Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 7
أخطأ ييرّيس. فقد تحمّل ألفون ساريَه أكثرَ من يومين متتاليين. أمّا أنا، فإذ وجدتُ نفسي بلا مرشدٍ ولا معلّم، أمضيتُ الأيام الأولى أتجوّل في المدينة بلا هدفٍ واضح، أدخل الحاناتِ وأخرج منها، وأطوف في الحدائق، بل وأتسوّل أيضاً، كما علّمني ييرّيس أن أفعل، بتحفّظٍ وبمظهر كلبٍ مبلّلٍ مقهور. في تلك الأيام، راقبتُ جماعةً من باعة الصحف، وإذ أدركتُ أنهم يجمعون مالاً وفيراً، صعدتُ إليهم في اليوم الثالث وسألتهم من أين يأتون بالصحف، فأجابني أحدهم: من المكتب! وتكرّم بأن أراني إيّاه، إذ كانوا في طريقهم بالفعل لإعادة صحف الصباح وأخذ صحف المساء.
أمام مكتب الصحيفة، كان هناك حشدٌ صاخبٌ مرِحٌ من الأطفال والمراهقين يتسلّون بعقد الرهانات على لعب النرد. أحدهم أُفرِغت جيوبه، وإذ وجد نفسه مديناً بثلاثة سياتوات، تحسّر الفتى قائلاً:
«عسى أن تُشنَق، سيقتلني أبي!»
وبينما كان يهزّ رأسه ملقياً اللعناتِ اليائسة، ضحك أصدقاؤه، ولا سيّما الفائز، وحاولوا مواساته بنبرةٍ خفيفة.
«لا تقلق يا تينس! حدث لي الأمر نفسه في القمر الماضي»، ذكّره فتىً في نحو الثانية عشرة. «وأتدري ماذا فعلت؟ قلتُ إنّ زعراناً هاجموني في الشارع. بابا، ماما، لقد هُوجِمتُ وسرقوا كلّ نقودي!»، صرخ.
«وهل نفع ذلك؟»
«حسناً، نعم، لكنه كان أسوأ نوعاً ما: نعتني أبي بالجبان لأنني أعطيتهم كلّ شيءٍ دون أن أدافع عن نفسي. صدّقني وقل لأبيك إنّ عصابةً بأكملها هاجمتك، وإنك هشّمتَ رأس أحدهم، لكنهم فاقوك عدداً.»
«حسناً، سأجرّب»، أكّد تينس.
واصل آخرون اللعب. كنتُ أراقبهم حين استرعى انتباهي مشهدٌ آخر: إلفٌ أحمر الشعر دفع لتوّه صبيّاً صغيراً بعنفٍ بعيداً بضعة أمتارٍ على الجادّة الإمبراطورية. ذكّرني ذلك كثيراً بما فعله بي صديقُ واروك، القيتيانيّ، حتى إنني، عاقداً حاجبيّ، توجّهتُ لأرى ما يجري.
«تدين لي بعشرين مسماراً!»، قال المعتدي للمُعتدى عليه. لم يقاوم هذا الأخير، لكنه لم يُطأطئ رأسه أيضاً، بل أشاح بنظره، متصرّفاً كأنّ كلمات المعتدي لم تكن في أذنه سوى تغريد عصفور.
«أتسمعني يا إسطرباغ؟»، ألحّ الإلف الأحمر الشعر، دافعاً إياه.
«إسطرباغ أنت! لا تضربه»، صرخ إلفٌ مظلمٌ صغير، متدخّلاً وواقفاً كأنه كلبُ حراسة. «ابتعد!»
«حسناً، حسناً، يا مانراس. أتدافع عن الشيطان الآن؟ ألا تعلم أنّ مخالطة أصحاب عيون الشيطان أولئك مُعدية؟»، رمى الفتى في وجهه.
«اصمت! ديل صديقي!»، زمجر الإلف المظلم الصغير.
«إنه يدين لي بعشرين مسماراً»، ردّ الأحمر الشعر.
«لا يدين لك بشيء!»
«بل يدين: إنه شيطان.»
«هذا ليس عدلاً!»
في تلك اللحظة، التفت الفتى الأحمر الشعر إليّ حين رآني قريباً هكذا، وعقد حاجبيه.
«إلامَ تنظر؟»
لا بدّ من القول إنّ عينيّ، بعد أن استحوذ المشهد على اهتمامي، ظلّتا مثبّتتين بشدّةٍ على وجه الأحمر الشعر. كان وجهاً خرّبه داءٌ خبيثٌ تماماً. هززتُ كتفيّ.
«لماذا تقول إنه شيطان؟»
نفخ الأحمر الشعر بضجر.
«تسأل لماذا؟ انظر إلى عينيه فحسب.»
عندئذٍ فقط لاحظتُ حقّاً أنّ الصبيّ المدعوّ ديل له عينان أرجوانيّتان تكادان تضربان إلى الحمرة، بحدقةٍ عموديّةٍ كأعين الأفاعي. هززتُ كتفيّ من جديد.
«هل رأيتَ شيطاناً قطّ؟ لا، أليس كذلك؟ فكيف تعرف أنه شيطان؟»
رفع الأحمر الشعر حاجباً.
«ماذا؟ حسناً يا شيور*، ألا تعلم أنهم يقولون إنّ الساجِت أصحاب عيونٍ كهذه شياطين؟ هذا الكِنشِن* ليس إنساناً: إنه شيطان.»
رأيتُ بريقاً مرتجفاً في عيني ديل. إذاً كان يصغي إلينا فعلاً، ولم يعجبه، كما هو متوقّع، أن يُدعى شيطاناً. واجهتُ المعتدي.
«كفّ عن دعوته شيطاناً، هذا قاسٍ. اغرب عن هنا وإلّا لويتُ أذنيك.»
لدهشتي، ابتسم الفتى.
«لا تنقصك الجرأة. ألا ترى أنني أكبر منك سنّاً وحجماً بكثيرٍ يا شيور؟ اخفض صوتك. أنت غواك من القطط، صحيح؟». كان مؤلماً أن أعترف بأنه على حقّ: كان أقوى منّي وأطول بكثير، لا بدّ أنه في سنّ ييرّيس، ما يعني أنّ فرصي في الانتصار في شجارٍ كانت ضئيلةً جدّاً. بلّلتُ شفتيّ وأومأت. «هذا باين. وتبيع الصحف؟». هززتُ رأسي نافياً. «لا؟ إذاً ماذا تفعل هنا؟»
«كنتُ ألقي نظرةً حولي»، شرحت. «لأرى كيف تسير حكاية الصحف هذه. سمعتُ أحدهم يقول إنه جنى خمسة عشر مسماراً في خمس ساعات، وأحياناً أكثر. لكنني لا أعرف كيف يجري الأمر.»
نظر إليّ الإلف الأحمر الشعر ساخراً. وفجأةً، مدّ يده إليّ.
«اسمي درائن السريع، من حيّ القطط أيضاً»، عرّف عن نفسه.
كنتُ لا أزال متوجّساً من مدّ يدي لأصافح يد شخصٍ آخر، لكنّ يالِت أكّد لي أنّ يدي اليمنى تبدو حقيقية، أو شبه حقيقية: الفارق الوحيد أنها لم تكن دافئةً كالأخرى. لذا، بعد تردّد، صافحتُ يد درائن وأجبت:
«أنا درائن أيضاً.»
ابتسم درائن.
«آه، سَمِيّ. أتدري يا شيور؟ خمسة عشر مسماراً مقابل خمس ساعاتٍ نزرٌ يسير. أجني أكثر من ذلك متسوّلاً في المعابد. قل لي، هل أنت في عصابة؟»
نظرتُ إليه بحذرٍ وهززتُ كتفيّ.
«لماذا تسأل؟»
ثارت جلبةٌ أمام المنضدة، وبينما تكدّس الأطفال ليأخذوا الصحف، استنشق الإلف الأحمر الشعر الهواء من أنفه بلا مبالاةٍ وهزّ كتفيه هو أيضاً.
«لا لسببٍ ما. أيو، يا سَمِيّ. أيو، أيها الشيطان»، رمى في وجه ديل. «لا تتلكّأ في طريقك إلى البيت، فأنت لا تريد أن تتعرّض للهجوم!»
رمقنا بنظرةٍ مسلّيةٍ مازحةٍ ساخرة، وابتعد نازلاً الجادّة الإمبراطورية بخطىً سريعة.
«يا له من نسرٍ جارح…»، نفختُ بضجر.
«هيّا يا ديل»، قال الإلف المظلم الصغير، حاثّاً الشيطانَ المزعوم. «إن لم نسرع، فلن تبقى لنا صحف.»
أومأ ديل دون حماسٍ يُذكر، ورمقني بنظرة، وقال مقتضباً:
«شكراً.»
ابتسمت.
«عفواً. قولا يا رفيقيّ، أيمكنكما أن تشرحا لي كيف تسير حكاية المكتب هذه؟»
كفّ الإلف المظلم الصغير عن جرّ ديل من كمّه، وعضّ شفته، ناظراً في عينيّ. قدّرتُ أنه لا يتجاوز الثامنة من عمره.
«حسناً»، قال فجأةً. «تعال معنا.»
تبعتهما إلى الداخل حتى منضدةٍ حيث توجّب عليّ أن أدفع مسماراً لقاء لوحٍ نحاسيٍّ صغيرٍ منقوشٍ عليه رمز المكتب. حين بلغنا القبو الخافت الإضاءة، انتظرنا دورنا لنسأل الكاتب عن عدد الصحف التي نريدها. حين جاء دوري، قلت:
«عشرون.»
ونظر إليّ الكاتب نظرةً جانبية.
«أنت جديد، أليس كذلك؟»
«نعم، هذا درائن، صديقٌ لي»، تدخّل الإلف المظلم الصغير.
رفعتُ حاجباً، وابتسم لي صديقي الجديد. همس إليّ:
«بالمناسبة، اسمي مانراس. ما رأيك أن نبيع معاً؟»
ابتسمت.
«ماشية.»
أخذتُ صحفي العشرين، وبعد دقائق، كنّا نحن الثلاثة نجوب الشوارع: «الإشاعة الحمراء! الإشاعة الحمراء! ببنسٍ واحد!». كنتُ بارعاً في الصياح، وبارعاً في الغناء أيضاً، وحين قرعت أجراس المعبد الكبير الأربعة، كنتُ قد نظمتُ أهازيج بيعي:
هيّا، الإشاعة الحمراء،
تُنبِئ بمرحٍ وهناء!
ماذا جرى اليوم؟
اعرفْ بمسمارٍ واحد
في الإشاعة الحمراء!
الإشاعة الحمراء!
الإشاعة الحمراء!
شحِّذ عقلك
بمسمارٍ واحد!
الإشاعة الحمراء!
الإشاعة الحمراء!
قلّدني مانراس، وفي غضون أيامٍ قلائل، شكّلنا ثنائيّاً رهيباً في بيع الصحف. في الحدائق، في الساحات، في كلّ مكان، كان يُسمع مرورنا، نصيح ونغنّي ونوزّع الصحف ونجمع المسامير. لا بدّ من القول إنّ مانراس كان مستعدّاً لتقليدي في كلّ شيء، وتشجيعه حفّزني أيضاً على الارتجال، وعلى التظاهر بأنني قديمُ العهد: كان يصعب على المرء أن يصدّق أنني قبل أقمارٍ قليلةٍ فقط لم أكن أتذكّر ما البيت أو رغيف الخبز. أمّا ديل، فكان أقلّ ميلاً إلى تقليدي، لم يكن يضمر لي شيئاً، لكنه، بحسب مانراس، لم يكن الأميرُ الصغير سوى متكاسلٍ من الطراز الأول. حين كنّا نغنّي، كان ينظر إلينا أحياناً كأننا فقدنا صوابنا، وأحياناً أخرى يقلّب عينيه أو يحكّ رأسه، ويتقدّم على مضضٍ نحو سيّدٍ ليناوله صحيفةً دون أن يفتح فمه تقريباً. وإجمالاً، إن كان مانراس فتىً نشيطاً مثلي، فقد كان ديل دبّاً لبرينيّاً ناعساً ودوداً، لكنه أيضاً شخصٌ لا يبالي بشيءٍ على الإطلاق، وصامتٌ إلى أقصى حدّ… بلا شكّ نقيض القطّ الأسود!
وبالتحديد، بعد أسابيع قليلةٍ من بدئي عملي بائعاً للصحف، وإذ رأيتُ أنّ ييرّيس لم يعد بعد، سألتُ رولغ متى سيعود مرشدي ورفيقي، فأخبرني الإلف العجوز أنّ ألفون، على حدّ ما سمع، قد أخذه في مهمّةٍ خارج إستِرغات. أوّل ما خطر لي أنه أخذه ليبقيه في مأمنٍ من ذلك الصقر الأسود. كدتُ أطلب من رولغ تأكيداً، لكنني فكّرتُ مرّتين وقلتُ لنفسي إنّ فعل ذلك قد يكون فكرةً سيّئة. وعلى كلّ حال، القسَمُ قسَم. على أيّ حال، أثار إعجابي أنّ ييرّيس سيعمل مع معلّمه؛ غير أنني، وأنا مستلقٍ وحيداً في الوكر، شعرتُ أيضاً بوحدةٍ لم أعتدها. وفكّرت: لا أطيق صبراً حتى ينهي يال دراسته ويعود ليوليني بعض الاهتمام. بصراحة، لو كنتُ أعرف أين يسكن يالِت، لذهبتُ لزيارته كي أزعجه قليلاً، ولو لدقائق. تنهّدت، وداعبتُ قلادتي الفضّية الصغيرة بيدي اليمنى، ومددتُ يدي محاولاً أن أسمع أنفاس رولغ من الجهة الأخرى من الباب، لكن دون جدوى. كان يبدو تقريباً أنّ الإلف العجوز، حين يختفي عبر ذلك الباب، يختفي من العالم. تُرى ماذا يكون خلفه؟ لا أدري لماذا، في بعض الليالي كنتُ أظنّ أنّ هناك شيئاً خطيراً هناك، فأعجز عن النوم. وكانت تلك الليلة إحداها. وحيداً في الغرفة، شعرتُ بعدم أمان، تماماً كما حين كنتُ أسافر في الغابة. وهذا شيءٌ لم يحدث لي قطّ مع معلّمي، لأنني كنتُ أعلم أنه لم يكن يحتاج قطّ إلى النوم، وأنه كان يقظاً دائماً، وأنه كان هناك في الخارج، يتأمّل النجوم ويردّ وحوش الجبال بحضوره وحده.
«فيريلومبارد»، تمتمت. «لا بدّ أن أجد فيريلومبارد.»
عندئذٍ أستطيع العودة إلى معلّمي. وبهذه الفكرة في ذهني، تمكّنتُ أخيراً من النوم.
«زلزالٌ في فيليريا! جريدة الليل! جريدة الليل!»، صحت.
كان يوم عيد، أوّل يوم أفراح، يومٌ للاحتفال بالحصاد، وكانت الشوارع مكتظّةً بالناس. كان أفضل يومٍ لبائع الصحف: كانت المبيعات أكثر من جيّدة. العيب الوحيد أنني لم أكن قد وجدتُ بعد كلمةً تقافي «جريدة الليل» وتصنع أهزوجةً لطيفة، لكن يبدو أنّ الناس لم يعبأوا بذلك أيضاً.
رأيتُ يداً بقفّازٍ تمتدّ بمسمارين، فناولتُ الصحيفة، وأخذتُ القطعتين، صائحاً:
«جريدة الليل! زلزالٌ في فيليريا!»
توقّف مانراس بجانبي لاهثاً.
«يا للعجب يا حاذق، لم تبقَ لديك سوى واحدة؟»
«وأنت، عشر، كما أرى»، قلت. «ما خطبك يا شيور؟»
هزّ مانراس كتفيه، وقد بدا كئيباً.
«حلقي أجشّ. سيلوي أخي أذنيّ…»
رمقته بتكشيرةٍ متعاطفة. كان لمانراس سوءُ الحظّ أن يكون له أخٌ يأخذ كلّ ما يجلبه. كان يعيش مع ديل، في المتاهة، لكنني لم أذهب قطّ لزيارتهما هناك: فلم يكن مانراس يقول إنّ أخاه لا يسمح بالزوّار فحسب، بل لم أكن أريد أن أصادف واروك في الطريق.
«اسمع»، قلتُ للإلف المظلم الصغير. «يمكنني أن أعطيك قليلاً. بقي لديّ ثلاثون مسماراً. إن شئت، أعطيك خمسة عشر. بما يتبقّى، سأتعشّى وأتغدّى، لا تقلق. لن يلوي أحدٌ أذنيّ.»
نظر إليّ مانراس، وعيناه متّسعتان.
«حقّاً؟»
«حقّاً وفي دريونسان»، أكّدتُ له، واضعاً القطع في يده. «خذ. ألا تعلم أنّ الأصدقاء يساعدون بعضهم بعضاً؟ حسناً، ها هي ذي. لكنني أفعل هذا لأنّ حلقك متعب، مفهوم؟ في أيّ يومٍ آخر، لن ينفع الأمر.»
ابتسم الإلف المظلم الصغير ابتسامةً عريضة، وقفز على عنقي بكلّ الصحف.
«شكراً يا حاذق!»
ابتسمتُ وقلّبتُ عينيّ. كان بائع صحفٍ قد بدأ يناديني بالحاذق لأنني كنتُ أبتكر أهازيجي الخاصّة وأنافسه، فعلق بي اللقب. ضربتُ مانراس بصحيفتي على سبيل المودّة.
«عفواً يا شيور. قل، بالمقابل خذ صحيفتي؛ سأتعشّى وأعود إلى البيت. أين الأمير الصغير؟»
رأيته واقفاً بجانب مصباح شارعٍ مضاء، يناول صحيفةً لسيّدةٍ مترفة.
«لا يُعقل! أليس يبيع أفضل منك؟»، قلتُ معجَباً. «حسناً، حسناً، أيو، مانراس، أراك غداً!»
«أيو!»
ابتعدت، ومررتُ خلف ديل، وشددتُ قبّعته.
«طابت ليلتك يا أمير صغير!»
رمقني بنظرةٍ نصفها ضجرٌ ونصفها تسلية، قبل أن يعيد ضبط قبّعته ويأتي بإشارةٍ تكاد لا تُرى على سبيل التحيّة.
ركضتُ نازلاً جادّة تارميل، وعدتُ إلى القطط دون أن أبطئ خطاي تقريباً، وحين وصلتُ إلى وردة الريح، رميتُ لصاحب الحانة:
«يا صاحب الحانة، أريد بعض الأرزّ!»
وقدّم لي صاحب الحانة الأرزّ. في الأسابيع الأخيرة، ولأوّل مرّةٍ منذ قدومي إلى إستِرغات، بدأتُ أشعر بأنني قطٌّ حقيقيّ، إذ كنتُ أكسب طعامي، تماماً كما في الأيام الخوالي في الجبال حين كنتُ أصطاد الأرانب، إلّا أنني الآن، بدل أن أصطادها مباشرةً، صرتُ أصطاد القطع الفضّية. ابتسمتُ وأنا آكل أرزّي، وإذ التفتُّ إلى جماعةٍ من الناس كانوا يغنّون احتفالاً بيوم الأفراح، أنهيتُ صحني بسرعةٍ وذهبتُ لأصغي إليهم.
«يا فتى!»، قال رجلٌ حين رآني واقفاً هناك عاطلاً بجانب طاولتهم. «غنِّ معنا، هيّا، علينا أن نحتفل!»
«لكنني لا أعرف الكلمات»، قلت.
«حسناً، ستتعلّمها بسرعة، إنها بسيطة!»
حقّاً، كانت الكلمات من البساطة بحيث تعلّمتها في لمح البصر، وانتهى بي الأمر أصيح معهم. كان حلقي أجشّ قليلاً من الصياح لأجل جريدة الليل، لكن لم يبدُ أنّ الأمر يهمّ، أأُحسِن الغناء أم أُسيئه. في لحظةٍ ما، شددتُ كمّ فيكس، العامل العجوز الذي دعاني إلى الانضمام إليهم، وأشرتُ إلى قنّينة.
«ما هذا؟»
بكلّ صدق، كنتُ أعرف تماماً ما هي، لكنني تظاهرتُ بالسذاجة عمداً، ونجحت حيلتي: نظر إليّ فيكس، واتّسعت عيناه.
«ماذا؟ ألا تعرف ما النبيذ يا فتى؟»
هززتُ كتفيّ.
«أنا من الوادي يا سيّدي. لا وجود لشيءٍ كهذا هناك.»
«لم تشربه قطّ؟ أتريد أن تذوقه؟»
«بجنون!»، هتفتُ مبتسماً.
ابتسم العامل وهزّ رأسه.
«حسناً، جئتَ في الوقت المناسب! دابيل! ناولنا النبيذ، الفتى عطشان.»
وكنتُ عطشان فعلاً، فأخذتُ عدّة رشفاتٍ طويلةٍ قبل أن يضحك أحدهم:
«سيلتهم هذا الفتى القنّينة كلّها يا فيكس!»
«إنه يحتمل الشراب حقّاً!»، قال آخر ضاحكاً.
انتزع العامل العجوز القنّينة من يديّ بالقوّة، فصحتُ فرِحاً:
«تبّاً، إنه يحرق!»
نفخ فيكس بضجر.
«من علّمك أن تشرب هكذا؟ هذا ليس ماء نبعٍ يا فتى! هيّا، تحرّك وعُد إلى البيت، أينما كان، قبل أن يغمى عليك. في الأعياد الدينية، نشرب لنمرح، لا لنسكر. آه، أيها الشباب…!»
شعّث شعري، وأعاد إليّ قبّعتي التي كانت قد سقطت، ودفعني برفقٍ خارج الباب. منحته ابتسامةً عريضةً وضحكت.
«شكراً يا فيكس!»
ترنّحت، واصطدمتُ بكلب، وتراجعت. تعثّرتُ عابراً الساحة الرمادية، مترنّحاً ومبتهجاً جدّاً. لحسن الحظّ، لم يكن الوكر بعيداً جدّاً، وإلّا لما وصلت. في الشوارع، مررتُ ببعض الأشباح المُضبَّبة، ومن الغريب أنني رأيتُ أنّه كان من حسن الحظّ أنني أعطيتُ بقية قطعي لمانراس، إذ إنني الآن، لو تعرّضتُ للهجوم، لأصيب المهاجمون بخيبة أمل. لم أكن بعيداً عن البيت حين توقّفتُ لأنظر إلى السماء فرأيتُ نجوماً شديدة السطوع.
«عُدّها يا مور إلدال، عُدّها!»، هتفت. «واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة…»
واصلتُ عدّ كلّ خطوةٍ أخطوها، وأخيراً بلغتُ الفناء الصغير. صعدتُ الدَّرَج، وعددتُ الدرجات، وعقدتُ حاجبيّ.
«عشرون؟ مستحيل.»
نزلتُ الدَّرَج ثانيةً، ثم صعدته، وهذه المرّة عددتُ ستّاً. كان ذلك أكثر منطقيّة. كنتُ على وشك دفع الباب حين انفتح بعنفٍ وآذى ضوءٌ عينيّ.
«درائن؟»، نادى صوتٌ مندهش.
رمشتُ، وحين رأيتُ عيني معلّمي مفتوحتين على اتّساعهما، ضحكت.
«أيو، إلَسّار*!»
وغنّيت:
أعطني يدك،
يا أخي،
اتبع الدرب
ولنغنِّ معاً:
عاش الصيف!
عاش الخريف!
عاش الداغلات والأرواح المئة!
عاش النبيذ!
فقدتُ توازني، ولحسن الحظّ، منعني الدرابزين من السقوط.
«بأرواح الفجر الأربعة»، تمتم يالِت غير مصدّق.
أخذ يدي وقادني إلى الداخل. بدا صوت إغلاق الباب عالياً كأنّ صاعقةً سقطت على رأسي، فأطلقتُ «آخ»، تلاها ضحكةٌ مكتومةٌ قصيرة.
«يا للرعود، أيمكنك أن تشرح لي كيف وصلتَ إلى هذه الحال بحقّ الجحيم؟»، سأل يال.
«الكيفيّة واضحةٌ بما يكفي»، قال رولغ مستمتعاً.
كان الإلف العجوز جالساً إلى الطاولة وفي يديه ورقة. حيّيته بلوحةٍ من يدي وابتسامة، والتفتُّ إلى يال، لكن توجّب عليّ أن أرفع بصري كثيراً حتى شعرتُ بالدوار، فخفضتُ عينيّ من جديد، وإذ رأيتُ أنني حرٌّ في الحركة، ترنّحتُ نحو فراشي.
«بَه، دعه وشأنه يا بنيّ»، أضاف رولغ؛ «إنه يوم الأفراح.»
«يوم الأفراح!»، كرّر يال في حَيرة، بينما كنتُ مستلقياً أُدندن. «حين كنتُ في سنّه، لم أكن أفعل مثل هذه الأمور!»
«الأزمنة تتغيّر يا بنيّ…»
«أجل، بالتأكيد! كأنها تتغيّر في ستّ سنواتٍ فقط. أتدري؟ أظنّ أنّ ساريَّ قد تعلّم ما يكفي من القطط في الوقت الحالي. ما سأفعله الآن هو أن أجد له عملاً لا يتسكّع فيه. لا أريده أن ينتهي مثل بعض من أعرفهم ممّن هم خناجرُ سوداءُ بالاسم فقط. أتسمعني يا درائن؟ درائن!»
فتحتُ عيناً واحدةً فرأيته جاثماً بجانبي، يراقبني بتعبيرٍ يوحي بـ… القلق؟ الفرح؟ الخوف؟ لم أستطع أن أميّز. ابتسمتُ وقلت:
«نعم، نعم، إلَسّار.»
«ومن الأفضل أن تعمل بجدّ»، تابع يال.
«نعم، نعم. قل يا يال!»، هتفتُ فجأةً. «كيف تسير حكاية الدبـ-هبـ-الدبلوم؟ ها؟»
«أه… سأخوض الامتحانات بعد أربعة أيام»، أجاب يالِت. «والآن نمْ يا ساري. الليلة لن يكون هناك درس، بديهيّاً. أنا لا أعلّم فنّي للسكارى.»
تثاءبتُ وكدتُ أقول «نعم، نعم» من جديد، لكن قبل أن أتمكّن حتى من فتح فمي، غرقتُ في نومٍ عميقٍ كالقتيل.
* شيور: عبارة مخاطبةٍ مألوفة، بمعنى «صاحبي/يا رجل».
* كِنشِن: لفظٌ عامّيّ يعني «صبيّ/فتى صغير».
* إلَسّار: لقبٌ يخاطَب به المرء معلّمه أو أستاذه، بمعنى «معلّم».
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion