Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 104
بعد أن تجاوزت السيّدة فيتز واين نشوةَ سماعها كلاماً بشرانيّاً يصدر عن مخلوقٍ بهذه الوحشيّة، وعادت إليها سكينتها، أتمّوا جميعاً الطعام والنبيذ والشاي وهم يتداولون بعض الحلول الممكنة لمشكلتها.
طُرِح احتمال السعي إلى القبول في حلقةٍ من الدرويد وتعلُّم أسرارهم في اتّخاذ أشكال الوحوش الطبيعيّة، لكنّه عُدَّ متعذّراً، إذ لم تكن السيّدة فيتز واين في حالٍ تسمح لها حتّى بأن تنجو من المِحَن التي يُرجَّح أن تنطوي عليها البرّيّة، فضلاً عن أن تصمد لها. وتبيّن أنّ للسيّدة فيتز واين إلماماً عابراً بالخيمياء، فجرى شيءٌ من النقاش في المبادئ الخيميائيّة وفي ما قد يُغيّر الجسد تغييراً محموداً من خلاصاتٍ أو جواهر أو جُرعات. وأسهم آل بالنزر اليسير الذي يعرفه عن صناعة الأشياء المُعزَّمة، وعن احتمال وجود ضربٍ من الثياب أو الحُليّ المسحورة قد يُقوّي الجسد أو يُبدّل طبيعته كلّيّاً، ولاحظ آل أنّ السيّدة فيتز واين فركت خاتمها دون وعيٍ حين أُثير الموضوع، ولعلّها لم تكن تدري أنّ آل يعلم سلفاً أنّه مُعزَّم. وقاد موضوع السحر إلى استطرادٍ من آل حول «ظاهرة التطبيع الثوماتولوجيّ»، فنال عليه من ويكووكِت تقليباً مُبالَغاً فيه لعينيها ضجراً من المصطلحات، إلى أن شرح بلغةٍ بسيطة كيف يمكن لبعض ضروب العمل السحريّ أن تدوم إلى أجلٍ غير مسمّى إن كُرِّرت بانتظامٍ وتواترٍ كافيين لخداع الواقع حتّى يتصرّف كأنّ التعويذة موجودةٌ وجوداً طبيعيّاً دائماً. واضطرّ آل إلى الاعتراف بأنّه لا يعرف الكثير بعدُ عن سحر تبدُّل الأشكال، لكنّه ظنّ أنّه يذكر قراءة شيءٍ يوحي بأنّ جعل آثاره تدوم إلى أجلٍ غير مسمّى ممكنٌ على الأقلّ. وأصرّت ويكووكِت على أن ينظروا على الأقلّ في احتمال طلب العون من الكائنات الأخرويّة. فثمّة في نهاية المطاف الكثير من الحكايات عن الجنّ والشياطين والجِنّيّات والآلهة بل والتنانين، يعقدون الصفقات ليُسدوا إلى أحدهم معروفاً خارقاً. فذكّرها آل بأنّ هذه الحكايات لا تنتهي في العادة على النحو الذي يبتغيه صاحب المعروف. فأصرّت ويكووكِت على أنّ في العادة ليست دائماً، ولذا ينبغي على الأقلّ إبقاؤه خياراً مطروحاً. وأفضى هذا بدوره إلى فكرة التلبّس الروحيّ، الذي كثيراً ما صوّرته الحكايات على أنّه يمنح جسد المُتلبَّس به قوّةً وحيويّةً خارقتين. فشدّد آل على أنّ هذا يعني حرفيّاً أن تتقاسم جسدك مع أحدٍ آخر، أو مع شيءٍ آخر، تكون له السيطرة التامّة بعض الوقت أو كلّه. وبعد وقفةٍ لتهدئة غرَنتِل الذي انزعج من تذكيره بهذا، وصف آل حكايات المُستذئبين التي قرأها صبيّاً، وكيف كان المُصاب يستيقظ أحياناً عارياً مُلطَّخاً بدم غيره، ولا يذكر شيئاً ممّا جرى في الليل.
وأخيراً، سأل بوته السيّدة فيتز واين إن كانت مستعدّةً للموت كي تفلت من جسدها الذي لا تريده.
«أمم، لا أظنّ أنّ إحياء جثّتها بسِحر إحياء الموتى هو حقّاً ما تريده»، اعترض آل يومها، «وأنا شبه متيقّنٍ من أنّ أمراً كهذا محظورٌ حظراً شديداً، أو مُقيَّدٌ تقييداً صارماً على الأقلّ.»
ضحك بوته ووافق، لكنّه شرح بعد ذلك أنّه قرأ في موضعٍ ما أنّ الدرويد، الذين سمّاهم بوته كهنوت أرواح الطبيعة، فيهم من بلغ من الفهم لدورات اللحم والروح الطبيعيّة والتمكُّن منها ما يستطيع به أن يستدعي روحاً إلى حياةٍ طبيعيّةٍ جديدةٍ مختلفة. وهذا يعني بطبيعة الحال التحرُّر من الحياة الطبيعيّة السابقة أوّلاً.
وعند ذلك كانت السيّدة فيتز واين قد أُنهِكت تماماً. فوافقت آل في شأن التلبّس الروحيّ، قائلةً إنّ الغاية كلّها من طلبها أن تختبر الحياة بنفسها لا بالنيابة عبر روحٍ أو نفسٍ أخرى، أمّا فيما عدا ذلك فلم تكن تكترث كثيراً بالحلّ الذي يقع عليه الاختيار في النهاية. ولم يكن يعنيها في المقام الأوّل إلّا أن تتمكّن من قضاء أطول وقتٍ ممكنٍ حرّةً في جسدٍ مُعافى، وأن يتحقّق ذلك في أقرب وقتٍ ممكن. واعترفت على مضضٍ بأنّ من المفيد أن تكون قادرةً على العودة إلى هيئتها الأصليّة على الأقلّ لتحضر المناسبات والاجتماعات العائليّة، لكنّها كانت مستعدّةً للتخلّي حتّى عن ذلك. وبهذا استجمعت شكراً هامساً للرفقة على حضورهم ووعدهم بالمساعدة، وقرعت شارلين جرساً تستدعي كبير الخدم ليُرافقهم إلى الخارج.
ولقيتهم شارلين وهم في طريقهم إلى خارج الغرفة، وأعادت على مسامعهم شكر السيّدة فيتز واين.
«لا تنال من سجن جسدها الواهن راحةً تُذكَر»، قالت لهم يومها، «لقد امتلأت أملاً منذ رأتكم هنا أوّل مرّة. شكراً لكم على قبولكم المساعدة.»
«إذن، كيف وجدتَ أولى حسناواتك المُستغيثات؟» سألت ويكووكِت آل بعد أن غادروا وساروا بعض الوقت عائدين نحو الشارع الرئيسيّ.
«أبعد ما تكون عن الشياطين، هكذا أجدها»، أجاب آل. «أفهم لماذا هي يائسةٌ إلى هذا الحدّ، لكنّ ذلك كان يمكن أن يكون بالغ الخطورة.»
«رأيتُ حكاياتٍ يُخدَع فيها الشياطين فيخرجون بالطرف الأسوأ من الصفقة، فالأمر ليس سيّئاً دائماً!» أصرّت ويكووكِت. «ثمّ إنّك متى صار لك عبدك الشيطانيّ الخاصّ صرتَ مولى الشياطين وستقدر على أن تجعلهم يطيعونك، أليس كذلك؟»
«روح القرين لا تملك القدرة على عقد صفقاتٍ خارقةٍ مع أناسٍ آخرين، وحتّى لو ملكتها فهي لا تملك القدرة على تعزيز جسد أحدهم أو التحكّم فيه تحكّماً خارقاً. فالغاية كلّها من روح القرين أنّها صغيرةٌ بسيطةٌ مطيعة»، صحّح آل، «أظنّ حقّاً أنّ الأسلم أن نُركّز على المقاربات الخيميائيّة أو على سحر البشر الفانين.»
قلّبت ويكووكِت الأمر في ذهنها.
«أحسب أنّه لو اضطُرِرنا إلى الذهاب إلى مكانٍ مثيرٍ وفعل شيءٍ خطيرٍ لنحصل على ما نحتاج إليه، فقد لا يكون الأمر سيّئاً. تعرف، مخبوءٌ تحرسه وحوشٌ رهيبة، فلا يظفر به إلّا أجدر الأبطال!»
«ليس بالضرورة أن يكون خطيراً.»
«بل بالضرورة! فليست مغامرةً حقيقيّةً ما لم يكن فيها شيءٌ من الخطر! من ذا الذي يريد أن يسمع حكايةً عن أناسٍ يذهبون إلى السوق فحسب ويساومون ليشتروا شيئاً يحلّ المشكلة؟»
«أتوقّع»، أضاف بوته، «أنّه لو كان ثمّة شيءٌ متاحٌ يُشترى ببساطةٍ فيُرضي رغبات السيّدة فيتز واين، لوجدَت سبيلاً إلى اقتنائه حتّى الآن، أو لذكرَته على الأقلّ لو كان باهظ الثمن.»
«حسناً، لدينا بعض الوقت لنتدبّر الأمر، وقد نبّهتُها إلى أنّنا قد نحتاج إلى بعض الوقت حتّى نهتدي إلى شيء. لعلّي أجد شيئاً في الكتب في ذلك المكان الذي أعطاني سايرَس الإرشادات إليه في السور الجنوبي. فالتعليمات والشروط التي دوّنها للدخول توحي بأنّه ليس مكاناً عاديّاً.»
«مثل ماذا؟» سألت ويكووكِت وقد استُثير فضولها.
«أمم... جزءٌ من التعليمات يقول إنّه لا يُسمَح لي بالحديث عن تلك الأجزاء بأيّ تفصيل، وإنّي إن لم أتّبع التعليمات كما ينبغي فلن أتمكّن من الدخول. لنقل فقط إنّ الشروح المفصّلة لما يُطلَب منّي فعله، ولما يجوز لي أو لا يجوز أن أُخبر به الناس، تجعل من الواضح جدّاً أنّ ثمّة أمراً خارقاً يجري.»
«لا يمكنك أن تُثير فضولي بشيءٍ كهذا ثمّ لا تخبرني بالمزيد!»
«هممم. لنرَ، فيها قَسَمٌ عليّ أن أُقسِمه، وقائمةٌ ببعض المعابد والمزارات التي يمكنني أن أُقسِم فيها. عليّ أن أفعل ذلك أوّلاً حتّى أتمكّن من العثور على المكان أصلاً، فيبدو أنّه مخفيٌّ بطريقةٍ خارقةٍ ما. ثمّ إنّي لن أدخل من الباب الأماميّ.»
«يبدو هذا عناءً كبيراً لمجرّد قراءة بعض الكتب الغريبة.»
ووصلوا عائدين إلى الشارع الرئيسيّ. فعبس زوجان حسنا الهندام، خمّن آل أنّهما من صغار النبلاء، لرؤية غرَنتِل، وعبرا إلى الجانب الآخر من الشارع ليمرّا.
«حمقى»، غمغمت ويكووكِت.
«أجل، حسناً، لا ينبغي أن يكون في وسعهم أن يفعلوا بنا شيئاً هنا، لكنّي أشعر أنّ علينا أن نُنهي أمورنا قريباً ونرحل بأكبر قدرٍ ممكنٍ من التكتّم، قبل أن يقرّر أحدهم أن يحاول اعتراضنا على الطريق ليُنغّص علينا.»
«لا بأس عندي»، وافقت ويكووكِت، «هذا المكان ممتع، لكن ما لم يحدث شيءٌ مثيرٌ حين نعود إلى لافاتيو مرّةً أخيرة، أشعر أنّنا على الأرجح قد جرّبنا كلّ ما هو جديدٌ حقّاً هنا. حان الوقت لنمضي ونجد الجزء التالي من حكايتنا!»
«لم يبقَ علينا إلّا القليل لنتدبّره أوّلاً. فمن ذلك مثلاً: ما الذي سنفعله بذلك المُركَّز البشع من عصير المُستنقَع الغوبلنيّ؟ لا أريد أن أتخلّى عنه هنا فحسب. لا أظنّ الصيدلانيّة ستسرّ بذلك، وقد نرغب فعلاً في العودة إلى هنا ذات يوم.»
«ذلك الشيء أشدّ ما شممتُه في حياتي بشاعةً وإثارةً للغثيان! أرى أن نحتفظ به!» قرّرت ويكووكِت.
«لماذا؟» سأل آل.
«لا بدّ أن ينفع في شيءٍ ما! كلّ ما علينا أن نُغلّفه جيّداً حتّى لا ينكسر أو يرشح، إلى أن نريد له ذلك.»
«لا بأس، لكن أنتِ من ستحمله. وفيما عدا ذلك، لا نحتاج إلّا إلى أن نعرف متى سيذهب المسّاحون إلى الحمّامات لنذهب معهم ونحاول كسب مكافأتنا، ونقبض أجرنا، ثمّ نرى أيّ صفقةٍ سيتمكّن سايرَس من عقدها مع صلته في السور الجنوبي. وربّما نطمئنّ على حمارنا في الأثناء...»
«فَخْذة»، صحّح بوته.
«أمم، صحيح، نطمئنّ على فَخْذة ونتأكّد من أنّه لا يُدلَّل أكثر ممّا ينبغي وهو هنا.»
فاجأ آلَ استدارةُ غرَنتِل الفوريّة متّجهاً نحو الإسطبل، لكنّه رأى أنّ الوقت الآن مناسبٌ كأيّ وقتٍ آخر.
وجدوا فَخْذة نصف مُغمَض العينين، يتمايل ذيله برفقٍ وأحد غلمان الإسطبل يُمشّطه، وقد اضطرّ الغلام إلى التنحّي كي لا يُداس حين استدار الحمار ليواجه الرفقة. ورفع فَخْذة خَطمه ليلاقي تشمُّم غرَنتِل الفضوليّ، ثمّ نخر برفقٍ في وجه الغُنول.
«أرى أنّك راضٍ بترتيباتك»، قال بوته للحمار، «سنرحل على الأرجح في الأيّام القليلة المقبلة، فأرجو ألّا تألف الراحة أكثر ممّا ينبغي.»
واستدار فَخْذة لينخر برفقٍ في وجه بوته كذلك.
أعطى آل غلام الإسطبل قطعةً فضّيّةً أخرى إكراميّةً. وعاد آل وبوته إلى غرفتهما، بينما خرجت ويكووكِت وغرَنتِل من جديد، على حدّ وصف ويكووكِت، «لنُبهج أهل البلد بسحرنا»، واعدَين بأن يعودا بالطعام حين يملّان.
ومضى ما تبقّى من المساء هادئاً لطيفاً بلا أحداث، سوى مرور ستيفن ليُعلن أنّ رفقة المَسْح ستنطلق إلى لافاتيو بعد ساعةٍ من شروق الشمس صباح الغد، ومحاولةٍ قصيرةٍ لاحقةٍ من ويكووكِت لحمل آل على التقاط قطع اللحم والجبن بفمه كما يفعل غرَنتِل.
قرأ آل الفصل المفيد عن أرواح القرين في أوسفيلته زاخِن، ثمّ نام أخيراً يحلم بشياطين يرمونه بالجبن.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.