Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 100
«فالأسئلة الأهمّ إذن»، تابع سايرَس بعد أن أُكِّد له بحماسةٍ أنّ غرَنتِل، نعم، يحبّ العنف حقّاً، «هي: هل لي أن أفترض أنّه...» توقّف سايرَس وسعل. «معذرةً، ما زلتُ حتّى الآن أعتاد التفكير في الغُنول على أنّه أحدٌ يمكن محادثته، لا شيءٌ. غرَنتِل، أظنّ أنّي أستطيع أن أفترض مطمئنّاً أنّك، بوصفك غُنولاً، لا تمانع في قتل الناس. فهل تستطيع أن تمارس عنفاً لا يقتل أحداً؟»
حدّق غرَنتِل، وقد تغضّن جبينه حيرةً. ومال رأسه ببطءٍ إلى جانبٍ مستفهماً.
«أظنّ أنّ ما يسألك عنه»، حاول آل أن يشرح وهو يتساءل عمّا يدور في خَلَد سايرَس، «هو: حين تبدأ في ضرب أحدهم، كيف تعرف متى تتوقّف؟»
«يتوقّف المرح حين يتوقّفون عن الحركة»، أجاب غرَنتِل.
«هذا شيءٌ أستطيع العمل به»، قال سايرَس وهو يومئ، «ومن شأنه أن يحسّن فرصك. قل لي، أيزعجك أن يتفرّج عليك الناس وأنت تقاتل؟»
مال رأس غرَنتِل ببطءٍ إلى الجانب الآخر، وخرج من حلقه صوتٌ قصيرٌ بين الهرير والدمدمة، رأى فيه آل مزيجاً من عدم التصديق والحيرة. وما الفرق في ذلك؟، هكذا خمّن آل المعنى المقصود.
«إن كنت تنوي دراسة طريقته في القتال لتتعلّم كيف تقاتل غُنولاً آخرين، فقد لا تحصل على ما تتوقّعه. أشكّ في أنّ أيّ غُنولٍ عاديٍّ هناك قد درّبه محاربٌ محترفٌ كما دُرِّب غرَنتِل»، قال آل لسايرَس.
«لا، ليس شيئاً من هذا القبيل. بل أظنّ أنّ الأمر سيكون أنجح إن اجتمعت لديه مهارةٌ متقنةٌ إلى جانب الوحشيّة المُرهِبة»، شرح سايرَس، «لا وعود بعد، لكنّي بوصفي تاجراً محترفاً لديّ بعض المعارف. وأحدهم يصادف أنّه ناظر حَلبة العِقاب في السور الجنوبي. لا أستطيع أن أعِد بشيءٍ الآن، لكنّ المجرمين يُحكَم عليهم أحياناً بمنازلة الوحوش البرّيّة أو بمبارزة أفرادٍ مهَرةٍ من حرس المدينة أو الحرس الأهليّ. والمشهد يدرّ دخلاً وفيراً على البارون سميثرتون، ونظراً إلى سمعة الغُنول أتخيّل أنّ مجرماً محكوماً عليه بمنازلة واحدٍ منهم سيجتذب جمهوراً غفيراً. غير أنّ المجرمين لا يُحكَم عليهم بالموت دائماً، فإن كان غرَنتِل قادراً على القتال دون أن يقتل عمداً، زادت فائدته زيادةً كبيرة.»
«مهلاً، مهلاً»، اعترض آل، «المجرمون لا يخسرون بالضرورة، أليس كذلك؟ يبدو هذا خطيراً.»
«أقلّ خطراً من المغامرة، أراهن على ذلك. فهذه عقوباتٌ في المقام الأوّل، والمحكوم عليهم يوضَعون في موضع الضعف في كلّ مرّةٍ تقريباً»، أجاب سايرَس ملوّحاً بيده باستخفاف، «الإصابات مرجّحة، لكنّ الخيمياء الطبّيّة الحديثة ناجعةٌ يُعتمَد عليها. آه، هذا بافتراض أنّها تنفع مع الغُنول.»
«أعرف جواب ذلك على الأقلّ»، أقرّ آل، لكنّه لم يزد على ذلك شرحاً. فابتسم سايرَس.
«ها أنت ذا، تتعلّم بسرعة!» قال سايرَس رافعاً كأس النبيذ ومرتشفاً منها رشفة، «للمعلومة ثمن. احتفظ بها الآن، فلا داعي لتعقيد دفتر الحساب أكثر.»
رفع آل بصره إلى السقف وهزّ رأسه، ثمّ أعاد نظره إلى سايرَس.
«حسناً، إذن، ما تقترحه هو أن نرمي غرَنتِل في مكانٍ مُسيَّجٍ ليحطّم الناس، وربّما يعضّهم، ونحن في السور الجنوبي؟»
«لا نرميه، لا. بل نؤجّره! إن أبدت الحَلبة اهتماماً، وأنا واثقٌ من أنّها ستفعل، فستتقاضون أجراً على استخدامه بوصفكم... القيّمين على الغُنول. وممّا أخبرتني به عنه في لقائنا الأخير، أتخيّل أنّه سيستمتع بذلك أيضاً.»
«وحشيّةٌ صادمةٌ يؤدّيها وحشٌ مُرعِبٌ لإثارة جمهورٍ يهتف؟» راحت ويكووكِت تحلم، «يبدو هذا مذهلاً!»
بُهِت آل. «لم تبدي لي من النوع الذي يستمتع بالعنف الفاحش المجّانيّ»، علّق.
«اسمع، ثمّة أكثر من نوعٍ واحدٍ من الحكايات»، ردّت، «والتنوّع أمرٌ حسن! ثمّ إنّ هذا ليس مجّانيّاً، إنّها حَلبة عِقاب. إنّها لمعاقبة الأشرار الذين يستحقّون ذلك! وإذا فكّرت في الأمر، وجدته واجباً مدنيّاً حقيقيّاً، مثل دفع الضرائب، أو الإطاحة بالنبلاء الفاسدين!»
«الإطاحة... لا! ستوقعيننا في المتاعب، وحينها لن يرغب أحدٌ في توظيفنا!» تذمّر آل. ورفع بصره إلى غرَنتِل، الذي كان يلعق نبيذ قدحه لكنّه بدا متابعاً للحديث. فلاحظ الغُنول أنّ آل ينظر إليه.
«يعطونني أحداً، فأضربه حتّى يتوقّف عن الحركة، ولا يحاول أحدٌ منعي؟» سأل ببطء.
«نعم، هذا صحيح!» شجّعه سايرَس، «حسناً، أحياناً سيرغبون في إيقافك قبل أن تقتل أحداً، لكنّك ستنال مع ذلك نصيبك من الانغماس في شيءٍ من العنف.»
تمدّد خطم غرَنتِل في ابتسامةٍ سعيدةٍ تبعث على القلق. فتأوّه آل.
«حسناً، حسناً، سوف ننظر في الأمر على الأقلّ»، سلّم آل، «لكنّنا لن نوافق على شيءٍ حتّى نعرف مزيداً من التفاصيل.»
«ما كنت لأتوقّع أقلّ من ذلك»، وافق سايرَس، «لكنّي أظنّ أنّنا سنربح جميعاً من هذا إن استطعت إقناع الناظر بالفكرة.»
«وما الذي ستجنيه أنت من هذا بالضبط؟»
«إن صحّ تقديري لمدى اهتمام حَلبة العِقاب بهذا، فسأتقاضى أجراً على عمل ترتيب كلّ شيء، وقد ينتهي بي الأمر إلى أن يصير ناظر حَلبة العِقاب في السور الجنوبي مديناً لي بمعروفٍ حين يتمّ كلّ شيء. وإن جرى كلّ شيءٍ كما آمل، فلن أعدّ أيّاً منّا مديناً للآخر بشيءٍ في النهاية، وإن كانت التجربة قد تضمن أن تذكروني بالخير. فإقامة علاقةٍ طيّبةٍ مع المغامرين تصرّفٌ حكيمٌ من أمثالي ممّن يتاجرون في... التحف الأثريّة وما شابهها ليكسبوا رزقهم المتواضع. فليس كلّ شيءٍ متعلّقاً بالقضيّة.»
«أشعر فقط أنّ أموراً كثيرةً جدّاً تحدث في الآونة الأخيرة»، اعترف آل للآخرين وهم عائدون سيراً من لقائهم بسايرَس. «كأنّنا على عربةٍ تجرّها خيولٌ جامحة...»
«أو حمار!» قاطعته ويكووكِت.
«...صحيح. لكنّ الأمر كأنّي منشغلٌ جدّاً بجذب اللجام لمجرّد إبعادنا عن المخاطر في الطريق، فلا يتّسع وقتي للتفكير حقّاً في وجهتنا أو في كيفيّة الإبطاء.»
«ليس هذا شعوراً نادراً لدى القادة، على ما يُقال لي»، ألمح بوته. «فلا تستطيع أن تحسن القيادة إن لم تشعر بالقلق على وجهتنا.»
«لم أكن أريد حقّاً أن أكون قائداً، كما تعلم.»
«من المؤسف إذن أنّك الأصلح بيننا للاضطلاع بهذه المهمّة»، ردّ بوته مبتسماً.
«أنت تريد فقط أن تجلس لتقرأ كتبك القديمة المغبرّة، أليس كذلك؟» اتّهمته ويكووكِت.
«ليست مغبرّة، لكن، نعم، أحتاج إلى بعض الوقت لذلك. فبين غُنولنا وما وجدناه ونحن نطارد الوحش في أرجاء حِصن وولفكِن، صار لديّ كثيرٌ من العلم عن الجحيميّ عليّ أن أتعلّمه حقّاً. أريد أن أتأكّد من أنّنا مستعدّون لأيّ خطرٍ شيطانيٍّ قد يظهر بعد ذلك.»
«حسناً، إن كان غرَنتِل سيصبح جلّاداً مشهوراً في سبيل العدالة حين نصل إلى السور الجنوبي، فسيفرّغك ذلك لفعل أشيائك المملّة مدّةً من الزمن، إلى أن تكون مستعدّاً لاستحضار عبدٍ شيطانيٍّ والتسبّب في سقوط الأمّة، وفقاً للنبوءة!» قالت ويكووكِت بمرح.
«ما زلت أقول لك، ليس الأمر... مهلاً، أيّ نبوءة؟»
«لا أدري، لكن لا بدّ أنّ ثمّة واحدةً كهذه في مكانٍ ما!»
«حسناً، أبعديها عنّي. فأشياء كهذه هي السبب في أنّي أريد أن أتجنّب لفت انتباه الآلهة إليّ.»
تجاهل آل شخرة بوته المستمتعة.
«أشعر بتوتّرٍ شديدٍ من وضع غرَنتِل أمام حشودٍ غريبة. لكنّي لست متأكّداً من وجود خيارٍ أفضل. لا أظنّ أنّنا سنستطيع إدخاله خلسةً بطريقةٍ ما وإبقاءه مخفيّاً، ولن نتركه وحده خارج المدينة لمجرّد أن أذهب لأقرأ كتاباً.»
«سيكون من الضروريّ أن يُعرَف»، قال بوته، «كي لا يصدّ حضورُه أولئك الذين لديهم أعمالٌ يعرضونها علينا.»
«أظنّ ذلك»، قال آل. «هذا الوضع كلّه يبدو لي غير حقيقيّ. قبل بضعة أسابيع فقط، كنت أتوقّع أن أتحمّس لأنّي ربّما أساعد في إخافة الغوبلن وإبعادهم عن قريةٍ ما، أو أستكشف أطلالاً قديمةً لا تهدّد أحداً يخشاها الأهالي خرافةً، أو شيئاً من هذا القبيل. والآن أتجوّل في منتجعٍ فاخرٍ وأعقد اجتماعاتٍ مع جمعيّاتٍ سرّيّةٍ سحريّةٍ حول كيف أُدخِل عمداً غُنولاً، من بين كلّ الأشياء، إلى مدينة. وما يحيّرني هو أنّ الأمر بدأ يبدو عاديّاً. كأنّه حلمٌ غريبٌ من نوعٍ ما.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.