Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 101
وجد آل نفسه مرّةً أخرى ضَجِراً من اتّساع الأروقة في مبنى مِغطَس الجحيم وتشعُّبها. كان قد ظنّ أنّه حفظ تخطيطه بحلول الآن، غير أنّ منعطفاً خاطئاً ما قذف بهم جميعاً إلى جناحٍ لا عهد له به على الإطلاق. ولم يبدُ المكان مطروقاً كثيراً أيضاً، فلم يكن ثمّة حتّى من يسأله عن الطريق. خمّن وجهته عند الرِّواق المُتقاطِع التالي فانعطف يميناً، لكنّ هذا الرِّواق تبيّن أنّه ينتهي إلى طريقٍ مسدود عند بابٍ خشبيٍّ ضخم، مُدعَّمٍ بطوقٍ من الفولاذ المصقول يمتدّ عبره. وقد نُقِش على الفولاذ نمطٌ من تنانين أفعوانيّة متشابكة.
«حسناً، أعترف بذلك، لقد تِهتُ. هل يعرف أحدكم أيّ طريقٍ...»، سأل آل وهو يستدير ليخاطب رفاقه، ليكتشف أنّه أضاعهم هم أيضاً.
«غرَنتِل؟ أين أنت؟ بوته؟ ويكووكِت؟» نادى بصوتٍ عالٍ عبر الرِّواق. ولم يأتِه ردٌّ إلّا من خلف الباب. نادى الصوت المُجلجِل مُتحدِّياً.
«أيُّ مغامرٍ أحمقَ يجرؤ على الاقتراب من عريني؟» طالب الصوت بأن يعرف، بقوّةٍ كفيلةٍ بأن تُلقي الذُّعر في قلب أيّ أحدٍ تقريباً. ولم يكن آل استثناءً من ذلك، وإن كان مصدر ذُعره مختلفاً عمّا كان سيكونه لدى غيره.
«أمّـــــــي!» تذمّر، قابضاً على مِقبض الباب المصنوع على هيئة مخالب تنّين، وجاذباً الباب ليفتحه. كانت أمّه تقف في الداخل، بجوار الطاولة في غرفة الجلوس ببيت العائلة. بدت كما تبدو في يقظتها، وارتدت ثياباً متينةً من القماش والجلد تلائم العمل في الخلاء، تحت عباءةٍ فاخرةٍ ذات قلنسوة، مُطرَّزةٍ بخيوطٍ من الذهب والقِرمِز في نقشٍ يشبه الحَراشِف.
«ها هو ابني المفقود!» قالت، باسطةً ذراعيها لعناق.
«لستُ مفقوداً، لقد فعلتِ هذا قبل أسبوعٍ أو نحوه فحسب!» تذمّر آل وهو يقترب ويمنحها العناق المطلوب. كانت ذات أمّه الحُلُميّة قويّةً قوّةَ ذاتها الجسديّة تماماً، فاعتصر العناق من ذات آل الحُلُميّة «أُفّ!» خافتة.
«ربّما التهمتك الكوبولدات منذ ذلك الحين، على حدّ علمي! أنت الآن مغامرٌ مِقدام، وقد يحدث الكثير في أسبوع!»
«حسناً، نعم، لا أستطيع أن أنكر ذلك. لقد كنّا مشغولين جدّاً. ولكن، هل لدينا كوبولدات في كازوسيا أصلاً؟»
«ليس على حدّ علمي، لكنّك لا تستطيع أن تكون متيقّناً قطّ. لا يخدعنّك حجمها، فتلك المخلوقات ماكرة ودؤوبة. قد تكون تبني مدينةً كاملةً في مجاري العاصمة دون أن يلحظ أحد. لكن دعك من ذلك، أخبرني بما كنت تفعله! ثمّ إنّ رائحتك غريبة، هل تستحمّ كما ينبغي؟ ومنذ متى تحمل سيفاً؟ لم تتخلَّ عن السِّحر، أليس كذلك؟»
تشمّم آل نفسه قبل أن يتذكّر أنّ هذا حُلم. نظر إلى يساره، فرأى أنّ بورغاتيو مُعلَّقٌ بحزام ذاته الحُلُميّة بلا غِمد، يتلألأ بوهجٍ فضّيٍّ أبيض لافت.
«لا، ذلك...لماذا هذا هنا؟ أعني، لديّ سيفٌ الآن فعلاً لكن...»، تلعثم وهو يحكّ رأسه. «حسناً، الأجدر بي أن أبدأ من حيث تحدّثنا آخر مرّة. لكن أوّلاً، نعم، أنا أستحمّ، فنحن حرفيّاً نقيم في منتجعٍ فاخرٍ للحمّامات الآن.»
«حريٌّ أن يكون فيما أنت على وشك أن تقصّه عليّ تفسيرٌ لكيفيّة إدخالك غُنولاً إلى منتجعٍ فاخرٍ للحمّامات»، طالبت أمّه. وأشارت إلى الطاولة، داعيةً إيّاه إلى الجلوس ومشاركتها الشاي المُتخيَّل الذي كان قد وُضِع وهما يتحدّثان. جلس آل، وشرع يروي زيارتهم للبارون وولفكِن ولعبته الغريبة. أومأت أمّه إيماءة العارف، وروت كيف أرسل البارون سميدلي سمايث ذات مرّةٍ دعواتٍ إلى العشاء لعددٍ من العائلات البارزة في البارونيّة التي تضمّ القِمم المُشرِقة، فلمّا وصل الضيوف أُكرِهوا على لعب «الغُمّيضة» لتحديد ترتيب الجلوس. وانزعج قليلاً حين ضحكت وهو يصف كمين الغوبلن، قائلةً إنّهم ليسوا متطوّرين لكنّهم كانوا «أوغاداً صغاراً مخادعين». وأسرع آل في سرد أيّامهم في بذرة اللفت خشية أن تظنّ أمّه أنّه يختلق الأمور، فضلاً عن نفوره من أن يعيش التجربة من جديد. وبدت خائبة الأمل من أنّ المغامرة كانت على ما يبدو «توصيل بعض الزهور»، لكنّها انتعشت حين روى المخاطر الشتّى داخل قبر داريوس. وأومأت مُستحسِنةً وهو يصف كيف واجهوا الأخطار بشجاعةٍ، لا بحماقة، وهم يبحثون عن مثوى البطل. ثمّ توقّف حين قاطعته أمّه.
«آل، هل أنت بخير؟» سألت بليونةٍ غير معهودة.
كان آل يصف كيف أُصيب غرَنتِل بجُرحٍ قاتل في القتال مع الحشرة الوحشيّة. أعاده سؤال أمّه من ذكرياته، فأدرك أنّ أسنانه مُطبَقةٌ في زمجرة، وأنّ ألسنةً من لهبٍ أحمر قانٍ ارتعشت على أصابعه لحظةً قبل أن تنطفئ.
«آه...نعم. أنا بخير. أظنّ الأمر فقط...حسناً، كانت هذه أوّل مرّةٍ يقترب فيها أحدنا من الموت إلى هذا الحدّ فعلاً. لقد مزّقه الوحش في حِصن وولفكِن تمزيقاً شديداً، لكنّني حتّى هناك لم أقلق من أنّه على وشك أن يموت. أظنّني فقط لا أريد حقّاً أن أضطرّ إلى مواجهة الآخرين أو تقديم الأعذار للطيّبين في قصر نوتاميمِك بشأن مقتل أحدنا.»
«لم يبدُ لي ذلك قلقاً اجتماعيّاً، بل بدا غضباً وربّما رغبةً في الانتقام»، اعترضت أمّه، ثمّ ابتسمت. «أنا أستحسن ذلك. أبوك لن يُعجَب، لكنّي أرى أنّ من الصواب أن تشعر هكذا إن حاول أحدٌ أن يسلبك شيئاً ثميناً.»
«أظنّ أنّ هذا هو نوعاً ما ما شعرتُ به»، أقرّ آل.
«بالطبع كان كذلك! الكنز الحقيقيّ هو الحلفاء الذين نكسبهم على الطريق!» استشهدت أمّه، «وأحياناً يحتاج العالم إلى من يُذكِّره بمدى سوء فكرة سرقة شيءٍ من كَنزك.»
تأوّه آل. «كَنزي؟»
لم تفعل أمّه سوى أن ضحكت من حرجه. «اسمع، لو لم تكن ممتعاً إلى هذا الحدّ في المُشاكسة، لربّما مللتُ من مُشاكستك! هيّا إذن، ماذا حدث بعد ذلك؟»
مرّ آل سريعاً على بقيّة استكشاف قبر داريوس الحافل بالأحداث ولقائهم في النهاية بشبحه، بما في ذلك كيف كاد داريوس يفرض السيف عليه رغماً عنه قبل أن يغادر عالم اليقظة إلى موعده الذي طال تأجيله مع حارس البوّابة.
«بل حاولتُ أن أجعل أحد الآخرين يأخذه، لكنّ غرَنتِل هو الوحيد الذي لديه التدريب لاستعماله كما ينبغي، وقد رفض رفضاً قاطعاً. يبدو أنّ عليه نوعاً من التأثير الإلهيّ، فلعلّ الجزء الشيطانيّ فيه لا يحبّه فحسب. على أيّ حال، حين خرجنا من هناك، قرّرنا أنّنا حقّاً لا نريد العودة إلى بذرة اللفت، وكنّا جميعاً قذرين جدّاً، فسلكنا الطريق نحو مِغطَس الجحيم بدلاً من ذلك. لا أنصح بالسفر عبر المُستنقَع عديم الدم، ولو كان لي خيارٌ في الأمر فلن أفعلها ثانيةً أبداً. أفزعنا الحارس عند البوّابة نوعاً ما حين وصلنا أخيراً، لكنّ الأمور هدأت حين لاحظ حارسٌ آخر أنّني ساحر. تبيّن أنّ لمِغطَس الجحيم زبائن كُثُراً يحبّون التجوّل هناك وقد تحوّلوا إلى هيئةٍ غير بشريّة ما، فافترضوا أنّ غرَنتِل مجرّد شخصٍ استأجرني لأحوّله إلى غُنول. يبدو أنّ بعض الناس بدأوا يتساءلون كيف أجعل الأمر يدوم كلّ هذا الوقت، لكنّ الحيلة تنجح حتّى الآن. حسناً، إلّا...أوه. آه، لا أظنّ أنّ عليّ الحديث عنهم، لكن هناك شخصٌ هناك يبدو أنّه أوقعنا في شِراك جمعيّةٍ سرّيّةٍ من نوعٍ ما. أعترف أنّني ما زلتُ أرتاب فيهم قليلاً، لكنّهم يبدون مُسالمين، ولا أريد أن أخون ثقتهم بالحديث عنهم.»
«حسناً، لا يُذيب فضّة القمر إلّا أشدُّ النار لهيباً»، ردّت أمّه.
«ماذا؟»
«أوه، لا شيء، لا عليك، ما الذي يمكنك أن تخبرني به عنهم؟»
«لقد ساعدونا فعلاً في العثور على أفضل عملٍ حظينا به حتّى الآن، وعن طريقهم سأحظى إن شاء الحظّ بفرصة قراءة ذلك الكتاب الذي أصرّ أبي على أن أدرسه قبل أن أحاول التعامل على نحوٍ أكثر مباشرةً مع الجحيميّة. لقد أنهينا العمل أمس فحسب. حسناً، الجزء الأوّل من العمل، فسوف نعود إلى...»
توقّف آل حين رفعت أمّه يدها، وهي تتلفّت في أرجاء الغرفة وتنهض على قدميها المُتخيَّلتين. رأى آل ما لفت انتباهها. لقد تغيّرت الغرفة. صار نصفها الآن رفوفاً للكتب، وتحوّل جزءٌ من الطاولة التي كانا يجلسان إليها إلى مكتب. فرقعت أمّ آل مفاصل أصابعها وأدارت رأسها لتُرخي عنقها.
«لستُ متأكّدةً ممّا سيحدث هنا، لم أرَ شيئاً كهذا من قبل. هذا ليس من صنعي. كن مستعدّاً لأن تحلم بالقتال دفاعاً عن حياتك إن آل الأمر إلى ذلك.»
نهض آل حين انفتح رفّ كتبٍ مُستنِدٌ إلى الجدار البعيد. ورفعت أمّه يديها لتتصدّى لأيّ خطرٍ قد تُشكِّله الشخصيّة الخارجة من الرِّواق خلف رفّ الكتب.
«آه، ها أنت ذا يا آل، لقد وصلتني رسالتك...»، بدأت المرأة الكهلة ذات الرداء الأبيض والذهبيّ، وقد حطّ عقعقٌ على قبّعتها المُدبَّبة، ثمّ توقّفت حين لاحظت أنّ آل ليس وحده. ورفعت يديها هي الأخرى، متأهّبةً للاشتباك في قتالٍ سحريّ إن لزم الأمر.
«هل أنت في خطر؟» سألت آل، في اللحظة ذاتها التي سألت فيها أمّ آل: «هل هي خطيرة؟»
ابتسمت أمّ آل ابتسامةً عريضةً واسترخت، وفعلت القادمة الجديدة الشيء نفسه بعد لحظة.
«آل، ألن تُعرِّفنا ببعضنا؟» حثّته ميليسا.
«أوه، آه، صحيح»، قال آل بعد لحظةٍ ينفض فيها عنه الدهشة. «آه، هذه أمّي، أغاثا أركانيسن. أمّي، هذه ميليسا براون، إنّها الساحرة التي حدّثتكِ عنها، التي تدرس غرَنتِل والغُنول الآخرين.»
«أوه، أهي التي أقنعتك أخيراً بتعلّم العنف السحريّ؟» سألت أمّ آل بنبرة استحسانٍ جليّة. وخطت نحو ميليسا ومدّت قبضتها تحيّةً. فلبّتها ميليسا، وتلامست قبضتا الذاتين الحُلُميّتين.
«يسعدني أن ألقاكِ أخيراً، وإن كانت الظروف غير متوقَّعة»، قالت ميليسا، «لطالما افترضتُ أنّ أمراً كهذا سيحدث لو تعرّض أحدٌ لهذا السِّحر من مصادر متعدّدة في آنٍ واحد، لكنّي لم أتصوّر قطّ أنّني سأختبر ذلك الافتراض. هل تستعملين هذا السِّحر كثيراً يا سيّدة أركانيسن؟»
«أغاثا فحسب، من فضلك. ونعم، على الأمّ أن تسهر على صغيرها البريء!»
«أمّي!» تذمّر آل، «أنا راشد!»
«خبرتك في كونك راشداً أقلّ من خبرتي، فأنت ما زلتَ صغيري البريء.»
«إنّه كذلك حقّاً»، وافقتها ميليسا، ممّا أرعب آل. «لا بدّ لي من القول إنّكِ أحسنتِ تربية ابنكِ، فهو شابٌّ طيّب القلب. ومع ذلك فوجئتُ حين اكتشفتُ أنّه انطلق في مغامراته دون أيّ وسيلةٍ لاستعمال السِّحر هجوميّاً.»
«أوه، لطالما كان هكذا. حسناً، لا تكتفي بتخيّل نفسكِ واقفةً هناك، تعالي، اجلسي وشاركينا بعض الشاي!» أصرّت أمّ آل. وظهر كرسيٌّ ثالثٌ عند الطاولة المكتب وهي تتكلّم، واستقرّ أمامه على الطاولة فنجانٌ ثالثٌ وصحنه.
«بكلّ سرور، شكراً لكِ»، أجابت ميليسا، «يسعدني أن أسمع المزيد عن الشابّ الذي استثمرنا في مساعيه.» واتّخذت المكان المُشار إليه عند الطاولة، وصبّت شيئاً من شاي الحُلم الذهبيّ في الفنجان وتأمّلت عبيره المُتخيَّل بإعجاب.
«حسناً، ليس ثمّة ما تحبّه الأمّ الفخورة أكثر من التباهي بطفلها الملاك الصغير الكامل»، قالت أمّ آل وهي تتّخذ مقعدها عند الطاولة. «حسناً، شبه كامل. ما حكاية تلك الرسالة؟ إنّه لا يكتب قطّ لأمّه المسكينة القلقة...»
«حسناً، إن لم تكونا بحاجةٍ إليّ فسأمضي عائداً إلى نومي العاديّ»، قال آل، وقد تجاوز حدّ احتماله للحرج بمسافةٍ بعيدة. واستدار متّجهاً إلى الباب الذي حلم أنّه دخل منه، ليجده قد اختفى.
«لا تكن فظّاً يا آل، لدينا ضيفة! عُد إلى هنا واجلس»، أصرّت أمّه.
«ثمّ إنّك»، أضافت ميليسا، «تبدو على قدرٍ من العلم يكفي لتدرك أنّك، بوصفك موضوع هذه الأعمال السحريّة، إن غادرتَ فسينتهي الحُلم، وسينتهي معه هذا اللقاء الذي جاءت به المصادفة السعيدة قبل أن تُتاح لي فرصة التعرّف إلى أمّك كما ينبغي.»
«إذن، أفترض أنّكما تريدان كلتاكما أن أخبركما بكيف جرى عملنا الأخير؟» عرض آل وهو يجلس، آملاً أن يقطع الطريق على أيّ حكاياتٍ مُحرِجةٍ عن طفولته. واندفع على عجلٍ في رواية المغامرة في لافاتيو، فتعثّر فوراً تقريباً في حكاية طفولةٍ مُحرِجة حين وصف عُشّ الجرذان العملاقة.
«أوه، ظننتُك تحبّ الجرذان»، شاكسته أمّه، «لقد كنتَ مولعاً جدّاً بالسيّد جُبنة.»
«السيّد جُبنة ليس جُرَذاً حقيقيّاً»، أجاب آل باقتضاب.
«لديه جُرَذٌ كبيرٌ من القماش محشوٌّ بالصوف»، شرحت أمّه لميليسا، «كان يحمل السيّد جُبنة معه في كلّ مكان، وينام معه كلّ ليلة.»
«أمّي، كنتُ في الرابعة من عمري حين حصلتُ على السيّد جُبنة!»
«وكان ذلك ظريفاً للغاية!»
لم تستطع ميليسا أن تُخفي ابتسامتها الساخرة المُستمتِعة تماماً. فقرّر آل، وقد احمرّ وجهه، أن يُسقِط الموضوع كلّيّاً ويمضي في بقيّة الحكاية، مُغفِلاً العنكبوت الميّت الحيّ العملاق صانع الزومبي والجماعة الغامضة التي جاءت لتأخذه. وأومأت المرأتان في جمهوره كلتاهما استحساناً حين وصف تطبيقاته الناجحة لـإطلاق النار السحريّة من أصابعه.
«وكيف حال غرَنتِل بعد محنة الاستحواذ الروحيّ التي مرّ بها؟» سألت ميليسا حين أنهى آل.
«يبدو أنّه يتجاوزها. لكن لسببٍ ما، يبدو أنّها تركت فيه أثراً أعمق حتّى ممّا تركه اقترابه من الموت. ولا يبدو أنّه يحبّ أن يُذكَّر بها.»
«ولِمَ ذلك في رأيك؟» سألت ميليسا، مائلةً إلى الأمام على نحوٍ أدرك آل فوراً أنّه مُعلِّمٌ يمتحن تلميذه.
«حسناً»، فكّر آل بصوتٍ عالٍ، «قرأتُ القسم الخاصّ بالغُنول والسِّحر في أطروحتك. كتبتِ أنّ الغُنول الموهوبين في مزاولة السِّحر نادرون. وليس لديهم الفكر ولا الثقافة اللازمان للعلم، لذا أتوقّع أنّ حتّى من يستطيعون منهم مزاولة السِّحر لا يفهمونه في الحقيقة. فشيءٌ خارقٌ للطبيعة كالاستحواذ الروحيّ لا بدّ أنّه يبدو مُخيفاً على نحوٍ خاصّ مقارنةً بشيءٍ عاديّ مثل أن تقضمك حشرةٌ وحشيّةٌ عملاقةٌ إلى نصفين. ...أليس كذلك؟»
«أحسنتَ القول، نعم. جيّد، أستطيع أن أُبلِغ غراكثور أنّك ترعى غرَنتِل كما ينبغي نيابةً عنّا. لن يعترف بذلك، لكنّه كان قلقاً. وقال إنّه إن كان غرَنتِل يلقى رعايةً حسنة، فسيكون مستعدّاً لمساعدتك على الإلمام بسيفك. هذا يجيب عن أحد السؤالين في رسالتك. ويبدو لي أنّك تستطيع على الأرجح أن تجيب عن الآخر بنفسك. هل سيكون من الطبيعيّ أن ينام غُنولٌ تحت سريرك، وإن كان كذلك، فلماذا؟»
جفل آل حين أدرك أنّ أمّه لم تسمع بذلك بعد. فتجاهل حاجبها المرفوع وحاول الإجابة عن السؤال.
«في الليلة الأولى التي فعل فيها ذلك، قال إنّه مكانٌ خفيٌّ وآمن وجيّدٌ لنصب الكمائن للناس إن جاؤوا لقتلنا. ذلك القدر مفهومٌ ممّا تعلّمته عن الغُنول حتّى الآن، لكن لماذا سريري أنا؟»
«وجود شامان* يجعل عشيرة الغُنول أشدّ خطراً»، لمّحت ميليسا.
«أوه. أوه! هل يحاول حمايتي؟»
ضحكت ميليسا. «أغاثا، لا بدّ أن أهنّئكِ مرّةً أخرى على تربية ابنكِ، فهو شابٌّ متواضعٌ جدّاً. لا يا آل، إنّه يختبئ تحت سريرك أنت كي تحميه أنت.»
تخيّلت أنّها تشرب آخر ما في فنجانها من شاي، ونهضت. «ينبغي أن أعود، فالآخرون سيرغبون في معرفة مجرى الأمور. وسيسعدهم أن يسمعوا أنّ الأمور تسير على ما يبدو أفضل حتّى ممّا توقّعنا. كان لقاؤكِ مُمتِعاً جدّاً يا أغاثا.»
ونهضت أمّ آل هي الأخرى لتودّع ضيفتهما الحُلُميّة غير المتوقَّعة. «إن جئتِ يوماً إلى نواحي القِمم المُشرِقة وأنتِ مستيقظة، فأنا أنتظر أن تمرّي علينا للعشاء. آل يستطيع أن يدلّكِ على مكاننا. شكراً لمساعدتكِ ابني.»
«إنّه ترتيبٌ ينفع الطرفين»، تواضعت ميليسا، «ولا عناء فيه البتّة. وكذلك، إن وجدتما نفسيكما في جوار غوتمِنستر، فسيرحّب بكما قصر نوتاميمِك دائماً. أتطلّع إلى لقائكِ مجدّداً.»
لوّح آل وأمّه بينما عادت ميليسا إلى الممرّ خلف رفّ الكتب. فانغلق واختفى، آخذاً معه بقيّة رفوف الكتب، ومُعيداً كلّ شيءٍ حُلماً بغرفة جلوس العائلة من جديد.
«تعجبني»، قالت أمّ آل، «فيها شيءٌ من ولع الكتب مثلك ومثل فرانكلين، لكنّي أظنّها ذات تأثيرٍ حسنٍ عليك. إذن...هناك غُنولٌ تحت سريرك، الآن، وأنت نائم؟»
«نعم؟»
مدّت يدها وبعثرت شعر آل. «شكراً لك يا ألويسيوس»، قالت له.
«على ماذا؟»
«على أنّك لم تكن طفلاً مُمِلّاً، وعلى أنّك تُجاري أمّك في مرحها. أنت حقّاً أفضل فَرخٍ صغير.»
«أمّـــــــي.....»
«هكذا تماماً، نعم!» ضحكت. ثمّ مالت إلى الأمام وقبّلت آل على جبينه. وعاد الباب إلى الظهور في الجدار. «ستُحضِر أصدقاءك في زيارةٍ قريباً»، أصرّت.
«في أقرب ما نستطيع، أعدكِ. تصبحين على خير يا أمّي.»
«وأنت من أهله.»
استدار آل ليغادر، ثمّ توقّف واستدار عائداً.
«أرجوكِ لا تفعلي»، توسّل.
«لا أفعل ماذا؟»
«أنتِ على وشك أن تستيقظي وتخبري أبي أنّني 'أنام مع غُنول'، أليس كذلك؟»
انفجرت أغاثا أركانيسن ضاحكةً ضحكاً صاخباً. وانتظر آل.
«نعم، كنتُ سأفعل»، اعترفت حين استطاعت الكلام من جديد، «عليك أن تعترف أنّ له طريقةً مثيرةً للاهتمام في التفكير.»
«إن أخبرتِه بذلك، فسيظنّ أنّني ... أُجري نوعاً من البحث الفسيولوجيّ والسلوكيّ المُكثَّف.»
«نعم، هذا ما يجعل الأمر مُضحِكاً»، قهقهت أمّه، «لكنّه أيضاً سبب عدولي عن ذلك. فحين تأتي أخيراً في زيارة، لا أريد أن أستمع إليه يشكو من أنّك لم تحضر ومعك مقالةٌ ورسومٌ تقنيّةٌ بملاحظاتك.»
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.