Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 97
لم يبقَ من الطعام شيءٌ حين انتهى الاجتماع بالقاضي. فقد كانت القاضي نفسُها ذاتَ شهيّةٍ مُفرِطةٍ على نحوٍ يبعث على الدهشة، أمّا الغُنول فهم بطبيعة الحال أساتذةٌ في الشَّرَه.
«طاقمُ المَسْح يُجمَع الآن، وأوّلُ رحلةٍ ينبغي أن تكون بعد غد، وسنُعلِمكم حين نفرغ من تدبير التفاصيل،» قالت لهم وينيفريد. «ولكن ضعوا في حسبانكم أنّ مصير شبحكم في النهاية ليس بيدي أنا. فحين يُنجَز المَسْح ونُنجز من العمل ما يكفي، سنُكرِّس المكان، ثمّ يصير ملكاً لـبالنيا إنفيرنالا. والعجوز هي من ستقرّر ما يحلّ بالروح.»
انكمش ستيفن انكماشاً ظاهراً كأنّه يتوقّع أن تنهار الغرفة على رؤوس الجميع جزاءً على هذا التجديف.
«كُفَّ عن هذا، أنا قاضٍ هنا منذ زمنٍ طويل، طويلٍ جدّاً، وهي تعرف ما أنا عليه،» وبّخته وينيفريد، «ولو لم يُعجبها الأمر لكانت فعلت شيئاً حياله منذ زمن،»
انتهى حديث العمل، وقضوا بعده حيناً في حديثٍ أكثر فراغاً. قالت وينيفريد إنّها قاضٍ منذ سبعةٍ وثلاثين عاماً. وكانت تتولّى الشقّ الدنيويّ من شؤون مِغطَس الجحيم، فتحرص على أن تتّسق شؤون الفانين العاديّة مع المشيئة الإلهيّة لـبالنيا إنفيرنالا. وكانت الإلهة في العادة تُبلِغ مرادها عن طريق الكاهنة العُليا، وهي هافلينغ من عشيرة غاريش.
«ومع ذلك، أشعر بين حينٍ وآخر بالعجوز تتفقّد أحوالي،» قالت وينيفريد. «وماذا عنكم؟ لا يأتينا كثيرٌ من أصناف المغامرين في هذه الأنحاء. ما حكايتكم؟»
روى آل سرداً موجزاً لنشأته المُريحة غير المُرضية، وترك لويكووكِت أمر الحكاية ابتداءً من لقائها هي وآل وبوته في كتاب السِّحر المُخرَّب في بلدة آل، القِمم المُشرِقة. ورأت ويكووكِت نظرات آل ذات المغزى حين بلغت الحكاية المحارب المبتدئ في قصر نوتاميمِك، فعدّلت وصف الأحداث ببراعةٍ لتجعل طبيعة غرَنتِل الأصليّة مُلتبِسة، ملمِّحةً إلى أنّ غرَنتِل ربّما كان هو أيضاً من أصلٍ أوركيّ مثل غراكثور. وأغفلت تفاصيل منشئه، لكنّها لم تستطع مقاومة دراميّة تيتُّم غرَنتِل حين قُتلت عائلته الرُّحَّل بأسرها في أرضٍ نائية. كانت وينيفريد قد بدت مُستغربةً ممّا رواه أفراد الجماعة عن أنفسهم حتّى تلك اللحظة، لكنّها عند حكاية منشأ غرَنتِل أومأت برأسها كأنّ كلّ شيءٍ قد اتّضح.
«ها نحن ذا. كنت أحسب أنّ واحداً منكم على الأقلّ لا بدّ أن تكون له مأساةٌ من نوعٍ ما. فليس من الطبيعيّ أن تكون رِفقةُ مغامرةٍ بأكملها سليمةَ العقل.»
كان غرَنتِل يغفو قانعاً ورأسه مُسنَدٌ إلى صحنه. فرمقته وينيفريد بنظرةٍ مُتعاطِفة.
«هذا يُفسِّر الهيئة المُستعارة. عندي بضعة زبائن دائمين لهم طريقةٌ مشابهة في التعامل مع الأمور. حسناً، تستطيعون أن تحكوا لي بقيّة القصّة في وقتٍ آخر، والأجدر بي أن أدعكم تعودون قبل أن ينفد السِّحر. فكثيرٌ من الناس لا يحبّون أن يراهم أحدٌ وهم يتحوّلون.»
غمست قلمها في المِحبرة ووقّعت اسمها في أسفل المِنديل وناولته لآل. «تفضَّل، يستطيع ستيفن أن يأخذكم إلى الخزانة متى أردتم النقود.»
ثمّ نهضت، وتمطّت، وحكّت مؤخّرتها.
«عندي شؤونٌ أخرى عليّ أن أتدبّرها، وأنا أتطلّع إلى سماع البقيّة!» قالت، ثمّ استدارت ملوِّحةً بيدها في استرخاء، وجرّت قدميها خارجةً من حيث دخلت. أيقظ آل غرَنتِل، وقادهم ستيفن جميعاً عائدين إلى غرفتهم.
«أرجو حقّاً أن تعذروا القاضي على طبعها غير الرسميّ إلى هذا الحدّ،» قال ستيفن وهم يسيرون عائدين. «وبقدر ما أنا مؤهَّلٌ للحكم، يبدو لي أنّها صالحةٌ جدّاً لمِغطَس الجحيم.»
«لعلّي أكثر من في هذه الرِّفقة تمسُّكاً بالرسميّات،» أجاب بوته، «وأنا مرتاحٌ في محاورة أكثر الطِّباع. ولا أظنّ أنّ أحداً منّا يحمل رأياً سيّئاً في القاضي، بل أحسب أنّ واحداً منّا على الأقلّ قد كوَّن عنها انطباعاً طيّباً جدّاً.»
«إنّها رائعة!» وافقته ويكووكِت، «ذات شخصيّةٍ قويّة وذكاءٍ حاضر!»
«إنّها على الأقلّ صادقةٌ في معاملاتها،» سلّم آل، ملوِّحاً بمِنديل الوعد بالدفع قبل أن يدسّه في جيبٍ داخليّ. «وإن كانت متبسِّطةً قليلاً إلى حدٍّ مُحرِج.»
جلبت رغبة آل في إجراء بعض البحث قبل اجتماعهم المسائيّ بسايرَس شيئاً من السخرية الوديّة من ويكووكِت. «نحن أثرياء تقريباً الآن، في منتجعٍ فاخرٍ فيه وفرةٌ من المُتَع واللهو، وأنت تريد أن تقرأ كتاباً قديماً مُملّاً؟»
«ليس قديماً، لقد اشتريته للتوّ!» ردّ آل.
واختارت ويكووكِت أن ترافق غرَنتِل في نزهةٍ بريئةٍ عابرة أخرى في أرجاء مِغطَس الجحيم. أمّا بوته فاغتنم الفرصة ليزور المعابد والمزارات المحلّيّة ويرى إن كان فيها ما يحتاجون إليه.
وقد خلا آل من المُلهِيات، ففتح بقرٌ بلا جعجعة وشرع يخوض في العرض الفولكلوريّ لتاريخ آل فيتز واين.
بحسب الكتاب، كان آل فيتز واين في الأصل رُعاةَ ماشيةٍ شبهَ رُحَّلٍ في تلك المنطقة. وقد أسّس بِنتون فيتز واين قرية استراحة الصيف على ضفّة البحيرة، موضعاً فيه كلأٌ وفيرٌ للماشية وسمكٌ طيّب ودَرَناتُ أعواد البَرْدِيّ للأكل. وأتاح لهم الموضع الذي استقرّوا فيه أن تنصرف العائلة المُمتدّة إلى تطوير ثقافتها الموروثة في تربية الحيوان على نحوٍ أفضل. ثمّ إنّ قدرة خيول آل فيتز واين الأسطوريّة على التحمّل، أسطوريّةٌ بحسب الكتاب، لفتت انتباه الأسرة المالكة في زمن نزاعاتٍ إقليميّة مع جمهوريّة سَبّاتاليا المُجاوِرة قبل نحو قرن، فنالت بها العائلة لقب البارونيّة. وباتت بارونيّة السهول الراعدة اليوم تزهو بعدّة بلداتٍ كبيرة وقرًى كثيرة، لكنّها ما زالت تحتفظ بكثيرٍ من طابعها الريفيّ إلى يومنا هذا، ومن ذلك سَوق الماشية السنويّ إلى السوق في السور الجنوبي.
ووصفت الفصول الختاميّة مسيرة التحديث الجارية في البارونيّة كأنّهم يتبنّون عاداتٍ ثقافيّةً معطوبة من أنحاء البلاد الأكثر تمدُّناً ويُصلحونها، وكانت الكتابة تقطر تعالياً ثقافيّاً، لكنّها كشفت من تحت ذلك أنّ العائلة كانت تُجري دراساتٍ للسوق في الأسواق الحضريّة الأغنى وتتكيّف معها بنجاح. وجاء مشروع إدوارد فيتز واين لتربية «كلاب السِّحر» في الختام، مُقدَّماً على أنّه شيءٌ لا يمكن إنجازه إلّا بحكمة الفطرة السليمة العتيقة لبارونيّة السهول الراعدة. وظهرت دارلا فيتز واين في ذلك الفصل، بوصفها ابنة عمٍّ لإدوارد فيتز واين، ونُسب إليها أنّها كانت «حيويّة» في إطلاق المشروع، وإن لم تُذكر أيّ تفاصيل.
لم يرد ذكرٌ لبذرة اللفت في أيّ موضع، لكنّ اجتماع الثقافة الريفيّة مع «واين» في اسم العائلة جعل آل يتساءل إن كانت ثمّة صلةٌ ما. ومن الجانب الإيجابيّ، أوحى الكتاب بأنّ تلك الثقافة تعتزّ بالعمليّة أكثر من الاستعراض، أو على الأقلّ أنّهم يريدون من الناس أن يصدّقوا ذلك.
عاد بوته، مُعلِناً أنّهم كانوا نافعين من غير أن يُفصِّل، وجلس على سريره ليصلّي صلاةً تأمّليّة.
أيقظت آل من أفكاره صيحاتُ قلقٍ في الرِّواق خارج بابهم. انفتح الباب. ودخل غرَنتِل الغرفة متراخياً، حاملاً ويكووكِت المُرتخية بين أسنانه من ظهر قميصها. ولم يكن ما ذكّره به هذا المشهد ممّا يُعجِب آل على الإطلاق.
«ماذا حدث؟» سأل بلهفة وهو يثب واقفاً ليرى ما الخطب.
«تعبتُ،» قالت ويكووكِت وهي ترفع عينيها مبتسمةً. «أُقسم إنّه يزداد سرعة، وصار الإفلات منه أصعب ما لم أجد فُرُجاتٍ ضيّقة أمرّ عبرها أو عوائق كثيرة!»
فتح غرَنتِل فمه وأسقط ويكووكِت على الأرض. فهبطت على قدميها، مترنّحةً قليلاً من الإعياء. ومدّت يدها خلف عنقها إلى ياقة قميصها.
«يا آل، هل تستطيع أن تُصلح قميصي بالسِّحر؟ أشعر كأنّ الياقة تمزّقت بطريقةٍ ما!»
لم يكن ردّ آل سوى نظرةٍ صامتةٍ مُستنكِرة.
«أرجوك يا سيّدي الساحر؟» حاولت، وهي ترفرف بأهدابها في مبالغةٍ هزليّة.
وبتنهيدة من طال صبرُه وأُرغِم على أن يكون العاقلَ الوحيد بين الحاضرين، نهض آل ومضى يؤدّي الحيلة الصغيرة التي جعلت ياقة القميص تنسى أنّ أسنان غُنولٍ قد ثقبتها ومزّقتها.
أبدت ويكووكِت وغرَنتِل ما اكتسباه من ألفةٍ بأزقّة مِغطَس الجحيم ومسالكها الخفيّة المختصرة وهما يتقدّمان الجماعة عائدين إلى حانة النبع السرّي لاجتماعهم بسايرَس. تذكّرهم الساقي، فقادهم إلى الطابق العلويّ، إلى الغرفة نفسها التي عُقد فيها الاجتماع السابق. وفي هذه المرّة، حين طرق الساقي الباب، فتحه سايرَس بنفسه. تركهم الساقي لاجتماعهم الخاصّ، وابتسم سايرَس وهو يشير إلى الرِّفقة بالدخول، حيث كانت المائدة محمّلةً سلفاً بوجبةٍ يغلب عليها اللحم. وأشار سايرَس إلى ويكووكِت أن تبقى في الرِّواق بينما عبر الآخرون الباب.
«تفضّلوا بالبدء في الأكل قبلنا، وسننضمّ إليكم بعد لحظة،» أعلن سايرَس لآل وبوته وغرَنتِل، وابتسامةٌ ساخرةٌ مُستمتِعة تتّسع على وجهه إذ انفجرت طقطقةُ! فكَّي غرَنتِل على قطعة لحمٍ بعظمها قبل أن يُتمّ كلامه. ثمّ أغلق سايرَس الباب عليهم. لم يستطع آل أن يتبيّن ما يقولانه، لكنّ ما أمكنه التقاطه من نبرة الحديث بدا وديّاً من الطرفين على الأقلّ. وبعد بضع دقائق، رفعت ويكووكِت صوتها بتصريحٍ عالٍ بما يكفي ليفهمه.
«إنّي لأأتمن كلّ من في تلك الغرفة على كلّ ما أنا عليه،» صرّحت ويكووكِت بوقارٍ لا يُشبه طبعها، كأنّما تؤدّي قَسَماً. تأثّر آل، وشعر بشيءٍ غير قليلٍ من الحرج وهو يسمع هذا. ومرّت بضع كلماتٍ أخرى من الحديث مُتمتَمةً في الرِّواق، ثمّ فتح سايرَس الباب ثانيةً، ودخل وأغلقه خلفه مرّةً أخرى بعد أن اتّخذت ويكووكِت مقعدها إلى المائدة. وحرص على أن تكون كؤوس النبيذ لدى الجميع، وقَدَحُ النبيذ لدى غرَنتِل، مملوءةً كما ينبغي قبل أن يجلس ويضع شيئاً من الطعام في صحنه.
«لدينا عدّة مسائل نتدارسها الآن، وإن كنت أظنّكم ستجدونها سارّةً في معظمها،» صرّح سايرَس، ومدّ يده إلى جيبٍ في سترته الحريريّة الفاخرة فأخرج كرةً بحجم القبضة من حجرٍ رماديٍّ عاديٍّ مصقولةً صقلاً ناعماً، ووضعها على المائدة. ونطق بكلمةٍ لم يستطع آل أن يفهمها تماماً. لم يظهر أيّ أثرٍ مرئيّ، لكنّ سايرَس بدا راضياً.
«هذا يُفترض أن يمنع أيّ أحدٍ في الخارج من التنصّت،» أوضح. «قبل أن نبدأ: في اجتماعنا الأخير وعدتُ أحدثَ مُشاركينا ببيانٍ عن غايتنا لقاءَ إجابتها عن سؤالٍ لي. ولن نكون جمعيّةً سرّيّة بحقّ إن تسرّبت أخبار وجودنا ونشاطاتنا إلى من ليسوا مُشاركين، لكنّ ويكووكِت تُحسِن الحديث عن جدارتكم بالثقة، وإن كنت لسببٍ ما قد أسأت التقدير وكان أيٌّ منكم غير صالحٍ للمشاركة في القضيّة، فأظنّ أنّ الأفضل أن نكتشف ذلك الآن. أأنتم مستعدّون لسماعه؟»
«مهلاً،» اعترض آل، «أهذا موقفٌ ستُعرِّضنا فيه معرفةُ شيءٍ ما للخطر؟»
«آه، أجل، الاختبار أوحى بقدرٍ صحّيٍّ من الحذر، كما أُخبِرت،» قال سايرَس بغموض، «ولكن أيضاً باستعدادٍ لمواجهة المواقف الخطرة بعقلانيّةٍ حين تقتضي الضرورة. إنّ إخباري إيّاكم بغايتنا لن يضعكم في أيّ خطرٍ مباشر، لا، ولكن لكلّ معرفةٍ قدرٌ من الخطر يلازمها. وعليكم أن تقارنوه بمقدار الخطر الذي قد يمثّله عدمُ المعرفة.»
«هذا... فلسفيٌّ جدّاً،» قال آل. «لست متأكّداً فحسب إن كان...»
رمقته ويكووكِت بنظرةٍ حادّة، وأصدرت بلا كلامٍ دمدمةً وهريراً حيوانيّين. لا تُفسد هذا!، هكذا فسّرها. وجعلته همهمةُ غرَنتِل، كأنّما يوافق، يشعر بأنّه مغلوبٌ في التصويت، ولا سيّما أنّ بوته لم يبدُ منزعجاً من الموقف الذي هم فيه.
«يبدو أنّ عدم المعرفة سيكون خطراً جدّاً عليّ،» أذعن آل، وهو يردّ على ويكووكِت نظرتها الحادّة.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.