Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 88
حسنًا، قد لا تظنّون ذلك، لكنّ الأمور تغيّرت كثيرًا منذ ذلك الحين. ولا إلى الأحسن دائمًا، لا بدّ أن أقول. صمدت مؤسّسة ميروكي فال خمسة أقمار، حتّى انتشرت شائعةٌ تقول إنّ السيد شاك كان من زمرةٍ تتاجر بالأطفال. أنا موقنٌ أنّ ذلك لم يكن صحيحًا، لكنّه أُضيف إلى بعض الحماقات العظمية التي ارتكبناها، وإلى الجدل حول سبب حصول الغواكات على تعليمٍ أفضل من تعليم أبناء الفقراء الكادحين الشرفاء، وما شابه ذلك… وفي النهاية تخلّى السيد شاك عن عمله، ولم يتقدّم أحدٌ متطوّعًا ليحلّ مكانه. بقينا نسكن هناك أسبوعًا مع مشرفَين، لكن، إذ حدسنا أنّ حُسن حظّنا يتعقّد وأنّنا سنجد أنفسنا قريبًا في الشوارع من جديد، رحلنا أخيرًا قبل أن يرسلنا الذباب إلى ملجأ الفقراء. وبالطبع كان أوّل الهاربين الغطّاس: فخوفًا من أن يشاء الذباب تجسيده، تحصّن في القطط وانخرط في عصابة الأمهق ليعود إلى تنظيف الأنفاق. أمّا بقيّتنا فعُدنا إلى القطط، مسرورين باستعادة حرّيتنا، لكن خائبين إذ رأينا أنفسنا مُهمَلين من جديد. وأين ذهبت حملة الإحسان الكبرى التي قادها ميروكي فال؟ إلى النسيان! ولم يُسمع لقابض المسامير خبرٌ بعد ذلك، فقد رجع إلى غريادا بعد زواجه بليسابيث، وكان له من الشواغل ما هو أكبر. وأمّا المال الذي تركه لي، فقد ابتزّني الحلّاق وقال لي إنّ عليّ أن أدخل مدرسةً خارج إستِرغات مقيمًا فيها، وأن أفعل ما يأمر به، إن كنتُ أريد أن أنال شيئًا قبل بلوغي سنّ الرشد. لم يُعجبني الابتزاز فأجبتُ: «احتفظ بالمال يا سيّدي، سأعمل، أريد أن أكون عازف أرغن الشارع». لكنّني لم أجد من يقبل أن يعلّمني، ففي النهاية أطعتُ القِسّ وصرتُ منشدًا وساحرًا.
وهكذا، كنتُ في الصباح أُنقذ الأرواح، وكان روغان يُنقذ النفوس. ولم نعمل إلّا في القطط والحيّ الأسود، لأنّنا لم نُرد أن نجلب الأنظار نحن أيضًا. لكنّنا في حيّنا نلنا سُمعةً مزدوجة: نصّابَين صغيرين، وطفلَين مُبارَكَين من الأرواح. رجال العصابات، وأبناء عمومة يارّاس، والغواكات في الشارع… كان أفضل عملائنا قططًا حتّى النخاع. ولم نكن نجمع مالًا كثيرًا دائمًا، لأنّنا لم نكن نأخذ مثل ما يأخذه الأطباء المتخرّجون، فكنّا في الأصائل ننضمّ إلى الرفاق ونصير فنّانين وبهلوانات وصرّاخين. وكنتُ أختم النهار بحلقٍ أجشّ، لكنّني كنتُ أسعدَ من عصفورٍ في الربيع!
وفي أصيلٍ من أواخر الخريف، توقّف قابضُ مساميرَ في الجادّة لينظر إلينا، لكن، إذ لم يبدُ أنّه سيرمي نقودًا في القبّعة قريبًا، وإذ صار المستمعَ الوحيد، كففتُ عن الصياح، وتثاءبتُ فوق برميلي، وقلتُ لمانراس: «عُدَّ المسامير يا شيور*!». فهرع الذئب الصغير ليساعد، لأنّه كان يقول إنّه يُحسن العدّ بجنون. في سبعة أقمار نما كأميرٍ وصار أذكى من ثعلب. وكان ديل لا يزال قليل الكلام، لكنّه كان الوحيد الذي وُفّقتُ في تلقينه دروسَ غناءٍ مُجدية. واحد، اثنان، ثلاثة، ثلاثة ونصف!، صرخ الذئب الصغير. فرفسه مانراس، ضيقَ الصدر، لأنّ الصغير كان يُشوّش عليه. ثمّ إنّ متفرّجَنا الوحيد، المتواري خلف قبّعته العريضة الحاشية، قال لي هكذا:
«يا ناجي. ما قولك لو عرضتُ عليك أن تأتي فتغنّي لابنتي غدًا احتفاءً بعيد ميلادها الثالث عشر؟»
كنتُ واقفًا على برميلي، فاضطُررتُ إلى الهبوط منه لأرى وجهه جيّدًا. ابتسمتُ كاشفًا عن أسناني كلّها. كان كورثر! يا للأمّ الصالحة، ما رأيته منذ سبعة أقمار على الأقلّ. لم يتغيّر فيه شيء. اتّخذتُ هيئةَ غواكٍ مُحكَّمٍ مهذّب، ووافقتُ بصوتٍ هادئ:
«حسنًا. يوافقني ذلك بجنون يا سيّدي. لكنّه للغناء للشيورين* فحسب، أليس كذلك؟»
ابتسمت عينا كورثر الشيطانيّتان.
«ذلك يعود إليك،» أجاب. «إذن، اتّفقنا على الحفل.»
«سنغنّي لك بالمجّان،» عرضتُ وقد أخذني الكرم. «صحيح يا رفاق؟ وسنُقيم له حفلةً بالألاعيب البهلوانيّة! سيسيل لُعاب الشيورين من الدهشة…»
«على ذلك لا نتّفق،» قاطعني كورثر بتقطيبة. «لا ألاعيب بهلوانيّة. ولا مجال أن تفعلوا ذلك بالمجّان. أنا أستأجركم.»
«لا مجال!» احتججتُ.
«أنا قابض المسامير هنا: وأنا أُصرّ على أن أدفع لكم،» أصرّ كورثر.
هزَزتُ كتفيّ، وابتسمتُ، وانحنيتُ انحناءةً ساخرة.
«كما تشاء يا سيّد قابض المسامير. لكنّ الغناء في البيوت غالي الثمن. لا سيّما أنّني غواكٌ قطٌّ ذائع الصيت، ولديّ جدولٌ أثقل من كِيس مُحكومٍ بالأشغال…»
«خمسون،» قال كورثر.
ضيّقتُ عينيّ في حَيرة.
«مسمارًا؟»
«سياتوات يا فتى: سياتوات،» ابتسم كاب الخنجر الأسود.
خمسون سياتو! تبًّا للجحيم، تبًّا للجحيم، تبًّا للجحيم، بهذا يمكننا أن نأخذ عطلةً ونذهب إلى شاطئ الصدف لنصنع العقود! أو يمكننا أن نأكل كالخنازير. أو يمكننا أن نشتري كتبًا ونتعلّم. أو… أو نُضيّع المال كحزمةٍ من الإسطرباغات في حيّ القطط، لكنّ تلك مخاطر الحياة. تبادلتُ ابتسامةً عريضةً مع القِسّ، ولم أجرؤ حتّى على المفاصلة، وصِحتُ:
«تمشي يا سيّدي!»
ثمّ استدرتُ وبدأتُ أُنشِد:
ما أجملَكِ يا تلال،
ويا وديانُ ويا مروج!
لكنْ للصخرة وللحياة
سأُنشِد
حتّى صيحتي الأخيرة!
* * *
* * *
النهاية
* شيور: عبارة مخاطبةٍ مألوفة، بمعنى «يا صاح/يا رجل» تقريبًا.
* شيورين: تصغيرُ «شيور»، نداءٌ ودّيٌّ مازح، بمعنى «يا صاحبتي الصغيرة» تقريبًا.
The novel is completeاكتملت الرواية
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.