Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 8
بعد أسبوعٍ، كنتُ في طريقي مع يالِت إلى حيّ القيثارة. أراد معلّمي أن يُلحقني بعائلةٍ ثريّةٍ وصيفًا، لقاء الطعام وخبرةٍ في شؤون البيوت. ولهذا جعلني أغسل وجهي وأقصّ شعري وألبس قميصًا أبيض جديدًا. تبعتُه فرِحًا، وإن على مضضٍ قليلًا، إذ كان يفطر قلبي أن أُضطرّ إلى ترك مانراس وديل لأخدم قابضي المسامير. لو رآني ييرّيس لنعتني بالمتزلّف.
«إلَسّار*»، قلتُ ونحن نصعد شارعًا جميلًا مرصوفًا بالحصى. هرولتُ لألحق به. «أحقًّا لا تعرف متى سيعود ييرّيس؟»
«لا»، أجاب يال دون أن يتوقّف. «غادر ألفون إستِرغات برفقته، هذا كلّ ما أعرفه.»
تنهّدتُ بحزن.
«وهل عليّ حقًّا أن أعمل في بيت؟»
رمقني يال بنظرةٍ نصفُها ضيقٌ ونصفُها سخرية.
«هيّا، ابتهج يا مور إلدال. فكّر أنّني أفعل هذا لمصلحتك. ستتعلّم حسن الأخلاق، وسترى عالمًا مختلفًا عن القطط وباعة الجرائد أولئك، وباختصار، سيعود ذلك عليك بخيرٍ كثير.»
زممتُ شفتيّ متشكّكًا وعلّقت:
«هذا إن قبلوني.»
تنهّد يال.
«حقًّا، إن قبلوك. أحذّرك، إن فعلتَ أيّ حماقةٍ الآن، فسأجعلك تقرأ طرائق توينتيبيري عشر مرّات.»
فتحتُ عينيّ على وسعهما رعبًا. فلكي يعلّمني قراءة الحروف الدريونسانية الحديثة، كان يال قد أحضر لي إلى القمّة كتابًا استعاره من مكتبة الدردار. وكنتُ أتقدّم بخطى السلحفاة. لكانت قراءته عشر مرّاتٍ استغرقت منّي عشر سنين!
«يا للهول...» ابتلعتُ ريقي. «ليس ذلك يا إلَسّار. لا تُرغمني على ذلك.»
«إذن، فأحسِن التصرّف.»
بلغنا نهاية الشارع، ومضى معلّمي رأسًا إلى قصرٍ أحمر، فكلّ بيوت هذا الحيّ كانت ضخمة. جذب حبل الجرس، وبينما كان يرنّ، التفت إليّ قائلًا:
«بالمناسبة، تذكّر أنّنا ابنا عمّ، اتّفقنا؟»
أومأتُ ووسّعتُ عينيّ قليلًا حين فُتح الباب وظهر رجلٌ أسود الشعر يرتدي السواد. كان يشبه الغراب. لكنّه كان إنسانًا. له وجهٌ مدبّبٌ وعينان مائلتان وتعبيرٌ كئيبٌ لم يُعجبني.
«صباح الخير»، قال يالِت. لمس حافة قبّعته الأسطوانية. كان معلّمي متأنّقًا كسيّدٍ حقيقيّ. «أنا يالِت فيرباديس. أخبرني صديقٌ أنّ هذا البيت يبحث عن صبيٍّ يعمل وصيفًا، وأودّ أن...»
«قطعًا لا، لا حاجة لأحدٍ هنا»، قاطعه الرجل ذو وجه الغراب.
وأغلق الباب في وجهينا. زفرتُ بضيق.
«وجه غراب»، هدرتُ.
رمقني يال بنظرةٍ محذّرة، ثم نزل الدرجات وهدر هو الآخر.
«تبًّا، هل أخطأتُ البيت؟» ألقى نظرةً على الرقم، وهزّ رأسه، وكرّر: «تبًّا.»
«بيع الجرائد ليس سيّئًا أيضًا يا إلَسّار»، تدخّلتُ. «لو ذهبتُ إلى هناك حالًا، لأدركتُ جرائد المساء و...»
تنهّدتُ أمام نظرته المتبرّمة. أشار إليّ أن أتبعه وعلّق بصوتٍ خافت:
«لا تنادِني إلَسّار في وضح النهار، اتّفقنا؟»
«وأنت ناديتَني مور إلدال»، قلتُ.
قلّب يال عينيه وأومأ بابتسامةٍ خفيفةٍ مسلّية، قبل أن يتّخذ تعبيرًا أكثر جدّية.
«اسمع يا درائن. كلّ ما أريده أن تتعلّم شيئًا غير التسكّع في الشوارع والغناء كعفريت.»
«وما العيب في ذلك؟» أجبتُ. «ثم إنّ هذا ليس كلّ ما أتعلّمه. أنت تعلّمني أشياء كثيرة أيضًا. الأقفال السحرية، وصاحب توينتيبيري، والتناغمات...»
«اخفض صوتك، أرجوك»، لهث يال.
اتّخذتُ وجهًا معتذرًا.
«آسف.»
تنهّد يال وكاد يقول شيئًا حين سمعنا كلانا صوتًا ينادي:
«سيّد فيرباديس!»
التفتنا فرأينا إلفًا شابًّا يقفز نازلًا درجات القصر الأحمر. كان يرتدي قميصًا أبيض فضفاضًا أشدّ بياضًا من قميصي. ومن لهاثه، بدا أنّه ركض إلى الباب.
«وجدناها»، تمتم يال. ابتسم لي ودفعني من كتفي نحو الدرجات. اقتربتُ دون حماسٍ كبير.
«سيّد فيرباديس»، كرّر الفتى النبيل. «أنا ميروكي فال. أعتذر عن سوء التفاهم هذا، فلم أُخبر كبير الخدم بالإعلان الذي نشرته. في الحقيقة، لم أظنّ أنّ أحدًا سيأتي بهذه السرعة. هذا هو الصبيّ، أليس كذلك؟ كم عمره؟»
«عشر سنوات»، أجاب يال. قالها دون لحظة تردّد، حتى كدتُ أصدّقه. حسنًا، كان ذلك على الأرجح صحيحًا: فقد أخبرني معلّمي الناكروس أنّ عيد ميلادي في أواخر الربيع، وكنّا قد بلغنا الخريف. تابع يال: «اسمه درائن، وهو ابن عمّي، و... حتى الآن لا يملك خبرةً كبيرة، لكنّه صبيٌّ طيّب، وعلى الأقلّ يتحلّى بطبعٍ حسن، ويعرف كيف يطيع.»
قال ذلك أيضًا دون تردّد، لكنّي هذه المرّة لم أصدّقه. طبعٌ حسن؟ بل بالأحرى، كنتُ مستعدًّا لأفعل ما يحلو لي، ما هذا الهراء. رفعتُ رأسي كِبرًا. وربّما أساء الإلف قابض المسامير تفسير حركتي، فابتسم.
«حسن. انظر، سآخذه تحت الاختبار بضعة أيّام، فإن أرضاني، جاز له البقاء أكثر.»
«أنت... ستوظّفه؟» قال يال. هذه المرّة بدا هو نفسه غير مصدّق، لاحظتُ ذلك بابتسامةٍ صغيرة.
«سأفعل، إن أرضاني عمله»، كرّر قابض المسامير الشابّ.
«آه. حسنًا، لا بأس»، قال يال بمرح. «اسمع، أرغب في شرطٍ واحدٍ فقط. المبيت لن يكون ممكنًا. فله بيتٌ بالفعل، وجدّه يفضّل أن يعود إلى البيت لينام. أرجو ألّا يكون في ذلك مشكلة.»
«إطلاقًا»، طمأنه ميروكي فال. «ما دام يصل في موعده صباحًا. أؤكّد لك أنّني سأطلق سراحه كلّ يومٍ قبل الثامنة مساءً، وربّما قبل ذلك بكثير. طاب يومك يا سيّد فيرباديس. درائن، لندخل.»
ألقيتُ نظرةً قلِقةً على معلّمي، لكنّ تعبيره دعاني إلى طاعة قابض المسامير، ومضطربًا متوتّرًا كأرنبٍ يلج عرين الذئب، عبرتُ العتبة تحت نظرة الغراب اللامبالية وعينَي قابض المسامير المبتسمتين. قادني هذا الأخير إلى الطابق العلويّ، وأسرع ممّا تخيّلت، تحوّل قلقي إلى فضول. كان هذا البيت فوق الخيال. كم من الأشياء الغريبة فيه! معلّمي الناكروس، الذي كان يقول إنّه لا يريدني أن أملأ الكهف بأشياء عديمة النفع، كالحصى الجميلة أو العصيّ المنحوتة، ماذا كان سيقول عن هذا البيت؟
«سيّدي»، قلتُ بينما كان قابض المسامير يقودني عبر ممرٍّ واسع. كان فيه ثلاثة أبوابٍ على كلّ جانب، وكلّها مغلقة. قلتُ: «سيّدي! ما هذا؟»
أشرتُ إلى جسمٍ ذهبيٍّ كبيرٍ غامض الشكل. تنحنح ميروكي فال.
«هذه قطعةٌ فنّيّةٌ اشتراها أبي منذ سنوات. رفضت أمّي أخذها إلى غريادا حين انتقلت عائلتي، وكم أتفهّمها، حقًّا! إنّها فظيعة. وبصراحة، ليست لديّ أدنى فكرة عمّا تكون.»
رفعتُ حاجبًا. تبًّا.
«وماذا عن هؤلاء الناس؟» استفسرتُ، مشيرًا إلى لوحاتٍ كبيرةٍ معلّقةٍ على طول الممرّ. «أسلاف؟»
«قليلون»، أومأ ميروكي فال، متوقّفًا أمام بابٍ ومُخرجًا مفتاحًا. «هذا البيت لعمّي، فثمّة الكثير من لوحات أبنائه وأحفاده. لكن هناك أيضًا أعمالٌ دينيّةٌ تمثّل أرواحًا مبجّلة، وأعمالٌ حديثة. انظر إلى هذه، رسمها أعزّ أصدقائي. باعنيها بمئتَي سياتو لا غير في الربيع الماضي، لكنّها أحبّ اللوحات إليّ.»
كانت الصورة غريبة، سوداء تمامًا مع أشياء فضّيّة تشبه خيوط العنكبوت. بدوتُ حائرًا.
«لكنّها ليست مرسومة»، قلتُ.
صمت ميروكي فال لحظةً ثم انفجر ضاحكًا.
«طبعًا إنّها مرسومة! إنّه فنٌّ يا فتى. لا تقلق، لا يمكنك أن تفهمه.» أوه، لستُ قلقًا، فكّرتُ، لكنّي لم أقل شيئًا. فتح مكتبه ودخل مضيفًا: «أظنّ أنّ ابن عمّك فهم شروط الإعلان: لقاء عملك وصيفًا، سأمنحك طعامًا ومبيتًا، لكن أرى أنّ ذلك لن يكون ضروريًّا، وربّما بقشيشًا.»
وبينما كان يُغلق الباب، أومأتُ ونظرتُ حولي. رأيتُ رفوفًا عليها كتبٌ وكتبٌ ثم مزيدٌ من الكتب، وتماثيل وأوانٍ وستائر بيضاء شديدة الارتفاع. خُيّل إليّ أنّني انتقلتُ إلى عالمٍ آخر. فبالنسبة إليّ، أنا الذي لم أرَ في حياتي سوى أربعة كتبٍ في المجموع، كان كلّ هذا... شيئًا هائلًا.
«واو»، تلعثمتُ. «أكلّها حقيقيّة؟» سألتُ وأنا أقترب من الكتب.
«آه... نعم، لا تلمسها، اتّفقنا؟ اجلس فحسب. سأشرح لك بسرعة ما سيتوجّب عليك فعله: الأمر بسيطٌ جدًّا.»
مبهورًا، جلستُ على كرسيٍّ مهيب. لم تكن قدماي تقتربان من الأرض. نظرتُ بإمعانٍ إلى ميروكي فال الجالس خلف المكتب. تُرى ماذا يريد قابض المسامير هذا؟
«حسنًا»، تابع الإلف الشابّ، «لا أدري إن كنت تعرف ما المعهد.»
قطّبتُ حاجبيّ وأومأتُ.
«مدرسة السحرة، صحيح؟»
أومأ ميروكي فال.
«بالضبط. أنا أدرس هناك، وقد صادف أنّني بقيتُ بلا وصيفٍ أربعة أقمار. هرب السابق. و... حسنًا، أحتاج بالتأكيد إلى وصيف. سيتوجّب عليك حمل ملاحظاتي، وقضاء المهامّ، وإيصال الرسائل... لا شيء معقّدٌ جدًّا. بعد الظهر لا حصص لديّ، فستساعد روكس في العشاء وتنظيف البيت وما يطلبه منك سوى ذلك. أفهمت؟»
رمشتُ. أمّهات النور... كلّ ذلك؟
«من روكس؟» سألتُ.
«كبير الخدم، الذي رأيته قبل قليل»، أوضح الإلف. تجهّمتُ، فابتسم: «لا تقلق، لن يعضّك.»
ما دام فعلًا لن يفعل... ابتلعتُ ريقي.
«سيّدي؟ لماذا هرب الوصيف الآخر؟»
هذه المرّة، هو من تجهّم.
«حسنًا... المعهد يخبّئ أحيانًا مفاجآت. وقع حادثٌ صغيرٌ أثناء تجربة، فأصاب الصبيّ رعبٌ حتى الموت، وفي اليوم التالي لم أعُد أراه.» هزّ رأسه ونهض من كرسيّه تحت نظرتي القلِقة. «لهذا أمنعك منعًا باتًّا من دخول قاعات الدرس. وإن قلتُ لك إنّ بوسعك الذهاب، فتذهب، وتغادر المعهد، وتعود في الوقت المحدّد، اتّفقنا؟»
زفرتُ. كان ذلك خبرًا سارًّا.
«تمام، تمام»، قلتُ آمِلًا. «وكم ساعةً حرّةً هذه؟»
نظر إليّ قابض المسامير بمزيجٍ من الدهشة والتسلية.
«حسنًا... يتوقّف ذلك على جدولي. لكن حين أقول إنّك ستخرج من المعهد، فذلك لتأتي إلى هنا وتساعد روكس.»
نظرتُ إليه مذعورًا.
«حقًّا؟»
تردّد ميروكي وتنحنح.
«حسنًا... أظنّ أنّ روكس يستطيع تدبّر أمره في الصباح.»
ابتسمتُ له ابتسامةً عريضة.
«إذن يمكنني الذهاب أينما شئت؟ صحيح يا سيّدي؟ شكرًا يا سيّدي، كم أنت لطيف!»
قلّب الإلف الشابّ عينيه.
«أنا من الناس الذين يرون أنّ حتى الفقراء يحتاجون إلى وقت راحة. فنعم، يمكنك الذهاب للّعب مع أصدقائك، ما دمت تعود في الوقت المحدّد دون تأخّر»، أصرّ. «فإن تأخّرت، ولو مرّة، فسد اتّفاقنا، أفهمت؟»
أومأتُ بحماسٍ دون كلمة، فابتسم، ثم قطّب، وأضاف:
«أمرٌ أخير. إن رأيتُ شيئًا واحدًا مفقودًا من هذا البيت، فسألومك أنت. فانتبه لما تلمسه.» أومأتُ ثانيةً، فصاح مدوّيًا: «روكس!»
تأخّر كبير الخدم في القدوم؛ لم يكن يعرج كرولغ، لكنّه كان يمشي برزانةٍ بالغة.
«نعم يا سيّد فال؟» سأل بصوتٍ جافّ.
«سيكون درائن مساعدك»، أعلن ميروكي فال. «أرِه واجباته الجديدة من فضلك، واحرص على أن يكون غدًا، عند الثامنة، خارج الباب مستعدًّا للانطلاق.»
أومأ روكس الغراب إيماءةً قصيرة، وبشيءٍ من التردّد، نهضتُ وتبعته إلى الممرّ ثم نزولًا على الدَّرَج. لم أكن أثق بهذا الرجل. قادني دون كلمةٍ إلى البهو الرئيسيّ الكبير وأشار إلى بابٍ مغلق.
«هناك، ذلك هو المخزن. يجب ألّا تفتحه»، حذّرني. ابتعد نحو بابٍ مفتوح. «ذلك هو المطبخ. لا تدخله. أنا من يُعدّ الوجبات، أفهمت؟»
حدّق فيّ بشدّةٍ حتى إنّي لم أجب، ووقفتُ مسمّرًا في مكاني مرتهبًا. قطّب حاجبيه.
«أنا أكلّمك. هل تصغي؟»
أفقتُ من شرودي.
«نعم، نعم. لن أدخل المطبخ ولا المخزن. فهمتُك بجنون»، أكّدتُ.
قطّب روكس أكثر.
«جيّد»، قال. «إذن خذ هذه المكنسة ونظّف ممرّ الطابق العلويّ. دون أن تلمس شيئًا أو تفتح أيّ باب.»
قفزتُ فرحًا. أخيرًا، فرصةٌ للابتعاد عن الغراب!
«ها أنا ذاهب»، قلتُ. أخذتُ المكنسة وركضتُ صاعدًا الدَّرَج. قرّرتُ أن أبدأ من الخلف، حيث كانت هناك نافذةٌ ضخمةٌ جميلة. لكنّي في الطريق توقّفتُ لأنظر إلى الصور. كانت من كلّ نوع، صور شخصيّة لسادةٍ ذوي شوارب وسيّداتٍ بقبّعاتٍ غريبة، ومناظر طبيعيّة بفتياتٍ جميلاتٍ يرتدين البياض كلّه... فضلًا عن لوحة خيوط العنكبوت السوداء. نظرتُ إلى هذه الأخيرة بفضول. لماذا يحبّ قابض المسامير هذه الصورة غير المرسومة إلى هذا الحدّ؟ وبعد أن ألقيتُ نظرةً على باب المكتب المغلق، مددتُ يدي اليمنى ولمستُ السطح الأسود. شعرتُ بطاقةٍ غريبةٍ فارتددتُ فجأة. لوحةٌ مسحورة! إن كان روكس قد حذّرني من اللمس، فلم يكن ذلك عبثًا. ولحسن الحظّ، كانت يدي اليمنى منيعةً نسبيًّا في وجه التعاويذ الخارجية.
ابتعدتُ بسرعة، ونفضتُ يدي لأتخلّص من الإحساس المزعج، وبدأتُ أكنس بقوّةٍ وأنا ألمح ما وراء النافذة. من هناك، كان بوسعي أن أرى المعهد، قلعةً كبيرةً مليئةً بالنوافذ، بجدرانٍ سوداء كالصخرة.
«حصن»، تمتمتُ.
تذكّرتُ أنّ في كتاب القصص المصوّر الذي كان لمعلّمي الناكروس، رسمًا من هذا النوع مقرونًا بكلمة: حصن. كانت تعيش فيه أميرةٌ صغيرة، وحيدةً مكلومة...
«لكنّها كانت شجاعة، وذات يومٍ ربيعيٍّ انطلقت في مغامرة، وفي قلبها شمسٌ من فرح»، همستُ مواصلًا الحكاية. كنتُ أحفظها عن ظهر قلب: فقد قرأها لي معلّمي الناكروس مرارًا، بقدر ما قرأتها بنفسي. وكان من المحبط حقًّا أن أرى أنّ الكتابة حينها لم تكن أبدًا كالكتابة الآن.
تنهّدتُ، وإذ أدركتُ أنّني توقّفتُ عن الكنس، مضيتُ أغنّي:
تراتاراتراتا!
كما نكنُس نكنُس،
ونكنُس كما نكنُس،
أكنُسُ وتكنُس.
وإذ نكنُس، نكنُس!
تراتاراتراتا!
واصلتُ، وكنتُ قد بلغتُ نهاية الممرّ حين فُتح باب المكتب وظهر قابض المسامير.
«أيّها الصغير!» قال لي.
توقّفتُ، وصمتُّ، ونظرتُ إليه مستفهمًا.
«آه... هنا، يمكنك أن تغنّي كما تشاء، أمّا في الخارج وفي المعهد، فلا تفعل ذلك. لا أريدك أن تلفت الأنظار، اتّفقنا؟»
هززتُ كتفيّ.
«تمام يا سيّدي!»
ورميتُ كلّ الغبار الذي تجمّع على الدرجة الأولى، وانتقلتُ إلى التالية وواصلتُ رمي كلّ الغبار وأنا أدندن أغنيتي. حين نزلتُ إلى الأسفل، أجلتُ نظري في المطبخ فرأيتُ روكس جالسًا إلى طاولةٍ يقطع شيئًا بسكّين. رفع بصره، ولدهشتي، ابتسم لي. في تلك اللحظة، أرعبتني ابتسامته حتى النخاع، خاصّةً أنّ الإحساس الذي بثّه، والسكّين في يده، كان، كيف أقول، مقلقًا بعض الشيء. لكن بعد أن فكّرتُ في الأمر، قلتُ لنفسي إنّ ابتسامته، وإن كانت مشؤومةً قليلًا، لم تكن سيّئة.
ولم أكن مخطئًا. أمضيتُ ساعتين كاملتين أغنّي وأكنس وأنفض الغبار، ورغم ما قاله من قبل، سمح لي روكس بدخول المطبخ لأساعده في غسل الصحون، بل حتى قاسمني بقايا الحساء الذي تركه ميروكي فال الليلة الماضية. وبينما كنّا نأكل، جالسَين إلى طاولة المطبخ الصغيرة، تحمّستُ قائلًا:
«شهيٌّ جدًّا! ما هذا؟»
«ممف»، قال روكس. «خضارٌ ولحم... مكوّناتٌ كثيرة، كما في كلّ الحساء. ولا تتكلّم وفمك ممتلئ.»
أطبقتُ فمي، وبعد صمت، أنهيتُ صحني، وسألتُ:
«فيمَ تُستخدم كلّ هذه الأدوات؟»
أشرتُ إلى كومةٍ من القدور والمغارف بأحجامٍ مختلفة. أطلق روكس أخرى: ممف. وبعد صمتٍ ظللتُ فيه أنظر إليه منتظرًا جوابه، أوضح:
«إنّها مقالٍ وطناجر وقدور طهي... ألم ترَ مقلاةً قطّ؟»
لم أكن متأكّدًا، فهززتُ رأسي نفيًا. قال روكس مجدّدًا: ممف. وأضاف:
«لا يهمّ، نظّف الصحون.»
ناولني صحنه، فنهضتُ لأنظّفها. في النهاية، ربّما لم يكن روكس بذلك السوء، لكنّه كان معبّرًا بقدر ديل، أو حتى أقلّ.
«حين تنتهي، يمكنك الذهاب»، قال روكس.
فتحتُ عينيّ على وسعهما لهذا الخبر السارّ وكدتُ أُسقط الصحن.
«عُد غدًا عند الثامنة تمامًا»، أضاف روكس. «إن تأخّرت، فسيبرم السيّد فال أذنيك.»
تركتُ الصحون مرتّبةً على الطاولة ومنحتُ روكس ابتسامةً عريضة.
«سأكون هنا عند الثامنة!» أكّدتُ له.
وانطلقتُ راكضًا. وقبيل أن أغادر المطبخ، خُيّل إليّ أنّني رأيتُ ابتسامةً مسلّيةً خفيفةً أخرى من كبير الخدم.
نزلتُ وانحدرتُ في الشوارع إلى الجادّة. لم تكن الساعة قد تجاوزت الثالثة بعد الظهر. ذهبتُ إلى المكتب ومنه إلى الأماكن التي اعتدنا فيها، نحن الثنائي المغنّي والأمير الصغير، أن نبيع. وبعد ساعةٍ من التجوال، عثرتُ أخيرًا على رفاقي وصحتُ بهم:
«أيو، يا رفاق!»
لمّا رآني الإلف الصغير الأسمر، ابتسم وأقبل راكضًا، يتبعه ديل.
«أين كنت؟»
«وجدتُ عملًا جديدًا»، أوضحتُ. «في حيّ القيثارة.»
حملق فيّ مانراس فاغرًا فاه.
«حقًّا؟ مع الأمراء؟»
أومأتُ.
«مع ساحرٍ يدرس في المعهد.»
«أمّهات النور!» لهث مانراس منبهرًا.
ابتسمتُ.
«نعم، لكن لا تقلق، فحالما أُوصل قابض المسامير إلى المعهد، يمكنني الذهاب أينما شئت، إن أذن لي طبعًا. فحالما أستطيع، سآتي معكم. كيف المبيعات؟»
«الريح في الأشرعة»، طمأنني مانراس. «لكن ماذا ستفعل الآن إن لم تكن لديك جرائد؟»
«أبيع جرائد ديل!» أجبتُ. «على أيّ حال، يبقى لديك دائمًا فائض»، قلتُ للأمير الصغير. «أعطني بعضها. وسأعطيك نصف المسامير، لأنّني أكلتُ فعلًا عند الساحر، ما رأيك؟»
طبعًا، رأى الأمير الصغير أنّ ذلك لا بأس به. فما دام الأمر لا يتعلّق بلفت الأنظار أو بحيلٍ سيّئة، بدا كلّ شيءٍ حسنًا في نظره. فأمضيتُ معهم آخر ساعات ما بعد الظهر، وتناولتُ نصف وجبةٍ خفيفةٍ من الجبن في وردة الريح، وأنا أمضغ آخر لقمة، هرولتُ رأسًا إلى الزقاق الأعمى. وبعد أن تأكّدتُ من خلوّ الشارع المجاور من المارّة، ركّزتُ، ووصلتُ جايبوي بما حولي، وتلفّعتُ بالظلال المتناغمة. بصراحة، كنتُ أُبلي حسنًا، فابتسمتُ. أمسكتُ الميزاب دون أن أنظر إليه، وتسلّقتُ وحططتُ على السطح في صمت. عبرتُه وواصلتُ الصعود، متشبّثًا بالنتوءات ذاتها، بالسرعة التي تأتي مع الاعتياد.
أخيرًا، تسلّقتُ جدار الشرفة وبلغتُ القمّة. لم يكن الظلام قد أطبق تمامًا بعد، وقليلٌ من مصابيح الشوارع كان مضاءً، والنجوم بادية في السماء. لم تكن بادية دائمًا. فاستلقيتُ على ظهري لأراها في كامل بهائها. كانت ليلة قمرٍ مظلم، لكنّ جوهرةً هلاليّةً كانت قد أطلّت فوق أطول إبر الصخرة الحادّة. رفعتُ سبّابتي وحجبتُ الجوهرة حتى لا أرى سوى حلقةٍ من الضوء الأزرق حولها. ثم أرخيتُ يدي، وتثاءبتُ، وسمعتُ:
«كيف كان أوّل يومٍ في العمل؟ شاقّ؟»
أدرتُ رأسي فرأيتُ هيئة يال تظهر فوق جدار الشرفة.
«إلَسّار!» قلتُ ناهضًا للجلوس. «أتعلم أنّ قابض المسامير سيصطحبني إلى المعهد؟»
كان يال قد جلس لتوّه، مستندًا إلى الجدار، فأشاح ببصره فجأةً عن النجوم.
«ماذا قلت؟» نخر.
«أقول لك. إنّه ساحرٌ طالب، ويريدني أن أقضي له المهامّ هناك»، أوضحتُ.
ساد صمت. سعل يال سعلةً خفيفة.
«لم يذكر الإعلان شيئًا من هذا القبيل»، هدر. «أفهم الآن لماذا لم يأخذ خادمًا نبيلًا...»
«أخطيرٌ المعهد حقًّا؟» استفسرتُ.
عقد يال ساقيه، متنحنحًا.
«ليس خطيرًا إن ابتعدت عن تجاربهم. لا شكّ أنّ معلّمك السابق حذّرك من مخاطر الفنون السيلمِستية.»
«على نفسك، نعم، لا على الآخرين»، قلتُ حائرًا.
«حسنًا، قد تكون خطيرة»، أكّد يالِت. «الخيمياء بخاصّة. هذا الربيع، دون أن نبحث بعيدًا، قُبيل وصولك بقليل، وقع انفجارٌ في جناحٍ كاملٍ من المعهد. لا يمكنك أن تتخيّل الدخان الذي تصاعد، كثيفًا وأخضر بالكامل؛ كان يُرى من حيّ القطط. أُصيب عدّة أشخاصٍ بتسمّمٍ شديد. همم. طمئنّي، هذا الميروكي فال ليس خيميائيًّا، أليس كذلك؟» قال قلِقًا.
هززتُ رأسي بقلق.
«لا أدري، لم يخبرني. لكنّه قال إنّه لا يُسمح لي بدخول قاعات الدرس.»
«ويُحسِن بك أن تصغي إليه»، أجاب يال، ثم قال بمرحٍ أكبر: «بالمناسبة، بالمناسبة، أكنت تعلم أنّني تخرّجت؟»
أخذتُ نفسًا عميقًا.
«واو! هذا رائع!»
أومأ يال متأمّلًا.
«درستُ أكثر من ساحرٍ، والأرواح تعلم أنّني أستحقّ هذه الشهادة. لولا كورثر، لما جئتُ الامتحان نصف نائم... على أيّ حال»، تنحنح ورفع بصره. «لنعمل يا ساري. قل لي، ماذا تعلّمنا أمس؟»
«فتح الأقفال والفخاخ وفتح الأقفال»، تلوتُ بزمّةِ شفاهٍ متضجّرةٍ تمثيليّة، ثم ابتسمتُ. «والتناغمات!»
«بالضبط»، قال يال ناهضًا على قدميه. «اليوم سنطبّقها تطبيقًا حقيقيًّا. ما رأيك؟»
نظرتُ إليه مندهشًا، وقفزتُ على قدميّ متحمّسًا.
«هل سنسرق شيئًا ثمينًا؟»
«لا، الليلة لسنا لصوصًا: نحن أشباح»، ابتسم معلّمي.
وبرشاقة، بدأ ينحدر من القمّة. تبعتُه.
«انتبه لموضع قدمك»، قال حين رآني أحطّ إلى جانبه على سطح.
«أنا حذرٌ جدًّا»، أكّدتُ له.
«زلّةٌ واحدةٌ على هذا الارتفاع تعني الموت»، أجاب بجدّيّةٍ بالغة.
تنهّدتُ، لأنّه بدأ يكرّر تلك الكلمات بقدر ما كان معلّمي الناكروس يكرّر حكاياته عن الهياكل العظمية العابسة.
«نعم يا إلَسّار.»
لم نحطّ في الزقاق الأعمى، بل في مكانٍ آخر، وحالما وطئت قدماي الأرض، ابتعد يال. اضطررتُ إلى الركض لألحق به.
«إلى أين نذهب؟» سألتُ.
«اتبعني وسترى.»
بدل أن ننزل، صعدنا. وسرعان ما بلغنا الدَّرَج العريض الذي يفصل نهاية القطط عن بداية أتويرثو. عبرنا حديقة الحجارة، وحين رأيتُ معلّمي يجثم خلف شجيرة، فعلتُ مثله.
«حارسٌ ليليّ»، أوضح يال بصوتٍ خافت.
بعد لحظاتٍ قليلة، رأيتُ الحارس المذكور يمرّ بفانوسه عبر الحديقة المظلمة. وبيده الأخرى، كان يدخّن غليونًا. توقّف برهةً عند مقعدٍ ليشعله من جديد، ثم مضى. وحالما اختفى، نهض يال وعبر الشارع إلى مبنًى كبير. قطّبتُ حاجبيّ وسألتُ:
«وماذا عن هذا المكان؟»
«مدرسة الدردار»، أجاب يال همسًا. «باستثناء البوّاب، كلّ شيءٍ خالٍ. من هنا. استعمل التناغمات.»
تسلّق البوّابة بسرعة. ابتسمتُ وتبعته، متحمّسًا لزيارة المكان الذي درس فيه يال ثلاث سنوات. عبرنا فناءً مرصوفًا بالحصى، متلفّعَين بالظلال المتناغمة. فتح يال الباب الأوّل بمفتاح، وما إن دخلنا، همس إليّ متسلّيًا:
«صنعتُ نسخةً بالشمع. هيّا.»
سرنا في ممرٍّ مليءٍ بالأبواب، لكنّنا لم نفتح أيًّا منها، وقادني يال رأسًا صعودًا على الدَّرَج إلى الطابق الثالث. ولمعرفته الدقيقة بوجهته، توقّف معلّمي أمام بابٍ ومدّ يده نحو المقبض دون أن يلمسه.
«أخبرني إن كان ثمّة فخّ»، طلب.
هززتُ كتفيّ ووضعتُ يدي اليمنى على الباب. سمعتُ معلّمي يلهث؛ فهو لم يعتد بعد أنّ فخاخ السرقة السحرية لا تكشف يدي بوصفها دخيلة. شعرتُ بطاقةٍ وأومأتُ.
«ثمّة فخّ.»
كان ذلك منطقيًّا، وإلّا لما طلب منّي يال أن أبحث عن واحد.
«حسنًا، أطفئه»، دعاني.
ركّزتُ، وفحصتُ نمط الفخّ، وعرفتُه واحدًا من تلك التي أراني إيّاها يال. حدّدتُ المفجّر بسرعة، وكسرتُ الروابط من حوله و... توقّفتُ.
«أأطفئه أم أفكّكه؟»
ضحك يال بينه وبين نفسه.
«تُعطّله يا ساري؛ تعطيله أكثر احترافيّةً بكثير. وحين نخرج، تعيد تشغيله، فلا يعرف أحدٌ أنّ أحدًا كان هنا.»
«حسنًا، إذن فقد تمّ»، أخبرته.
تحقّق من ذلك بإدارة المقبض، ورأيته هادئًا إلى حدٍّ جعلني أسأل:
«لا بأس إن أُمسك بنا، صحيح؟»
«آه... لا يا ساري، الأمر ليس جيّدًا. لكنّنا لن نُمسَك، لا تقلق، أعرف هذا المكان عن ظهر قلب.»
دخلتُ خلفه، فغمرتني رائحة الورق. أنار ضوء الجوهرة الداخل برفق، فكتمتُ صيحة دهشة.
«هنا كتبٌ أكثر ممّا عند قابض المسامير!»
«اخفض صوتك يا مور إلدال»، هدر يال.
«آسف، آسف»، تمتمتُ بينما ابتعد بين الرفوف.
ركضتُ إلى الخلف، ثم عدتُ من رفٍّ آخر، ولأنّ يال لم يقل لي ألّا ألمس، أمررتُ يدي على كعب كلّ كتاب. وبعد أن تصفّحتُ برهة، رأيتُ معلّمي وبين يديه كتابٌ مفتوحٌ ونورٌ متناغمٌ مضاء، فتوجّهتُ إليه.
«إلَسّار»، تمتمتُ. «أكلّها مكتوبة؟»
ظهرت ابتسامة يال في كامل بهائها.
«الكتب؟» أومأتُ. «طبعًا يا ساري. في المكتبات، لا توجد سوى الكتب المكتوبة.»
وقفتُ على أطراف أصابعي لأرى أيّ كتابٍ ينظر فيه.
«ماذا يحكي هذا؟»
«أمورٌ تاريخية»، أجاب يال. ثم أغلقه وأعاده إلى الرفّ. سمعته يتمتم: «أربعة آلافٍ وثلاثمئةٍ وثمانية وستّون.»
طالع كتابًا آخر وتمتم:
«ساترانين. أربعة آلافٍ وثلاثمئةٍ وثمانية وستّون.»
نظرتُ إليه حائرًا.
«ساترانين؟ ما هذا؟»
«مسحوقٌ أبيض، مُسكّنٌ قويّ»، أجاب يال شاردًا. وأعاد الكتاب إلى مكانه قبل أن يتّجه نحو الباب. «تعال يا ساري، والزم الصمت.»
تبعته، وأنا أزداد حَيرةً فأكثر. أعدتُ تشغيل الفخّ على باب المكتبة، وهذه المرّة، نزلنا على الدَّرَج إلى الطابق الثاني. نظر يال إلى بابٍ ضخمٍ يختلف عن البقية، ثم لوّح لي بيده وهمس:
«أنت تُطفئه، فأنت تُتقن ذلك جيّدًا.»
هذه المرّة، وجدتُ صعوبةً أكبر، لأنّ النمط لم يكن ممّا علّمني يال، لكنّني تمكّنتُ من تعطيل الفخّ، فوضع يال يدًا حانيةً على طاقيّتي.
«أراك من الآن تنام تحت ستائر ذهبيّةٍ بعد عامٍ من اليوم يا ساري.»
قلّبتُ عينيّ وتبعته إلى الداخل. هذه المرّة، لم نجد كتبًا، بل جبالًا من الملفّات والأوراق مبسوطةً على عدّة مكاتب. تصفّح يال بسرعةٍ عدّة أكوام، وإذ التقط أحدها فجأة، جلس على كرسيٍّ متنهّدًا.
«علّمتُك قراءة اسم يالِت، أليس كذلك؟» همس إليّ. «حسنًا، خذ هذه.»
أعطاني ثلث الكومة، وأنا أزداد ذهولًا فأكثر، ألقيتُ تعويذة نور، لكنّها انطفأت فورًا تقريبًا. ركّزتُ وألقيتُها ثانية. ما رأيته على الأوراق جعلني أقطّب. كانت استمارةً مطبوعةً كُتبت عليها أشياء بخطّ اليد. حاولتُ قراءة السطر الأوّل في الأعلى، المكتوب بحروفٍ كبيرة:
«امـ... امتحان... في... الثِّيَونتيا؟»
هززتُ رأسي، فأعانني يال:
«اللاهوت يا ساري.»
«آه! طبعًا.» ضيّقتُ عينيّ وألقيتُ تعويذة نورٍ أخرى. لم أكن قد أتقنتُها تمامًا بعد. وكنتُ على وشك مواصلة القراءة حين رفع يال ثلاث أوراقٍ متّصلةٍ كأنّها جائزة، وهتف همسًا:
«أمسكتُ بها! لا تبحث أكثر يا ساري، لقد وجدتُها.»
ثم أخرج عُدّةً كثيرة، منها ريشة، وغمسها في المحبرة، وبدأ يكتب بعنايةٍ بالغة. سمعته يتمتم: أربعة آلافٍ وثلاثمئةٍ وثمانية وستّون. ساترانين. ولا أدري ماذا أيضًا.
«تمّ»، ابتسم. جدّد نوره المتناغم الذي بدأ يخفت، وجفّف الحبر على ورقته. نظرتُ إليه مذهولًا. أعاد المحبرة إلى مكانها، وأرجع الكومة إلى موضعها، وغادرنا المكتب متسلّلين كما دخلنا. وأنا لا أزال أستوعب ما فعله معلّمي، أعدتُ تشغيل الفخّ، وتأكّد يال من أنّني فعلتُ ذلك بشكلٍ صحيح، وما إن صرنا في الفناء، عبرنا البوّابة من جديد، وسرعان ما كنّا في طريق عودتنا إلى حيّ القطط. وبعد صمتٍ طويل، زفرتُ.
«إلَسّار... حسبتُك قلت إنّك تخرّجت.»
رمقني يالِت بنظرةٍ ساخرة.
«أوَلم أتخرّج؟»
ابتسمتُ وضحكتُ.
«تخرّجتَ بجنون!»
زفر يال مستمتعًا، وطوّق كتفيّ بذراعه وقال:
«وأنت أيضًا يا ساري، أبليتَ أفضل ممّا توقّعت. في النهاية، قد تكون محقًّا حين تقول إنّك أكثر انتباهًا من بومة.»
اتّسعت ابتسامتي، فأضاف بجدّيّةٍ أكبر:
«انظر، لا أريدك أن تظنّني غشّاشًا عتيدًا. فعلتُها لسبب. أتعلم، طلب منّي كورثر أن أزوره في الليلة السابقة للامتحان. لم يكن لي قطّ مرشدٌ بعينه، لكن... هو من علّمني كيف أستعمل التناغمات و... حسنًا، ما كان بوسعي ألّا أذهب. إنّه الكاب. المشكلة أنّني بسببه، بالكاد نمتُ الليل كلّه. ولولا ذلك، لاجتزتُ الامتحان دون غشّ، صدّقني.»
أومأتُ، مُشعِرًا إيّاه أنّ أسبابه بدت لي مشروعةً تمامًا. ابتسم وربّت على كتفي.
«سأوصلك إلى الوكر.»
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المعلّم أو السيّد، بمعنى «معلّمي».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion