Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 110
لم تكن النار أمراً معقّداً على وجه الخصوص. فأوّل ما ينجح فيه كثيرٌ من السَّحَرة المبتدئين من صناعة إلقاء التعاويذ هو تلك الحيلة السخيفة المسمّاة «وابل الشَّرَر»، وما الشَّرَر إلّا نيرانٌ ضئيلةٌ جدّاً. فإذا بلغ المرء تلك الدرجة من الفهم الجوهريّ للمفهوم، صار إقناع شيءٍ كالشمعة أو نار المُخيَّم بأنّه مشتعلٌ أو منطفئٌ خطوةً يسيرة. أمّا خَلْق كمّيّةٍ كبيرةٍ من اللهب المتّقد من العدم فكان تحدّياً أكبر بكثير، ثمّ إنّ فرض القدر اللازم من السيطرة لحصر ذلك الاشتعال في نُشّاباتٍ منفصلةٍ من العنف السحريّ الملتهب كان أصعب صناعةٍ للسحر نجح فيها آل حتّى الآن.
ولن تحتاج شعلةٌ واحدةٌ مضبوطةٌ من النار السحريّة إلى شيءٍ لا يفهمه أصلاً. ربّما شيءٌ يشبه تلك الدفقات الصغيرة الغاضبة الحاقدة المدمِّرة من اللهب التي ما فتئت تنبثق من الأرض حول آل، هنا في هذه البرّيّة الموحشة التي يقف فيها. لم يكن متيقّناً كيف وصل إلى هنا ولا أين يقع هنا بالضبط، لكنّه كان يعلم على نحوٍ ما أنّ أموراً سيّئةً جدّاً تنتظر في مكانٍ ما أبعد في الأفق، فبقي في مكانه يراقب الانفجارات النارية المصغّرة، الحمراء القانية ذات الرائحة الكبريتيّة، وهي تتوهّج إلى الوجود ثمّ تختفي. ورغم المشهد المُقلِق، كان الأمر سيكون أشبه بالتأمّل لولا ما يشتّته من انتباه شيءٍ ما مُسلَّطٍ على آل. لم يكن في تلك الأرض الجرداء ما يُرى سوى انفجارات اللهب المتقطّعة، لكنّه، مثلما كان يعلم أنّ شيئاً سيّئاً يتربّص هناك في الأفق، كان يعلم كذلك أنّ شيئاً صغيراً، خائفاً، غاضباً، وجائعاً يراقبه.
أهو روحٌ من نوعٍ ما؟ تساءل آل. مهلاً، أهذا...
وتجلّى قطعٌ آخر لانتباهه في صورة سلسلةٍ متلاحقةٍ من الدفقات النارية المنبثقة من الأرض، كلّ واحدةٍ أقرب إليه من سابقتها، وهي تدنو بسرعة.
بُوب! بُوب! بُوب! بُوب! طَق طَق طَق طَق...
وقد جرّه الطَّرق اللطيف على الباب عائداً إلى الوعي في عالَم اليقظة مرّةً أخرى، فتح آل عينيه على مضض. «ماذا...؟» استطاع أن يقول.
«لقد حان الوقت الذي طلبتَ أن تُوقَظ فيه»، قال صوت ستيفن من الجانب الآخر من الباب.
«لعلّك تمنحنا بعض الوقت لنستيقظ كما ينبغي، لكن علينا أن نكون مستعدّين للرحيل قريباً»، قال صوت بوته من الطرف الآخر من الغرفة.
«أأعود بعد نصف ساعة؟» اقترح صوت ستيفن.
«أجل»، قال آل ناعساً، «شكراً». وتأوّه واعتدل جالساً، فيما انزلق الوحش الذي تحت سريره خارجاً ووقف على قدميه.
«لا أريد»، غمغمت ويكووكِت من بين تشابك الأغطية التي تنام فيها.
«إن كنّا سنرحل بالسرّيّة اللائقة لنختفي على نحوٍ غامض، فالآن أنسب الأوقات»، ردّ بوته.
«أجل، أجل»، تمتمت ويكووكِت، وهي تصارع الأغطية لتنتزعها عنها كأنّها أفعى عاصرة.
«ما زال لدينا فطائر لحم إن أردتِ أن تأكلي قبل أن نرحل»، قال آل متثائباً، وهو يلوّح نحو الكومة الصغيرة منها. فامتدّت على الفور يدان مكسوّتان بالزغب، قصيرتا المخالب، وخطفتا بضعاً منها.
«لا بدّ أنّها باردة»، تذمّرت ويكووكِت. فالتقط آل واحدةً، وأجرى حيلةً سحريّةً صغيرةً ليُدفئها قبل أن يناولها إيّاها.
«ليست سيّئة»، قالت ويكووكِت وهي تقضم قضمة، «لكنّها دافئة فحسب، لا ساخنة. ما رأيك أن تضع عليها قليلاً من النار؟»
وقد تذكّر نصف حلمه وهو في حالته الناعسة، وجد آل نفسه يشرع في إشارةٍ معقّدةٍ ويغمغم بمقاطع سحريّةٍ ألِفها حديثاً. وأدرك ما يفعله حين بدأت كرة اللهب الصغيرة الغاضبة تتشكّل في يده. فتبدّدت مُحدِثةً بُوب خافتة حين أطبق قبضته وقطع صناعة السحر.
«لن أخاطر بإحراق المكان لمجرّد أن أحاول الإفراط في طهو طعامك»، تذمّر آل.
«الوقت أبكر من أن أُضايقك بسبب ذلك، فتخيّل فحسب أنّي سخرتُ منك وأنا آكل فطيرتي الدافئة».
واستعمل آل حيلته السحريّة لتدفئة الطعام على فطيرةٍ لنفسه، وأكلها وهو يتأكّد من أنّه حزم كلّ شيء. ومسح الدهن عن يديه بخِرقة التنظيف، ثمّ أزال الدهن عن الخِرقة بالسحر، وحزمها هي الأخرى. وما إن فرغ من ارتداء عُدّة السفر واستحضار ما بات قد استسلم لتسميته العربة السحرية الخفيّة لحمل أمتعتهم، حتّى عاد ستيفن. ولتسوية فاتورتهم البالغة سبعاً وأربعين قطعةً ذهبيّة، أعطاه آل تسعاً وأربعين من القِطَع الخمسين التي ادّخرها لهذا الغرض. كانت قطعتان ذهبيّتان لا تزالان تبدوان لآل مبلغاً كبيراً على سبيل الإكراميّة، لكنّه شعر بأنّ مِغطَس الجحيم كان كريماً معهم، وأنّ ستيفن نفسه كان عوناً كبيراً. وبدا من الحكمة أن يكون سخيّاً ما دام يقدر على ذلك.
«شكراً لك»، قال ستيفن، «أرجو أن تعود إلينا مراراً». وتأمّل أمراً ما لحظة، ثمّ تابع: «أردتم أن ترحلوا بتكتّم، أليس كذلك؟ إن تبعتموني، فثمّة نفق الخدمة له مَخرجٌ قرب مؤخّرة الإسطبل. إنّه مخصّصٌ للطاقم وحده، لكن لن يعترض أحدٌ ما دمتم معي».
وبعد توقّفٍ قصيرٍ لإعادة ترتيب عُدّتهم فوق العربة السحرية الخفيّة كي تمرّ من الباب، قادهم ستيفن عبر عدّة أروقة، ثمّ عبر بابٍ آخر إلى منحدرٍ هيّنٍ نازلٍ يُفضي إلى ممرٍّ تضيئه المصابيح. ومرّوا بعددٍ من الممرّات الجانبيّة قبل أن ينعطفوا في أحدها، فأفضى بهم في النهاية إلى منحدرٍ صاعدٍ حملهم إلى مستودعٍ صغير.
«لا يليق أن تُسَدّ أروقة الضيوف بشحنات المؤن، لذا من المهمّ أن تكون لدينا طريقٌ بديلةٌ لنقل الشحنات من هنا إلى المبنى الرئيسيّ»، شرح ستيفن. وفتح باب المستودع، فانكشفت مؤخّرة الإسطبل.
«لا بدّ أنّ غُلام الإسطبل المناوِب قد جهّز حماركم وعربتكم للانطلاق الآن»، تابع وهو يفتح لهم الباب الخلفيّ للإسطبل. «باسم مِغطَس الجحيم، شكراً لكم على نزولكم عندنا وعلى عونكم. وأدعوكم إلى أن تسألوا عنّي باسمي حين تزوروننا مجدّداً. لقد كنتم جماعةً من الضيوف غير مألوفة على نحوٍ مُبهِج. سفراً آمناً لكم جميعاً».
ومنحهم ابتسامةً بدت ودودةً بصدق وهو يُمسك الباب مفتوحاً ليدخلوا. ثمّ انغلق الباب خلفهم.
كان فَخْذة مربوطاً بعربتهم بالفعل، ينتظر في كسلٍ وهو يمضغ ما في مِخلاته. ورمق آل بنظرةٍ فاترةٍ حين رآهم، لكنّه انتعش حين تبع غرَنتِل آل إلى الداخل.
«أنت غريب الأطوار، أتعلم؟» قال آل للحمار مازحاً فيما ساعده غرَنتِل على نقل أمتعتهم من عربتهم السحريّة إلى عربتهم العاديّة، «فالحمير العاديّة لا يبدو أنّها تحبّ الغُنول كثيراً». ولم يتلقَّ ردّاً سوى نَخرةٍ كتمتها المِخلاة. وأعطى آل غُلام الإسطبل آخر قطعةٍ ذهبيّةٍ من صندوق نفقات الرفقة الذي كان قد خصّصه. فنزع الفتى المِخلاة الفارغة الآن عن الحمار، ثمّ تفحّصها.
«هذه تبدو وكأنّها تهترئ كثيراً ويجدر استبدالها»، قال مبتسماً وهو يحملها إلى برميلٍ من الشوفان. فغرف فيها بضع حفناتٍ من الشوفان وعاد بها ليقدّمها لآل.
«لقد أكل فطيرة لحمٍ من قبل، لا أظنّه لا يزال جائعاً»، علّقت ويكووكِت ساخرةً. فأدار آل عينيه وقَبِل المِخلاة «المهترئة»، ووضعها على العربة ليعطيها لفَخْذة لاحقاً.
«شكراً لك، يبدو أنّ فَخْذة قد لقي عنايةً فائقةً طوال مُقامنا هنا»، قال آل.
«أوه، لا، يا سيّدي، بل الشكر لك، لم يسبّب أيّ متاعب على الإطلاق. سفراً آمناً!» أجاب غُلام الإسطبل السعيد، وفتح لهم أبواب الإسطبل الرئيسيّة.
كان الليل مظلماً وبارداً بعض البرودة، لكن ليس قارساً جدّاً. ولم يكن أحدٌ غيرهم في الشارع وهم يمشون نحو البوّابة الشماليّة. فتثاءبت الحارسة المناوِبة وفتحتها لهم.
«كم تبعد المحطّة التالية لقضاء الليل قبل أن نصل إلى السور الجنوبي؟» سأل آل الحارسة. فتثاءبت مرّةً أخرى قبل أن تجيب.
«سيراً على الأقدام، على الأرجح نحو ثماني إلى عشر ساعاتٍ من السفر حتّى استراحة عابري السبيل. نُزُل الكفّارة الذهبيّة مكانٌ لطيفٌ للإقامة، لكن، آه، لعلّك تريد أن يعود صديقك الضخم هذا إلى هيئة شخصٍ عاديّ قبل أن تصلوا إلى هناك. فقد لا يسمحون لهم بالبقاء هكذا، ومن يخيّم في الغابة القريبة من هناك توفيراً للمال قد لا يكون حتّى بذلك التهذيب. ثمّ إن لم تكن على علم، فسِحر تغيير الهيئة غير المرخَّص ممنوعٌ في السور الجنوبي».
«شكراً لكِ، نعم، سمعنا بذلك. آه، أثمّة شيءٌ آخر على هذا الطريق ينبغي أن نعرفه؟»
«لن أسألك لماذا تسافرون ليلاً، لكن احذروا. فالناس يقولون إنّ ثمّة شائعاتٍ عن غوبلن في الأنحاء».
وحاول آل أن يتجاهل ابتسامة غرَنتِل المتلهّفة تلهّفاً قاتلاً.
«أكره الغوبلن»، قال آل. «شكراً على التحذير، سنبقى متيقّظين لهم».
وبعد تبادلٍ أخيرٍ لإيماءاتٍ مهذّبةٍ مع الحارسة، عبرت رِفقة الغُنول البوّابة وتجاوزت حدود مِغطَس الجحيم، متّبعةً الطريق عبر غابة صنوبرٍ متناثرة. وانتقل الهواء فوراً من «بارد بعض البرودة» إلى «بارد» حين غادروا حدود مِغطَس الجحيم، فسرّع آل خطاه عن طيب خاطرٍ ليجاري اندفاع غرَنتِل إلى المقدّمة.
«بدا أنّك كنت مرتاحاً إلى حدٍّ بعيدٍ في مِغطَس الجحيم، لكن يبدو أنّك كنت مستعدّاً للرحيل أيضاً»، قال له آل.
«سأضرب الناس حتّى يكفّوا عن الحركة»، شرح غرَنتِل، وهو ينظر أمامه في الظلام بينما يمضي على الطريق بخطى واسعة.
«أرجو أن يسير ذلك على ما يُرام. ونأمل أن تمنع رسالة التعريف هذه الحرس الأهليّ المحلّيّ من الذعر ومحاولة قتلنا جميعاً».
«قد تكون مخيفاً أحياناً»، تدخّلت ويكووكِت من مكانها على العربة التي يجرّها حمارهم، «لكنّك في العادة لا تُخيف الناس إلى حدّ أن يرغبوا في قتلك».
«أنا لا، صحيح، لكنّ غُنولاً يستطيع ذلك بلا شكّ. يبدو أنّ أمامنا معظم النهار لنبتكر طريقةً ما نتفادى بها الذعر حين يظهر غرَنتِل معنا، فينبغي أن نبلغ استراحة عابري السبيل قبل الغروب القادم إن لم يطرأ طارئ».
«ربّما يمكنه أن يتنكّر!» اقترحت ويكووكِت، فتلقّت من الغُنول رفضاً قاطعاً في صورة نَفخة قويّة.
«أووه، سيكون ذلك ممتعاً! يمكننا أن نجلب لك قبّعةً كبيرةً متهدّلةً تُخفي رأسك، وطقماً ضخماً من الأردية ذات القلنسوات يغطّي جسدك المكسوّ بالزغب!»
«لا أظنّ أنّ غُنولنا يرغب في ارتداء أكثر ممّا يلزمه ارتداؤه قطعاً، إن كنتِ تذكرين»، ردّ بوته.
«حسناً، إذن، يمكننا أن نربط حبلاً حول عنقه، فيفترض الجميع أنّنا أسرناه، أليس كذلك؟»
«همممم...»، تفكّر آل مليّاً. «ذلك قد ينجح. يبدو محفوفاً بالمخاطر على الأرجح، لكن إن لم نبتكر شيئاً آخر قبل أن نصل، يمكننا أن نجرّبه ونرى كيف يتفاعل الناس في استراحة عابري السبيل. فإن نجح، اتّبعنا هذا النهج في السور الجنوبي، وإن لم ينجح، فسيكون أمامنا يومٌ آخر من السفر لنفكّر في شيءٍ آخر. ولعلّ من الحكمة أن نرى ما يمكن أن نبتكره من أفكارٍ أخرى، فليس الأمر وكأنّنا سنبلغ محطّتنا التالية قريباً».
ثمّ ظهرت الشمس في السماء ودفئ الهواء. أو على الأقلّ، ظهر ضوءٌ يتسلّل عبر السماء الرماديّة الخالية من المعالم، فينير الشجيرات الشائكة المتناثرة التي تُرقّط تلك الأرض الموحشة فيما عداها. وقد أثار ذلك فزع آل أيّما فزع، إذ إنّ الشمس لم تُشرق، بل إنّ الجوّ كلّه من حولهم قد تغيّر فجأةً. وفي مكانٍ ما في البعيد، ترجّع صدى صرخاتٍ متألّمةٍ لحيواناتٍ من نوعٍ ما تتعارك.
أبدى غرَنتِل اهتماماً بالتغيّر غير المتوقَّع، لكن من غير قلق. واستلّ آل بورغاتيو من غِمده وراح يترقّب الخطر. وبدا بريق السيف في غير موضعه وسط ذلك المشهد.
«ماذا حدث للتوّ؟» سألت ويكووكِت، وهي تُخرج عَضّاضة سو وخِنجرها الذي لا يزال بلا اسم.
«لا أعرف بعد. يبدو قطعاً أنّنا لم نعد حيث بدأنا، لكنّي لا أعرف أين نحن».
«الديار»، قال غرَنتِل. وارتعشت أذناه، ودون كلمةٍ أخرى انطلق يعدو مبتعداً.
«انتظر! غرَنتِل، إلى أين تذهب؟»
«نداء الصيد».
ظنّ آل أنّ من الغريب ألّا يُحدث حمارهم ضجيجاً كبيراً، وإن بدا المسكين قلقاً جدّاً وحائراً وهو يجرّ العربة ليتبع غرَنتِل. وأسرع آل ليجاريه، ملقياً نظرةً عابرةً على بوته الذي كان يتخلّف قليلاً.
«قدرتي على الاحتمال لا بأس بها»، قال لاهثاً وهو يركض، «لكنّ ساقيّ عاديّتا الطول مقارنةً بسيقانكم أنتم أيّها الطِّوال المُفرِطون في الطول!»
«غرَنتِل! انتظرنا!» نادى آل أمامه وهو يركض قُدُماً، لكنّ غرَنتِل بدا منصرفاً بكلّيّته إلى ما يسمعه. وظنّ آل أنّه صار يسمعه هو الآخر الآن. وفيما بعد، سيعاني ليتذكّر ما الذي سمعه بالضبط، أمّا الآن فكان عليه أن يُقرّ بأنّه نداءٌ واضحٌ من نوعٍ ما.
ثمّ غاب غرَنتِل عن الأنظار. فلحق آل وفَخْذة، وويكووكِت على العربة، بالموضع الذي رأوه فيه آخر مرّة، فوجدوا نفقاً واسعاً ينحدر في جوف الأرض. وكان الصوت الآسر الذي يعجز الوصف عنه، والذي بدا أنّهم جميعاً يطاردونه، آتياً من مكانٍ ما في الطرف الآخر. كان النفق قصيراً، ثمّ عاد فانحدر صعوداً إلى مكانٍ مظلم. وغير مبالين بما قد يكون من خطر، اندفعوا جميعاً صعوداً.
واختفى صوت النداء حين بلغوا مستوى الأرض من جديد، فتجمّد آل في مكانه ممّا رأى.
لم يعد ثمّة نفق الآن، بل رقعةٌ واسعةٌ من العشب خلف مبنى خشبيّ، بالكاد تُرى في ضوء النجوم المتسلّل عبر أشجار الصنوبر. وكانوا محاطين بلحمٍ يتعذّر تمييزه ودمٍ رطب، مُرتَّبين في نمطٍ مقصودٍ بوضوح. وفي مكانٍ ما غير بعيدٍ في الظلام، استطاع آل أن يسمع صراخاً.
وكان رجلٌ نحيلٌ، ملطَّخُ الوجه واليدين والثياب تلطيخاً شديداً، يُصدر أصواتاً حيوانيّةً ضاريةً متحمّسة، فيما كان غرَنتِل يُصغي إليه من هناك، من داخل الحلقة البشعة التي ظهروا فيها.
أهي غُنوليّة؟ فكّر آل.
وإن كانت كذلك، فآل لم يستطع أن يتبيّن، لكنّ هيئة الرجل المسعورة بدت توحي بأنّه يطالب غرَنتِل بأن يفعل أمراً عنيفاً، وهو يشير إلى أشلاء الأجساد المشوَّهة المُدمَجة في الدائرة السحريّة. وفي ضوء النجوم، ظنّ آل أنّه يرى وجه الرجل ينظر نحوهم في الدائرة، بضربٍ من السعادة المحمومة أوّل الأمر، لكنّها تبدّلت على الفور إلى صدمة.
وأشار الرجل بغضبٍ إلى آل وفَخْذة وويكووكِت، وأطلق نمطاً مُلحّاً غاضباً من الأصوات البهيميّة.
ومع أنّ آل ظلّ عاجزاً عن فهمه كلاماً، فقد بدا أمراً صريحاً بشيءٍ دمويّ.
وعكس ضوء النجوم وهجاً كهرمانيّاً خافتاً من عينَي غرَنتِل وهو يستدير ليواجههم.
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.