Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 102
استيقظ آل بتنهيدةٍ عميقةٍ طويلة، تنهيدةِ مَن طال صبره. كانت ذكرى اللقاء الحُلُميّ لا تزال طريّةً في ذهنه، كما هو شأنها دائماً كلّما لجأت أمّه إلى ذلك السحر بعينه. أو ميليسا أيضاً الآن على ما يبدو، تذكّر آل كذلك. تقلّب بهدوءٍ لينظر تحت سريره. فظهرت نقطتان كهرمانيّتان تبادلانه النظر من العتمة، تعكسان الضوء الخافت المتسرّب من تحت الباب قادماً من الرِّواق.
«أتحقّق... فحسب. نحن في أمان»، قال آل للوحش القابع تحت سريره. فأجاب الغُنول بنخيرٍ خافت، واختفت العينان الكهرمانيّتان اللامعتان عن الأنظار ثانيةً وقد عاد إلى النوم.
جلس آل، ولم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك، وإن أفلح في كتمه حتّى صار أزيزاً مخنوقاً أملاً في ألّا يزعج الآخرين. وخمدت نوبة المرح المكبوت ثمّ عاودته مرّاتٍ قبل أن يتمكّن آل أخيراً من السيطرة عليها.
«يبدو أنّك مسرورٌ هذا الصباح»، لاحظ صوت بوته من سريرهم في الجانب الآخر من الغرفة المظلمة.
«أوه، آسف، كنت أحاول ألّا أوقظ أحداً.»
«لقد استيقظتُ وفق الخُطَط التي لا تُوصَف قبل أن تستيقظ أنت، فلستَ المسؤول عن ذلك»، طمأنه بوته، «بدا لي أنّك كنت تتذمّر بصوتٍ خافتٍ في نومك قبل أن تصحو. أحلامٌ مزعجة؟»
اضطرّ آل إلى التفكير في ذلك لحظةً قبل أن يجيب. «ليست مزعجة تماماً، بل ربّما محرجة. أمّي تعرف كيف تصنع سحراً يحوّل نومي إلى حلمٍ واعٍ تكون هي فيه. وهي تستعمله غالباً لتطمئنّ عليّ، وتلحّ عليّ أحياناً في بعض الأمور. ويبدو أنّ ميليسا تعرف كيف تصنع السحر نفسه، وكانتا كلتاهما هناك، تسألان عمّا كنّا نفعله وتقصّان حكاياتٍ محرجةً عنّي.»
«أستطيع أن أفهم لماذا يكون هذا مضحكاً لنا نحن إن سمعناه، ولكن لماذا يُضحكك أنت؟»
«أوه، ليس هذا. بل شيءٌ أخبرتني به ميليسا. لماذا تظنّ أنت أنّ غرَنتِل ما زال ينام تحت سريري؟»
صمت بوته وهم يتفكّرون.
«أظنّ أنّه ربّما يشعر ببساطةٍ بأنّه أكثر أماناً هناك»، أجاب القزم. فاضطرّ آل إلى كتم نوبة ضحكٍ أخرى.
«هذا بالضبط ما يُضحك! أعني، انظر إليّ، إنّه ليستطيع على الأرجح أن يقضمني نصفين لو...»
نبّهه عُواءٌ قصيرٌ من تحت سريره إلى أنّ موضوع النقاش كان يصغي إلى الحديث. أنا لن أبدأ معك أيّ نزاع هيمنة!، هكذا خمّن آل ما يعنيه.
«أمّا أنت فتأمر قوىً خارقةً خطرةً مستعصيةً على الفهم أن تخضع لإرادتك»، أشار بوته. فوافقه نخيرٌ خافتٌ من تحت السرير، تاركاً آل لا يدري ما يقول.
«إنّه مجرّد قليلٍ من التعليم والتمرين»، دمدم أخيراً.
وجاء تثاؤبٌ من السرير الذي كانت ويكووكِت نائمةً فيه.
«أوه، لا! يبدو أنّ بطل السيف السحريّ* خاصّتنا يعاني أزمة ثقةٍ بالنفس!» أعلنت وهي نصف نائمة.
«كفّي عن مناداتي بهذا!»
أكّدت ويكووكِت لآل أنّ كلّ بطلٍ جديرٍ بهذا الاسم يشكّك في نفسه بين حينٍ وآخر، حتّى أبطال السيف السحريّ. «هكذا تعرف أنّك تمرّ بمِحَن الأبطال الحقيقيّة، هذا يحدث في كلّ الحكايات!»
وفي النهاية كفّ عن الجدال وحوّل الحديث إلى الطعام، مستثيراً بنجاحٍ الغرائز الدنيا لدى ويكووكِت وغرَنتِل.
«لستُ متأكّداً كم الوقت مبكّر، لكنّي أحسب أنّ أمامنا بضع ساعاتٍ قبل الموعد المفترض للقاء السيّدة فيتز واين. ينبغي أن نتمكّن من تناول شيءٍ ما والمرور على الصيدلانيّة قبل الظهيرة.»
«أوه، أجل! أريد أن أعرف ما الذي كان في عصير جماجم الغوبلن!» وافقت ويكووكِت، وهي تجعّد أنفها وتكشّر رغم حماستها.
استقبلتهم شمس الضحى ونُباحٌ متحمّسٌ من آخر الشارع حين انطلقوا. «بتهذيب يا دلّوعة»، ألحّت مُنزِّهة الكلبة الأنيقة الملبس بينما كانت كلبة الماستيف تشدّ المِقوَد بإلحاح. «أظنّها تحبّك، فقد أصرّت على المشي من هذا الطريق ثانيةً هذا الصباح.» وجذبت المِقوَد إلى الوراء حفاظاً على اللياقة، فجلست كلبة الماستيف تلهث وتنقّل بصرها من آل إلى غرَنتِل ثمّ تعود، وذيلها يهتزّ.
«مهلاً... دلّوعة؟» سأل آل وهو يعاود النظر إلى الكلبة الضخمة المفتولة العضلات التي بدت أليق بالحراسة أو الحرب منها بأنشطةٍ أرقّ، «هذا... ليس ما كنت لأخمّن أن يسمّي به أحدٌ كلبةً كهذه.»
«ألا تظنّ ذلك؟» أجابت مُنزِّهة الكلبة، «ولكنّها دلّوعةٌ حقّاً، سعيدةٌ وودودة. أترى؟» وشدّت المِقوَد مرّةً واحدةً وخطت أقرب. فمشت دلّوعة الماستيف بجانبها ملاصقةً كعبها. وتشمّمت يد آل ورفعت إليه عينين مفعمتين بالعاطفة. فحكّ آل برفقٍ خلف أذنيها، فنال بعض اللهاث السعيد. ومال رأسٌ غُنوليٌّ من فوق كتف آل ليتشمّم وجه كلبة الماستيف، فتشمّمته هي بدورها.
«حسناً يا دلّوعة، لدينا مكانٌ ينبغي أن نبلغه»، قاطعتهما مُنزِّهة الكلبة بعد أن سمحت ببضع لحظاتٍ من التدلّل الحيوانيّ، «قولي وداعاً.»
أنّت دلّوعة، لكنّها تراجعت. «شكراً لكم مرّةً أخرى. تعالي يا دلّوعة»، قالت مُنزِّهة الكلبة. وبنبحةٍ سعيدةٍ واحدة، تبعتها كلبة الماستيف طائعةً وهي تُقاد بعيداً.
«أوه، أنا لم أحظَ بمداعبة الجروة هذه المرّة»، تذمّرت ويكووكِت وهم يواصلون طريقهم.
وباعهم بائع اللحم على العيدان البشوش بطيب خاطرٍ تشكيلةً من كرات اللحم المشكوكة وشرائح لحم الضأن المتبّلة بالأعشاب وهم يمرّون به في طريقهم إلى الصيدليّة. فأكلوا بنهمٍ وهم يمشون، وكان آل ممتنّاً لأنّهم أتوا على الطعام كلّه قبل أن يبلغوا الصيدليّة. فقد بدت رائحةٌ خافتةٌ كريهةٌ كرائحة القمامة المتعفّنة عالقةً هناك. وكان باب «وَرّاق وصيدليّ» فاغراً، يثبّته في مكانه حجرٌ كبير. وامتدّت خصلةٌ رفيعةٌ من دخان البَخور العَطِر إلى الشارع كأنّها تحاول الفرار من النتانة.
«أظنّ أنّه ربّما يحسن أن أنتظركم هنا في الخارج»، عرضت ويكووكِت بأكثر ما استطاعت من عفويّة، محاولةً إخفاء غثيانها. «تعلمون، تحسّباً لحدوث شيءٍ ما.»
«ظننتكِ تريدين معرفة ما كان في الجَرّة، فهذا ما جئنا لنكتشفه، أليس كذلك؟» ردّ آل ببراءة، ممتنّاً لفرصةٍ صغيرةٍ يكون فيها هو المُمازِح. وأخذ نفساً عميقاً مبالغاً فيه مسرحيّاً من أنفه. «يا لها من رائحةٍ فريدة»، تابع بينما شحب وجه ويكووكِت. لم تكن في الحقيقة أشدّ من أيٍّ من الروائح الكريهة المعتادة الأخرى التي صادفها آل في أوقاتٍ شتّى من حياته، لكنّها كانت بلا ريبٍ الرائحة الفظيعة ذاتها التي أطلقتها ويكووكِت من الجَرّة في اللافاتيو. فرقّ آل لكرب ويكووكِت وهي تحاول ألّا تتذكّرها.
«حسناً إذن»، قال، «سأدخل وأسأل. وماذا عنك يا غرَنتِل، أتريد أن تنتظر هنا معها؟»
نخر الغُنول. «لا أستطيع أن أشمّ شيئاً آخر إن اقتربت»، دمدم وقد تغضّن خَطْمه اشمئزازاً. وتراجع ليقعي بجانب ويكووكِت. وفتح آل فمه ليطلق دعابةً عن مدى نفع تلك المادّة في إخفاء الرائحة، لكنّ عقله تدخّل في الوقت المناسب ليوقفه. فتخيّل كيف قد تكون رائحة كومة زِبلٍ مزهرةٍ عن قُرب، فغصّ.
«ربّما ينبغي أن أبقى هنا معهما أنا أيضاً، لأثنيهما عن أيّ تصرّفٍ متهوّر»، اقترح بوته.
تنهّد آل بسخط. «حسناً، سأدخل، فقط لا تدعوا شيئاً سيّئاً يحدث.»
«شكراً لإنقاذنا يا بطل السيف السحريّ!» قالت ويكووكِت بأكثر ما استطاعت من بهجة، ثمّ استدارت لتبتعد أكثر عن الرائحة. ودخل آل من الباب في غلالة دخان البَخور.
«آه، إنّه أنت»، قالت الصيدلانيّة من وراء قناعٍ من القماش يغطّي أنفها وفمها، «اسمح لي أن أشكرك مرّةً أخرى على تعاملك معنا.»
«آسف. لقد حاولنا فعلاً أن نحذّرك من الرائحة.»
«أعتذر عن ظنّي أنّكم كنتم تبالغون. لقد بذلت جهوداً طوال الليل وهذا الصباح للتعامل معها. وعندي دفعةٌ من شيءٍ يُطبَخ ينبغي أن يُبطل مفعولها، إن استطعت أن أصنع منه ما يكفي.»
«هل تمكّنتِ من معرفة ممّ صُنعت؟»
«نعم، في جوهر الأمر. يبدو أنّها خليطٌ بالغ التعقيد، لذا لا أستطيع حتّى الآن أن أجزم بأنّي أعرف كلّ ما فيه، لكنّ الكثير منه مألوف. يبدو أنّها خلاصةٌ مركّزةٌ من كلّ مكوّنٍ سامٍّ أو مُمرِضٍ أو كاوٍ يوجد أصلاً في المُستنقَع عديم الدم. ولا أحسب أنّه مزيجٌ متطوّر جدّاً. وممّا سمعته عن الغوبلن، أتوقّع أنّهم على الأرجح جمعوا كلّ شيءٍ مقرفٍ استطاعوا جمعه وغلَوه بادئ الأمر. أمّا المتطوّر فهو درجة التركيز. فهذا أقوى بكثير ممّا يمكن بلوغه بمجرّد التكثيف على النار. إذ كان معظم فعاليّته سيتبخّر مع البخار، ولأمرضت على الأرجح كلّ ما في اتّجاه الريح لو حاولت أن تطبخه حتّى تبلغ ولو عُشر هذه الفعاليّة.»
«هذا مقلق. لم يخطر لي قطّ أنّ لدى الغوبلن القدرة على أيّ شيءٍ يشبه الخيمياء الحقيقيّة. أتظنّين أنّ أحداً صنعها لهم؟»
«لا أستطيع أن أخبرك بذلك، لكنّي أقول عن نفسي إنّي لا أودّ أبداً أن أقوم بعمل تركيز هذه المادّة، ولو استطاع أحدٌ إقناعي بفعله، لطلبت أجراً باهظاً جدّاً. وعلى أيّ حال، سأطلب قطعتين ذهبيّتين لقاء التحليل حتّى الآن. لم أحتج إلى استعمال الكثير من لوازمي لفحص العيّنة الضئيلة التي أخذتها، لكنّ تخفيف الأبخرة تطلّب بعض الكواشف غير المألوفة.»
«أظنّ أنّ هذا منصف»، وافق آل. وأخرج القطعتين من كيس النقود ووضعهما على المنضدة. «ما الذي ترين أن نفعله بهذه المادّة؟ لا أظنّكِ مهتمّةً بشرائها لأغراضٍ خيميائيّة.»
«لا»، ردّت الصيدلانيّة بحزم، «لا أريد قطعاً أن أُبقي هذا في أيّ مكانٍ قرب دكّاني مدّةً أطول ممّا يلزم. ولا أظنّ أنّ فيه شيئاً لا أستطيع الحصول عليه من المُستنقَع بنفسي أو استئجار أحدٍ ليجلبه لي. لقد ختمت الجَرّة بغمسها في الشمع المصهور بضع مرّات، فلا ينبغي أن تُحدث مزيداً من الأذى في الوقت الراهن. وكمعروفٍ لك، أظنّ أنّي أستطيع إتلاف المادّة بأمانٍ لقاء أجرٍ إضافيٍّ قدره قطعتان ذهبيّتان، أو يمكنك أن تأخذها معك إن وعدت ألّا تعيدها إلى هنا أبداً. وإن أصررت، فلقاء قطعتين ذهبيّتين أخريين سأحاول أن أحلّلها بتفصيلٍ أكبر، ولكن مع أنّي أظنّ أنّي أستطيع أن أبتكر طريقةً للتعامل معها بأمانٍ أكبر، فأنا أعترف بأنّي أفضّل ألّا أفعل.»
«أتمهليننا بعض الوقت لنفكّر في الأمر؟ لدينا لقاءٌ علينا الذهاب إليه قريباً»، سأل آل متأمّلاً.
«حسناً، لكن لا تتأخّروا كثيراً، وإلّا طلبت أجراً لقاء الاحتفاظ بها لكم.»
شرح آل للآخرين ما عرفه حين لحق بهم حيث كانوا ينتظرون، في موضعٍ أبعد من الصيدليّة في مهبّ الريح.
«إذن فهو عصير مستنقعٍ غوبلنيٌّ سامّ»، بسّطت ويكووكِت الأمر. «مقرف. يبدو أنّ صنعه كان صعباً، فمَن تظنّ أنّه فعلها؟»
«لا تعجبني أيٌّ من الإجابات التي تخطر ببالي»، أجاب آل، «من المقلق جدّاً أن نظنّ أنّ الغوبلن قد يكونون متواطئين فعلاً مع أحدٍ ما، أو أنّ أحداً قد يعرض خدمةً كهذه على الغوبلن، لا سيّما مقابل القليل الذي أتخيّل أنّ الغوبلن قد يدفعونه. وفكرة أن يكون لدى الغوبلن من الصبر ما يكفي لتنمية موهبةٍ خيميائيّةٍ كهذه بأنفسهم أشدّ إقلاقاً.»
«أيمكن»، خمّن بوته، «أن يكون مَن يستطيع صنع هذه المادّة هو المحرّض، وأنّه يتاجر معهم أو يهدّدهم ليستغلّهم؟»
«ولا تعجبني هذه الفكرة كذلك، أعني، أيّ شخصٍ مختلّ قد يفعل ذلك؟» قال آل وهو ينكمش فزعاً. «ثمّ إنّ تلك الجَرّة التي كانت فيها لم تكن بالضبط من الأواني الزجاجيّة الخيميائيّة اللائقة. مَن قد يأخذ خليطاً خاماً كهذا، فيُخضعه لعمليّةٍ خيميائيّةٍ متطوّرة، ثمّ يفرغه في جَرّةٍ طينيّةٍ رديئة الصنع؟ فيما عدا تطوّر العمليّة، يبدو لي هذا كلّه من صنيع الغوبلن.»
«وهل يجب حقّاً أن تكون متطوّرة؟» تساءل بوته، «لعلّهم يستعيضون عن التطوّر بالإسراف والقوّة الغاشمة والممارسات الخطرة؟»
«يبدو هذا متّسقاً مع ما رأيته من طباع الغوبلن. لكنّي أتخيّل أنّ كثيراً منهم سيموتون لو اتّبعوا هذا النهج»، قال آل. ورفع ذراعه ليشمّ كمّ ردائه، وكشّر. «بما أنّ لدينا بعض الوقت، أيمكننا العودة إلى الغرفة قليلاً كي أحاول تنظيف الرائحة عنّي؟»
زيارةٌ إلى الغرفة ثمّ إلى بيوت الخلاء ليمرّ بالحِيَل السحريّة لتنظيف ثيابه جعلت آل يشعر بأنّه مستعدٌّ للقاء السيّدة فيتز واين قدر ما يمكن أن يكون مستعدّاً. ووجدوا ستيفن وأخذوا منه الإرشادات إلى زُقاق حجر الحليب، على الحافّة الشرقيّة لمِغطَس الجحيم. وبينما كانوا يمشون إلى موعدهم، بدأ آل يلاحظ أنّ الاهتمام الذي كانوا يلقونه وهم يعبرون القرية صار أقلّ لامبالاةً مهذّبةً ممّا كان عليه حين وصلوا أوّل مرّة. فقد بدا الآن أنّ معظم الاهتمام أوضح فضولاً، مع أقلّيّةٍ جديرةٍ بالملاحظة بدت مستاءة.
تبيّن أنّ المنزل رقم 12 في زُقاق حجر الحليب قصرٌ صغيرٌ لكنّه محترم، تحدّ أرضَه من الخلف السياجُ المحيط بمِغطَس الجحيم، ومن الجوانب الأخرى مزيدٌ من سياج الحديد المشغول وبوّابة. كانت البوّابة مغلقةً بالمِزلاج لكن غير مقفلة، ففتحها المغامرون ودخلوا. وأغلقوا البوّابة بالمِزلاج خلفهم ثانيةً وساروا في الممرّ المرصوف بالحصى بين العشب وبضع أشجار بلّوط. كانت مطرقة الباب على هيئة رأس ثور، في أنفه حلقة. وانفتح الباب بعد ثوانٍ قليلةٍ من طرقهم، فحيّاهم كبير خدمٍ أصلعُ الرأس، مهندمٌ بتدقيق، ذو شاربٍ أبيض. وبدا مجفلاً لحظةً حين رأى غرَنتِل، لكنّه لم يدع ذلك يبطئه عن أداء واجبه.
«آه، أنتم الرفقة التي معها الوحش. تفضّلوا بالدخول، فالسيّدة فيتز واين تنتظركم»، قال لهم بهدوء، وهو يفتح الباب على مصراعيه ليدخلوا. وقادهم إلى داخل القصر عبر رِواق، وطرق الباب هناك.
«سيّدتي فيتز واين، لقد جاءت زائرتك مع وحشها ورفاقها»، أعلن كبير الخدم.
فأجاب صوتٌ أنثويٌّ بالكاد يُسمَع. «أدخِلهم من فضلك، نحن مستعدّتان.»
دفع كبير الخدم الباب. ووراء مائدةٍ حافلةٍ بالمعجّنات وفناجين الشاي وكؤوس النبيذ جلست امرأتان أجفلتا آل.
«السيّدة دارلا فيتز واين»، أعلن كبير الخدم، «ووصيفتها شارلين.»
تطلّب الأمر جهداً من الإرادة كي لا يحدّق آل بوقاحةٍ في السيّدة فيتز واين. خمّن آل أنّها على الأرجح شابّة، لكنّها كانت شاحبةً هزيلةً إلى حدٍّ لم يكن معه متيقّناً. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً بلون القشدة، وعلى كتفيها شالٌ صوفيٌّ زاهي الألوان. وكان شعرها البنّيّ الفاتح يتدلّى مرتخياً مستقيماً حول وجهها النحيل. وفي يدها اليمنى، وهي وذراعها أقرب إلى الهيكل العظميّ، خاتمٌ غريبٌ ذو حجرٍ أبيض مصقولٍ يومض بضوءٍ أبيض. كانت ترفع فنجان شايٍ صغيراً، ترتجف من الجهد، بينما بقيت اليد الأخرى تحت الشال طلباً للدفء. كانت ابتسامتها واهنةً رقيقة، لكنّ عينيها البنّيّتين بدتا متيقّظتين.
أمّا شارلين، فتبيّن أنّها المرأة التي التقوها وهي تُنزّه كلبة الماستيف.
«أنا ويكووكِت د. فليبندورفر، طالبة الإثارة، والمغامِرة، ومُرافِقة الوحش!» أعلنت ويكووكِت بتلويحةٍ مسرحيّة. «ووحشنا هو غرَنتِل، مُطرِّي الأعداء ومُلتهِمهم! وهذا بوته فيسِنغرابر، رسول الآلهة التي لا تُوصَف! وأخيراً، بطل السيف السحريّ خاصّتنا، آل!»
أخذ آل نفساً عميقاً، ثمّ أطلقه ببطء. كان سعيداً لأنّ ويكووكِت لا تملك سحراً خاصّاً بها، إذ توقّع أنّه لو كان لها لرافق ذلك وهمٌ سحريٌّ صاخبٌ محرجٌ من الأصوات والأضواء المتلألئة كذلك.
«آل وحدها تكفي»، قال.
«أشكركم جميعاً على مجيئكم، وعلى إحضار وحشكم البديع»، قالت السيّدة فيتز واين، وصوتها الرقيق لا يكاد يعلو على الهمس. «تفضّلوا، اجلسوا، وخذوا من المعجّنات. لقد أمرت بإحضار أفضل خمورنا من القَبْو، وشايٍ من الأعشاب بالعسل. وإن كان وحشكم، غرَنتِل، يفضّل ذلك، أستطيع أن آمر بإحضار لحم. وستسرّ دلّوعة بمشاركته إيّاه.»
«أرأيت، قلت لك إنّها ليست غاضبةً منّا»، همست ويكووكِت لآل، «لقد وصفته بـالبديع!»
نخر غرَنتِل واتّجه إلى المائدة. وراقبت السيّدة فيتز واين غرَنتِل وهو يزيح كرسيّاً جانباً ويقعي، بينما اتّخذ الآخرون مقاعدهم.
«نعم، إنّه يودّ لحماً»، أوضح آل، «مهلاً، عفواً، أنتِ السيّدة دارلا فيتز واين. أسُمّيت الكلبة باسمك؟»
«دلّوعة هي كلّ ما لستُه أنا»، أجابت السيّدة فيتز واين بحنين، وهي لا تزال تراقب غرَنتِل. «صحيحةٌ، قويّةٌ، سريعةٌ، لا تخشى الشمس ولا المطر ولا الريح ولا البرد.»
«سأحضر بعضاً من لحم دلّوعة»، تدخّل كبير الخدم بتهذيب، وتركهم.
«أهي كلب سِحر؟» سأل آل. فانتزعت دارلا نظرها عن الغُنول لتنظر إلى آل.
«أوه، أتعرف السلالة التي استحدثناها أنا وابن عمّي؟ لكن لا. دلّوعة مجرّد كلبةٍ عاديّةٍ جميلةٍ صحيحةٍ سعيدة. وإن كانت كلاب الماستيف من أسلاف سلالة كلاب السِّحر. لعلّك تودّ كلب سِحرٍ خاصّاً بك؟»
«شكراً، لكنّي لست متأكّداً من أنّي أستطيع أن أعتني بواحدٍ عنايةً لائقةً الآن، ومن المؤكّد أنّي لا أقدر على ثمن شرائه.»
«لكنّك تعتني فعلاً عنايةً حسنةً بهذا المخلوق الوسيم»، اعترضت السيّدة فيتز واين، وعيناها تعودان إلى الغُنول. «أستطيع أن أوفّر لك كلب سِحر. وإن لم يستهوك ذلك، فآل فيتز واين ليسوا أرفع الأسر النبيلة مقاماً، لكنّ لنا صلاتٍ كثيرةً بالبيوت التجاريّة، ويمكننا أن نعرّفك بها»، تابعت، وقد أخذت تتنفّس بثقل.
«سيّدتي فيتز واين، أرجوكِ لا تُفرطي في الانفعال»، قالت شارلين بلطف. فتجاهلتها دارلا ومضت.
«لدينا مال، أستطيع أن أدفع لك. أرض؟ ألقاب؟ تقريباً أيّ شيءٍ في وسعي أن أمنحه، إن ساعدتني في الشيء الوحيد الذي أحتاجه حقّاً لأشعر بالسعادة!»
«مهلاً، رسالتكِ قالت إنّكِ تريدين مناقشة أمر غرَنتِل، فما الذي تريدينه؟»
تأمّلت السيّدة فيتز واين المخلوق الوحشيّ الشيطانيّ بتوق، فبادلها النظر حائراً.
«إنّي أطمع في جسده.»
* بطل السيف السحريّ: اللقبُ الكامل الذي تُصِرّ ويكووكِت على مناداة آل به بعد وراثته سيف بورغاتيو.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.