Loading chapter…
Loading chapter…
Chapter 112
لم تكن ويكووكِت من محبّي النشاط في الصباح الباكر، ولا سيّما حين يكون الوقت من الناحية التقنيّة لا يزال «ليلاً».
ومع ذلك، كان عليها أن تعترف بأنّ اليوم قد تبيّن أنّه يستحقّ العناء تماماً لما فيه من إثارةٍ وغموض.
مَن كان ذلك الرجل؟ هو مَن نقلنا إلى هنا بالسحر، أليس كذلك؟ وما الذي كان يجري حين أخذت السماء تنير لمّا بدأ ذلك الصوت الغريب يناديني؟ ولماذا بدا ذلك الرجل مندهشاً هكذا لرؤيتنا؟ أكان حقّاً يطلب من غرَنتِل أن يقتلنا؟ ولماذا ظنّ أصلاً أنّ ذلك سينجح؟ وما قصّة كلّ هؤلاء الغوبلن؟ ذلك الرجل أرادهم قتلى هم أيضاً، أليس كذلك؟ يا لكثرة ما يحدث! كأنّها مكافأةٌ على النهوض من الفراش!
أسرعت في إثر رفيق عشيرتها الغُنوليّ نحو صيحات الاستغاثة وضحكات الغوبلن الشرّيرة، عابرةً منطقة الطهي حيث كانت قِدر اليخنة لا تزال تبقبق فوق النار. أمّا طاولة الطعام وأدوات الطبخ في منطقة إعداد الطعام وراءها فكانت في فوضى عارمة: الطاولة مقلوبة، والأوعية وأطباق الطعام مبعثرةٌ على الأرض. وكانت آثار أقدامٍ صغيرةٍ حافيةٍ مطبوعةً في اللفت المهروس متّجهةً صوب الجلبة، إلى ما وراء باب المِخزَن. تسلّل غرَنتِل شبه صامتٍ إلى جانب المدخل المفتوح، ثمّ تمطّى إلى أقصى طوله كي يختلس نظرةً سريعةً إلى داخل الغرفة من الزاوية العليا للمدخل، ثمّ تراجع. وأطلق صوتاً خافتاً بين الهرير والدمدمة صارت ويكووكِت تفهمه على أنّه يعني خطِر، لكن ليس بما يكفي لنخاف منه، فيما لحقت به ووقفت مستندةً إلى الجدار على الجانب الآخر من غرَنتِل. فأجابت بنخيرٍ يُفيد الفهم، ورفعت عَضّاضة سو وخنجرها.
نقل غرَنتِل مِخبَطه إلى اليد التي تحمل الترس كي يتمكّن من فكّ إبزيم طوقه، واتّسعت ابتسامته المتحمّسة حتّى صارت استعراضاً مرعباً للأنياب. ولم تكد ويكووكِت تلحظ أنّ ابتسامتها هي، الأقلّ إخافةً بقدرٍ هامشيّ، كانت تحاكي ابتسامة الغُنول من فرط حماستها، وهي تصغي إلى الأصوات في الغرفة المجاورة: ضحكٌ غوبلنيّ تقطعه أنّاتٌ صغيرةٌ من الجهد، يتزامن مع صراخٍ وتوسّلٍ بشريّين يتّضحان، ثمّ يُكتمان من جديد مع صوت بابٍ يُصفَق بقوّة.
دسّ غرَنتِل طوقه في حزامه، واسودّت عيناه وهو يرفع مِخبَطه من جديد ويقتحم الغرفة بضحكٍ نابحٍ مسعور، وويكووكِت تتبعه عن كثب.
كان حشدٌ صغيرٌ من الغوبلن داخل المِخزَن يقهقهون ويجهدون معاً في محاولة فتح بابٍ أرضيّ عنوةً. ومن خلال الباب الأرضيّ المفتوح جزئيّاً ظهر رجلٌ في منتصف العمر مذعور، متشبّثٌ بمقبضٍ من تحته، يحاول بكلّ ما أوتي من قوّةٍ أن يجذبه ليُغلقه من جديد. ونجح في ذلك أخيراً حين أفلت اثنان من الغوبلن قبضتيهما، إذ هُشِّم أحدهما وتكسّر بمِخبَط غُنول، وأمّا جاره المذهول فقد تقصّف عنقه وكتفه بين فكَّي الغُنول. وأخفق آخرُ منهم في سحب يديه في الوقت المناسب، فأطلق صرخةً مروّعةً حين سُحقت أصابعه وعلقت في الباب الأرضيّ.
أمّا الخمسة الآخرون فأفلتوا في الوقت المناسب وتناولوا أسلحتهم، وبدا أنّ عدداً منها أدواتُ مطبخٍ فاخرةٌ جدّاً. رفع أحدهم ساطوراً ليقطع به الغُنول غير المتوقَّع، في اللحظة نفسها التي خرجت فيها ويكووكِت من خلف غرَنتِل وطعنت الغوبلن فاخترقت صدره. وتراجع آخرُ يحمل سكّيناً لتقطيع الخضار في اللحظة الأخيرة، فحوّل ضربة خنجر ويكووكِت من شقٍّ قاتلٍ عبر الحلق إلى جرحٍ قبيحٍ لكنّه غير مميتٍ عبر وجهه. فزعق ألماً وخوفاً، ثمّ راوغ بخفّةٍ يائسةٍ وانطلق مسرعاً متجاوزاً إيّاهما وهارباً عبر المطبخ.
ألقى الغوبلنان اللذان ظلّا في القتال بنفسيهما على الوحش المسخ الذي ظهر دون سابق إنذارٍ ليفسد عليهما متعتهما، أحدهما يلوّح بمِدقّة لحمٍ ثقيلةٍ من الحديد، والآخر يشقّ الهواء بسكّين تقشيرٍ حادّةٍ حدّةً شرسة. وأيّاً كان الألم الذي كان ينبغي أن يشعر به غرَنتِل من الجرح الطويل السطحيّ عبر وركه، ومن الانبعاجات النازفة في جانب أضلاعه السفلى التي خلّفتها مطرقة دقّ اللحم، فإنّه لم يُبطئ الغُنول في هوسه العنيف المنتشي. وحين رأى الغوبلن الذي يلوّح بالمِدقّة أنّ هذا الشيء الشيطانيّ البهيميّ الذي يهاجمهما لم يكد يلحظ ارتطام مِدقّة اللحم المعدنيّة الشائكة بجنبه، راوغ مبتعداً عن ضربة المِخبَط الوشيكة من غرَنتِل وانطلق نحو الباب في عَدْوٍ متعرّجٍ جامح، لم يتوقّف في طريقه إلّا أدنى لحظةٍ ليخطف الساطور الفاخر الذي أسقطه رفيقه السابق القتيل. وأحبطت تقلّباتُ الغوبلن غير المتوقَّعة في حركته محاولةَ ويكووكِت أن تصيبه بسنّ عَضّاضة سو وهو يفرّ بجانبها. فرّ من المِخزَن، لكنّه على الأقلّ تحلّى باللياقة ففعل ذلك دون صراخٍ مزعجٍ يُذكر.
أمّا آخر غوبلن طليق الحركة فكان من حُسن التقدير بحيث أدرك ورطته، فحاول هو الآخر الفرار، لكنّ ويكووكِت كانت قد بدأت تتبيّن عادات هذه المخلوقات الصغيرة الخبيثة، وكانت مستعدّةً هذه المرّة. فأفلحت في أن تخمّن تخميناً صحيحاً من أيّ جانبٍ من غرَنتِل سيحاول الاندفاع متجاوزاً إيّاه، وتحرّكت لتلاقيه بسيفها الرفيع وخنجرها.
سقط الغوبلن على الأرض يغرغر وفي جسده ثقبان جديدان.
وطوال ذلك العنف الوجيز، كان يطغى على أصوات المِخزَن ثنائيٌّ من الصراخ المذعور: صراخ الغوبلن الذي ظلّت أصابعه عالقةً بإحكامٍ في الباب الأرضيّ، وصراخ الشخص المتشبّث به من تحته وهو يحاول إغلاقه بثقل جسده. ثمّ ازداد صراخ الغوبلن العالق علوّاً على نحوٍ ما، وراح يحاول التملّص بمزيدٍ من الهلع، غير آبهٍ بما سيحلّ بأصابعه، إذ انصرف انتباه الغُنول كلّه إليه.
انتزع الغوبلن نفسه من الباب الأرضيّ تاركاً أصابعه خلفه، فيما دار المِخبَط الثقيل وارتطم بصدر الغوبلن بقوّةٍ كافيةٍ لتمزيق الجسد عن الأصابع. فتوقّف صراخه، وكُتم صراخ مَن كانوا تحت الباب الأرضيّ حين انغلق الباب من جديد.
تأمّلت ويكووكِت بإعجابٍ المجزرة التي أحدثاها للتوّ. لكنّها من أجل قضيّةٍ نبيلة: إنّنا ننقذ الناس من غوبلن أشرار! بطوليّ! فكّرت وهي تبحث عن مزيدٍ من الغوبلن الذين قد يكونون متربّصين.
ولمّا لم يجدا أحداً، أخذ غرَنتِل نفَساً عميقاً، ثمّ أطلقه ببطءٍ مع دمدمةٍ متذمّرة. وعاد بؤبؤا عينيه إلى حجمهما المعتاد، فأعاد ترسه إلى كتفه، وعلّق مِخبَطه من جديدٍ على الخطّاف في حزامه، وأحكم إبزيم طوقه حول عنقه مرّةً أخرى.
حاولت ويكووكِت أن ترفع الباب الأرضيّ، لكنّه لم يتزحزح.
«مرحباً، أظنّ أنّنا قضينا عليهم جميعاً هنا في الأعلى، هل أنتم جميعاً سالمون هناك في الأسفل؟» استسلمت أخيراً وصاحت بالباب. ولعلّ صياح الناس في الأسفل حال دون سماعهم إيّاها.
فأمسك غرَنتِل، متطوّعاً للمساعدة، بالحلقة المثبّتة في الباب الأرضيّ وجذبه إلى الأعلى بعنف، فأفزع الرجلَ الصارخ المتدلّي من أسفله. وانحنى غرَنتِل لينظر. فازداد صراخ الرجل علوّاً لحظةً قبل أن ينقطع، إذ انقلبت عيناه إلى الوراء وتراخى جسده، فأفلت الباب الأرضيّ وسقط على الأرض. ونادت صرخةُ شخصٍ آخر من القَبْو في الأسفل.
«سيدريك! ما الذي حدث؟ سيدريك! استيقظ!»
«مرحباً، أظنّ أنّ صديقي الضخم أفزعه فحسب، ولعلّه بخير»، نادت ويكووكِت نحو الأسفل وهي تنحني لتنظر. كانت ترى ثلاثة أشخاصٍ على الأقلّ يرتدون مآزر المطبخ في الأسفل، متحلّقين حول جسد سيدريك المتراخي. «هل الجميع بخير هناك في الأسفل؟»
«بخيرٍ قدر ما يمكن أن نكون بعد أن اقتحم المكانَ هؤلاء الأوغاد الخُضر الصغار القتلة، يسرقون ويُتلفون الأشياء ويحاولون قتلنا. هل رحلوا؟»
«نظنّ ذلك، لكن علينا أن نذهب لنتفقّد الطابق العلويّ، فأصدقاؤنا هناك يبحثون عن بقيّة الغوبلن. لا تقلقوا، نحن أبطالٌ مغامرون غامضون، وسنتخلّص منهم!»
«شكراً لكم»، نادى صوتٌ آخر أيضاً لشخصٍ مختبئٍ في القَبْو. «ومَن أنتم على أيّ حال؟»
«نحن...»
دوّى انفجارٌ عالٍ في مكانٍ ما في الطابق العلويّ فاهتزّت له الجدران والأرضيّة، وتساقط الغبار من السقف. رفع غرَنتِل بصره، ثمّ عاد خبَباً عبر المطبخ.
«خيرٌ لنا أن نذهب لنتفقّد ذلك! يمكنكم أن تسمّونا رِفقة الغُنول! ربّما يحسن بكم أن تبقوا هناك في الأسفل بعض الوقت تحسّباً لوجود المزيد منهم يتسلّلون في الأرجاء، لكنّي واثقةٌ من أنّنا سنتخلّص من آخرهم بطريقةٍ أو بأخرى سريعاً جدّاً! فنحن محترفون! وداعاً أيّها العاملون الشجعان في المطبخ، عسى أن نلتقي جميعاً مجدّداً في ظروفٍ أفضل!»
أسرعت بأقصى ما استطاعت ساقاها الغنوميّتان القصيرتان أن تحملاها في إثر غرَنتِل. وكاد آل وبوته يصطدمان بهما عند أسفل الدرج وهما ينزلان.
«هل قضيتما عليهم جميعاً؟» سألت ويكووكِت بحماسة.
«أظنّهم رحلوا جميعاً بطريقةٍ أو بأخرى، لكنّي سمعتُ المرأة التي قابلناها هناك في الأعلى تُطلق جهازاً آخر من الأجهزة التي كانت معها، فلعلّها وجدت واحداً آخر بعد أن غادرنا. أمّا مَن بقوا أحياءً ممّن عرفنا بهم فكانوا جميعاً يحاولون الفرار من نافذةٍ في الغرفة الواقعة في الركن البعيد هناك في الأعلى.»
«هل نصعد ونساعدها في البحث عن المزيد؟» سألت ويكووكِت. «ثمّ لعلّنا ينبغي أن نتجوّل ونعرّف الناس بأنفسنا!»
«لا أدري، يبدو لي أنّ الوقوف قرب شخصٍ مستعدٍّ لأن يشير بمدافع صغيرةٍ محمولةٍ باليد ويصوّبها وهي في يديه قد يكون خطِراً على الجميع. ولستُ متأكّداً كذلك من أنّه ينبغي لنا أن نعرّف بأنفسنا، فنحن لا نعرف حتّى أين نحن بعد، ولا أدري إن كانت فكرةً حسنةً أن نحاول شرح كيف وصلنا إلى هنا وما الذي حلّ بالرجل المجنون الذي جلبتنا طقوسُ استحضاره إلى هنا. ليتني أعرف ما الذي كان يدبّره، لكنّه الآن ميّت، وقد لا نعرف أبداً.»
«وكيف سنصبح مشهورين ونافذين ما لم يتعرّف الناس إلينا؟»
«لكلا النهجين وجاهته»، اقترح بوته. «فبعد أن أنقذنا للتوّ عدداً من الناس من غارةٍ للغوبلن، قد يكون من المجدي أن نتحدّث إلى أهل المكان ولعلّنا نظفر بفكرةٍ عن المكان الذي نحن فيه. ومن ناحيةٍ أخرى، قد يكون من الصعب تفسير وجود غُنولٍ فعليٍّ حقيقيّ، والحالِ الممزّقة الدامية للرجل الذي يبدو أنّه كان المسؤول عن جلبنا إلى هنا. أظنّ أنّ علينا أن نحتكم إلى قائدنا في اتّخاذ هذا القرار.»
ابتسم بوته عبر لحيته ابتسامةً تكشف لمحةً من خبثٍ طيّب السريرة.
«ولماذا عليّ أنا أن أكون القائد أصلاً؟» تذمّر آل.
«لأنّك لم ترفض في الوقت المناسب، والآن قد فات الأوان.»
← advances · → goes back (RTL reading)
Discussion
Join the discussionانضمّ إلى النقاش
Sign in to comment and upvote.سجّل الدخول للتعليق والتصويت.