Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 107
وقد نال فضوله العلميّ مبتغاه، قرّر آل أنّ الوقت قد حان للانتقال إلى ما جاء من أجله حقّاً.
«شكراً لأنّك سمحتِ لي بمشاهدة ذلك»، قال لراشيل، «لكنّي أظنّ أنّ عليّ أن أُسرع وأشرع في نسخ ذلك التشكيل السحريّ الذي وجدناه في تلك الغرفة الأخيرة، قبل أن تصلي إلى تكريسها. أمم... ألا يصادف أن لديكِ شمعةً أو اثنتين زائدتين أستعيرهما؟ يبدو أنّه لم يبقَ معي سوى آخر مشعل. وأستطيع أن أدفع ثمن البديل حين نعود إلى مِغطَس الجحيم.»
حاول آل ألّا يبدو محرجاً من سهوه، بينما ناولته راشيل عدّة شموعٍ من حقيبتها وعلى وجهها ابتسامةٌ ساخرة.
«شكراً لكِ»، قال آل بأقصى ما استطاع من عدم اكتراث. «أمم، ربّما ينبغي أن يبقى بعضنا مع الطاقم هنا وهم يعملون تحسّباً لأيّ خطرٍ غير متوقَّع، لكنّي لن أمانع في أن يرافقني أحدٌ للإسناد، للسبب نفسه. أيرغب أحدٌ في المجيء معي بدلاً من الانتظار هنا مع كليودورا و...»
كان غرَنتِل قد تحرّك فعلاً، سالكاً طريقاً واسعاً يلتفّ حول الموضع الذي تحوم فيه روح كليودورا، ليقف إلى جانب آل.
«حسناً... لا بأس إذن»، قال آل متفاجئاً، وإن أدرك بعد فوات الأوان أنّه ربّما ما كان ينبغي أن يتفاجأ. «سنتوجّه إلى هناك مباشرةً، لتعرفوا جميعاً أين تجدوننا إن احتجتم إلينا.»
أمر آل إحدى الشموع أن تشتعل من تلقاء نفسها، ودسّ الباقيات في جيبٍ من جيوب ردائه. ثمّ استدار ليمضي في الممرّ، فتقدّم غرَنتِل ليأخذ موقعه المعتاد في المقدّمة دون أن يُطلَب منه ذلك. في البداية كان الأمر مسألةَ إبقاء شيءٍ شيطانيٍّ بهيميٍّ خطِر حيث يستطيع آل مراقبته. أمّا الآن فقد أدرك آل أنّ هذا لم يعد شيئاً يقلقه، مهما بدا ذلك منافياً للعقل. ففي بضعة أسابيع فحسب، صار هذا بطريقةٍ ما أمراً طبيعيّاً. راقب ظهر الغُنول الفارع وهو يتسلّل بصمتٍ في المقدّمة، يتصيّد كلّ ما قد يشكّل خطراً، أو ربّما كلّ ما يؤكَل ويبطئ عن الفرار.
لماذا أثق به أصلاً؟ لست متأكّداً حتّى لماذا هو «هو» لا «هذا الشيء». لا أعرف حقّاً ما الذي يدور في عقله غير البشريّ جليّاً. لا يمكن أن يكون بالبساطة التي يبدو عليها، أليس كذلك؟ ما الذي يحرّكه حقّاً؟
«يا غرَنتِل»، سأله آل، «ما الذي تريده أنت من كلّ هذا؟»
توقّف الغُنول واستدار ينظر خلفه. ولزم الصمت لحظةً طويلةً من التأمّل قبل أن يجيب.
«قتال. فوز. أكل. راحة»، دمدم ورأسه مائلٌ كأنّ السؤال حيّره.
«طبعاً، هذا بديهيّ»، ردّ آل، «لكنّي لا أعني الآن، بل أعني أموراً أكبر، في المستقبل.»
مال رأس غرَنتِل ببطءٍ إلى الجهة الأخرى. ثمّ أطلق نخرةَ موافقة.
«قتال أشياء أكبر. قتل. أكلها. راحة.»
«حقّاً؟ ألا تريد ثروةً، أو سلطةً، أو شيئاً من هذا؟»
أطلق غرَنتِل صوتاً مستفهماً، ومال رأسه أكثر إلى الجانب.
«الثروة للأكل والراحة. السلطة للقتال والقتل وجعل المكان آمناً للراحة.»
«ألا تريد، لا أدري، حبّاً أو احتراماً أو صداقةً أو شرفاً أو أيّ شيءٍ من هذا القبيل؟»
«عندي عشيرة.»
«أهذا حقّاً كلّ ما تريده؟»
نخرة. «وأنت؟»
«أوه! أمم...»، تلعثم آل أمام هذا الاهتمام غير المتوقَّع، «الأمر... على الأرجح معقّدٌ بعض الشيء.»
نفخ غرَنتِل واستدار بتصلّبٍ ليواصل السير في الممرّ.
«أعني»، تابع آل وهو يتبعه، «أظنّ أنّ أكثر ما أسعى إليه هو التعلّم. الخبرة والمعرفة.»
«لماذا؟»
«لأنّها عمليّة. فمثلاً، أريد أن أعرف المزيد عن الشياطين، حتّى إذا صادفناها مرّةً أخرى كنّا أقدر على الدفاع عن أنفسنا منها. ثمّ إنّ المعرفة والخبرة القيّمتين ستجلبان لنا أعمالاً أفضل بأجرٍ أفضل.»
تساءل آل لماذا بدا غرَنتِل وكأنّه ارتخى بعد أن قال هذا.
«معرفة لأشياء الشامان* لقتل الشياطين وجلب الذهب للأكل والراحة»، فسّر غرَنتِل، مُدرِجاً كلام آل بإحكامٍ في رؤيةٍ غُنوليّةٍ للعالم يمكن فهمها، وهو يواصل سيره صاعداً الدرج المؤدّي إلى الغرفة التي وجدوا فيها الغوبلن السكارى. وجدوها في حالةٍ ناصعة، سوى رائحةٍ خفيفةٍ عالقةٍ من البراندي والغوبلن، والكراسي مصفوفةٌ بعنايةٍ فائقةٍ حول طاولاتها، وقد نُظِّفت البقع كلّها والزجاج المكسور.
«الأمر أكبر من ذلك!» اعترض آل، «إنّها لفهم الطبيعة الجوهريّة للواقع! كما الآن مثلاً، سندرس النقش السحريّ الذي وضعه أحدهم حول الباب، والذي بدا أنّه كان يحبس ذلك الشيء العنكبوتيّ والزومبي في الداخل. من صنع ذلك فهم شيئاً عميقاً عن الواقع الخارق للطبيعة، فإن درسته، فسأفهمه أنا أيضاً في النهاية.»
«لماذا؟»
«ماذا تعني بـلماذا؟ إنّها معلوماتٌ عمليّة! معرفةٌ كهذه قد تكون مفيدة!»
«لماذا؟» كرّر الغُنول، كأنّه أشدّ طفلٍ صغيرٍ في العالم عنفاً وخطراً.
«حسناً، بديهيٌّ أنّه إن كانت في ذلك النقش أسرارٌ مقفلٌ عليها للسيطرة على الموتى الأحياء، فإن تهدّدتنا أشياء من الموتى الأحياء مرّةً أخرى، فقد تساعدنا على حماية أنفسنا منها.»
«صيد معرفة لأشياء الشامان لجعل قتالهم أكثر أماناً»، بسّط غرَنتِل وهما يغادران الغرفة ويتّجهان في الممرّ نحو بيوت الخلاء.
«ليس هذا فحسب، ستكون هناك معرفةٌ مفيدةٌ أخرى إلى جانب ذلك، لكنّي لن أعرف ما هي حتّى أفهم كلّ شيءٍ بنفسي.»
«لا تعرف طعم المعرفة التي تصطادها حتّى تقتلها وتأكلها»، أعاد غرَنتِل الصياغة.
«أحقّاً كلّ شيءٍ عندك يدور حول العنف والطعام والنوم؟»
«لا. الأشياء المهمّة فقط.»
قطع الحديثَ صوتُ حفيفٍ وخربشةٍ آتٍ من فتحات بيوت الخلاء، فاستدار غرَنتِل بسرعةٍ لملاقاته بابتسامةٍ شرسة، والمِخبَط في يده. وبالكاد أسعفت آل ردودُ فعله فرفع تعويذةَ صدٍّ في الوقت المناسب ليحرف العنكبوت القافز عن مساره، وكان في ضخامة تلك التي قاتلوها هنا في المرّة الأولى تماماً. راوغ العنكبوت ركلة آل الغريزيّة، ليتناثر بعدها على الأرض، وعلى آل، تحت المِخبَط الثقيل لغُنولٍ مسعورٍ بالعنف. تأوّه آل اشمئزازاً ثمّ كتم تأوّهه إذ علت ضجّةٌ أخرى من الفتحات. أسرع مقترباً ونظر إلى الأسفل. ولمّا رأى حركةً وسمعها في الظلمة هناك، سوى جريان الماء، سحب عبر ذهنه أكبر قدرٍ استطاعه من المفهوم السحريّ للنار، وأرسل دفقةً من اللهب السحريّ إلى الأسفل لتملأ المكان. فصعدت من الداخل رائحةُ احتراقٍ فظيعة وبضعُ رشقاتٍ من الماء، ثمّ لم يبقَ سوى صوت الماء الجاري من جديد.
هدأ غرَنتِل على مضض، ينفخ متبرّماً من ضآلة ما أُتيح من عنف. انتظر آل حتّى تستقرّ نبضات قلبه، وراقب الفتحة التي امتلأت الآن بالدخان تحسّباً لأيّ خطرٍ آخر.
«أظنّ أنّنا عرفنا الآن على الأقلّ كيف تدخل إلى هنا»، تمتم آل. ووضع الشمعة على الأرض وأمضى بضع دقائق يزيل بالسحر بقايا العنكبوت العملاق الميّت عن ثيابه، بينما راح غرَنتِل يدسّ رأسه بأملٍ في فتحات المراحيض بحثاً عن أيّ شيءٍ آخر قد يحتاج إلى القتل.
«أهناك شيءٌ آخر في الداخل؟» سأل حين فرغ من تنظيف نفسه، فتلقّى نفخةً متضايقةً أخرى ردّاً عليه بينما نهض غرَنتِل واقفاً. «حسناً، لا تتردّد في قتل أيّ عناكب أخرى تظهر، فمن الواضح أنّها لا تنفكّ تدخل من هناك. سأستحضر روحاً تحمل لي الضوء، ثمّ أستطيع أن أبدأ العمل في الغرفة المجاورة.»
في الوقت الذي استغرقه آل ليؤدّي طقس الاستحضار البطيء لمساعده الخفيّ، كان غرَنتِل قد دسّ أنفه في كلّ موضعٍ ظاهرٍ من الغرفة، ثمّ في كلّ غرفةٍ مجاورة، آملاً أن يجد شيئاً يحتاج إلى القتل. وإذ خاب أمله، استقرّ الغُنول بجوار الباب المفتوح للكالداريوم المُشبَع بالبخار لينتظر بتكاسل.
ولأنّ الأبواب تُركت مفتوحةً منذ آخر مرّةٍ كانوا فيها هنا، كان الكالداريوم دافئاً على نحوٍ يُحتمَل لا حارّاً على نحوٍ مزعج، وإن ظلّ رطباً. قاد آل روحه حاملةَ الشمعة إلى الداخل، وأخرج أوراقه وأحباره ليبدأ عمل نسخ النقش الحلزونيّ من الرموز الذي كان يحفظ السحر قبل أن ينكسر بفتحهم الباب. وصرف آل انتباهه عن صوت الفحيح المنتظم للماء وهو يتناثر على الحجر المسخَّن بالسحر، فيما رسم بعنايةٍ شكل النقش الإجماليّ، ثمّ نسخ بتفصيلٍ أكبر الأنماط المفردة من زخارف الرموز المتكرّرة لمراجعتها لاحقاً.
هزّ رأسه وتنهّد حين صار صوت ويكووكِت مسموعاً عبر المدخل المفتوح إلى الرِّواق، وهي تمثّل للمسّاحين بأسلوبٍ مسرحيٍّ لقاءهم الأوّل بكليودورا في الغرفة ذات الأحواض، لكنّه لم يدع ذلك يشتّت انتباهه. وحين سمع ويكووكِت لاحقاً في قاعة الحانة تصف قتالهم مع الغوبلن بينما يعمل المسّاحون، كان آل قد اطمأنّ إلى أنّ نُسَخه من النقش ومن الرموز المكوِّنة له بلغت أفضل ما يستطيع. فحوّل انتباهه إلى الخصائص المادّيّة للعلامات المنحوتة والمطليّة نفسها. كان النحت أملس بلا أثرٍ ظاهرٍ للأدوات، ومطليّاً بمادّةٍ سوداءَ داكنةٍ تتخلّلها رقائقُ فضّيّةٌ دقيقة.
ربّما أمضيتُ وقتاً أطول ممّا ينبغي بصحبة غُنول، فكّر وهو يلتفت خلفه ليتأكّد أنّ أحداً لا يراقبه، ثمّ مال قريباً ليشمّ النقش المنحوت. كانت الرائحة الخافتة أشبه ببلسمٍ طبّيٍّ عطريٍّ منها بالحبر أو الطلاء. أخذ سكّينه من حزامه وكشط بضع قطعٍ من الخشب المنحوت المطليّ لتحليلها لاحقاً، وضغطها بين صفحات دفتر الملاحظات السحريّة.
«...ثمّ في آخر هذا الممرّ»، جاء صوت ويكووكِت وهي تقترب، «حسناً، العناكب في بيوت الخلاء ليست بالأمر الاستثنائيّ، لكن عليكم أن تتمنّوا ألّا تضطرّوا إلى التعامل مع أيٍّ منها مثل التي وجدناها نحن! أشياء مروّعة بحجمي، تستطيع أن تقفز عبر الغرفة كلّها لتغرز فيك أنيابها السامّة! بطل سيفٍ سحريّ عندنا شوى معظمها بدفقةٍ من النار السحريّة من أصابعه، ولا تزال تستطيع شمّ الدخان حتّى الآن! هيه، ذاك يبدو مسحوقاً للتوّ، مقرف! ليس عدلاً أن تحظوا بالإثارة من دوني!»
«جاء من هناك»، قال غرَنتِل. «الشامان أحرق الباقي. لا مزيد الآن.»
«لقد قلتُ له إنّ هذا سحرٌ مفيدٌ يستحقّ التعلّم! وبالحديث عن ذلك»، قالت ويكووكِت وهي تدخل الكالداريوم، «هيه يا آل، هل فككتَ الأسرار الخفيّة لسِحر إحياء الموتى هنا بعد، لتجلب لي ميّتاً أليفاً؟»
لم تظهر أخطارٌ أخرى طوال ما تبقّى من اليوم. وأنهى المسّاحون رسم خرائطهم الأدقّ وتقديراتهم للإصلاحات المطلوبة. ولحقت بهم راشيل وليفيا وكليودورا وبوته بعد مدّة، بينما كان آل وويكووكِت وغرَنتِل والعمّال يستريحون في قاعة الحانة.
«إن بقينا الليلة، فسننتهي على الأرجح من تكريس الموقع كلّه اليوم»، قالت راشيل، «لقد أحضرنا مؤناً تكفي لنقيم هنا براحةٍ معقولة، وحين يصير كلّ مدخلٍ جزءاً من نطاق بالنيا إنفيرنالا سنكون في أمانٍ كافٍ، لا سيّما إن كان لاري وسالي هنا للحماية. هل تقبلون أن ترافقوا المسّاحين في العودة؟ إن غادرتم قريباً، فستعودون إلى مِغطَس الجحيم في الوقت المناسب للعشاء.»
«لقد فعلتُ ما كان عليّ فعله»، أجاب آل، «فما دام لا أحد لديه شيءٌ آخر ما زال عليه فعله، أو يريد التخييم هنا الليلة لسببٍ ما، فلا أظنّ أنّ أحداً منّا سيعترض على العودة في الوقت المناسب لعشاءٍ حقيقيّ.»
«لقد أعدتُ فعلاً سرد مغامرتنا المثيرة هنا بأكملها على المسّاحين، أنا مكتفية!» وافقت ويكووكِت.
«لقد شهدتُ ما ينبغي لي أن أشهده»، أدلى بوته بدلوه، «فلم تعد ثمّة حاجةٌ إلى بقائي أنا أيضاً.»
كان غرَنتِل قد بدأ فعلاً يتزحزح خلسةً عائداً نحو الدرج، ولا يزال يتجنّب كليودورا. أمّا الشبح فكانت منشغلةً بتفقّد الغرفة بحثاً عن نظافتها، ووجهها قناعٌ من العزم، ولا تزال بين الحين والآخر تذكّر نفسها بصوتٍ مسموع بأنّها كليودورا وبأنّها تنظّف.
«كيف تجري الأمور معها؟» سأل آل راشيل وليفيا، مومئاً نحو كليودورا.
«الأمر غريب»، أجابت ليفيا، «فهي إمّا لا تستطيع أو لا تريد دخول المساحات التي كُرِّست حتّى الآن. وفي كلّ مرّة، يحترق عظمُها الذي كان قد تُرك هناك حتّى لا يبقى منه شيءٌ في نارٍ مقدّسة. ومع ذلك، تصرّ على مواصلة المساعدة. أشعر ببعض الأسى حيال ما قد يحدث حين تستولي بالنيا إنفيرنالا على آخر جزءٍ من هذا المكان، وآمل ألّا يؤذي ذلك كليودورا.»
«أظنّ أنّها ربّما تعرف أنّه متى صار لافاتيو كلّه تحت الحماية الإلهيّة، فسيُعاد إلى سابق عهده. وهذا في النهاية ما يبقيها هنا، أليس كذلك؟ فستتمكّن من المضيّ إلى راحتها متى تمّ ذلك.»
«هذا وارد»، أقرّ بوته، «لكنّي لست متيقّناً من أنّ الأمر بهذه البساطة. ومع ذلك، أشعر أنّها تفهم الموقف تماماً وأنّها عازمةٌ على المضيّ فيه حتّى النهاية أيّاً كان الأمر. والأرجح أنّ الأمور ستسير على ما يرام.»
«حسناً إذن، ربّما ينبغي أن نبدأ طريق العودة. فكلّما غادرنا أبكر، طال ضوء النهار الذي نسافر فيه»، قال آل، وهو ينهض ويعيد ملاحظاته إلى حقيبته.
انسابت كليودورا في الممرّ نحو بيوت الخلاء. وحفزت صيحةُ الضيق التي أطلقتها حين وجدت فوضى جديدةً تحتاج إلى تنظيف غرَنتِلَ على أن يختطف حقيبته ويندفع نازلاً الدرج خارج الغرفة.
كانت رحلة العودة هادئةً على نحوٍ لطيفٍ للجميع إلّا غرَنتِل، الذي خاب أمله بعض الشيء لانعدام أيّ حاجةٍ إلى العنف. ولم يُلقِ الحارس عند البوّابة سوى نظرةٍ عابرةٍ على الأوراق التي يحملها المسّاحون، إذ كان واضحاً من هم، فسُمح لهم جميعاً بالدخول. شكر المسّاحون المغامرين على عونهم وانصرفوا ليرفعوا ما توصّلوا إليه إلى القاضي*. وانصرف المغامرون بدورهم ليرفعوا جوعهم إلى باعة الطعام في الشارع. ومضى المساء بسلام، وجاء النوم بيسر.
إلى أن حلّ وقتٌ ما بعد منتصف الليل.
«أنا كليودورا. أنا أنظّف»، نادى صوتٌ مألوفٌ بفرح، فأفزع آل إلى يقظةٍ خاطفةٍ غير مستحبّة، إذ انتصب جالساً بسرعةٍ ليرى الغرفة تتراقص فيها أضواءٌ ذهبيّة. وسمع غرَنتِل تحت السرير ينسحب بهدوءٍ أعمق في الظلال. وتثاءبت ويكووكِت وطرفت بعينيها في حيرة.
«ماذا... كيف أنتِ هنا؟ أهذا حلم؟ صرتُ أفهم ما تقولينه الآن»، سأل آل.
«الإلهة تهبني اللغة. الإلهة تُقِرّ غايتي، وتجعلها مقدّسة»، قالت كليودورا، ووجهها الذهبيّ المتلألئ غامرٌ بالنشوة. غير أنّ آل أدرك أنّ معظم الوهج الذي يضيء الغرفة لم يكن صادراً عن كليودورا نفسها، بل عن حقيبته التي بدت وكأنّ ألسنةً من اللهب الذهبيّ تلتهمها. ومرّت لحظةُ ذعرٍ على أبحاثه وكتبه الثمينة في فنّ السِّحر حين أدرك أنّ اللهب لا يبدو أنّه يُلحق بها أيّ ضرر.
«عظامكِ. نسيتُ، ما زال بعض عظامكِ في حقيبتي»، تأوّه آل.
«هذا حسن، فقد أتاح لي أن أجدكم لأشكركم جميعاً. شيءٌ رائعٌ يحدث. زوروا لافاتيو خاصّتي مرّةً أخرى يوماً ما. وإلى ذلك الحين، كونوا بخير، وشكراً لكم.»
اختفت كليودورا واللهب الذهبيّ، فغرقت الغرفة في الظلام من جديد.
* الشامان: لقبٌ يطلقه غرَنتِل على ساحر العشيرة وصاحب الطقوس، أي القائد الروحيّ.
* القاضي: الحاكمُ الإداريّ لمِغطَس الجحيم، صاحبُ سلطة إصدار المهامّ والمكافآت.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.