Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 99
«تجمعونه؟» هتف آل.
وبعد لحظةٍ واحدةٍ صاعقة، وجد آل نفسه يحدّق في وجه سايرَس بورغ المذعور، وربّما الخائف قليلاً. كانت ويكووكِت قابضةً على مقبض عَضّاضة سو، تنظر إلى آل مذعورةً هي الأخرى، غير أنّ ابتسامةً مائلةً راحت تتّسع على وجهها شيئاً فشيئاً. حتى بوته كان جاحظَ العينين، رافعاً أحد حاجبيه مُستفهِماً. أمّا غرَنتِل فكان ينثني على نفسه بعواء. ووجد آل نفسه واقفاً على قدميه، ووجهه لا يزال في منتصف انتقاله من التحدّي العنيف إلى الحيرة. كانت يده اليمنى قابضةً على ساق عصاه الصولجانيّة، وقد فكّها من حاملها. تجمّد آل، وأسرع يُعيد فحص ذاكرته عمّا جرى للتوّ.
كانت قد خطرت له فكرةُ أنّ سايرَس وشركاءه ينوون أخذ غرَنتِل بعيداً ووضعه في قفصٍ في مكانٍ ما. لم يكن آل متيقّناً ممّا قاله، شيئاً من قبيل لن تأخذوه! أو لن نُسلّمه لأحد، ثمّ نهض ماداً يده إلى صولجانه وفي ذهنه أنّه قد يضطرّ إلى اللجوء إلى السحر أو العنف ليمنع اختطاف غرَنتِل. وقد انطلق غرَنتِل إلى الحركة في اللحظة ذاتها التي تحرّك فيها آل. اسودّت عينا الغُنول وانتفخت العضلات حول فكّه. وكان آل موقناً هذه المرّة أنّه رأى أسنان غرَنتِل تكبر، للحظةٍ واحدةٍ فحسب.
«أرجوك... لا داعي لذلك،» قال سايرَس، رافعاً يديه ببطء، ومتكلّماً بذلك الضرب من الهدوء المُصطنَع الذي قد يستعمله مُفاوِضٌ على الرهائن ليقول لا داعي لطعن ذلك الرضيع، يمكننا أن نحلّ الأمر.... «أظنّ أنّك ربّما أسأت فهم نواياي.»
أحسّ آل بحُمرة الحرج تنتشر على وجهه. «آسف، آسف، لا أدري ما الذي اعتراني.» وأعاد الصولجان إلى مكانه، وأجبر نفسه على إفلاته.
أطلق سايرَس نفَساً بطيئاً واسترخى.
«لا، لا تعتذر... بل بعد إعادة النظر، اعتذر، لكن لا تشعر بالسوء حيال ذلك. فمن بعض الوجوه، هذا هو نوع الاستجابة الذي أودّ أن أراه، وإن كنت أفضّله أقلّ تهديداً بقليل. أريد أن أؤكّد لك الآن أنّنا لا ننوي أن نفصل غُنولك عنك،» وعد سايرَس، ثمّ سارع إلى الإضافة، «ولا ننوي كذلك أن نسجنكم جميعاً معاً في مكانٍ ما.»
أصدر غرَنتِل صوت تقيّؤٍ مكروب، إذ استمرّ عقابه على نيّته نكثَ قَسَمه. فوضع آل يده برفقٍ على ظهر الغُنول المتألّم.
«لا بأس الآن، لم أقصد ذلك،» قال. وأدهشت آلَ سرعةُ الأنّة الصغيرة التي أطلقها غرَنتِل، مزيجاً من الارتياح والتذمّر، حين استرخى الغُنول. فالتفت إلى بوته يطلب مشورته. «هل... ثمّة خطبٌ فيّ؟»
«أبداً!» قاطعت ويكووكِت وهي تعود إلى الجلوس. «بطلُ السيف السحريّ ينبغي أن يثب دفاعاً عن رفقته الغالية من الأخطار!»
«أنا جادٌّ في هذا يا ويكووكِت،» قال آل.
«وأنا كذلك! قد تظنّ أنت أنّه كان مُبالَغاً فيه، لكنّني رأيته رائعاً!»
«طبعاً سترينه كذلك،» تنهّد آل، «لكن...»
أومأ بوته. «أفهم. أرجوك استرخِ وانظر في عينيّ.»
راقب سايرَس مفتوناً بوته وهو يتلو بصوتٍ خافتٍ صلاةً قصيرةً يسأل فيها البصيرة الإلهيّة، مُحدّقاً بإمعانٍ في عينَي آل. وازداد توتّر آل إذ أطال بوته التحديق أكثر ممّا توقّع. وأخيراً هزّ القزم رأسه.
«لا تزال غير خاضعٍ لسيطرة شيطان، ولا أيّ كيانٍ خارجيٍّ آخر. لا أستطيع أن أجزم إن كنت واقعاً تحت تأثير تعويذةٍ بشريّةٍ من نوعٍ ما، لكنّ رأيي أنّ هذا على الأرجح ليس الحال أيضاً، وأنّ أفكارك وأفعالك لا تزال مُلكك.»
«لا أدري إن كان هذا مُطمئناً أم لا،» قال آل.
«ما الذي شعرت به في تلك اللحظة فأقلقك؟»
أعمل آل في هذا فكراً أعمق، قدر ما استطاع وهو في حاله تلك من الارتباك، إذ أدرك أنّ الجميع يراقبونه، عدا غرَنتِل، الذي عاد إلى الأكل كأنّ شيئاً لم يحدث.
«حسناً...،» قلّب آل الأمر بصوتٍ مسموع، «ظننت أنّنا ربّما على وشك أن تنبثق علينا فرقةٌ أخرى من هذه القضيّة الغامضة من مكانٍ ما لتأسر غرَنتِل، وربّما تعتدي على بقيّتنا حين نحاول إيقافها،» قال، وقد بدأ يشعر بالحماقة الآن.
«جيّد، لكنّني لم أسألك عمّا كنت تفكّر فيه. ما الذي شعرت به؟»
تعثّر آل في كلامه وهو يحاول وصف ما يتذكّره من حاله الوجدانيّة.
«كان... أمم... كان... لا أدري، حماية ربّما؟ كان شعوراً كأنّ أحداً على وشك أن يكسر شيئاً عزيزاً عليّ أو يسرقه... هل علينا حقّاً أن نتحدّث في هذا الآن؟» حاول آل، وقد بدأ يضيق بهذا التمحيص.
«أوووه، هذا لطيف، أنت تهتمّ بنا فعلاً!» قالت ويكووكِت. ولم يكن آل متيقّناً إن كانت تمازحه أم لا.
«هل سمعت أيّ صوت، ولو كان صوتك أنت، يأمرك باتّخاذ فعلٍ بعينه في ذلك الوقت؟» ألحّ بوته.
«لا، كان أشبه بردّ فعلٍ لا إراديّ. ولم يكن الأمر أنّني لم أشعر بأنّني أنا من يتصرّف، بل لم يتّسع لي الوقت حتى لأفكّر فيه وهو يحدث.»
«ما الذي كنت تقصده في تلك اللحظة، لو لم توقف نفسك؟ لم تكن تنوي إيذاءً بعينه لسايرَس، صحيح؟»
«ل... لا. لا، إلّا إذا فعل هو أو غيره شيئاً مُهدِّداً فعلاً.»
رفع سايرَس حاجبه لتردّد آل، لكنّه غامر بابتسامةٍ صغيرة. «لقد تردّدت هنا. أعدك أنّني لا أنوي أن أكون خطراً على أيّ شيءٍ سوى عشائنا.»
«اسمع، لم يكن الأمر منّي وحدي، فغرَنتِل ظنّ أنّك جئت في طلبه هو أيضاً!»
«كلّا،» أجاب غرَنتِل، وهو يرفع قَدَح نبيذه.
«لم تظنّ أنّهم جاؤوا في طلبك؟»
«كلّا.»
راح غرَنتِل يلعق النبيذ من القَدَح من غير أن تبدو عليه أيّ علامةٍ من علامات القلق.
«إن لم تكن تظنّ أنّهم جاؤوا في طلبك،» استجوبه آل، «فلماذا كنت تحاول مهاجمة سايرَس؟»
لعق غرَنتِل خَطْمه قبل أن يُجيب.
«الشامان* أراد سايرَس أن يذهب. ليس صواباً أن يقاتل وحده.»
«ها هو!» هتف سايرَس، مُشيراً إلى غرَنتِل. «هذا هو نوع المعلومات الذي أظنّه سيعود بالنفع علينا جميعاً! ليس الغُنول أشدّ الأخطار على العالم غرابةً ولا أعظمها، لكنّهم بالفعل تجلٍّ خطيرٌ للتهديد الشيطانيّ، وتجلٍّ لم نفهمه فهماً تامّاً بعد. إنّ وجود واحدٍ منهم في رعاية القضيّة عن طيب خاطر قد يساعدنا على إيجاد سبيلٍ لدرء هيجان الآخرين، أو على الأقلّ معرفة من أين يأتون. من أين جئت أنت يا غرَنتِل؟»
توقّف غرَنتِل وهو على وشك أن ينهش العظم من فخذ ضأن.
«قَصـ-ر-نو-تا-مي-مِك،» نطقها ببطء، ثمّ وضع العظم بين أسنانه وأطبق عليه. فانكسر العظم بطقّةٍ عالية، وشرع غرَنتِل يكشط النخاع من العظم المكسور بأسنانه.
«أظنّه يقصد عشيرتك الأولى،» قال آل بحذر، إذ لم يكن متيقّناً بعد من المعلومات التي يأمن سايرَس عليها. توقّف غرَنتِل عن النهش. وغامت عيناه وهو ينطق سلسلةً مُعقّدةً من الأصوات البهيميّة في اللغة الغُنوليّة، يصف ذكرياته عن مكانٍ عنيف. ثمّ حاول مرّةً أخرى باللغة المشتركة.
«قتالٌ دائماً. عشائر أخرى. أشياء خطرة بأنيابٍ ومخالب. لحمٌ يصطاد لحماً، العشيرة تصطاد معاً دائماً لتعيش. العشيرة تبعت النداء إلى صيدٍ أسهل. أخضر، ساطع. لحمٌ أطرى، أطيب، لحمٌ أضعف، يمكن حتى الصيد وحيداً.»
أصغى سايرَس مأخوذاً إلى الوصف المُفكّك. وحملَ الفضولُ آلَ على مزيدٍ من السؤال.
«شيءٌ ما ناداكم؟ أهكذا وصلتم إلى القرية التي حدّثتنا عنها ميليسا؟»
همهم غرَنتِل، لكنّه لم يُفصّل.
«ألا تتذكّر شيئاً آخر عن عشيرتك الأولى؟» تقصّى آل.
نفخ غرَنتِل باستخفاف.
«ضعيفة. العشيرة الجديدة قتلتهم، لم تأكلهم حتى. هذه العشيرة أفضل.»
«يؤسفني أنّني لم أُحضر أدوات الكتابة،» قال سايرَس، فأعاد آل إلى المسألة الراهنة.
«حسناً، بخصوص ذلك، إن كنت لا تنوي أن تأخذ غرَنتِل أو أن تأخذنا بعيداً، فكيف بالضبط تنوي أن تجمعه؟»
«أنا لا أنوي شيئاً كهذا، لقد فعلتموه أنتم نيابةً عنّا!» أجاب سايرَس. «أنتم مشروع الغُنول الخاصّ بالقضيّة! أعترف بأنّ ثمّة قلّةً ممّن حادثتُهم كانوا يُفضّلون أن يُحتجَز في بيئةٍ أكثر ضبطاً للدراسة. لكن بما أنّكم تبدون قد تشكّلتم بالفعل رفقةً مُتماسكةً على نحوٍ ما، فحتى هؤلاء يوافقون على أنّ النتائج ستكون أفضل إن تركنا جماعتكم على حالها، وتركنا لكم أمر إبعاده عن المواقف التي قد تضرّ ببقيّتنا. وقد أُبدي بعض القلق من اضطرابٍ اجتماعيٍّ مُحتمَل، ونحن نتوقّع أن تبذلوا وسعكم لتجنّب ذلك. والآن وقد شرحت الموقف على نحوٍ أفضل كما آمل، ما شعوركم حياله؟»
«بما أنّ لي الأقدميّة في هذا،» قالت ويكووكِت، متّخذةً وقفةً مسرحيّة، «فإنّني أُعلن بهذا موافقة رِفقة الغُنول!»
تأوّه آل.
«هل يجب أن تسمّينا هكذا؟» تذمّر آل.
«نحن غُنول، أليس كذلك؟» أجابت ويكووكِت.
«أتمنّى حقّاً لو أحضرت أدوات الكتابة،» غمغم سايرَس. ثمّ نظر إلى آل وانتظر إيماءته المُتردّدة قبل أن يُتابع.
«جيّد، هذا يقودنا إذن إلى المسألتين الأخريين اللتين كان عليّ أن أناقشهما. أولاً، كما اتّفقنا، رتّبتُ لكم دخول المكتبة السابقة. هذه هي المعلومات التي تحتاجونها لتجدوها وتدخلوها،» قال سايرَس، وهو يُسلّم آل ورقةً مطويّة. «ثانياً، وهو الأهمّ، ماذا تنوون أن تفعلوا بغُنولكم حين تبلغون السور الجنوبي؟ إن حاولتم إدخاله بالحيلة ذاتها التي تستغلّونها هنا، فلن يزيد ذلك إلّا في لفت الأنظار إليكم، وفي إيقاعكم في مزيدٍ من المتاعب مع حرس المدينة.»
«أعترف بأنّني لم أتوصّل إلى شيءٍ بعد، فقد كنّا مشغولين نوعاً ما. ألديك أيّ اقتراحات؟»
«نعم. أجرٌ أم خدمة؟» أجاب سايرَس بابتسامةٍ عريضة.
«يبدو هذا مُرتزِقاً على نحوٍ فظيع،» تبرّم آل.
«إنّه في الحقيقة آليّةُ أمان، فمن حسن الممارسة أن ينصرف كلٌّ منّا في ختام الاجتماع دون أن يبقى أحدٌ منّا مديناً بدَينٍ لأيٍّ من الآخرين. هذا مهمٌّ جدّاً. وهذه المرّة لديّ اقتراحٌ ينبغي أن يُسوّي ذلك بدقّة. أنا على تواصلٍ مع أحد معارفي المهنيّين بشأن ترتيبٍ قد يهمّكم. أقترح أنّني إن استطعت ترتيب هذا، فإنّ خدمتكم لي في المقابل ستكون ببساطة أن توافقوا عليه.»
«هذا يتوقّف على ماهيّته.»
«عدلٌ بما يكفي. أخبرني، هل يحبّ غرَنتِل العنف؟»
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.