Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 6
كانت أنغام الهارمونيكا تطفو في هواء أصيلٍ صيفيٍّ دافئ، هادئةً ساكنة. وبينما كنتُ ممدَّدًا على الأرض اليابسة في زاويةٍ من ساحةٍ في أعماق حيّ القطط، أصغيتُ إلى الموسيقى بينما راح خدرٌ لذيذ يتمكّن منّي شيئًا فشيئًا. كلّما أخرج ييرّيس الهارمونيكا تنفّستُ الصعداء، إذ كان ذلك يعني أنّه سيكفّ عن الكلام لبعض الوقت. حقًّا، كانت ثرثرته مذهلة، فهو لا يعرف كيف يصمت. كنتُ أُصغي في البداية، وإن أتاح لي لحظةً لأقحم كلمةً قلتُ «نعم»، أو «أكيد»، أو «أجل، أجل»، لكن بعد حين، إن لم يكن هذيانه مشوّقًا بوجهٍ خاصّ، كنتُ أنتهي إلى أن أرمقه بنظرةٍ متشبّعة، وأشيح ببصري، فتغدو كلماته في أذنيّ أزيزَ نحل. ولم يكن يبدو أنّ ذلك يزعجه، وذات يوم حين أخبرته أنّه أكثر ثرثرةً من اليمام في الصباح، أجابني ساخرًا: «وكيف أدعُ اليمام يسبقني إلى ذلك يا شيور*؟». ومضى يتكلّم ويتكلّم. تكلّم عن كلّ شيء، عن الموسيقيّين المشهورين، وعن حكاياتٍ جرت في حيّ القطط، وعن أمورٍ رُويت له هنا وهناك عن لصٍّ بعينه أو ربّ عملٍ بعينه... كان نصف القزم سيلًا من المعلومات. ولحسن الحظّ، مع مرور الوقت، تعلّمتُ مثل سلارين أن أميّز نبراته المختلفة وأن أعرف متى يهمّ أن أُصغي إليه ومتى يمكنني أن أسترخي قليلًا.
تثاءبتُ... وفجأةً مزّقت صرخةٌ سكينةَ الأصيل.
«ييرّيــس!»
أجفلتُ في منتصف تثاؤبي، فرفعتُ رأسي مُرمِشًا من الضوء، ورأيتُ خيالًا مذعورًا يظهر، يركض عابرًا الساحة، وشعرها الأحمر الطويل منسدلٌ يخفق خلفها. كانت سلارين. لم أرها منذ أسبوع، لأنّ أمّها كانت قد خرجت لتوّها من السجن وأخذتها إلى البيت.
كرّرت الإلف المظلمة وهي تتوقّف بجانبنا لاهثة: «ييرّيس، أخيرًا وجدتُك.»
قال ييرّيس في حَيرة وهو يُنحّي الهارمونيكا جانبًا: «سلارين؟ ما الأمر؟»
أوضحت سلارين: «إنّه كورثر. يقول إنّ عليك أن تذهب لرؤيته حالًا، لديه عملٌ لك.»
تجهّم وجه ييرّيس كأنّما قيل له إنّه حُكم عليه بالأشغال الشاقّة.
قال نصف القزم: «مهلًا لحظة. ما كلّ هذا؟ كورثر لم يُعطِني قطّ أيّ عمل. عادةً، ألفون هو من...»
تمتمت سلارين وهي تجثو: «بالضبط، الأمر يتعلّق به. مُرشِدك خلف القضبان.»
جلستُ منتصبًا مذعورًا في حيرة، بينما راح ييرّيس، لأوّل مرّة منذ عرفته، يتلعثم:
«ألـ ألفون؟ مستحيل. آل خلف القضبان؟ لكنّ آل أفضل خنجرٍ أسود في...!»
فحّت سلارين: «اخفض صوتك أيّها الأحمق!» ثمّ رمقت جماعةً من الأطفال يتسكّعون على مبعدةٍ قليلة، وتابعت بصوتٍ خافت: «إنّه في مركز الاحتجاز في مينشالدرا، وفرضوا عليه غرامةً باهظة لأنّهم ضبطوه بماغارا محظورة. ويبدو أنّه عاجزٌ عن دفعها.»
تذمّر نصف القزم بشيءٍ غير مفهوم.
زجرته سلارين بنفاد صبر: «ييرّيس! كورثر سيشرح. تحرّك، هيّا. لن تخذل مُرشِدك، أليس كذلك؟»
زمّ ييرّيس شفتيه.
احتجّ: «بالطبع لا. لكن، يا لها من فكرة، أن يدعَ الذباب يقبضون عليه، هو، سارق لؤلؤة أودانس، الذي جاب نصف العالم في شبابه ولا ينفكّ يتباهى بذلك. والآن يتبيّن أنّه عاجزٌ عن دفع غرامة! لا بدّ أنّ هوسه بالتأنّق كشخصٍ غريب الأطوار قد انقلب عليه، لقد حذّرته: أبدًا يا آل، لا ينبغي أبدًا لقطٍّ عجوزٍ أن يتزيّا كمهرّج، احذر أن تنتقل الثياب إلى الروح، لكنّه لم يُصغِ إليّ حتّى! إنّه لا يفعل قطّ، إنّه...»
قاطعته سلارين: «لِمَ لا تكفّ عن الثرثرة وتذهب!»
في بعض الأحيان، كانت نبرة صوت سلارين آمرةً إلى حدٍّ كان ليجعل مرتزقًا محنّكًا يتردّد. تبادلتُ ونصف القزم النظرات، فنهض على مضض.
«هل هو في النُّزُل؟»
أكّدت سلارين: «نعم.»
كان النُّزُل أشبه ما يكون بمقرّ الأخويّة. وهو يقع أبعد قليلًا من الساحة الرمادية، حسب ييرّيس. لم أدخله قطّ، لكنّ رفيقي قال إنّ الأفضل لي ألّا أدخله أبدًا، لأنّه، على حدّ قوله، في كلّ مرّة تفعل ذلك، تخرج أكبر سنًّا، بمسؤولياتٍ أكثر وهمومٍ أكثر.
وكأنّه كاره، خطا ييرّيس خطوة... ثمّ توقّف، ناظرًا إلى سلارين بفضول.
«وماذا كنتِ أنتِ تفعلين في النُّزُل؟»
نفخت الإلف المظلمة.
«مجرّد بعض المسائل بشأن أمّي. هيّا اذهب، وإلّا شدّ كورثر أذنيك.»
قلّب ييرّيس عينيه.
«وددتُ لو أراه يحاول.» ثمّ ابتسم لي. «كن مطيعًا يا شيور. سلا، أتعرفين أنّ ذاك الفتى ابن الأكواخ وجد ظهر اليوم قطعة عشرة مسامير على الأرض هناك في الجادّة؟ حرفيًّا. تقاسمنا طبقًا من الأرزّ الساخن في «الراقصات» ولا تعرفين كم كان ذلك شعورًا طيّبًا! وليمة! و...»
صاحت سلارين وقد نفد صبرها: «ييرّيس!»
سخر نصف القزم: «مهلًا، أنا ذاهب أيّتها الأميرة، لا تستعجليني. أنتِ أسوأ من آل. لكنتِ كابًا بارعةً للخناجر السوداء، أتعلمين؟ لجعلتِنا نسير على استقامةٍ كعصا القيادة.» ورفع يدًا مهدّئةً تحت نظرة سلا المتبرّمة، ووضع الهارمونيكا بين شفتيه، وخرج من الساحة متعرّجًا وهو يعزف على آلته.
سمعتُ تنهيدة سلارين عاليةً واضحة.
«في يومٍ من الأيّام سيلوي ألفون عنقه. ما لم أفعلها أنا أوّلًا. قل لي يا درائن، ستعود إلى الوكر، أليس كذلك؟»
قلتُ: «سأعود، سأعود.»
أعلنت: «حسنًا، اذهب إذن. أنا ذاهبة إلى البيت.»
كانت على وشك أن تمضي حين وثبتُ واقفًا وقلت:
«كم من المال يطلب الذباب؟»
ابتسمت سلارين ابتسامةً ساخرة.
«ثلاثون سياتو. مبلغٌ لا بأس به، أليس كذلك؟»
حككتُ رأسي قلقًا.
«هل سيسرقها ييرّيس؟»
«لا أظنّ ذلك. لو كان عليّ أن أراهن، لقلتُ إنّ لدى كورثر عملًا مُعَدًّا وسيرسل ييرّيس ليدفع الثلاثين ذهبيّة إن قام ألفون في المقابل بما يأمره به... كابنا عمليٌّ جدًّا.» وابتسمت ابتسامةً عريضة. «أيو، أيّها الشقيّ.»
ربتت على قبّعتي بودّ ومضت مسرعة. رأيتها تختفي باتّجاه جادّة تارميل، وعضضتُ على خدّي مفكّرًا وأنا أعيد قبّعتي إلى رأسي. ثلاثون سياتو، أو ذهبيّة كما يسمّونها في حيّ القطط... كان ذلك مالًا كثيرًا. تمنّيتُ أن تكون سلا مُحقّة وأن يكون كورثر مستعدًّا للدفع وإخراج ألفون من السجن. لم أرَ قطّ مُرشِد ييرّيس، لكن بعد سماع رفيقي يتحدّث عنه كثيرًا وعن مآثره وغرائبه، شعرتُ كأنّي أكاد أعرفه، ومعرفتي أنّه في مينشالدرا القريبة جدًّا جعلتني متحمّسًا لأرى أخيرًا هذه الشخصية الغامضة النافرة بلحمها ودمها. خلال تلك الأقمار الثلاثة التي غاب فيها، منشغلًا بمن يدري ماذا، يسرق أو يصطاد الكنوز... كما كان رولغ ليقول، حتّى الأرواح لا يمكنها أن تعرف ماذا يفعل الخناجر السوداء حين يجوبون البراري. وكما شرح لي ييرّيس، كانت الخناجر السوداء أخويّةً فضفاضةً إلى حدٍّ ما. فمع أنّ لهم كابات في كثيرٍ من كبرى مدن بروسباتيرّا، كان أفرادهم كثيرًا ما يعملون مستقلّين بعضهم عن بعض، وبوصفهم رفاقًا، لم يكونوا ملتزمين إلّا بالتعاون وبإبقاء الأخويّة قائمةً عبر التبرّع بجزءٍ من مكاسبهم، وبالبحث بين الحين والآخر عن مجنَّدين جدد.
توجّهتُ إلى الوكر وهرولتُ صاعدًا الشارع. غير أنّي، في منتصف الطريق، غيّرتُ رأيي وعدتُ أدراجي. كان لا يزال أمامنا بضع ساعاتٍ قبل أن يحلّ الظلام، ثمّ إنّي لن يكون لديّ أيّ دروسٍ هذا الأصيل لأنّ يال كان في خضمّ الامتحانات، يدرس بجدٍّ أكثر من ساحر، على حدّ قوله، ولا يسعه أن يفقد تركيزه، لأنّه إن رسب فوداعًا للتخرّج. لم أفهم تمامًا لِمَ يهتمّ كلّ هذا الاهتمام بالشهادة؛ كلّ ما عرفته أنّي كنتُ أفتقد دروسه الهادئة الودودة. أحزنني التفكير في حرماني منها نصف قمر، وإن لم أبقَ عاطلًا. في النهار، كنتُ أتبع ييرّيس في كلّ مكان، وحين كان نصف القزم يتركني في الوكر ليقضي «شؤونًا شخصية»، كان رولغ العجوز يجد لي دائمًا مهمّةً ما لأؤدّيها، كجلب الماء من البئر، أو غسل الثياب، أو توصيل رسالةٍ إلى أحدهم. وفي الليل، كنتُ أنام نومًا عميقًا حتّى إنّه لو قُرع جرسٌ فوق رأسي لما سمعته.
وهكذا، هربًا من مهامّ رولغ، نزلتُ التلّة وعبرتُ شوارع موحلة، متعرّجًا لأتفادى بضعة مارّة، ومتجنّبًا سيّدتين كانتا تتقاذفان الشتائم في وجهَي بعضهما بحيويّةٍ ذكّرتاني بأولئك الممثّلين في مسرح سِيون حيث اصطحبني ييرّيس ذات أصيل.
أخيرًا، بلغتُ درجًا ضيّقًا، فتوقّفتُ، وألقيتُ نظرةً حولي، ومن دون مزيد تردّد، شرعتُ في النزول. كان ييرّيس قد حدّثني عن المتاهة. قال إنّها مملكةٌ حقيقية داخل المدينة، وإنّ فيها شوارع تمرّ فوق البيوت وبيوتًا فوق الشوارع، وإنّها، باختصار، فوضى، أعجوبةٌ من طبيعة الساجِت، أدغالٌ ملأى بالأسرار، وإنّ فيها أناسًا كثيرين، وإنّ قضاء ساعةٍ أو ساعتين في هذا الوكر يجعلك قطًّا مدى الحياة. ولأنّي أردتُ أن أتحقّق ممّا إن كان هذا صحيحًا، ولأنّ سيّدي الناكروس أخبرني أنّ المرء، كي يتعلّم كيف يعيش، يحتاج إلى الشجاعة والإقدام، نحّيتُ جانبًا تحذيرات يال ودخلتُ هذا العالم بحذر قطٍّ وفضول جرو.
كانت الشوارع أضيق حتّى من بقيّة حيّ القطط، كثيرٌ منها مجرّد ممرّات يطفو فوقها بحرٌ من الغسيل المعلّق، بالكاد تُرى منها السماء. مررتُ بإلفٍ يمشي ويداه في جيبيه، مرتديًا عباءةً ضخمة وقبّعةً عريضة الحوافّ تخفي معظم وجهه. ثمّ رأيتُ فتاةً صغيرةً جدًّا جالسةً على عتبة بيت، نظرت إليّ بعينين زرقاوين واسعتين جدًّا، فابتسمتُ وشعّثتُ شعرها وأنا أمرّ.
قلتُ: «أيو، أيّتها الصغيرة.»
مضيتُ بخطوةٍ خفيفة. صعدتُ الدرجات ونزلتها، وعبرتُ جسورًا فوق الأزقّة، وفي الطريق، مررتُ بساجِتٍ من كلّ صنفٍ وعِرق، شيوخٍ وشبّان، أشعثين وأنيقين، وكلّ ما بينهما.
كنتُ أعبر زقاقًا أقلّ ضيقًا قليلًا، حين انفتح فجأةً بابٌ وخرج منه سكّيرٌ يغنّي ومضى تاركًا الباب مفتوحًا. كان مرسومًا عليه مربّعٌ أبيض. وفي الداخل، كانت هناك طاولاتٌ صاخبة ومنضدةٌ على اليسار يقف خلفها إلفٌ مظلم مفتول العضلات باسم. حانة! وإذ سمعتُ رعدًا من الضحك، اقتربتُ بفضول، وكنتُ على وشك الدخول حين أمسكت يدٌ بذراعي، فالتفتُّ لأواجه إلفًا مظلم شابًّا بعينين خضراوين أطول منّي بكثير. عرفته على الفور: كنتُ قد رأيته يتحدّث مع ييرّيس بضع مرّات.
قلتُ متفاجئًا: «واروك!»
قال لي الإلف المظلم بهدوء: «لا أنصحك بالدخول إلى هناك يا شيور. «الجارور» ليس مكانًا للقدّيسين الأبرياء.»
تكلّم بنبرةٍ ساخرة، فزممتُ له شفتيّ بجرأة.
أجبتُ: «لستُ أشبه القدّيس البريء في شيء.»
ابتسم واروك ابتسامةً ملتوية.
«هل أرسلك ييرّيس؟»
هززتُ كتفيّ وقلت:
«لا. لماذا؟»
تجهّم واروك.
«هل تعرف أين هو؟» هززتُ رأسي نفيًا وسمعته يتمتم: «الداربل أعلم بما ينوي ذاك الفتى.» ثمّ قال بصوتٍ عالٍ: «أنت يا شيور، إن رأيته، فقل له أن يمرّ بمخبئي وأخبره أنّي سأعطيه حصّته، اتّفقنا؟»
قلتُ: «طبيعي».
ابتسم، وربّت على كتفي، وكان على وشك المضيّ حين سألته:
«أين مخبؤك؟»
رفع واروك حاجبًا وهزّ رأسه.
«هذا من الأمور التي لا تُقال بصوتٍ عالٍ ولا للغرباء.» بدوتُ مهانًا، فابتسمت عيناه. «لكن ربّما يمكنني أن أُريَك إيّاه. تعال.»
قلتُ متحمّسًا:
«شكرًا!»
وتبعته بخفّةٍ عبر الأزقّة.
سألت: «لماذا يقول ييرّيس إنّ المتاهة رائعة؟»
نفخ واروك.
«يقول ذلك؟ حسنًا... أظنّ ذلك لأنّ القطّ الأسود قطٌّ مجنون، وموسيقيٌّ إلى جانب ذلك،» مازحًا.
أملتُ رأسي إلى جانب، مفكّرًا، وبعد صمتٍ سألت:
«ولماذا يقول آخرون إنّها خطيرة؟»
أكّد الإلف المظلم: «همم. لأنّها كذلك، لكن ليس إلى هذا الحدّ إن عرفت كيف تحمي نفسك.» وبحركةٍ رشيقة، استلّ خنجرًا وأراني إيّاه عن قرب. ابتسم. «هذا الفتى... حتّى إنّه لا يخيفه. حسنًا، ينبغي أن يخيفك، أتعلم؟» قال وهو يعيد السلاح إلى مكانه. «لا ينجو في المتاهة إلّا الحذِرون. لذلك سأكتفي بأن أخبرك أنّ مخبئي قريبٌ من هنا، على بُعد بضعة أمتار. إن وجدته، أعطيتُك مسمارًا.»
حسنًا، تحدٍّ، أليس كذلك؟ استدرتُ، ورفعتُ بصري، وأشرتُ إلى ثقبٍ بين شرفةٍ وبيت.
«هناك؟»
نظر إليّ واروك بتكشيرة منزعجة.
«ومن أوّل محاولة،» تمتم. رمى قطعة مسمار، فالتقطتها بابتسامةٍ عريضة. قلّب عينيه. «لا تصدّق كلّ ما تقوله القطط يا شيور. مخبئي ليس هنا. والآن عُد إلى مخبئك: إن أدركك الليل هنا، فقد تتحوّل تمامًا إلى روح.»
قبل أن يمضي، نقر رأسي، فراقبته بخيبة أمل وهو يختفي عند زاوية. بعد لحظاتٍ من التردّد، تبعته صامتًا. في لحظةٍ ما، التفت، فاضطررتُ إلى الانحناء مسرعًا. بل إنّي تمكّنتُ من إلقاء تعويذة ظلالٍ متناغمة لأُتقن مخبئي: كان يال يقول إنّي موهوبٌ إلى حدٍّ كبير. لكن مرّةً أخرى، كنتُ أعرف الكثير أصلًا عن التحكّم بالجايبو؛ أظنّ أنّي كنتُ أعرف أكثر منه.
وأنا مختبئٌ على هذا النحو، رأيتُ الإلف المظلم يمرّ تحت بوّابة، فتبعته لأراه ينزلق عبر فُرجةٍ في سياجٍ خشبيّ و...
قال واروك: «حسنًا، حسنًا، حسنًا.» توقّفتُ فجأةً. «تبدو كأنّك كنت تركض كشيطان يا شيور.»
تنفّستُ الصعداء بصمتٍ لأنّه لم يكتشفني، واقتربتُ من الحاجز الخشبيّ.
تابع واروك: «أخبارٌ سيّئة، صحيح؟»
أجابه نخيرٌ، ثمّ:
«أحتاج مساعدتك.»
اتّسعت عيناي إذ عرفتُ الصوت. ييرّيس؟ بدا صوته خائفًا ومتوسّلًا إلى حدٍّ أقنعتُ نفسي معه أنّي مخطئ.
أجاب واروك: «ظللتُ أساعدك ثلاثة أقمار، أتذكر؟ ماذا تريد الآن؟ ذهبيّات؟ إن كنت تظنّ أنّي سأعطيك إيّاها لقاء وجهك الغنوميّ فقط...»
قاطعه الآخر: «ليس ذلك.» لقد كان ييرّيس فعلًا، فكّرت. «إنّه... كورثر. ذهبتُ لرؤيته قبل ساعتين.»
سخر واروك: «بارعٌ منك حقًّا. ألم تقل إنّه يرتاب بك؟»
تنهّد ييرّيس: «ما كنتُ لأُقسم على ذلك من قبل... لكنّي أُقسم الآن.»
سأل واروك بنبرةٍ جافّة: «أحمق. لماذا بحقّ السماء ذهبتَ لرؤيته؟»
أكّد ييرّيس: «شياطين، وما أدراني، لم أُرِد ذلك. كانت حيلةً منه. أعلمني أنّ مُرشِدي في السجن. وكان ذلك صحيحًا. لكنّ كورثر كان قد أرسل أحدهم لدفع الغرامة سلفًا. أراد أن يكلّمني على انفراد. قال لي إنّه... إن اكتشف أنّي متورّطٌ مع عصابة المتاهة، فسيطردني.»
قال واروك بسخط: «إذن أخبرته بكلّ شيء؟»
احتجّ ييرّيس: «لا، بالطبع لا! لديه مخبروه الخاصّون يا واروك. وعلى أيّ حال، ماذا كان بوسعي أن أخبره؟ لا أعرف شيئًا عن الصقر الأسود. وأُفضّل ألّا أعرف عنه شيئًا أبدًا. أرجوك يا واروك. عليك أن تساعدني. أريد... أن أضع كلّ هذا ورائي. لم أُرِد قطّ أن أكون جاسوسًا، ولم أُرِد قطّ أن أسرق من أجل... من أجله هو. لستُ خائنًا. قل للصقر الأسود إنّي أتنازل عن ماله. لا أريده، قل له ذلك يا واروك...»
تمتم واروك بنبرةٍ محتقِرة: «لا يُصدَّق. ييرّيس القطّ الأسود يزمجر ويفرّ كجبان. أتعلم ذلك؟ الصقر الأسود يمقت الجبناء. تذكّر، لم تصر خنجرًا أسود بمفردك. صرتَه بفضلنا. والآن وقد صرتَ لصًّا ساحرًا صغيرًا بارعًا، تظنّ أنّ لك الحقّ في أن تقول ما يجول في خاطرك، لكنّ ذلك لن يجلب لك سوى المتاعب، أتسمعني؟ شئتَ أم أبيت، سيتعيّن عليك أن تشرح الأمر في وجهه.»
لهث ييرّيس: «لا، لا، أرجوك يا واروك، لا تفعل بي هذا.» كان قلبي يخفق أسرع فأسرع. كان أمرٌ خطيرٌ يجري. أمرٌ رائحته كريهةٌ جدًّا. «أرجوك،» كرّر ييرّيس. «أُقسم إنّي لن أتكلّم. لن أقول شيئًا عنك ولا عن سائر الأوجيساريين. بل إنّي مستعدٌّ أن أُقسم إنّي سأترك الخناجر السوداء إن طلب منّي الصقر الأسود ذلك. لكنّي لن أخون كورثر مرّةً أخرى. عليك أن تفهمني، إن ضبطني أعمل لصالح الصقر الأسود، فأنا في عداد الموتى.»
فجأةً، سمعتُ ضجّةً خلفي فاستدرتُ، في الوقت المناسب تمامًا لأرى، مرعوبًا، يدًا كبيرةً تمسك بعنقي. صرختُ. حاولت يدٌ أخرى أن تكمّم فمي، فعضضتُ ورفستُ حتّى رفعتني ذراعان وقذفتا بي إلى جدار.
زأر مهاجمي: «لا تتحرّك!»
تلقّيتُ صفعة، وإذ كتمتُ غرائز صبيّ الجبل فيّ، امتنعتُ عن الدفاع عن نفسي بإطلاق صدماتٍ مَوْتية، وكففتُ عن المقاومة. كانت العينان الزرقاوان لمهاجمي ترمقانني باستياء. كان قيتيًّا أشقر شابًّا إلى حدٍّ ما.
سمعتُ واروك يتنهّد.
«هذا كلّ ما ينقصنا... تيف! أدخله.»
من دون كلمة، دفعني تيف عبر السياج، فترنّحتُ إلى الوراء وقلبي يخفق بعنف. لم يسبق أن ضربني ساجِتٌ من قبل، وأدركتُ أنّ ذلك مؤلم، جسديًّا ونفسيًّا معًا. كان مخبأ واروك فناءً صغيرًا موحلًا فيه ما يشبه المظلّة وركنٌ صخريٌّ عليه حشايا من القش.
رماني ييرّيس بعدم تصديق: «ماذا تفعل هنا يا شيور؟»
كان قد نهض لتوّه من إحدى الحشايا. اندفعتُ نحوه وصحتُ:
«ييرّيس!»
لم أنبس بكلمةٍ أخرى وتشبّثتُ به بقوّة، راغبًا في نسيان تيف وواروك. الآن لم أعُد أجد الإلف المظلم لطيفًا، بل على العكس تمامًا.
همس لي نصف القزم: «اهدأ يا شيور. لن يؤذوك.»
أجاب واروك وعلى شفتيه ابتسامةٌ ملتوية: «تفترض الكثير. الشقيّ خنجرٌ أسود هو الآخر، أليس كذلك؟ لقد كان يتنصّت علينا. ويعرف إلى أيّ عصابةٍ ننتمي. إنّه خطرٌ يمشي على قدمين.»
راقبتُ برعبٍ وهو يستلّ الخنجر.
تدخّل ييرّيس مذعورًا: «إيّاك أن تجرؤ على فعل ذلك!»
هزّ واروك كتفيه.
«مع أنّ ذلك سيُسدي إليك معروفًا: إن تكلّم الفتى، فأنت في عداد الموتى.»
أكّد ييرّيس لاهثًا: «لن يتكلّم. أُقسم إنّه لن يتكلّم. صحيح يا درائن؟ لن تقول شيئًا عمّا سمعته، صحيح؟ لأنّك إن فعلت، فلن ترى القطّ الأسود ولا الموسيقيّ ثانيةً، أتسمعني؟»
أومأتُ وقلت:
«لن أقول شيئًا. ولا حتّى لو انتزعوا عظامي واحدةً واحدة. أُقسم على ذلك يا ييرّيس.»
شعّث نصف القزم شعري وقال:
«أرأيت يا واروك؟ هذا الفتى كنز. اقتدِ به وقل لي إنّك ستحاول إقناع الصقر الأسود بأن ينساني. إلى الأبد. أرجوك.»
نظر واروك إليّ، ثمّ إلى ييرّيس، ثمّ زمّ شفتيه بتعب.
«سأكلّمه. لكنّه لن يتركك تفلت يا ييرّيس. ليس قبل أن تفعل... ما طلب منك أن تفعله ولم تفعله بعد.»
كان نصف القزم يمسك ذراعي الآن، وشعرته يتوتّر.
«اتّفقنا،» تمتم. «سيحصل على تلك الوثائق. لكن، بعد أن يفعل، سيتعيّن عليه أن يتركني وشأني.»
ابتسم واروك، وتقدّم، ووضع كيسًا صغيرًا من المال في يد نصف القزم.
«اخرج من هنا إلى الجحيم وعُد إلى وكرك. لا تطأ قدمك المتاهة مجدّدًا حتّى تحصل على الوثائق. أرسل الشقيّ إن كان لديك أيّ خبر، وسيعطيك المال. لا تقلق: لن أفعل به شيئًا ما دام يُحسن التصرّف. والآن، اغرب عن وجهي،» كرّر.
حدجه ييرّيس بنظرة، لكنّه مضى صامتًا من دون أن يفلتني. وحين بلغنا السياج، التفتُّ لأحدّق في واروك بغضب، وأخرجتُ المسمار الذي أعطاني إيّاه من قبل، ورميتُه في الوحل. ردّ عليّ الإلف المظلم بتعبيرٍ ساخر، لكنّي لم أكترث: لم أُرِد أن آخذ المال من أمثال تلك الأفعى. جذبني ييرّيس، فتبعته تحت البوّابة وعبر الممرّات.
حقًّا، كانت المحادثة قد صدمتني، لكن ليس بقدر صمت نصف القزم في طريق العودة. كنّا قد غادرنا المتاهة بالفعل حين انفلتت منّي العبارة:
«هؤلاء الرجال أسوأ من الوشق. يبتسمون ثمّ يهاجمون.»
تنهّد ييرّيس بعمق، وإذ رمقته بنظرةٍ قلقة، سألت:
«هل عليك أن تسرق وثائق؟» رأيته يومئ شارد الذهن. «هل ذلك خطير؟»
تنهّد ييرّيس مجدّدًا.
«نعم يا شيور. إنّه خطير. لأنّ الوثائق... ليست بحوزة أولئك الأثرياء الأشرار الحقيرين قابضي المسامير. كورثر يملكها.»
اتّسعت عيناي. أكان ييرّيس سيسرق كاب الخناجر السوداء في إستِرغات؟
«لكن... من هو هذا الصقر الأسود؟ لماذا...؟»
همس ييرّيس: «اصمت يا شيور. أرجوك. لا تطرح أسئلة.»
عضضتُ شفتي، ومشيتُ بجانبه، وبعد صمت، قلتُ بشيءٍ من خيبة الأمل:
«المتاهة ليست كلّها عجائب، أليس كذلك؟»
هزّ ييرّيس رأسه وزمّ شفتيه مبتسمًا.
«حين ينتهي أمر الأوجيساريين هذا برمّته، سأُريك المتاهة كما ينبغي. ستحبّ ساحة الصوف: كلّ أصيل، يأتي رجلٌ يُدعى كاسر الأيدي ويشرع في سرد الحكايات. نحن معشر الغواك نعطيه مسامير، وهو يعيش عليها. لا تعرف كم هي رائعةٌ الحكايات التي يرويها! وهناك حاناتٌ ستحبّها أيضًا. في البداية، قد يهيب بعض الرجال، لكن حالما تعرفهم، ترى أنّ لهم في الحقيقة قلوبًا كبيرةً كالقلعة. و...»
ومضى يتكلّم طوال الطريق إلى الوكر؛ حين وصلنا، سمعنا أصواتًا في الداخل. كان الباب مواربًا.
قال صوت رولغ العجوز: «سيصل قريبًا، أنا واثق.»
قال صوتٌ عميق: «أظنّني سمعتُ شيئًا في الخارج.»
انفتح الباب أكثر، فرأيتُ إنسانًا طويلًا شاحبًا في عباءةٍ زرقاء طويلة. كان يعتمر قبّعةً حمراء غريبة وينتعل جزمةً خضراء. «غريب الأطوار»، هكذا قال ييرّيس... ابتسمتُ. حتّى أنا وجدتُ طريقة لباسه غريبة.
صاح ييرّيس وهو يصعد الدرج الخشبيّ: «آل! مضى دهر! ومع ذلك، أن يخطر ببالي أنّك تركت الذباب يقبضون عليك لأجل فانوسٍ سحريٍّ صغيرٍ ليس إلّا. اشتقتُ إليك، لا سيّما أنّك قلتَ إنّك ستعود مع القمر السماوي ونحن في الآبار، و، أتعرف، كلّ ما أعطيتني إيّاه قد نفد منذ زمنٍ بعيد، واضطررتُ إلى رهن أذنيّ حتّى لأبقى شريفًا، على فكرة...»
زمجر ألفون: «صمتًا.» جعّد أنفه، ونظر إلى ساريه، وزمّ شفتيه. «لم تتغيّر قيد أنملة. رولغ، شكرًا لاعتنائك به. سآخذه معي. تعال يا ييرّيس.»
مرّ بجانبه وهو ينزل الدرج، وحين مرّ بي، ابتسمتُ، لكنّه لم يُلقِ نظرةً نحوي حتّى. نظر إليّ نصف القزم بتعبيرٍ قلق، وإذ اقترب، همس لي:
«لا تقلق يا شيور، سأراك قريبًا. آل لا يطيقني أكثر من يومين متتاليين. أنا ثرثارٌ لا أملك لجامي، لكن لا تُخبر أحدًا،» مازحًا. وفهمتُ، من نظرته البليغة، أنّه بهذه الكلمات الأخيرة كان يحاول أن يذكّرني بقَسَم الصمت.
زمجر ألفون: «ييرّيس!»
زممتُ شفتيّ لييرّيس زمّةَ تواطؤ، فانطلق راكضًا خلف مُرشِده. وبعد أن راقبتهما يختفيان من الفناء بشيءٍ من خيبة الأمل، رفعتُ بصري إلى السماء الآخذة في الاعتام، ودخلتُ الوكر متثائبًا. كان رولغ العجوز جالسًا إلى الطاولة يأكل صحنًا من العصيدة. جلستُ أنا أيضًا، وأسندتُ ذقني إلى ذراعيّ المتقاطعتين، وبعد أن أصغيتُ لحظةً إلى مضغ الإلف البطيء، سألت:
«هل عليّ أن أفعل شيئًا يا رولغ؟»
رفع بصره، وابتسم ابتسامةً خفيفة، وهزّ رأسه.
«لا. لقد ذهبتُ لجلب الماء سلفًا.»
شعرتُ بشيءٍ من الذنب، لأنّه، بساقه العرجاء، لم يكن من الخير لرولغ العجوز أن يمشي بحملٍ ثقيل.
قلتُ: «غدًا، سأذهب أنا لجلبه، لا تقلق.» وبعد صمت، أضفتُ: «رولغ، هل سرقتَ أشياءً ثمينةً حين كنتَ شابًّا؟»
أجاب رولغ وهو يبتلع عصيدته: «مم... بالطبع فعلت. خرزًا، وجواهر، وماغارات، وذخائر... وأشياءً لا يمكنك حتّى أن تتخيّلها.»
ابتسمتُ لزمّة شفتيه الغامضة على نحوٍ مضحك، وتردّدت.
«و... لماذا قرّرت أن تصبح خنجرًا أسود؟»
ابتسم الإلف العجوز: «آه! حسنًا، سيبدو هذا غريبًا لك، لكنّي، على خلاف سائر المخضرمين من أمثالي، لا أتحدّث عن الماضي. أنا أكثر عمليّةً من أن أضيع في عصورٍ زالت منذ أمدٍ بعيد.»
تمتمتُ متفاجئًا: «يا للعجب. لكن... إن كنتَ لا تتحدّث عنه، أهو لأنّك لا تريد أم لأنّك لا تتذكّر؟»
قلّب رولغ العجوز عينيه.
«كلاهما. لا، بجدّية يا فتى، بالطبع أتذكّر. سأكتفي بأن أخبرك أنّي، حين كنتُ في مثل سنّك، كنتُ صبيًّا خجولًا إلى حدّ أنّي لم أكن أجرؤ حتّى على مغادرة بيتي وحدي. في ذلك الوقت، كنتُ أعيش في الريف، وفي الليل، كنتَ تسمع عواء ذئابٍ مروّعًا. حين كنتُ أسمعها تقترب، كنتُ أنهض وأركض إلى غرفة والديّ صائحًا: بابا، ماما، التنّين قادم!»
بادلته الابتسامة مستمتعًا، وسألت:
«ولماذا تركتَ الريف إن كان لديك عائلة؟» تجهّم الرجل العجوز، وتجهّمتُ معه، ظنًّا منّي أنّي فهمت. «هل طردوك؟»
هزّ الرجل العجوز رأسه.
«لا. ذات يوم، جاء التنّين إلى الأبد في هيئة قُطّاع طرقٍ قتلة و... تُركتُ وحيدًا. أترى. ومثلك، قطعتُ الرحلة إلى إستِرغات، وعبرتُ غابة أركولدا، ووصلتُ العاصمة رثّ الثياب مثلك. وانتهى بي المطاف خنجرًا أسود... تمامًا مثلك.»
لمعت عيناه مبتسمتين، ووقفتُ هناك أفكّر، محاولًا أن أتخيّل الإلف العجوز، شابًّا مثلي، يمشي تائهًا بين أشجارٍ كثيفة، ووشقٍ، وفطرٍ سامّ، وأفاعٍ...
سألني الإلف: «هل تعشّيت؟» وإذ هززتُ رأسي نفيًا، دفع صحن العصيدة نحوي. كان لا يزال فيه ربعه. «تفضّل. هنيئًا لك. سأذهب لأنام. ولا تدع أحدًا يزعجني، اتّفقنا؟»
رأيته ينهض ويمضي إلى غرفته، فسارعتُ إلى القول:
«يا رولغ. شكرًا. على العشاء وعلى الحكاية. ولا تقلق. الماضي يبقى ماضيًا. كان سيّدي يقول إنّك لو اضطررت إلى تذكّر كلّ شيء، لَجُننت. هو أيضًا لم يكن يتحدّث كثيرًا عن أيّام كان فيها... آه... شابًّا.»
أي لا عن أيّام كان فيها حيًّا ولا عن أيّام كان فيها ميتًا حيًّا شابًّا، أضفتُ في سرّي. نظر إليّ الإلف العجوز بابتسامةٍ خفيفة.
«طابت ليلتك يا فتى.»
«طابت ليلتك يا رولغ!»
ما إن أُغلق الباب حتّى أمسكتُ الصحن بكلتا يديّ، ونابذًا عادة الساجِت في الأكل بالملعقة، ابتلعتُ العصيدة «في سلامٍ وفضيلة». ثمّ أخذتُ ريشتي الصفراء، ومضيتُ إلى النافذة، ورفعتُ بصري إلى سماء الليل، موقنًا أنّ سيّدي الناكروس لا بدّ أنّه ينظر إليها في هذه اللحظة عينها. وبصوتٍ خافت، همستُ:
«طابت ليلتك يا إلَسّار*.»
* شيور: عبارة مخاطبة أليفة، بمعنى «يا صاحبي» أو «يا رجل» تقريبًا.
* إلَسّار: لقبٌ يُخاطَب به المرءُ معلّمَه أو سيّدَه، أي «معلّمي» تقريبًا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion