Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 96
احتمل آل الضحكَ الذي أُطلِق على حسابه بصبرٍ رواقيّ، وعلى وجهه أقربُ ما استطاع حشدَه إلى الابتسامة. ويبدو أنّها لم تكن مُقنِعةً كثيراً، إذ لم تزد ويكووكِت ووينيفريد إلّا إمعاناً في الضحك. واستغرق الأمر دقيقةً أو اثنتين مُحرِجتين حتّى هدأتا.
«أنت ظريف، يعجبني أمرك،» قهقهت وينيفريد وهي تمسح عن وجهها دموع المَرَح، «لكن خيرٌ لنا أن نشرع في الأكل. يبدو صاحبنا الضخم جائعاً. لم أرَ غُنولاً حقيقيّاً قطّ، أهكذا يبدون فعلاً؟ هيه! لا يهمّني ما تتقمّصه اليوم، لا يسِل لُعابك على أرضيّتي!»
وأطبق غرَنتِل فمه فعلاً، ممّا أدهش آل. ووجّه ستيفن كلّاً إلى مكانه المُخصَّص على المائدة، فدفع غرَنتِل كرسيّه جانباً واكتفى بالجثوّ. حدّق في صفوف الشُّوَك والملاعق والسكاكين المرصوفة على جانبَي الصحن الفارغ، ثمّ انتزع في النهاية شوكتين كيفما اتّفق، بينما أخذ ستيفن صحن وينيفريد وملأه بما أعلنه تِباعاً وهو يغرف: كونفي البطّ، وساق الحَمَل المطهوّة على نارٍ هادئة، وجبنٍ فاخرٍ مخبوز، وپاتيه كبد الطيور بصلصةٍ لامعةٍ أساسها الخلّ تتوهّج توهّجاً ظاهراً بلونٍ أزرقَ مُخضرّ. وحدّق آل في الصحن بارتياب حين وضعه ستيفن أمام وينيفريد ثمّ التقط صحن آل.
«الخَلّ فُسفوريّ؟» استقصى آل.
«أوه، أجل! كان رئيس الطهاة في غاية الحماسة، فمجنونٌ ما صنع خَلّاً من نبيذ الغوبلن! وقال إنّه حصل على برميلٍ كاملٍ منه بمئة قطعةٍ ذهبيّةٍ لا غير!» قهقهت وينيفريد، وتجاهلت أدوات المائدة والتقطت ساق حَمَلٍ بيدها. غمستها في الجبن المخبوز السائل وقضمت منها. وخُيِّل إلى آل أنّه رأى ستيفن يجفل.
«أأبدو لك إلفاً؟» زجرت وينيفريد ستيفن وفمها ملآن بالطعام. وفي هذه المرّة رأى آل ستيفن يجفل يقيناً. «لم يبقَ لي من الوقت الكثير، ولن أهدره في معرفة أعليَّ أن أستعمل شوكة الهلام أم شوكة الحساء!»
«أوه، يؤسفني سماع ذلك،» قال آل مُتعاطفاً، «لم أكن أعلم أنّكِ مريضة.»
«لستُ مريضة! أنا عجوز! قد أسقط ميتةً في أيّ لحظة!»
وانحنى ستيفن وهو يضع صحن آل أمامه.
«ما زالت تقول ذلك منذ خمس عشرة سنةً على الأقلّ، هي كلّ المدّة التي قضيتُها هنا،» همس.
وكان غرَنتِل ينقل بصره في نفادِ صبرٍ بين صحنه وستيفن ذهاباً وإياباً، فتناول ستيفن صحن غرَنتِل تالياً.
ورمت وينيفريد عظمة ساق الحَمَل في صحنها ومسحت يديها بمنديلها. ثمّ مدّت يدها إلى صدر ثوب نومها وأخرجت ورقةً ملفوفة، تبيّن حين بسطتها على المائدة أنّها الخريطة التي رسمها آل لـلافاتيو.
«إذن،» قالت وينيفريد مُومِئةً إلى الخريطة، وهي تلتقط شريحةً من لحم البطّ المُسكَّر وتغرف عليها شيئاً من الپاتيه بأكبر ملعقة، «يبدو أنّكم جُلتُم في الموقع كلّه. ليست رسماً للخرائط على أصول الصنعة تماماً، لكن لهذا نبعث طاقم المَسْح من بعدكم.»
ووضع ستيفن صحناً طافحاً بالطعام أمام غرَنتِل، الذي كان قابضاً على شوكتيه يراقب ستيفن بانتباهٍ شديد. ومضى ستيفن يخدم ويكووكِت وبوته. أمّا غرَنتِل فأمال رأسه جانباً وهو ما زال ممسكاً بالشوكتين، وفتح فكّيه على اتّساعهما، وانحنى ليُطبق فمه على معظم ما في صحنه من طعام. ثمّ اعتدل جالساً وطحن العظام بصخبٍ بضع مرّاتٍ قبل أن يبتلع.
«حسناً، لا يمكنني أن آخذ عليك أنّك تتقمّص الدور بكلّ جوارحك،» علّقت وينيفريد. وجاء دور آل ليجفل حرجاً، لكنّ ستيفن رمقه على الأقلّ بنظرةٍ متعاطفة. وحشرت وينيفريد شريحة لحم البطّ المُسكَّر المُغطّاة بالپاتيه في فمها. «تْخلّصتوا مْن كُلّ شي خَطيغ؟» نطقت بها بلَلاً من خلال الطعام.
«على حدّ علمنا، نعم، فيما عدا ما أسمّيه مخاطر بيئيّة. أزلنا عشّاً للجرذان العملاقة، وأبدنا بعض العناكب الكبيرة كِبَراً مُقلِقاً ومُنافياً للطبيعة، وقتلنا بعض الغوبلن القذرين الذين كانوا يُضمرون الشرّ هناك، وكان أحدهم قد حبس بعض الزومبي في غرفة القيّم القديمة بضربٍ من التشكيل السحريّ،» عدّد آل، مُقرِّراً أن يُغفل ذِكر العنكبوت الميّت الحيّ المجنون. فقد بدا أنّ الاضطرار إلى شرح أين ذهب سيجلب المتاعب.
«أوه، أجل، ذكر ستيفن أنّكم تريدون العودة لرسم صورةٍ له. لا أرى مانعاً، وقد يكون من الحسن أن يكون حول طاقم المَسْح بعضُ أصحاب المغامرة المُجرَّبين لحمايتهم،» قالت وينيفريد وهي تخلط ما تبقّى من لحم البطّ والجبن الطريّ الذائب وپاتيه الكبد معاً بملعقة. ورفعت ملعقةً من ذلك الخليط الفجّ إلى فمها بيد، ومدّت الأخرى ثانيةً إلى صدر ثوب نومها. «استمرّ في الكلام، وسأحسب أجركم،» قالت وهي تُخرج كيساً ليّناً من الجلد. وأخرجت منه قنّينة حبرٍ ومِخَطّاً.
«أجل، حسناً، لا أظنّ أنّه بقي هناك ما يدعو إلى القلق كثيراً. ثمّة موضعٌ انهار فيه السقف ونبتت عليه طحالبُ لزجةٌ في كلّ مكان، فالمشي فيه خطِرٌ بعض الشيء،» تابع آل، ونهض ليُشير إلى الموضع على الخريطة. «وكذلك، هنا يقع منبع ماء لافاتيو. تحرسه كائناتٌ عنصريّة ما من الماء. هي خطِرةٌ يقيناً تقريباً، لكنّها على حدّ علمنا لن تؤذي أحداً لا يعبث به. والمدخل بابٌ خفيّ مُقفَلٌ بالسحر، فلا ينبغي لأحدٍ أن يدخله مُصادفة. أرى أن تُترك وشأنها، وأظنّ أنّها هي التي تُبقي الماء جارياً، ولو تخلّصتم منها فربّما جفّ لافاتيو.»
وبعد نظرةٍ سريعةٍ حول المائدة بحثاً عن شيءٍ تكتب عليه، تناولت وينيفريد منديلاً نظيفاً، فنالت بذلك جفلةً أخرى من ستيفن.
«إنّه مجرّد قماش، ويبقى وثيقةً نافذةً ما دمتُ أوقّعه،» أصرّت وينيفريد، وشرعت تكتب على المنديل وهي تُتمتم لنفسها أثناء الإصغاء.
«لنرَ، مئةٌ لإنجاز المهمّة، وخمسون للخريطة، ومئةٌ وخمسون للتخلّص من كلّ ما هو خطِر. لم أتوقّع وجود غوبلن في هذه الأنحاء،» قالت وهي تكتب الأرقام على المنديل. ثمّ رفعت بصرها إلى الخريطة حيث كان آل يُشير إلى الماء. وقرأت وينيفريد الحاشية.
«أوه، أجل، من كليودورا هذه؟ يبدو اسماً إلفيّاً.» سألت.
«آه، إنّها القيّمة،» أجاب آل. «حين غادرنا كانت تحاول تنظيف المكان.»
«كنّا على يقينٍ معقولٍ من أنّ المكان مهجور،» قالت وينيفريد.
«هو كذلك، وكليودورا الوحيدة الباقية.»
«لا يصحّ أن يُعَدّ مهجوراً وثمّة من لا يزال يعيش فيه.»
«إنّها... لا تعيش.»
وضيّقت وينيفريد عينيها وهي تنظر إلى آل.
«أمم... إنّها شبح. نظنّ أنّها ماتت هناك في وقتٍ ما بعد هجرانه.»
وعبست وينيفريد، وشطبت المئة والخمسين.
«أتريد أن تُخبرني لماذا تخلّصتم من كلّ شيءٍ آخر وتركتم مَسخاً من الموتى الأحياء مُتعطّشاً للانتقام يطفو هناك ليفترس الأحياء؟»
«ليست خطِرةً حقّاً الآن...»
«ليست خطِرة، ها؟» قالت وينيفريد، وهي تراقب الغُنول المَهيب يتقلّص ويُكشّر عن أنيابه.
«أعني، حصل بيننا شيءٌ من سوء الفهم و...»
وأمسك آل نفسه عن قول المزيد، خشية أن تدفعه ضغينته العالقة إلى قول ما لا ينفع. كان يفهم، بعقله، أنّ سلوك الروح المُعذَّبة لم يكن خبيثاً حقّاً، وأنّه لا ينبغي أن يُهدّد أحداً الآن بعد أن تحرّر الشبح ليُؤدّي غايته، لكنّ مشاعره لم تكن عقلانيّة.
ونظر إلى ويكووكِت طلباً للعون. «أنتِ أبرع منّي في هذا النوع من الأمور، أيمكنكِ أن تشرحي؟»
«بكلّ سرور!» أجابت ويكووكِت. ووقفت على كرسيّها واتّخذت وقفةً مسرحيّةً تليق بتحدّي القَصّ.
«حكايةٌ مأساويّةٌ عن حارسةٍ مُتفانيةٍ لـلافاتيو الحبيب! حين هجره الآخرون جميعاً، بقيت هي لترعاه. ولكن وا أسفاه! كانت عوادي الزمن التي لا تُصَدّ أثقلَ من أن يردّها شخصٌ واحد، فقُتِلَت بحجرٍ هوى عليها في الحمّامات! وحين استيقظت روحها، تشبّثت بواجبها وجاهدت لتواصل تنظيف منشأتها العزيزة. ولكن، انظروا! لقد كانت مُقيَّدةً إلى رُفاتها الفانية فحُبِست في الغرفة التي هلكت فيها، وحيدةً عقوداً بل قروناً، وقد أفقدها الإحباطُ صوابها، فانقضّت بقوّةٍ خارقةٍ رهيبةٍ على كلّ من اقتحم سجنها! واستمرّ عذابها حتّى أبصرت رِفقةٌ من المغامرين الطيّبين الشجعان ما وراء الكرب الذي دفعها إلى الانقضاض! فسمعوا توسّلاتها، وعرضوا عليها العون! ولحاجتها إلى قوّة الأحياء، استعارت...»
وارتعشت عين ويكووكِت، لكنّها لم تفقد نبرة الحكاية.
«...استعارت جسد أقواهم لتُحرّر رُفاتها الفانية وتنثرها في أرجائه كلّها، لتعود فتُؤدّي غايتها مرّةً أخرى! والآن، وقد قرّت عينها، تكدح بدأبٍ وبلا انقطاعٍ في سبيل ترميم لافاتيو!»
«جميلٌ جدّاً،» قالت وينيفريد حين فرغت ويكووكِت، «لكن ارجعي قليلاً. ما الذي قلتِه عن تنثرها في أرجائه كلّها؟»
«حسناً، كانت مشكلتها أنّها لا تستطيع أن تكون إلّا حيث رُفاتها الفانية، فنحن... آه... وضعنا بعض عظامها في كلّ غرفةٍ لتتمكّن من التنظيف في كلّ مكان،» شرح آل خجِلاً. فرمقته وينيفريد بنظرةٍ مُرتابة.
«وضعتم عمداً عظاماً مسكونةً في كلّ مكان، ليتمكّن مَسخٌ من الموتى الأحياء لا جسد له من أن يسكن المكان كلّه؟»
«آه... نعم؟» أقرّ آل، وهو يستجدي بعينيه صامتاً عوناً من ويكووكِت وبوته.
«غايتها ترميم لافاتيو،» تدخّل بوته، «فقدرة روحها على بلوغ المنشأة كلّها لأداء عملها هي ما يُسكّن روحها ويُتيح لها أن تُقدّم خدماتها. بل إنّ غايتها ذاتها تصبّ في صالح ترميم لافاتيو الذي يعتزمه مِغطَس الجحيم.»
«تظلّ مَسخاً. ليست حمّاماتنا مجرّد خدمات، بل نحن مكانٌ مقدّس، المسكن الدنيويّ للإلهة بالنيا إنفيرنالا. لا يمكننا أن نسمح للموتى الأحياء بتدنيس منشآتنا!»
«لكنّها لا تريد إلّا أن تُنظّف! وهذا أمرٌ حسنٌ يُصنَع لمكانٍ مقدّس، أليس كذلك؟» حاجّت ويكووكِت.
«لا يهمّ ما يريده شبح، فعندنا أناسٌ حقيقيّون يُنظّفون الأشياء ويُصلحونها أصلاً، ولا حاجة إلى أيّ تدنيس!»
«لكنّها تعمل بلا توقّف! وهي ميّتةٌ أصلاً فلا يمكن أن تموت جوعاً، فلا حاجة بكم حتّى إلى إطعامها. ولا تنام كذلك، فلا حاجة بكم إلى إعطائها سريراً!» حاولت ويكووكِت.
«ليس هذا مهمّاً حقّاً.»
«ولا يلزمكم أن تدفعوا لها أجراً كذلك!»
وفتحت وينيفريد فمها لتعترض، لكنّها لم تقل شيئاً. فقد ترك الاحتجاج أثره.
«بلا أجور؟» تأمّلت. كان غرَنتِل قد كفّ عن الانتباه وراح يلعق بقايا الطعام من صحنه بهوَس، أمّا المغامرون الثلاثة الآخرون فراقبوا وينيفريد في انتظار قرارها. وأخيراً، تناولت وينيفريد المِخَطّ، وكتبت المئة والخمسين على المنديل من جديد.
«خيرٌ لكم أن تعودوا مع طاقم المَسْح، فإن فعلت بهم شيئاً فلن تنالوا مكافأتكم،» أعلنت وينيفريد. «وقد لا يُغيّر ذلك شيئاً في النهاية، فحين نُكرّس لافاتيو سيكون مصير شبح امرأتكم الميّتة بيد بالنيا إنفيرنالا، لكنّني سأمنحها فرصة. ما كنتُ لأحبّ أن أرى ذلك الوجه الفتيّ الوسيم الخشن حزيناً!» قالت وهي ترفرف بأهدابها نحو آل.
وكادت ويكووكِت تسقط عن كرسيّها من شدّة الضحك.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.