Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 106
أشار آل إلى طاقم المَسْح بالتراجع، بينما راح المغامرون يستعدّون على عجلٍ لملاقاة حشد الغوبلن الذي أنبأ الضجيجُ المُريع باندفاعه نحوهم. اتّخذ غرَنتِل موقعه عند رأس الدرج تماماً وكشّر عن أنيابه بشراسة، في حين قفزت ويكووكِت عن ظهره لتقف خلفه. وانتقل آل ليقف على مستوى الأرض فوق أسفل الدرج، وحذا بوته حذوه على الجانب الآخر، كي يتسنّى لهما أن يُطِلّا على ما هو صاعدٌ إليهما. أمّا لاري وشيلي فأمسكا رمحيهما متأهّبَين في توتّر وهما يسوقان طاقم المَسْح إلى الخلف. ودسّ آل بورغاتيو بين جسده وذراعه اليسرى، لتبقى يداه طليقتين إن قرّر أن يلجأ إلى التدخّل السحريّ.
وما كادوا يتّخذون مواقعهم التي اختاروها حتى علا وقعُ أقدامٍ صغيرةٍ كثيرةٍ راكضة، حتى صار يُسمَع من تحت الصياح الغوبلنيّ المذعور. وبلا أيّ انضباطٍ على الإطلاق، انفجرت حفنةٌ كبيرةٌ من الغوبلن المرتعبين خارجةً من لافاتيو، يتجاذب بعضهم بعضاً ليكون كلٌّ منهم أوّل الناجين. وصعدت كتلة الغوبلن عدّة درجات قبل أن تنتبه إلى العائق الغُنوليّ الخطِر في الأعلى. وبينما تكدّسوا بعضهم فوق بعض مُتردّدين، استحضر آل دفقةً من النار السحريّة من أصابعه صبّها على الغوبلن. وحين سمع عددٌ منهم آلَ يتلفّظ بكلمات القوّة السحريّة الغامضة، تمكّنوا من دفع بعض رفاقهم أمام اللهب في الوقت المناسب ليحتموا بهم. فأحرقت تلك الدفقة الخاطفة العنيفة من النار المُحمرّة حتى الموت نصفَ الحشد الذي اتُّخِذ دِرعاً، وخلّفت القلّة الباقية بجلودٍ مَلفوحةٍ وشعورٍ تتصاعد منها الأدخنة.
ودوّت من الداخل صرخة الغضب غير الأرضيّة التي كانت تطاردهم، فحثّت الغوبلن الناجين على الحركة من جديد، فانطلقوا جميعاً في اندفاعةٍ يائسة أملاً في تجاوز الغُنول الأسود العينين الذي يسدّ طريقهم وهو ينبح ضاحكاً كالمجنون. فسُحِق أحدهم تحت مِخبَط غرَنتِل. وتفادى ثانٍ بصعوبةٍ فكَّي الغُنول المنقضّين، ليجد نفسه مَشكوكاً بسلاح ويكووكِت التي لم يحسب لها حساباً وهم يندفعون عابرين. أمّا الأخير فاغتنم انشغال الجميع بالاثنين التعيسين، وراوغ عبر المعمعة ليفلت. وصرخ حين رأى الحارسَين اللذين يحميان طاقم المَسْح وهو يتجاوز رأس الدرج، فغيّر اتّجاهه مُسرعاً وهو يعدو.
استحضر آل النُّشّابات من العنف السحريّ المُجرَّد، فانقلب عَدْوُ الغوبلن الأخير هارباً إلى تدحرجٍ مُرتخٍ وهو يتهاوى ميّتاً. آخر ما نحتاجه الآن أن يُخبر ذلك الشيءُ البقيّةَ بأنّنا هنا، فكّر آل.
وظهر وجهُ جُثّةٍ شبحيّة، ملتوٍ بالغضب والكراهية، عند حافّة الظلال قرب مدخل لافاتيو.
«إت نون ريفيرتيريس!» صرخت. فعوى غرَنتِل وأسرع عائداً إلى رأس الدرج.
ولانت ملامح الوجه الرهيب، وعادت إلى هيئة كليودورا الشبحيّة كما كانت تبدو في حياتها، على ما افترض آل.
«إيغو سوم كليودورا. ريفيرسوس إس. ديبيو إيموندارِه،» قالت كليودورا بنبرةٍ أهدأ بكثيرٍ وأكثر وُدّاً.
«آه، أجل. مرحباً،» أجابها آل، وهو ينحني ليلوّح إلى الشبح في الأسفل. وقبض على مقبض بورغاتيو وأعاد السيف إلى غِمده بعناء، ثمّ التفت نحو طاقم المَسْح باحثاً عن ليفيا. فرأى المجموعة كلّها، بمن فيها حارساها، مذهولةً مرتاعة. «لا بأس، انتهى الأمر الآن. أرأيتم؟ لهذا أردنا أن نرافقكم. تلك كليودورا هناك في الأسفل، ويبدو أنّها هي الأخرى لا تحبّ الغوبلن.»
واستغرق لاري لحظةً حتى استعاد صوته. «أ... أهذا... أتفعلون... أتفعلون هذا النوع من الأشياء كثيراً؟»
«أكثر ممّا أودّ مؤخّراً،» اعترف آل، «ما زلتُ أعتاد عليه.»
«إن كان هذا وأنت ما زلت تعتاد عليه، فسيكون الأمر مُبهراً حقّاً حين تعتاده فعلاً،» أصرّ لاري.
«هوك لوكو غراتا إس. ديبيو إيموندارِه. فيني. إيغو سوم كليودورا،» نادى صوت كليودورا من الأسفل.
«آه، صحيح، أمم، إنّها لا تتكلّم إلّا الإلفيّة على حدّ علمنا، ولا أحد منّا يستطيع محادثتها،» قال آل، وهو يرمق ليفيا بنظرةٍ مُتسائلة.
«تقول إنّنا مُرحَّبٌ بنا هنا. تقول إنّ عليها أن تُنظّف، لكنّها تدعونا إلى الدخول،» ترجمت ليفيا، وهي تنظر بتوتّرٍ نحو الدرج النازل.
«أمتأكّدون من أنّنا نستطيع الوثوق بها؟» سألت راشيل، «صحيحٌ أنّي لا أعرف مرسوماً مقدّساً رسميّاً في ذلك، لكنّ سيّدتنا بالنيا إنفيرنالا إلهةُ الراحة والصحّة والنظافة، فلستُ واثقةً من أنّ علينا أن نتواطأ مع الموتى الأحياء.»
«لن تجدي إلّا قلّةً من الناس، أيّاً كانت حالتهم من الحياة، أشدَّ اهتماماً بالنظافة من كليودورا،» طمأنها بوته. «إن كان ممكناً أصلاً لروحٍ قلقةٍ من أرواح الموتى أن تكون مقبولةً لدى الألوهيّة، فأحسب أنّ هذه ستكون كذلك على الأرجح. وبالطبع، إن لم تكن كذلك، فلن يكون بوسعنا أن نفعل الكثير حيال الأمر. تفضّلي، تعالي وانظري.»
مضى بوته إلى رأس الدرج وبدأ ينزل، ثمّ التفت بعد مسافةٍ قصيرة ليُشير إليهم مرّةً أخرى. وبعد نزاعٍ وجيزٍ بين راشيل وليفيا ولاري وشيلي حول مَن ينبغي أن يتقدّم أوّلاً، أذعنت ليفيا، بوصفها الشخص الذي سيتعيّن عليه محادثة شبح كليودورا نيابةً عن الجميع. فتبعت بوته نازلةً الدرج، وراشيل خلفها. ولحق بهما طاقم المَسْح والحارسان.
«أستنفعنا هذه أصلاً هناك في الأسفل؟» سأل لاري آلَ، رافعاً رمحه وهم ينزلون.
«أمام شبح، على الأرجح ليس بالقدر الذي تأمله، لكنّها بحسب ما قرأت أفضل من لا شيء. إن كنتَ تُحسِن استعماله، فإنّ نيّة طعن أحدٍ به قد تجعل له أثراً في كثيرٍ من المخلوقات الخارقة للطبيعة، وإن لم تتأذَّ منه بقدر ما قد يتأذّى به شيءٌ عاديّ،» أجاب آل. «لا تقلق كثيراً، قد تكون مُخيفة، لكن بما أنّنا هنا لنحادثها بشأن ترميم الحمّامات التي تحبّها كلّ هذا الحبّ، أظنّها ستكون وَدودة. وكلّ ما صادفناه هنا في المرّة الماضية بدا أنّ رأس رمحٍ كفيلٌ بردعه بما يكفي.»
وبحسب ما استطاع آل أن يرى، كانت غرفة المدخل أنظف بكثيرٍ الآن، باستثناء كومةٍ من التراب والرماد والحُطام والزجاج المكسور، وبعض جُثث الغوبلن ذات الرائحة الكريهة جدّاً، وضفدعٍ ميّتٍ واحدٍ لسببٍ ما، على يمين القوس المعقود. وبدت إحدى جُثث الغوبلن مُحنّطة، فظنّ آل أنّها ربّما تلك التي رأوها في الغرفة التي عثروا فيها على كليودورا أوّل مرّة. وبدا أنّ صُرّةً ملفوفةً بالحرير مثقوبةً بثقبين هي على الأرجح الغوبلن الذي وقع في شِباك عناكب بيت الخلاء. وكانت مِكنسة كليودورا مُسنَدةً إلى الجدار مع مِجرفةٍ للغبار، بجوار الكومة.
ومن الظلمة في عمق الغرفة جاء صوتُ شيءٍ يُجَرّ على الأرض، وفي النهاية ظهرت روح كليودورا من جديد. كانت تجرّ جُثّةً ثانيةً مُحنّطةً على النحو نفسه لغوبلن بدا أنّه مات في حالةٍ من الرعب، نحو كومة القمامة.
«أمم... سالفِه، نومِن مِيوم ليفيا،» تكلّمت ليفيا بينما كانت الشبح ترفع الغوبلن الميّت إلى أعلى الكومة.
«إيغو سوم كليودورا. ديبيو إيموندارِه. لينغوام إنتيليغينتيام غاوديو آوديِندي. فينيستي آوكسيليو؟» أجابت روح كليودورا، وهي تلتقط المِكنسة ومِجرفة الغبار.
وتبادلت كليودورا وليفيا الأسئلة والأجوبة بالإلفيّة، وليفيا تترجم بين حينٍ وآخر لراشيل والآخرين. وفي أثناء ذلك، خلع آل حقيبته وراح ينبش فيها بحثاً عن مشاعل، ليكتشف أنّه لم يبقَ لديه سوى واحدة. «زيت المصابيح،» تمتم لنفسه، «يجب أن أتذكّر شراء زيت المصابيح.» وقرّر أن ينتظر حتى تدعو الحاجة إليها فعلاً قبل أن يُشعلها.
«حسناً، إنّها سعيدةٌ جدّاً بأن تسمع أنّنا جئنا لنبدأ ترميم هذا المكان،» لخّصت ليفيا أخيراً، «لكنّها تُصرّ على أنّها ستبقى وتحافظ على نظافة المكان.»
«أشرحتِ لها أنّي هنا لأُكرِّس المكان لـبالنيا إنفيرنالا؟» سألت راشيل.
«أجل، لكنّها لا تنفكّ تُصرّ على أنّها ستبقى وتساعد. لا أدري أهي لا تفهم أم أنّها عنيدةٌ فحسب.»
«أمن الآمن أن نبدأ مَسحنا؟» سأل هاينز. فنقلت ليفيا السؤال بالإلفيّة إلى كليودورا، ثمّ ترجمت جواب الشبح.
«إنّها تعتذر عن الفوضى عند المدخل، تقول إنّها لا تستطيع في الحقيقة مغادرة هذا المكان لتُخرج ما نظّفته. ولا يبدو أنّها تمانع أن تبدأوا. لكنّها تسأل إن كان بوسعنا إزالة كومة النفايات، ما دامت لا تستطيع الخروج لتفعل ذلك بنفسها.»
«حسناً، ربّما بعد أن ننتهي من المَسْح،» قال جيرالد المسّاح، وهو منشغلٌ بإخراج معدّاته من حقيبته. «أنا واثقٌ من أنّ طاقم العمل الذي سيُستأجَر يستطيع ذلك. لكنّنا لم نُحضِر شيئاً لنقل الأغراض.»
«لدينا عربةٌ سحريّةٌ خفيّة!» أعلنت ويكووكِت، مُشيرةً بفخرٍ إلى آل، الذي تنهّد.
رائع. صرنا الآن رِفقة جامعي القمامة.
«أجل، نستطيع أن نساعد في إخراج هذه الأشياء من هنا بينما تشرعون جميعاً فيما تحتاجون إلى فعله. أمهلوني بضع دقائق لأستعدّ،» قال، وهو يرمق ويكووكِت بنظرةٍ مُتظلِّمة، فردّت عليه برفرفةِ رموشٍ بريئة مُبالَغٍ فيها على نحوٍ مُضحك.
وسُرّ آل برؤية طاقم المَسْح يُعِدّ الفوانيس للإضاءة، يعلّقونها على أعمدةٍ خشبيّةٍ مُقسَّمةٍ إلى أجزاء نصبوها لهذا الغرض. ومع إضاءةٍ وافرةٍ تكفي للقراءة، أدّى آل تأمّل الطقس ليستحضر... العربة السحريّة الخفيّة، مُركِّزاً إيّاها في المكان أكثر من الزمان لتحمل وزناً أكبر. وما إن تشكّل قرص القوّة السحريّة الشفّاف المتلألئ في الهواء، حتى استدرج آل غرَنتِل من الدرج حيث كان ينتظر تجنّباً لكليودورا، وأقنعه بالمساعدة في تحميل جُثث الغوبلن والحُطام لتُنقَل إلى الخارج. وحين جاءت كليودورا بالمِكنسة ومِجرفة الغبار لتكنس التراب والغبار كي يُحمَلا هما أيضاً، حرص غرَنتِل على إبقاء القُرص العائم بينها وبينه. وعبر ليفيا، اعتذرت الشبح عن استيلائها اليائس على جسد غرَنتِل الفاني، لكنّها أصرّت على أنّ ذلك كان ضروريّاً لأنّها كانت بحاجة إلى الخروج لتُنظّف. أمّا غرَنتِل، الذي لم يقتنع، فظلّ يتجنّبها، وتقدّم الطريق صاعداً الدرج حين صعد آل أخيراً بنفسه ليُفرِغ القمامة في الجزء الأقلّ نباتاً من أطلال أساسات مبنًى آخر، بصرف القُرص السحريّ.
وحين عادوا، وجدوا العمل قد قطع شوطاً بعيداً. كانت ويكووكِت تقود طاقم المَسْح إلى إحدى غرف تبديل الثياب لمواصلة قياساتهم ومشاهداتهم، وليفيا وشبح كليودورا يتبعانهم ليسألا ويُجيبا عن الأسئلة. وجلست راشيل في وضعيّة تأمّلٍ أمام تمثال مونديتيو، بينما وقف بوته قريباً يراقبها في صمت.
«كنتَ مُحقّاً،» قالت راشيل بعد لحظة، «مونديتيو ليس هنا، هذا مجرّد تمثال، وليس تمثيلاً مُكرَّساً. إن كان مونديتيو هنا يوماً، فقد هجر هذا المكان الآن. وهذا سيجعل عملي أقلّ تعقيداً بكثير.»
«لم أكن متيقّناً من ذلك بنفسي،» ردّ بوته، «لكنّه بدا مُرجَّحاً. ما كنتُ لأتوقّع أن ينحدر مكانٌ لا تزال الألوهيّة تسكنه إلى مثل هذه الحال.»
«ماذا سيحدث الآن؟» وجد آل نفسه يتساءل بصوتٍ عالٍ.
«سأُهيّئ أوّلاً هذه الغرفة لتُكرَّس لإلهتنا، بالنيا إنفيرنالا،» أجابت راشيل وهي تنهض من جديد. «وحين تصير هذه الغرفة جزءاً من مسكنها الأرضيّ المقدّس، ستمنع كلّ من لا يستحقّ من الدخول. وبحسب ما قدّمتموه لنا، يبدو أنّ هذا هو المدخل الحقيقيّ الوحيد هنا، فسائر هذا المكان ينبغي أن يكون محميّاً من اقتحام أيّ شيءٍ ذي جِرم. وما إن يتمّ ذلك، حتى يمضي تكريس بقيّة الموقع بسرعةٍ أكبر.»
«ألديكِ فكرةٌ عمّا سيحدث لكليودورا؟» سأل آل، ناظراً نحو الباب المفتوح لغرفة تبديل الثياب حيث كان يُسمَع صوت ويكووكِت وهي تصف طعم لحم الجُرَذ العملاق.
«فكرتي عن ذلك صارت أقلّ الآن. لم أكن قطّ في حضرة الموتى الأحياء من قبل، ولم أرغب في ذلك يوماً، لكنّها ليست ما كنتُ لأتوقّعه ممّا قرأت. توقّعتُ الهَوَس، لكنّها ليست عديمة العقل ولا شرّيرة كما كنتُ لأظنّ. كنتُ لأفترض أنّها ستُدمَّر أو تُنفى إلى حيث تنتمي روحها، لكنّي الآن لستُ متأكّدةً تماماً. ربّما نعرف بعد ساعةٍ أو نحوها، حين أُنهي التكريس.»
وضعت راشيل حقيبتها وأخرجت منها مجموعةً من مجامر البخور البرونزيّة الصغيرة، وطقماً من الشموع البيضاء في أوعيةٍ عريضة، وقِدراً من الصِّباغ الفضّيّ. وتلفّتت في أرجاء الغرفة تُقدّر مدى جاهزيّتها. فلمحت عظم الفَخِذ عند قدمَي مونديتيو، وتقدّمت لتلتقطه.
ثمّ تراجعت بسرعةٍ ما إن لمست أصابعها العظم، إذ ظهرت كليودورا هناك في الحال، يرافق ظهورَها سؤالٌ مذهول «إلى أين ذهبت؟» من ليفيا في الغرفة المجاورة. وعادت ليفيا مُسرعةً لتعرف ما جرى، ثمّ ترجمت للآخرين حديثها الخاطف مع كليودورا.
«ذلك جزءٌ منها، وتقول إنّها تريد أن تتركه هنا. حاولتُ أن أشرح لها أنّكِ تُكرّسين هذه الغرفة وأنّ ذلك قد يؤذيها، لكنّها تُصرّ على أنّها لا تريد أن تتخلّى عنه. بل إنّها تسألني إن كان بوسعها أن تساعدكِ.»
ضيّقت راشيل عينيها في ريبة. «لا ألتقي بكثيرٍ من الإلف أو الأشباح. أهي تُدبّر شيئاً؟»
«لا أظنّ ذلك،» أجابت ليفيا مُتردّدة.
«وأنا أيضاً أستبعد أن تكون هذه مكيدة،» وافقها بوته. «لقد تحدّت موتها الطبيعيّ طوال هذا الوقت بغايةٍ واحدةٍ لا تحيد عنها، هي رعاية هذا المكان وترميمه. وبالنيا إنفيرنالا تُتيح ذلك. أعتقد أنّ كليودورا صادقة.»
فكّرت راشيل لحظة، ثمّ أومأت. «حسناً، إن أذنت الإلهة بذلك. أخبري كليودورا أن تتبع توجيهاتي، ويمكنها أن تضع الشموع والبخور. وعلى الجميع الآخرين مغادرة الغرفة حتى ننتهي.»
«أيجوز أن أشاهد؟» سأل آل.
فرمقه بوته بابتسامةٍ ساخرةٍ بالقدر الذي يكفي للإيحاء بالمُداعبة. «آه، لعلّ محنك تُذكي فيك اهتماماً بخدمة الخطط الإلهيّة؟»
«لا! أعني، لا أقصد أيّ إساءةٍ أو ما شابه، لكنّي ما زلتُ أفضّل البقاء بعيداً عن انتباه الآلهة. كلّ ما في الأمر أنّي فضوليٌّ لأعرف كيف يجري طقس التكريس.»
ومضى غرَنتِل مسروراً مع ويكووكِت بعيداً عن كليودورا لمواصلة مرافقة طاقم المَسْح وهم يجولون في أرجاء لافاتيو يأخذون القياسات والمشاهدات. فبقي آل وبوته وليفيا يشاهدون الطقس من مدخل غرفة تبديل الثياب. وفي البداية وجدت عينا آل صعوبةً في متابعة ما يجري في الغرفة، إذ لم يكن يُضيئها سوى قليلٍ من ضوء الشمس الذي شقّ طريقه إليها من المدخل. وعبر ليفيا، طُلب من كليودورا أن تجلب ماءً نظيفاً، فصُبّ في الأوعية حول الشموع. ووزّعت كليودورا الشموع في أوعيتها ومجامر البخور في أرجاء الغرفة وفق توجيهات راشيل، وبدأت راشيل الطقس.
واحدةً تلو الأخرى، أشعلت راشيل كلّ شمعةٍ وكلّ عود بخور، ورسمت بأصابعها حول كلٍّ منها نقشاً دوّاميّاً بالصِّباغ الفضّيّ. ودون انقطاع، ردّدت ترنيمةً بدت أقرب إلى ماءٍ جارٍ يتناثر رذاذه منها إلى الكلام. ولاحظ آل أوجه الشبه العامّة مع طقوس فنّ السِّحر التي يألفها، ولا سيّما الأنماط المتكرّرة التي تُعين على تركيز النيّة. وبدا أنّ الفارق يكمن في انتباه راشيل، الذي كان على النقيض من طريقة السَّحَرة في مقاربته يكاد لا يحضر على الإطلاق، كأنّها في غيبوبة. وخمّن آل أنّ ذلك لأنّ الإلهة نفسها هي مَن يُطلَب انتباهها، وأنّ الكاهنة تعمل أداةً لهذا الغرض. كانت العمليّة بطيئةً رتيبة، لكنّها مضت بسلاسة، ولاحظ آل كيف بدا الوهج الذهبيّ لضوء الشموع المنعكس من أوعية الماء يزداد إشراقاً، وكيف بدت خيوط دخان البخور الأبيض الرفيعة تتلألأ في كلّ مرّةٍ تكتمل فيها العمليّة حولها.
كان آل قد بدأ يتعب من الوقوف حين أُدخِلت آخر شمعةٍ وآخر مِجمرةٍ في الطقس، وعادت راشيل إلى وسط الغرفة لتبتهل إلى الإلهة.
«بالنيا إنفيرنالا، نتضرّع إليكِ أن تقبلي هذا البيت الذي أعددناه لحضوركِ المقدّس وأن تُباركيه!»
واختفت كليودورا إذ اندلعت ألسنةُ لهبٍ ذهبيّة من عظم الفَخِذ، فالتهمته في لحظةٍ ولم تُبقِ أثراً على أنّه كان هناك. ورغم أنّه لم يطرأ على الغرفة تغيّرٌ ظاهر، أحسّ آل بأنّها صارت أدفأ وأكثر ترحيباً ممّا كانت. فالتفت ينظر خلفه، متسائلاً إن كانت الشبح قد رحلت، فإذا به يصيح مذعوراً حين وجدها خلفه تماماً، تنظر من فوق كتفه. على الأقلّ لم تبدُ متأذّيةً ولا غاضبة. بل إنّ آل رأى وجهها الشفيف يبدو حالماً بحنين. ومدّت يدها نحو مدخل الغرفة، ثمّ بدا أنّها عدلت عن ذلك فسحبت يدها الطيفيّة، وتكلّمت.
«إنّها تسأل أيّ غرفةٍ هي التالية،» ترجمت ليفيا.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.