلبّسان تعبيراتٍ متعدّدة، بل صكّ أسنانه مرّتين أو ثلاثًا، وإذ زاد قلقي، كسرتُ الصمت أخيرًا وسألت:
«إلَسّار؟ إلَسّار، ألا تُعجبك؟»
رفع الناكروس ذقنه، ودارت عيناه دورةً كاملةً في محجريهما، ساخرتَين.
«تعني العظام؟ إنّها أعجوبة يا مور إلدال. أعجوبةٌ خالصة. لكنّني لم أكن أتأمّل العظام قبل قليل»، أقرّ. «كنتُ أتعلّم كم يمكن أن يكون الساجِتيّون أغبياء. ويبدو أنّ داكيس يوافقني على ذلك»، لاحظ وعيناه تبتسمان.
قطّبتُ حاجبيّ في حيرة، ونظرتُ إلى كلب الجحيم ثمّ إلى الناكروس بالتبادل، ثمّ… فهِمت.
«الأمّ الصالحة!» هتفت. «داكيس كان يُخبرك أشياءَ من دون أن أدري؟ هذا غشّ. أردتُ أن أُخبرك كلّ شيءٍ على طريقتي. هذا غشّ»، كرّرت.
شعرتُ بالغدر، لكن من التعبير الساخر على وجه كلب الجحيم، لم يبدُ أنّه يعبأ. تنهّدت. وضحك معلّمي.
«لا تغضب! إنّ كون صديقك يُحدّثني عن مغامراتك في العالم لا يعني أنّني لا أريد سماعها من فمك يا بُنيّ. بل على العكس. أخبرني بكلّ شيء. وفي الأثناء، سأُدفّئ بطّانيّاتكم، فالظلام قادم، ولا تريدون أن تبردوا. أعرف كم تقشعرّ أبدانُ الأحياء.» وغمز لي. «هيّا، أعطني تلك البطّانيّات وتكلّم. تكلّم كما تشاء. لمرّةٍ واحدة، أعِدك ألّا أطلب منك أن تصمت يا مور إلدال. وساحر الموتى يحفظ عهده. أخبرني»، شجّعني.
ابتسمتُ لهذا الاحتمال، وأعطيتُه البطّانيّتين، الكبيرة والصغيرة، وتركتُ الذئب الصغير مشغولًا بالرسوم، وجلستُ عند قدم الصندوق، وضممتُ ساقيّ إليّ، ورحتُ أتأمّل معلّمي وهو يُشعل الفانوس. غمر الكهفَ من داخله ضوءٌ دافئ. كان الصمت شبه تامّ. ثمّ أخذ معلّمي البطّانية الكبيرة وبدأ يُلقي التعاويذ. وبعد أن رقبتُه حينًا، قلت:
«حسنًا. حسنًا إذن، سأحكي. لكنّ هذا سيطول، ها؟ لديّ الكثير لأحكيه. أشياءٌ كثيرة! سأُدوّخك دوخانًا وحشيًّا يا إلَسّار»، حذّرته. وابتسمتُ ابتسامةً عريضة حين رماني بنظرة تحدٍّ ساخرة. فانطلقت.
كان سردًا مضطربًا صاخبًا، مليئًا بالتصحيحات والتناقضات والاستطرادات والزلّات والمفاخرات. تحدّثتُ عن ماما، وعن لقائي بيال، «ابن عمّي، رجلٌ رائع، ليتك تعرفه»، وحكيتُ مأثرتي البطوليّة التي لا تُصدَّق: أنقذتُ قابض المسامير! أتُصدّق يا إلَسّار؟ أخرجتُ الجاوداريا من جسده، كما فعلتَ معي، وأنقذتُ حياته. أيّتها الأرواح، لا أستطيع أن أصف لك أيَّ إسطرباغٍ كان، أن يقتل نفسه هكذا! وكلّ ذلك من أجل بضع كلمات، أتُصدّق؟ لكن حدث أنّ… ثمّ شطحتُ بعيدًا، أهرف بلا نظام، وبعد حينٍ قفزتُ إلى الوادا وقلت: «ثمّ أعادها كورثر إلى ذلك قابض المسامير، لا أفهم! لكن، حسنًا، أنا نشلتُها، وسار كلّ شيءٍ على خير»، أكّدتُ له. وبدأتُ أُحدّثه عن رفاقي. ولخّصتُ أَسْري في منجم السالبرونيكس بقولي: أمضيتُ هناك قمرَين، كان وقتًا جحيميًّا، حقًّا، لكن مانراس جلب لنا مفتاح البوّابة، كما طلبتُ منه، فخرجنا نرمي الحجارة! ضحكتُ وأنا أتذكّر ذلك، وتحدّثتُ عن الخيميائيّ والسوكواتا وأيّامي في السجن. سائقُ العربة الملعون كاد يُصفّيني ومانراس! لكن ما جاء ضرٌّ إلّا بخير: فقد تعرّفتُ إلى لو بور. وآه، بالمناسبة! لم أُخبرك عن الكرة الأرجوانية. داكيس يعرف عنها، لأنّه جاء مع هوبيتٍ علماءَ كانوا يبحثون عن الكرة… وشرحتُ له قواها، وأنّ الذي صنعها ليس إلّا مارفور هيليث… تصوّر! حملتُها في يديّ، لأبحث عن عظام الفيريلومبارد، لأنّني سرقتُها من القصر، لكن ابنَ جرذٍ نشلها منّي بعد ذلك، متى، قبل أكثر من أسبوعٍ بقليل؟ كان أمرًا رائعًا! هتفت. وواصلتُ الكلام والكلام. ولم أكن أتعثّر إلّا في لحظاتٍ نادرة، لا أدري ما أقول، فيسألني معلّمي عندها عن معنى كلمةٍ ما، أو مَن هذا ومَن ذاك، وكان يظهر عليه شغفُه بفهم كلّ هذيري، وكنتُ أنا أشدَّ شغفًا برؤيته يفهم.
وفي لحظةٍ ما، ولا أدري كيف وصلتُ إلى ذلك، شرحتُ له المأزق الهائل الذي وضعني فيه كاكزايل، وقلتُ بصوتٍ صار أجشَّ متعبًا:
«لا أدري ما أفعل يا إلَسّار. أخي الأكبر يقول إنّ عليّ أن أختار بين رفاقي والحلّاق، والسريع يقول إنّك بلا شكٍّ تعرف كيف تُرتّب رأسي. لكن… الحقيقة أنّني لا أريد الحديث في ذلك الآن»، تمتمت. «عالم الساجِت… مُعقّدٌ جدًّا»، تثاءبت. «أُحبّه كثيرًا يا إلَسّار. لكن فيه أشياءَ حزينة أحيانًا. الطيّبون يموتون. وفيه وحوشٌ أسوأ من وحوش الجبال. في العصابة يقولون إنّني ساحرٌ وإنّني أعرف أشياءَ كثيرة. لم أقُل لهم إنّني، في الحقيقة، لا أعرف شيئًا. أتظنّ أنّه ينبغي لي؟ حسنًا، أنا أحبّ التبجّح أحيانًا، لا أستطيع منعَ نفسي. لكنّ الحقيقة أنّني لا أفهم العالم. وأعرف أنّني لن أفهمه أبدًا. لا لأنّني صغير، ها، فأنا أعرف أنّني، ولو صار شعري أبيض، لن أقدر على فهمه. الناس غريبون جدًّا، وفي الوقت نفسه، إستِرغات جميلةٌ جدًّا. أُحبّها حبًّا كبيرًا يا إلَسّار. أعرف ذلك حقَّ المعرفة. أُحبّ الشارع كثيرًا، والعربات بالخيول، وواجهات المتاجر أيضًا. إنّها جميلة…»
تثاءبت. كانت عيناي تنغلقان. كنتُ مُتّكئًا على الصندوق، تحميني البطّانيّةُ الدافئة التي أعدّها الناكروس لنا. كان الذئب الصغير نائمًا منذ وقتٍ طويل، وضوءُ الفانوس يسطع بلينٍ على وجهه الطفوليّ الشاحب. وكان داكيس مُمدّدًا تحت البطّانية يتثاءب معي. كدتُ لا أقدر على البقاء مستيقظًا، لكن كان عليّ أن أُواصل الكلام، فما زال لديّ الكثير لأحكيه. ومع ذلك، كم كنتُ مُتعبًا!
ثمّ أحسستُ يدَ معلّمي العظميّة تخلع القبّعة الأسطوانيّة، وسمعتُه يقول بصوتٍ رفيق:
«لقد دوّختني دوخةً رائعة يا مور إلدال. لا تدري كم يُسعدني أن أسمعك تتكلّم. لكن، الآن، حان وقت النوم يا صغيري. لا تقلق: الليلةَ سأسهر على حراستك وحراسة الذئب الصغير وداكيس. هيّا، نَم في سلام.»
أومأتُ نصفَ نائم، واستلقيتُ تمامًا، وبينما كان معلّمي يُطفئ الفانوس، تمتمت:
«إلَسّار. لا أدري إن كنتَ تعرف، لكن… اشتقتُ إليك كثيرًا.»
رأيتُ عينيه الخضراوين في الظلام التامّ. وسمعتُه يهمس:
«وأنا أيضًا يا صغيري. أنت الآن في بيتك. ويمكنك أن تبقى ما شئت.»
بُهِتُّ فلم أنطق. ما شئت؟
«حقًّا؟» تمتمت.
ابتسمت عيناه.
«حقًّا. والآن نَم يا صغيري. طابت ليلتك.»
أغمضتُ عينيّ، وابتسمت، وقبل أن أُفكّر حتّى في أن أُبادله «طابت ليلتك»، غرقتُ في نومٍ عميقٍ تحت البطّانية الدافئة، ويرافقني صبيٌّ صغيرٌ ابنُ ملوك، وكلبُ جحيمٍ ضبابيّ، وناكروسٌ يسهر على حراستنا، جالسًا على صندوقه الكبير، في هذا الكهف التائه وسط الجبال المُثلجة… في البيت.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ أستاذَه أو معلّمه، بمعنى «المعلّم» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion