Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 98
رشف سايرَس من نبيذه، ثمّ وضع كأسه جانباً حين انقشع تردُّد آل.
«لا شكّ أنّك تعلم أنّ في هذا العالم أشياءَ كثيرةً لا تنتمي إليه حقّاً. وكثيرٌ منها خطِرٌ على سكّان عالمنا الأصليّين. كالشياطين مثلاً، ومَن أفسدهم نفوذُها،» قال سايرَس وهو يشير إلى غرَنتِل، «والقوم الطيّبين... المَرِحين الذين لا يضعون راحة الفانين دائماً في مُقدَّم اهتمامهم، والموتى الأحياء، وأعمال السِّحر التي بلغت من القوّة حدّاً يُهدِّد استقرار الواقع الفاني، وما شاكل ذلك.»
«كعناكبَ عملاقةٍ من الموتى الأحياء تُقيم جثثَ كلِّ مَن تلدغه حتّى الموت جثثاً ميّتةً حيّة؟» سأل آل بنبرةٍ ذات مغزى.
«من هذا الصنف بالضبط، نعم،» أقرّ سايرَس مبتسماً. «شيءٌ كهذا يجول طليقاً بلا رقيب قد يتسبّب في وفياتٍ كثيرة، ناهيك عن النفقات التي قد يفرضها خطر الزومبي المتفاقم بما يُحدِثه من اضطرابٍ في المجتمع، أعني، لا أحد يرغب في الذهاب إلى المتاجر للتسوّق إن اعترض طريقَه موتى عنيفون. قل لي، ما الذي ترى أنّه ينبغي فعله حيال أشياء كهذه؟»
«حسناً، هذا تقريباً ما يُبقي المغامرين في عملهم، أليس كذلك؟ فحماية الناس من أشياء كالأخطار الخارقة للطبيعة هي مهنتنا،» أجاب آل.
«بالضبط!» وافقت ويكووكِت، «وما نفعُ عُصبةٍ من المغامرين الجسورين يقودها بطلُ سيفٍ سحريّ إن لم يمنعوا الشياطين من التهام الناس؟»
«لستُ بطلَ سيفٍ سحريّ!» اعترض آل.
«لا تحاول الإنكار،» أصرّت ويكووكِت، «فأنت تمارس السِّحر طوال الوقت، ولديك سيفٌ هو أيضاً سحريّ. وهذا يجعلك بلا جدال بطلَ سيفٍ سحريّ، من وجهين مختلفين على الأقلّ!»
«بطلاً كان أم لا،» قال سايرَس محاولاً إعادة الحديث إلى صُلبه، «فصِّل لي قليلاً في عملكم. ما الذي ينبغي أن يفعله المغامرون إزاء خطرٍ خارقٍ للطبيعة؟»
«بحسب ما نتحدّث عنه، إمّا أن نُهلِكه، أو أن نفصله على الأقلّ عمّا يجعله خطِراً، أليس كذلك؟»
بدا سايرَس كأنّه ينتظر جواباً أطول، فتابع آل.
«أعني، إن كان تُحفةً سحريّةً من نوعٍ ما تُهدِّد الناس، فقد يكون الأسلمُ أن نأخذها ونضعها في مكانٍ لا يبلغه مَن قد يستعملها لإلحاق الأذى، بدلاً من محاولة تدميرها.»
ابتسم سايرَس واسترخى في مقعده راضياً.
«أرأيتِ؟ قلتُ لكِ إنّه سيوافق،» قال مخاطباً ويكووكِت. «تلك هي قضيّتنا، بأبسط عبارة.»
رشف سايرَس من نبيذه ثانيةً وهو يتدبّر كلماته التالية. وحين رضي أخيراً بما اهتدى إليه، تابع.
«الأخطار الخارقة للطبيعة كالذباب الحامل للوباء. يطنّ داخلاً إلى الواقع الذي هو بيتنا بلا دعوة، من الأبواب والنوافذ المفتوحة أو من شقوق الجدران، فيضع بيضه على خبزنا ويتكاثر. وحتّى من غير نيّةٍ خبيثة، فإنّ وجوده ينشر المرض ويُهدِّد صحّتنا. ونحن نريد أن نوقفه، وأن نأسره، وأن نعزله عن كلّ ما يجعله خطِراً، ثمّ إمّا أن نحفظه في مكانٍ آمنٍ حيث يمكن دراسته كما ينبغي وتسخيره في وجوهٍ نافعة، وإمّا أن نُهلِكه إن لزم الأمر. وشعارُ العنكبوت والشبكة الذي يتعرّف به بعضنا على بعض استعارةٌ لهذا المعنى. فكلُّ ذبابةٍ خارقةٍ للطبيعة تعلق في شبكة قضيّتنا تعني تفشّياً أقلَّ للدود في مخزن مؤونة المجتمع!»
لمح سايرَس نظرة الارتياب على وجه آل، فضحك.
«يبدو أنّني تاجرٌ أمهرُ منّي شاعراً، لكن كان لا بدّ أن أحاول. كلّ ما أقوله إنّ ثمّة أشياءَ غير طبيعيّةٍ وخطِرةً تشقّ طريقها إلى عالمنا، أو تُجلَب إلى عالمنا، أو تُخلَق في عالمنا. ولا بدّ أن يأخذ أحدٌ تلك الأشياء من حيث تُعرِّض الناس للخطر ويضعها حيث لا تفعل، أو ربّما يضعها أحياناً حيث قد تكون نافعةً أيضاً. والخطر الذي كلّفناكم بأسره لنا مثالٌ جيّد. فحتّى الآن يُسبَر ويُختبَر لمحاولة معرفة كيف صُنِع، ومَن أو ما الذي صنعه. وأيّاً كانت الخطط الشرّيرة التي أعدّها له صانعه، فقد انقطعت الآن، ونأمل أن نتعلّم شيئاً عن الغرض الذي صُنِع من أجله، وعن كيفيّة التعامل مع أيّ أخطارٍ أخرى قد يُمثّلها صانعه وما قد يكون له من مخلوقاتٍ أخرى. وإن كان لدينا استعمالٌ أكثر خيراً له، فهو في متناولنا.»
ضيّق آل عينيه ناظراً إلى سايرَس بارتياب.
«ومَن نحن؟» سأل، «وأيّ استعمالٍ خيّرٍ قد يكون لعنكبوتٍ عملاقٍ ميّتٍ حيٍّ يصنع الزومبي؟»
«نحن هم المشاركون في القضيّة عموماً. ومَن التقيتُ بهم منهم يغلب عليهم أنّهم أصحاب غاية، وإمكانيّة استعارة شيءٍ ما أو بعض... حسناً، إمكانيّة الانتفاع الشخصيّ بما نجمعه في مقاصد المرء الخيّرة حافزٌ قويٌّ لبعضهم. أرى في وجهك أنّك توشك أن تسأل كيف نعرف إن كان المشارك أهلاً للثقة بالقوى التي نجمعها.»
أومأ آل.
«يُفحَص كلُّ امرئٍ فحصاً دقيقاً قبل أن نفكّر حتّى في السماح له بالمشاركة. ثمّ يجري مزيدٌ من الفحص والاختبار للمشارك المُحتمَل إن بدا واعداً، ولا يُعطى من المعلومات عن القضيّة إلّا الحدّ الأدنى حتّى يتّفق عددٌ كافٍ منّا على أنّه يمكن الاعتماد عليه. ويحاول كلٌّ منّا أن يُبقي عينه على القلّة من المشاركين الذين يعرفهم شخصيّاً، وطلبات الخدمة تنتشر بيننا على نطاقٍ واسع عادةً، فلو طلب أحدنا شيئاً غير معقول لعلم به كثيرون منّا قبل أن يقع أيّ ضرر.»
«حسناً،» تساءل آل، «فمَن تولّى فحص ويكووكِت واختبارها؟»
«ليست لديّ أدنى فكرة!» أجاب سايرَس بمرح. «أحياناً تجد أوسِمةُ العنكبوت أصحاباً جُدداً. وممّا سمعتُه ورأيته، فإنّ ميل أصحابها الجُدد إلى أن يكونوا مشاركين مناسبين أكبرُ من أن يكون مصادفة. وهذا يوحي بأنّ أحداً ما يرعى الأمور حين يحدث ذلك.»
قطّب آل مفكّراً. «هممم. وماذا عن بقيّتنا؟»
«قيل لي إنّ لدينا ما يُثبت خدمة بوته فيسِنغرابر لإنديسينا، وإن كان إلهُ الأسرار والمؤامرات قد أبدى اهتماماً بقضيّتنا، فلا خيار لنا تقريباً سوى الترحيب بممثّله الفاني ورجاء الحُظوة الإلهيّة من ذلك الإله. وعلى أقلّ تقدير، يمكننا أن نطمئنّ إلى أنّ أسرارنا في أمانٍ لدى كهنة إنديسينا. أمّا أنت، فتبدو تماماً من صنف الأشخاص الذين ينبغي أن يشاركوا في قضيّتنا. يبدو أنّ لديك اهتماماً عميقاً وعلميّاً بالأشياء التي نجمعها، ولكن لديك أيضاً حسّاً بالحذر والمسؤوليّة. إنّك تريد أن تُبقي العالم آمناً، أليس كذلك؟»
«بالتأكيد، ولكن آمناً من ماذا؟» ردّ آل. «بوته يقول إنّه يعتقد أنّك صادق، وأنا أثق بحُكمه، ولكن كيف نعرف أنّك أنت لستَ مُتلاعَباً بك؟ ممّا تخبرنا به، لدى القضيّة مجموعةٌ بالغة الخطورة من الأشياء التي لا شكّ أنّ ذوي النوايا الخبيثة يودّون الوصول إليها. فكيف يعرف أيٌّ منّا أنّ هذا الأمر كلّه ليس مكيدةً للتلاعب بالناس كي يجمعوا القوّة لأحدٍ ما حقّاً لا ينبغي أن يقترب منها؟»
«آل...» زمجرت ويكووكِت.
«لا، لا، معه حقّ،» قال سايرَس مُنبرياً للدفاع عن آل. «من الواضح أنّه ليس لديّ ما يدعوني إلى الاعتقاد بوجود مؤامرةٍ خبيثة في قلب القضيّة، ولكن ما من مشاركٍ يعرف القضيّة كلّها. صحيحٌ أنّنا قد نكون، لنقل، أعضاءً غافلين في عبادة شيطانٍ يخدعوننا لنجمع القوّة لإخضاع العالم الفاني وحكمه، مُؤذِنين بعصرٍ رهيبٍ من الموت والعذاب حتّى تُلتهَم أرواح الجميع.»
«أوه!» قالت ويكووكِت وقد انتعشت، «أو دسائس سيّدٍ ماكرٍ مُراوغٍ من بلاط الجِنّ الخبيث، يتسلّى جَذِلاً بتخيُّل الدمار الذاتيّ الذي يخدع الفانين القبيحين القذرين ليُنزلوه بأنفسهم بجهودهم!»
«أو لعلّه إلهاءٌ طَموحٌ دبّرته التنانين، تمشي بين الشعوب البشرانيّة في تنكُّرٍ سحريّ، وتتلاعب بالقضيّة بطرقٍ ستُغيِّر البُنى السياسيّة والاقتصاديّة للمجتمع تغييراً جذريّاً لتسليتها،» أسهم بوته بابتسامةٍ ساخرة.
«بوته، أنا جادٌّ هنا...» اعترض آل.
«هذا صحيح،» وافق سايرَس، «لا أحد منّا، وأنا منهم، يستطيع أن يتيقّن من أنّنا لسنا ثمرةَ مؤامرةٍ حاكها مُستحضِرُ موتى قديمٌ وقويّ، يسعى إلى القوّة التي تُمكّنه أخيراً من قهر الموت نفسه واغتصاب مكانة حارس البوّابة والتحكّم في كلّ روحٍ وُجِدت يوماً... أو شيءٍ من هذا القبيل. ولأجل النقاش، لنفترض أنّ القضيّة هي ثمرة مكيدةٍ شرّيرةٍ كتلك التي ابتكرناها للتوّ. إن كان الأمر كذلك... فما الذي ينبغي فعله حياله؟»
«أوه! هذا جيّد! إنّني معجبةٌ بك!» قالت ويكووكِت مستحسنة. «من البديهيّ أنّ أحداً ما سيتعيّن عليه أن يضع حدّاً لذلك! وعلى الأرجح أكثر من أحد! كعُصبةٍ من المغامرين الشجعان الأبطال، يقودها بطلُ سيفٍ سحريّ!»
ضغط آل كفّيه على وجهه وتأوّه لإحساسه بأنّه خسر المناظرة.
إذن، إمّا أن نحاول الانسحاب ونحن نعلم أنّنا قد نترك مؤامرةً مروّعةً ما طليقةً لتُنهي العالم، أو أن نوافق على المشاركة فنُخاطر بالإسهام في المشكلة، أو ربّما نكون في موضعٍ يُتيح لنا اكتشاف الخطر ومحاولة فعل شيءٍ حياله على الأقلّ. أو لعلّهم خيّرون حقّاً، فنكون نساعد ونفعل أموراً مهمّة. ومن المرجّح أنّ لديهم وصولاً واسعاً إلى أبحاثٍ لماذا أُقنع نفسي بهذا بدلاً من أن أُقنعها بالعدول عنه؟، حدّث آل نفسه.
«أأنت بخير يا آل؟» سألت ويكووكِت.
«أجل، على الأرجح،» أجاب آل. ثمّ أفلت وجهه وأخذ نفساً عميقاً. وعندئذٍ لاح له في أفكاره مَخرجٌ بلاغيٌّ مُحتمَل.
«مهلاً،» قال آل، «لقد شرحتَ لماذا تريدون إدخالي أنا وويكووكِت وبوته في هذا الأمر. فماذا عن غرَنتِل؟ مَن يتولّى فحصه واختباره هو؟»
ضحك سايرَس.
«لا أحد!» أجاب، «غرَنتِل ليس مشاركاً، غرَنتِل مادّةٌ يجب جمعها!»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.