Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 109
آثرت ويكووكِت أن تغتنم هذه الفرصة الأخيرة لتجعل من نفسها فُرجةً على الملأ، وأقنعت غرَنتِل بمرافقتها دون عناء. «عرضٌ أخير، لنتأكّد فحسب من أنّ الجميع سيتذكّروننا!» أصرّت.
«يخيّل إليّ أنّه لا ينبغي لنا على الأرجح أن نجتذب مزيداً من الانتباه، لكنّ الأوان قد فات على ذلك في الغالب على أيّ حال»، تذمّر آل.
«اسمع، إن كنتَ تريد أن يرتاح الناس أكثر في حضرة رِفقة الغُنول، فإنّ مزيداً من هذا النوع من الانتباه سيساعد!»
«لا أدري، لقد صرتُ أتساءل إن كنّا ربّما لا نريد أن يرتاح الناس إلينا أكثر من اللازم. يبدو أنّ هناك كراهيةً كثيرةً لها ما يسوّغها بسبب غُنولٍ يجوبون الأرض ويقتلون الناس بوحشيّة. لعلّه من الأفضل أن يتردّد في التحرّش بنا مَن قد يسعون إلى انتقامٍ في غير محلّه»، حاجّ آل.
«وكيف لنا أن نزداد ثراءً وشهرةً إن لم يرغب أحدٌ في الاقتراب منّا ليعرض علينا عملاً؟»
«حسناً، أعني، إن عُرفنا بأنّنا ننجز ما يُطلب منّا، فسيظلّ الناس يتّصلون بنا ويستأجروننا للقيام بأمور، أليس كذلك؟»
«ولكن أيّ نوعٍ من المهامّ يُرجَّح أن يستأجرنا لها أولئك الذين يخافوننا؟» سأل بوته، «وهل تلك من نوع الأعمال التي نريد أن نركّز عليها؟»
كلّ من يخاف منّا يخشى على الأرجح العنف الغُنوليّ القاتل... فسيأتون إلينا راغبين في أن يدفعوا لنا لنمارس العنف الغُنوليّ القاتل على أحدٍ ما، أليس كذلك، أدرك آل.
«هذه... نعم، أظنّ أنّها نقطةٌ وجيهة. إنّما أشعر بالضيق من سرعة تزايد الانتباه الذي نحظى به في الآونة الأخيرة. ما زال هناك كثيرٌ من الناس يبدو عليهم الاستياء الشديد لرؤية غُنولٍ يتجوّل بينهم.»
«إنّهم أوغادٌ على أيّ حال!» أصرّت ويكووكِت، «ثمّ إنّ هناك أيضاً كثيراً من الناس يرون الأمر غريباً طريفاً أو مُضحكاً. أولئك حلفاءُ محتمَلون سيخبرون الجميع بمدى روعتنا!»
«حسناً... حاولي فقط ألّا تبالغي»، سلّم آل، عاجزاً عن الإتيان بحجّةٍ مضادّةٍ مقنعة، لكنّه ظلّ يشعر بالضيق. «أفترض أنّي لستُ بحاجةٍ إلى تذكيرك بألّا تخبري الناس بأنّنا سنرحل في منتصف الليل الليلة؟»
«وأُفسد المفاجأة؟ لا، طبعاً لا! هيّا يا غرَنتِل، لنتأكّد من أنّهم لن ينسونا!»
كانا قد عبرا الباب واندفعا في الرواق قبل أن يتمكّن آل من الاعتراض. ومن مكانٍ ما في البعيد، ارتدّ صدى صيحةٍ مذعورةٍ من أحدهم، وصوت ويكووكِت تقول معتذرةً: «معذرةً!»
«لعلّ الجهد على الأقلّ يهدّئ قلقهما»، طمأن بوته آل. «وماذا تنوي أن تفعل لتهدّئ قلقك أنت اليوم؟»
«عندي الكثير ممّا يشغلني. في الحقيقة، قد تستطيع أن تساعدني في أحدها. هناك قسمٌ عليّ أن أُقسِمه كي أدخل المكان الذي كان مكتبةً في السور الجنوبي. وتتضمّن التعليمات قائمةً بالأماكن التي يُقبَل فيها أداء القسم، ومنها معبدٌ أو مزارٌ مُكرَّسٌ لإنديسينا.»
«آه، أفترض إذن أنّ القسم يتضمّن كتمان الأسرار؟»
«أمم، نعم.»
«في هذه الحال، نعم، أستطيع أن أساعدك في هذا. لنا معابد في كلّ مركزٍ سكّانيٍّ ذي شأنٍ تقريباً، وإن لم تكن ظاهرةً للعيان دائماً. فإن كنتَ مستعدّاً الآن، أستطيع أن آخذك إلى المعبد الذي هنا في مِغطَس الجحيم.»
تبع آل بوته إلى الطريق الرئيسيّ ثمّ إلى المنعطف الأيسر عند الشارع المقدّس، الذي أُحسِن اختيار اسمه. كانت معابد ومزاراتٌ صغيرةٌ كثيرةٌ تصطفّ على جانبَي الشارع. قاد بوته آل إلى بناءٍ حجريٍّ من طابقين، يقف عند بابه تمثالٌ لامرأةٍ إلفيّةٍ تحمل مُجلَّداً مفتوحاً وريشةَ كتابة.
«ليتيراتورا، إلهة الكتابة الرسميّة والتوثيق والكتب»، شرح بوته عَرَضاً وهما يدخلان. قاد بوته آل عبر صفوفٍ من رفوف الكتب، وتوقّف ليؤدّي إشارة العين والأنف والأذن والفم أمام قيّم المعبد، الذي ردّ بحركةٍ من يده توحي بكتابة كلمةٍ في الهواء بمِخَطٍّ خفيّ.
«أهناك مزارٌ لإنديسينا هنا بسبب الكتابة، ما دامت إنديسينا رسولة الآلهة؟» تساءل آل بصوتٍ مسموع.
«جزئيّاً، على ما أظنّ، لكن في الأساس لأنّ معبد ليتيراتورا كان فيه متّسعٌ متاحٌ لنستخدمه»، أجاب بوته وهما ينعطفان في أحد ممرّات الكتب ويتّجهان نحو بابٍ في الجدار. فتحه بوته، فبلغت أنفَ آل رائحةُ قبوٍ عفِن. كانت درجاتٌ حجريّةٌ تنحدر إلى غرفةٍ صغيرةٍ يضيئها وهجٌ ثابتٌ من إنارةٍ سحريّةٍ ما. أشار بوته إلى آل أن ينزل، ثمّ أغلق الباب خلفهما وتبعه نزولاً.
كانت الغرفة في الأسفل حيّزاً مستطيلاً صغيراً بسيطاً، على جدارها المقابل مجموعةٌ من الرفوف. استقرّت عليها بضع لفائف ومظاريف مختومةٍ بالشمع، عُلِّقت بكلٍّ منها بطاقاتٌ ورقيّةٌ بخيوطٍ مثبّتةٍ بكتلةٍ أخرى من الشمع.
«هذا المكان مُكرَّسٌ لإنديسينا»، شرح بوته. «في الغالب تُجلَب الرسائل إلى هنا لإعادة توزيعها، لكنّ حضور إنديسينا هنا يجعل منه أيضاً مكاناً لائقاً لأداء القسم. سأعود إلى الأعلى لأضمن ألّا يقاطعك أحد، فاخرج حين تنتهي.»
«انتظر! كيف أفعل هذا في الواقع؟» قال آل وهو يتلفّت حوله في غيابٍ تامٍّ لأيّ رموزٍ دينيّةٍ ظاهرة. فالإشارة الوحيدة إلى وجود أيّ حضورٍ خارقٍ للطبيعة كانت الإنارة السحريّة.
«هل تعرف القسم الذي تنوي أداءه هنا وتفهمه؟»
«نعم، نصّه مكتوبٌ على الورقة التي معي، وقد قرأته كلّه.»
«وهل تنوي أن تفي بهذا القسم؟»
«ماذا؟ نعم، بديهيّاً، ما كنتُ لأُقسِم عليه لو لم أنوِ.»
«حسن، فقط أبقِ ذلك في ذهنك وأنت تنطق القسم. لك أن تصرخ أو تهمس كما تراه مناسباً، لكن أبقِ في ذهنك أيضاً أنّ إنديسينا تسمعك وأنت تتكلّم. ينبغي أن يكون هذا كافياً.»
صعد بوته الدرج عائداً، وأغلق الباب ثانيةً وهو يغادر، تاركاً آل يشعر بالحماقة وبأنّه في غير موضعه.
«أمم... مرحباً»، قال للهواء الفارغ، «يُفترض أن أُقسِم هذا القسم، لذا، أمم، إن أصغيتِ كي تعرفي أنّي أقسمتُه... أمم، فسيكون ذلك رائعاً. شكراً.» أخرج الورقة من جيبٍ في ردائه، وفتحها، وقرأ نصّ القسم. كان قد راجعه أكثر من مرّةٍ باحثاً عن حِيَلٍ أو ثغراتٍ مزعجة، لكنّه لم يجد ما يُثقل كاهله على نحوٍ خاصّ. تعهّد بألّا يشارك أيّ معرفةٍ بداخل المكتبة السابقة مع أيّ أحدٍ لم يؤدِّ القسم، وتعهّد بأن يحمل تبرّعاً قربانيّاً من كتابٍ كلّما دخل المكتبة السابقة، وتعهّد بألّا يؤذي سائر المُقسِمين الذين قد يلقاهم داخل المكتبة السابقة، وتعهّد بأن يتصرّف دائماً واضعاً مصلحة المكتبة السابقة نصب عينيه كلّما كان لذلك صلة. كان ذلك الجزء ثاني أكثر أجزاء القسم إثارةً للقلق. فقد راجعه آل مراراً محاولاً العثور على حيلةٍ فيه، لكنّه بدا معتمداً كلّيّاً على نواياه، لا على حكمٍ مطلقٍ بشأن ما إذا كانت أفعاله نافعةً في نهاية المطاف أم لا.
تردّد تلقائيّاً لحظةً قبل البند الأخير الأكثر إثارةً للقلق، وهو أن يقبل أيّ «عقوبةٍ عادلةٍ ومتناسبةٍ ومُنصِفة» ردّاً على انتهاكات القسم. لم يحدّد القسم مَن أو ما الذي سيحكم فيما يُعدّ انتهاكاً للقسم، ولا أيّ نوعٍ من العقوبات سيكون عادلاً ومتناسباً ومُنصِفاً، بل لم يحدّد حتّى إلى مَن أو إلى ما يُوجَّه القسم على وجه الدقّة.
إنّي أُقسِم القسم لإنديسينا، التي سمعت أداءَه وستبلّغه إلى الجهات المناسبة، وكذلك أيّ انتهاكاتٍ للقسم والعقوبات الموصى بها لها، فكّر آل. ثمّ تساءل من أين جاءت هذه الفكرة. كان لها وقعٌ غريب، كأنّها فكرةٌ وُضِعت هناك. على نحوٍ لا يُوصَف.
«أوه. صحيح. أمم، شكراً على الإصغاء.»
على الرحب والسعة منّي.
هزّ آل رأسه واندفع صاعداً الدرج، وهو يتساءل إن كانت أفكار بوته ربّما هكذا طوال الوقت.
كان الأمر التالي على جدول الأعمال هو استلام أجرهم. عاد آل وبوته إلى غرفتهما ليأخذا الجورب البالي والمنديل اللذين أعطاهما إيّاهما القاضي، ثمّ وجدا ستيفن ليرشدهما نزولاً إلى الحيّز الواقع تحت الأرض حيث يحرس عمّال الخزانة القبو المُحصَّن. لم تكن المنطقة المتاحة للعامّة سوى حيّزٍ صغيرٍ أمام جدارٍ حجريّ. كانت نافذةٌ ذات قضبانٍ حديديّةٍ في الجدار تفصلهما عن الموظّفين في الجانب الآخر، حيث بدا أنّ هناك مكتباً فيه عدّة مكاتب، ورفوفٌ للسجلّات، وعلى الجدار البعيد بابٌ ثقيلٌ بدا كأنّه صُبَّ من قطعةٍ واحدةٍ من الحديد. والشيء الوحيد الذي بدا في غير موضعه هناك نافورةٌ صغيرةٌ من الماء الساخن المتصاعد بخارُه في الأرضيّة، على مسافةٍ قصيرةٍ خلف النافذة. قبِل موظّف النافذة وثيقتيهما القماشيّتين غير المألوفتين دون أدنى تردّد، ممّا أوحى لآل بأنّها ليست المرّة الأولى التي يفعل فيها القاضي هذا النوع من الأشياء. راقب آل، في حيرة، الموظّفَ وهو يستعمل ملقطاً ليمسك المنديل والجورب في تيّار الماء الساخن المتصاعد بخارُه لحظاتٍ قبل أن يفحصهما.
«ستعرف بالنيا إنفيرنالا إن كان ثمّة أيّ تزويرٍ يجري»، شرح الموظّف. وبدا راضياً عن أنّ الكتابة لم تفقد شيئاً من وضوحها بعد نقعها. «كم من هذا تريدان نقداً؟»
«في مقابل ماذا؟» سأل آل.
«هذا مقدارٌ كبيرٌ إلى حدٍّ ما من النقود لحمله معكما. وبحسب وجهتكما حين تغادران، قد تفضّلان أن تأخذا بعضه سنداً إذنيّاً على أحد المصارف التي نحتفظ لديها بحسابات. على سبيل المثال، لدينا مبلغٌ كبيرٌ مودَعٌ في مصرف السور الجنوبي كي يشتري وكلاؤنا هناك المؤن لنا. قد تجدان من الأيسر أن تحملا سنداً وتستلما النقود بعد وصولكما، بدلاً من أن تكونا مسؤولَين عن مبلغٍ بهذه الضخامة نقداً طوال الرحلة.»
«لا أتصوّر أنّه سيكون ثقيلاً جدّاً إن قسمناه بيننا جميعاً لنحمله»، تأمّل آل.
«نعم، لكنّ النقود قد تضيع أو تُسرَق ولن يكون هناك سبيلٌ لاستردادها. أمّا السند الإذنيّ المضمون إلهيّاً فيوفّر شيئاً من الحماية من التزوير والسرقة. طبعاً، إن أضعتماه، فستحتاجان إلى العودة إلى هنا، وسيستغرق استبداله بعض الوقت ريثما نتأكّد من أنّ الأصل لم يُصرَف، لكنّه في رأيي لا يزال أكثر أماناً بكثير»، اقترح الموظّف.
«إنّ شروط اتّفاقنا مع قصر نوتاميمِك لا تُعفينا من ردّ الحصّة المتّفق عليها إليهم إن ضاع شيءٌ من أرباحنا»، أضاف بوته.
«همممم. أجل. اسمع يا ستيفن، كم بلغت فاتورتنا حتّى الآن؟»
«ثلاثٌ وأربعون ذهبيّةً حتّى هذه اللحظة»، أجاب ستيفن على الفور.
«آخ. لكن أظنّ أنّنا نستطيع تحمّل ذلك الآن. حسناً، ما رأيكم أن نأخذ مئة قطعةٍ لكلّ واحدٍ منّا نحن الأربعة، مع خمسين أخرى أو نحوها لتغطية فواتيرنا، ونصرف الباقي حين نصل إلى السور الجنوبي.»
شعر آل بالحرج من كيس نقوده الثقيل جدّاً، المحشوّ بثِقل ثلاثمئة قطعةٍ ذهبيّةٍ إلى أن يتمكّن من تسليم ويكووكِت وغرَنتِل حصّتيهما. وتبع بوته، ومعه قطعه الذهبيّة المئة، آل وهو يخرج ثانيةً ويتّجه إلى الصيدليّة. قايض بضع قطعٍ ذهبيّةٍ بصندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ تتّسع له جرّة عصير المستنقع الغوبلنيّ السامّ، ثمّ مُلئ بالشمع الذائب حتّى غمرها تماماً. واشترى له ستّون قطعةً ذهبيّةً أخرى مُجلَّداً فاخراً متيناً من صفائح الرَّقّ الفارغة، يصلح لاستعمال فنّ السِّحر.
«أظنّ أنّ هذا يعني أنّ عملك سار على ما يرام؟» سألت صاحبة الدكّان مبتسمةً وهي تأخذ مال آل وتناوله مشترياته.
«نعم، على ما يرام جدّاً في ظنّي.»
«لا تتردّد في أن تنفق هنا من أرباحك ما شئت، فنحن نقدّر تعاملك معنا.»
أنفق آل بضع قطعٍ ذهبيّةٍ أخرى في شراء فطائر اللحم ليُطعم الجميع تلك الأمسية وعلى الطريق حين يرحلون. كان مستعدّاً للعودة إلى الغرفة بقيّة اليوم ليقرأ، لكنّ بوته كان يرى أنّ أمراً واحداً آخر ينبغي إنجازه أوّلاً.
«سيكون من قلّة الذوق أن نُهمل فَخْذة. فالأدب يقتضي أن نزوره لنطمئنّ على حاله قبل أن نظهر لنجرّه بعيداً في جوف الليل.»
«إنّه حمار. لماذا قد يهتمّ؟»
«ربّما لا يهتمّ، لكنّه عمل بجدٍّ من أجلنا منذ انضمّ إلينا، ومن الإنصاف أن نمنحه ما يستحقّ من مراعاة.»
وجدا حمارهما يبدو راضياً في مربطه الواسع، حسن التمشيط، يأكل الشوفان من دلو.
«أرى أنّهم يعتنون بك عنايةً حسنة»، قال بوته للحمار، الذي أجاب بصوت همهمةٍ خفيضٍ ناعم. «أخشى أنّنا سنحتاج إلى المضيّ في وقتٍ لاحقٍ الليلة، لكن أرجو ألّا تنزعج. لا بدّ أنّك بدأت تضجر هنا على أيّ حال، وأعدك بأنّنا سنظلّ نعاملك معاملةً حسنة.»
اكتفى فَخْذة بأن نخر. مدّ بوته يده ليربّت على عنقه برفقٍ قبل أن يستدير ليغادر.
«أنا واثقٌ إلى حدٍّ كبيرٍ من أنّ الحمير لا تفهم حقّاً ما تقوله، فلماذا أردت أن تكلّمه؟»
«هل تنوي أن تعطي غرَنتِل مئة قطعةٍ ذهبيّة؟» سأل بوته لسببٍ ما.
«ماذا؟ حسناً، نعم، لكن ما علاقة ذلك بالحمير؟»
«وهل تعتقد أنّ غرَنتِل يفهم حقّاً قيمة مئة قطعةٍ ذهبيّة؟»
«أشكّ في ذلك، لكنّه استحقّها على أيّ حال. آه. فهمتُ مقصدك»، سلّم آل. واستدار ليلوّح للحمار قبل أن يغادرا. «شكراً يا فَخْذة»، نادى.
لم يقل فَخْذة شيئاً ردّاً على ذلك، لكونه حماراً، لكنّه راقبهما يغادران وهو يمضغ لقمةً أخرى من الشوفان.
عادوا إلى غرفتهم. وجد آل ستيفن ورتّب أن يوقظهم أحدٌ قبل الفجر ببضع ساعات كي يرحلوا دون أن يلفتوا الأنظار. ثمّ أخرج آل كتبه وانغمس في الدراسة. كان قد أمضى عدّة ساعاتٍ في قراءته وملاحظاته عن استحضار الأرواح المتجسّدة تجسّداً كاملاً إلى عالَم اليقظة حين عادت ويكووكِت وغرَنتِل إلى الغرفة، يترنّحان داخلَين كأنّهما منهكان. ارتمت ويكووكِت على سريرها ممسكةً ببطنها، بينما زحف غرَنتِل ببطءٍ تحت سرير آل.
«هناك فطائر لحمٍ إن أردتما أن تأكلا قبل النوم»، نبّه آل. فأنّت ويكووكِت.
«لا، أظنّ أنّنا أكلنا ما يكفي في الوقت الحاليّ»، قالت. «لقد أسعدنا كثيراً من باعة الطعام اليوم.»
«لم أعطِكما بعدُ حصّتكما من المال الذي سحبناه اليوم، فكيف دفعتما ثمن كلّ هذا الطعام؟»
«لم ندفع!» أجابت ويكووكِت بابتسامةٍ عريضة. «جمعنا حشداً بأن دعوناهم إلى رمي الطعام على غرَنتِل. وبحلول النهاية، كانوا يشترون الأشياء من عربات الطعام ويرمونها علينا كلينا. كان وقتاً رائعاً، لكنّي لا أظنّ أنّنا سنحتاج إلى الأكل مجدّداً لبعض الوقت. ثمّ إنّ فطائر اللحم تلك قد بردت على الأرجح الآن.»
«ليس في فطيرة اللحم الباردة أيّ عيب»، حاجّ آل.
«لكنّها ليست بجودة الساخنة. أوه، عرفت، تستطيع أن تستعمل النار السحريّة لتسخّنها ثانيةً، أليس كذلك؟»
«أمم... هذه على الأرجح ليست فكرةً جيّدة، إلّا إن أردتِ أن تحوّليها إلى فحم. فالتعاويذ تستحضر كثيراً من النار السحريّة.»
«ألا تستطيع أن تصنع قليلاً من النار السحريّة بدلاً من الكثير؟»
«ليس هكذا يعمل السحر ببساطة! فوراء إنجاح السحر نيّةٌ لصنع كثيرٍ من النار، ولو أردتُ أن أصنع مقداراً أقلّ حدّةً من النار لكان عليّ أن... هممم...».
«أنا واثقةٌ من أنّ بطل سيفنا السحريّ سيجد الحلّ! اعمل أنت على ذلك، وسآخذ أنا قيلولةً طويلةً لطيفةً ريثما أهضم كلّ هذا الطعام.»
انزعج آل انزعاجاً شديداً حين صرفه التحدّي الأكاديميّ المتمثّل في اختزال النار السحريّة المنبعثة من أصابعه إلى أثرٍ أبسط وأكثر انضباطاً عن بحثه في تقييد الأرواح. كان الجميع نياماً حين قرّر أخيراً أن يكفّ عن التفكير في الأمر. وسمح لنفسه بأن يأمر شمعته بأن تُطفئ نفسها بدلاً من أن ينفخها، ثمّ نام يحلم بنيرانٍ صغيرة.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.